Saturday, June 23, 2012

قراءة في النتائج غير الرسمية لانتخابات الاعادة الرئاسية


أنا باكتب السطور دي عشية اعلان نتيجة جولة الاعادة في الانتخابات الرئاسية. وزي ما حاحاول اعمل قراءة سريعة للنتائج الاولية, حاطرح برضه تصور لما اعتقد انه ممكن يكون خريطة طريق للمرحلة القادمة. بس علشان الكلام يكون متسلسل, حابتدي بمراجعة سريعة لماسبق من أحداث, في شكل نقاط سريعة, محاولا قدر الامكان مراعاة ربط كل نقطة بمقال تفصيلي سبق نشره علي المدونة دي, بيوضح النقطة بشكل اكبر للي عايز المزيد من التفاصيل.

ازاي وصلنا للوضع الراهن؟

ثورة 25 يناير كانت محصلة لسنين طويلة من الكبت تحت حكم مبارك, زائد مجموعة متنوعة من العوامل المباشرة, اللي كانت بمثابة الفتيل اللي أشعلها, أو القشة اللي قسمت ظهر البعير. من أول التزوير السافر لانتخابات 2010و لخالد سعيد, للحراك السياسي المستمر من اول 2005 علي يد جماعات يسارية وقومية زي كفاية و6 ابريل, وانتهاءا بثورة تونس, اللي ألهبت حماس النشطاء في مصر, ودفعتهم لمحاولة القيام بشيئ مماثل.   

دور النشطاء دول كان منحصر زي ماقلنا في كونهم عامل محفز, الهب التفاعل الشعبي, اللي نزلت جموعه بأعداد غفيرة للشوارع, مذكرة بمشهد انطلاق العصفور اللي اتفتحله باب القفص في فيلم يوسف شاهين المشهور. والجماهير دي هيا اللي عملت الثورة الحقيقية, من اول كسر شوكة الامن المركزي, لحرق الاقسام, لبتر اليد الطويلة لجهاز مبارك الامني يوم 28 يناير. المفروض علي النشطاء في الايام دي, كان انهم يحفزوا الجماهير للاستمرار في النضال حتي اسقاط النظام برمته فقط, وليس التخلص من رأسه فقط, اللي ممكن يتم استبدالها بكل سهولة, وماينخدعوش بتملق المجلس العسكري, ومحاولته الظهور بمظهر المخلص والحامي للثورة, للاسباب اللي وضحتها ووضحها غيري في حينه. لكن مع الاسف كلامنا ذهب ادراج الرياح, واالنشطاء ذوي الثقل المؤثر حطوا كل ثقتهم في المجلس العسكري في ذلك الوقت وانفض المولد. وبانفضاضه اتغيرت الي الابد طبيعة الصراع من ثورة عارمة, الغلبة فيها للاقدر علي اثارة الجماهير, الي عمل سياسي طويل المدي بطيئ المفعول ضد النظام اللي ما سقطش, وان كانت راسه اتقطعت.

بالرغم من ان اتجاهات معظم الثوار و النشطاء اللي أشعلوا فتيل الثورة كانت اتجاهات علمانية, سواء كانوا يساريين او قوميين او ليبراليين, وبالرغم من ان دخول الاسلاميين علي الخط ما جاش غير متأخر نسبيا, (وان كان بشكل مفيد ومؤثر من خلال موقعة الجمل), الا ان الاية اتقلبت بعد رجوع الجماهير لبيوتها, واصبح الاسلاميين في الصدارة, لانهم هما القوة اللي تمكنت من التواصل مع الجماهير بشكل مؤثر خلال الاربعين سنة السابقة, وبنت قواعد راسخة في صفوفها يمكن حشدها للتصويت او التظاهر عند اللزوم. وبما ان القوي العلمانية المشار اليها في النقطة السابقة لم تكن لها نفس القاعدة الجماهيرية (لفشلها في بناء قاعدة شعبية علي عكس الاسلاميين), فقد تراجع تأثير هذه القوي الثورية بشكل ملموس في كل اختبارات الشعبية التالية تقريبا. ابتداءا من الاستفتاء علي الاعلان الدستوري, للانتخابات البرلمانية, للمليونيات المتكررة التي لم تكلل بالنجاح لتحقيق أهداف ثورية مختلفة, بينما ظهر جليا أن الاسلاميين (وتحديدا الاخوان) هم المحرك الاساسي للعبة السياسية مع النظام.

وعلي عكس السلفيين (بشقيهم العلمي والجهادي), اللي تم اختراق قيادتهم من قبل المباحث والمخابرات بشكل جعل اشتراك قواعدهم المعماة في العملية السياسية مضر اكتر منه مفيد, ظهر واضحا من خلال ممارسات السنة ونص اللي فاتوا, ما سبق وأوضحته من قبل من أن الاخوان تنظيم رسالي يهدف الي بناء دولة ناهضة قوية و تكون نواة لخلافة اسلامية. صحيح ان ده بيكون عن طريق وسائل اصلاحية غير ثورية في الأغلب (بناء الفرد المسلم ثم الاسرة المسلمة الخ), الا ان الهدف النهائي بيضع جماعة الاخوان بوضوح في مصاف القوي الوطنية وليس في مصاف الثورة المضادة. وصحيح ان الهدف النهائي ده يختلف جذريا عن أهداف اليسار او الليبراليين مثلا, مما يجعل افتراض وحدة الصف والطريق مع الاخوان بهدف ازاحة النظام أمرا غير مفروغ منه, الا ان ده لا يزال الطريق الوحيد المتاح لأي ثائر علماني راغب في ازاحة النظام بسرعة, لانعدام القاعدة الجماهيرية اللازمة للقيام بثورة بروليتارية مثلا في حالة اليسار في الوقت الراهن. و قس علي ذلك في حالة القوميين, أو الليبراليين.

في الجهة المقابلة تبلورت قوي الثورة المضادة في المؤسسة العسكرية, وراس المال الفاسد, وأجهزة الدولة السيادية. وظهر واضحا من أحداث العام المنصرم انه بينما ستكون المعركة الاطول والاصعب مع الاجهزة السيادية من أمن دولة ومخابرات وحزب وطني وقضاء فاسد.. الخ. لأنه صعب اقتلاعهم لكثرتهم وتغلغلهم, الا ان الجيش ظل هو الأشرس, والاكثر صراحة في المواجهة, وفي سفك الدماء طول الفترة اللي فاتت من بورسعيد لمحمد محمود للعباسية. وده لانه في تقييمنا بيقف وحيدا دون دعم حقيقي من الخارج, أو من الضلعين التانيين للثورة المضادة, اللي تحالفه معهم تحالف مصالح, وليس تحالف وجودي, عشان كده بيحارب بمنتهي الشراسة عن مكتسباته اللي اغتصبها عن طريق الاستيلاء علي الحكم في مصر قبل اكتر من 60 سنة, ولا يتورع في سبيل الاستمرار في هذه السيادة عن سلوك أكثر السبل دموية, شأنه في ذلك شأن الجيوش الاخري عبر التاريخ.

وخلصنا من ذلك الي ان الجيش لن يسلم السلطة طواعية في نهاية شهر يونيو القادم, الا اذا ارغم علي ذلك, وانه ان فعل وسلمها فيا اما حيكون تسليم صوري لرئيس منزوع الصلاحيات, يا أما حيسلمها لرئيس عسكري. وبالتالي مفيش قدام القوي الوطنية غير اعادة اشعال الثورة من جديد (وده مستحيل لأن طبيعة الثورات انها تلقائية, ولا يمكن التحكم فيها او التخطيط لها), أو محاولة بناء تحالف وطني قوي, يصعد الضغط السياسي علي قوي الثورة المضادة,  وصولا الي استسلام الاخيرة, أو اعادة اشتعال الثورة مرة اخري نتيجة للدفع والدفع المضاد.

وفي اثناء السنة ونص اللي فاتوا, فشلت القوي الوطنية في بناء جبهة موحدة امام قوي الثورة المضادة وعلي راسها الجيش. فالاخوان من ناحية, كانوا حاسين بتقلهم علي الارض, وحبوا يحصدوا معظم ثمار العمل القاعدي المشار اليه خلال الاربعين سنة المنصرمة, فانتهجوا نهج اقصائي للقوي الثورية, استحواذي علي الحق في قيادة وتوجيه دفة القوي الوطنية. وظهر ده جليا في تشكيلة لجنة وضع الدستور, والبرلمان, ودفعهم بمرشح لرئاسة الجمهوريةو بعد ما كانوا وعدوا انهم مش حيعملوا كده. ومن جهة اخري, فشلت القوي الثورية في قراءة الواقع بشكل صحيح, من حيث انه زخمها الثوري انتهي مع انصراف الجماهير لمنازلها, ولم يبقي امامها الا ان ترضي بالمقعد الخلفي في السيارة الوطنية التي يقودها الاخوان. فبالغوا في مطالبهم بحصص, وبشروط لا تعكس وزنهم الحقيقي علي الارض. ونتيجة لهذا الاختلاف نجح المجلس في انه يدق اسفين بين الثوار والاخوان, علي امل تسديد الضربة القاضية للثورة.

و بلغ نجاح المجلس في دق الاسفين المشار اليه بين الثوار والاخوان ذروته عند اغلاق باب الترشيح لانتخابات الرئاسة. فبعد اضطراره للتوقيع علي قانون الانتخابات الجديد, اللي اصدره مجلس الشعب الجديد اللي بيسيطر عليه الاخوان, واللي بيخلي التزوير علي طريقة النبوي اسماعيل مستحيل (لأن الفرز بيتم في اللجان الفرعية في حضور مندوبين للمرشحين), تمكن من تقسيم معسكر القوي الوطنية الي ثلاثة اقسام: القسم الاول مقاطع للانتخابات برمتها, سواء لأنه فعلا غاضب من الاخوان وغير مصدق لامكان حدوث تغيير حقيقي عن طريق صندوق الاقتراع, او لأنه مغرض وراغب في تثبيط الجماهير وثنيها عن الذهاب للانتخاب, بهدف تعظيم فرص مرشحي الفلول. القسم الثاني مكون من مؤيدي مرشحين لا توجد لديهم فرصة حقيقية في الفوز كخالد علي ذو الشعبية المنعدمة اصلا, او حمدين صباحي وعبد المنعم أبو الفتوح, الذين توجد لديهما بعض الشعبية, ولكنها قلت جدا مع نزول الاخوان بماكينتهم الانتخابية الرهيبة خلف محمد مرسي. القسم الثالث يتمثل في المؤيدين التقليديين للاخوان, الذين غالبا ما يصوتون للمرشح الرسمي للجماعة. وقد قلت فرصتهم أيضا بسبب تفتيت ابو الفتوح لكتلة مرسي من ناحية, وانفضاض باقي المصوتين عن مرشح الاخوان, لاحساسهم انه يمثل الاستقطابية والمغالبة. وبهذا تمكنت طرق التزوير اللطيفة (بعكس الفجة المتمثلة في تزوير الارقام كما في الماضي) من تصعيد مرشح الثورة المضادة شفيق لجولة الاعادة, امام المرشح الاخواني ذو الفرصة الضعيفة مرسي, الذي غدا أمله متمثلا في كسب تاييد ابو الفتوح وصباحي من ناحية, وتوجيه خطاب انتخابي قوي من ناحية أخري, يضمن كسب اصوات الثوار العلمانيين, دون الانتقاص من فرصته في الحصول علي أصوات الاسلاميين.

ماذا حدث في جولة الاعادة؟

في الفترة الممتدة من اعلان نتائج الجولة الاولي الي يوم التصويت في جولة الاعادة, فشل مرسي في الحصول علي دعم صباحي, او البرادعي, بينما أيده أبو الفتوح علي استحياء, وفي اللحظات الاخيرة غير المؤثرة. كما لم يغير مرسي من خطابه "التصالحي" الهادف الي ارضاء جميع الاطراف بما فيها العسكر, بينما كثف من اعتماده علي القوي الاسلامية المحافظة التي تقف علي يمين الاخوان, كالسلفيين والجماعة الاسلامية. أما علي الجانب الاخر فقد ألقت قوي الثورة المضادة بكل ثقلها خلف شفيق ولم تدخر مالا أو نفوذا الا كرسته لخدمة حملته, من رشاوي انتخابية, الي دفع المجندين و"المتوفين" الي التصويت! مما حدا بكثير من رجال الاعمال المنتفعين من بقاء النظام الي التصريح في جلساتهم الخاصة انهم مطمئنون الي فوز شفيق بمالا يقل عن ثلاثة ملايين صوت.

وفي يومي التصويت وليلتيهما, ظهر جليا ما أشرنا اليه آنفا, من ان الصراع الحقيقي, انما هو بين النظام القديم الجديد, بآلته الانتخابية التي صممها كمال الشاذلي, وطورها أحمد عز, والمدعمة بالأجهزة الامنية والتنفيذية للنظام النتغلغلة في القري والنجوع من جهة, وبين الاخوان بخبراتهم المكتسبة عبر عشرات السنين, مذ نبذوا العنف, واختاروا طريق السياسة والاصلاح المتدرج عندما أخرجهم السادات من المعتقلات. وأكاد أجزم أن أيا من المرشحين الاخرين ما كان ليحصل علي نصف الاصوات التي حصدها مرسي. فالمسألة ليست فقط اقتناعا او تفضيلا لمرشح ما بين اوساط المثقفين في القاهرة او الاسكندرية, وانما هي بالاساس قدرة علي الحشد لاصوات الكتلة الجماهيرية الاكبر في الريف والصعيد. ولا يقدر علي ذلك –حتي الان- سوي الحزب الوطني و الاخوان.

والي جانب بعد نظر الاخوان في تقدير حجم الاصوات التي يمكنهم حصدها, وبالتالي اصرارهم علي الدفع بمرسي, ورفضهم المستمر لمطالب المرشحين الاخرين بسحبه احتجاجا علي حل مجلس الشعب, او رفض لجنة الانتخابات عزل شفيق, فانهم قد أظهروا براعة منقطعة النظير في الادارة الاعلامية للحملة. ففي ظل الغياب الكامل للتغطية المتصلة, التي عادة ماتقوم بها الشبكات الاخبارية للنتائج الجزئية اولا بأول (كما هو المعتاد في الخارج) كانت حملة مرسي هي المصدر الوحيد للنتائج الاولية التي توالت وتراكمت, حتي اذا ما وصلت الي نقطة الحسم (عندما لم تعد تجدي الاصوات المتبقية في تغيير النتيجة) خرجت الحملة لتعلن فوز مرسي, وخرج هو ليلقي خطبة الفوز. , من الغريب ان كتير من القوي (اللي المفروض انها صديقة للاخوان) استنكرت او استغربت اللي عملته الجماعة ده. مع انه زي ماقلنا هوه المعمول بيه في الخارج. وفي حالتنا بالذات في مصر, اكتسب أهمية اضافية, لانه كان من الضروري توجيه ضربة استباقية للمجلس العسكري, اللي أكيد انه اتطصدم من النتيجة, وحيسعي لتزويرها. فالصمت في الحالة دي مضر جدا, لأنه بيدي للخصم –اللي هوا الحكم في نفس الوقت- الفرصة انه يطبخ علي نار هادية, ويطلع النتيجة زي ماهوه عايز. عشان كده الاعلان عن الارقام, وخروج مرسي ببيان النصر, ومن ثم نشر الصور الزنكوغرافية لمحاضر الفرز الموقعة من القضاة, و الترويج لنتائج لجنة قضاة من أجل مصر الانتخابية الموازية, كانت كلها ضربات معلم من جماعة الاخوان, افقدت المجلس العسكري توازنه, واضطرته الي تأجيل الاعلان عن النتيجة, بعد أن ظهر جليا لديه ان الفوز طبقا لاستراتيجية "فرق تسد" في الجولة الاولي ما نفعش, وكمان اللعب في الارقام مش نافع بسبب اعلان الاخوان عنها علي الملأ.

وطبعا كما تملي علوم الدراسات الاستراتيجية, هناك دائما الخطة (ب) اذا ما فشلت الخطة (أ). وفي حالتنا اليوم, كانت الخطة (أ) متمثلة في نجاح رئيس عسكري يستمر بسيطرة العسكر علي مصر الي مالا نهاية. فلما بدأت تلوح في الافق علامات فشل هذه الخطة, بسبب اتقان الاخوان للعبة السياسة, وذهابهم مع العسكر لأبعد مدي في المناورات السياسية, و خروجهم رابحين لكلا من البرلمان و قصر العروبة علي عكس ما كان المجلس يشتهي او يتوقع, أخرج الاخير الخطة (ب) من الدرج, متمثلة في تقليم أظافر الرئيس الاخواني المنتظر, وتكبيله باعلان دستوري مكمل, صدر في غيبة مجلس الشعب الذي اوصت المحكمة الدستورية بحله قبل الانتخابات بايام. و الخطة المذكورة من شأنها ان تجعل من الرئيس الجديد خيال مآتة, لا يملك من امره شيئا, و يستمر بسيادة الجيش وتسلطه علي مصر حتي اشعار أخر.

أما أو

حتي موعد كتابة هذه السطور, لم تعلن النتيجة النهائية للانتخابات في مصر, وان كانت الشائعات تشير الي احتمال اعلانها خلال يوم أو يومين علي الاكثر. وقد سرت الاخبار بفشل المفاوضات بين العسكر والاخوان للوصول الي مخرج من الازمة الحالية. و لا يتصور ان يخرج قرار لجنة الانتخابات عن فوز مرسي, او فوز شفيق, او اعادة الانتخابات برمتها. وفي غضون ذلك, احتشد مئات الالاف من الاخوان ومؤيديهم في ميدان التحرير وغيره, انتظارا لصدور النتيجة, وتحسبا لأي محاولة للتزوير من قبل لجنة الانتخابات, ومطالبة بالغاء الاعلان الدستوري المكمل, والحكم بحل مجلس الشعب. والسؤال المطروح الآن هو: ما العمل؟

أولا ينبغي علي القوي الثورية العلمانية ان تحسم خيارها فيما يتعلق بالاصطفاف خلف قيادة الاخوان او عدمه. والقرار وجودي, و شخصي في ذات الوقت. فأنا لا استطيع أن ألوم أو انتقد مثلا يساريا او ليبراليا, يري ان الهوة الفكرية بينه وبين الاخوان لا تعبر, ويقرر بناء علي ذلك الوقوف علي الحياد بصدد الصراع الدائر بين العسكر والاخوان. الا انه ينبغي عليه في نفس الوقت أن يدرك تبعات خياره هذا. وهي تتمثل في استمرار حكم نظام مبارك الاستبدادي القمعي التابع الي ما لانهاية. اذ لا توجد أي قواعد جماهيرية عمالية تصلح لقيام ثورة بروليتارية بالمعني المعروف (اذا كان الثائر المشار اليه يساريا), كما لا توجد قاعدة قوية للبورجوازيين والمثقفين الوطنيين تصلح قاعدة لثورة الطبقة المتوسطة كالثورة الفرنسية مثلا (اذا كان الثائر المشار اليه ليبراليا). , وعلي ذلك يكون القرار بالوقوف علي الحياد قرارا بالتصويت لاستمرار نظام مبارك, والتسليم بأفضليته علي النظام المفترض للاخوان. وطبعا يمكن للانسان اذا مااختار هذا الطريقة, ان يلهي نفسه بالانغماس في الثقافة او الفكر او الفن, وغيرها من المتع العقلية الصرفة, وان يعزي نفسه بأن الخيارات المطروحة علي الساحة غير صالحة. ولكن ينبغي عليه أن يعلم أن الواقع غالبا ما يطرح خيارات غير مرضية بالكلية, وان فن الحياة يتطلب التأقلم مع الموجود, والكفاح من أجل تحويل وضع سيئ الي وضع اقل سوءا, أو وضع حسن الي وضع أكثر حسنا. وقديما قال الشاعر: ان البطولة أن تموت من الظما, ليس البطولة أن تعب الماء. فالمجاهد الذي يبذل وقته وفكره لايجاد حل للمشكلة –وان قاده ذلك الي الخطأ او الهلاك- أفضل الف مرة من القاعد عن المشاركة, المتعلل بفساد الخيارات المطروحة, وانعدام جدوي العمل.

ثانيا يجب علي الاخوان –ومن حالفهم من القوي الثورية الاخري- ان يفهموا طبيعة خصمهم المباشر (المجلس العسكري) والغير مباشر (رأس المال الفاسد + أجهزة الدولة السيادية). لازم يفهموا ان التلاتة دول مش حاجة واحدة, وانه زي ما المجلس ضرب –ومازال بيحاول يضرب- اسافين بين الاخوان والقوي الثورية, هما كمان ممكن يضربوا اسافين بين أضلاع مثلث الثورة المضادة ده. واللي يخلي ده ممكن هو فهم دوافع كل طرف منهم, وقد ايه هيا مختلفة, ومن ثم استثمار الخلاف ده للتوقيع بينهم. المجلس بتربطه بالطرف الأول مصالح البيزنس والفلوس, وده غير مهدد في ظل نظام اخواني منتظر, غالبا ما حيستمر في انتهاج سياسات اقتصادية منفتحة. صحيح ان السرقة والتهليب من غير حساب حيتوقفوا, لكن يا روح ما بعدك روح, وكبار الضباط أكيد سرقوا بما فيه الكفاية وهربوا فلوسهم بره, بحيث ان الانقطاع الاضطراري لهذه الرابطة مش حيئذيهم كتير. أما من ناحية رأس المال الفاسد, فده برضه ممكن يأقلم أوضاعه في ظل ادارة اخوانية, وان كانت مكاسبه الخرافية حتتأثر شوية. الضلع التاني هو المشكلة. لأنه الدافع الاساسي للثورة المضادة, من حيث انه ما عندوش رأس مال ضخم قادر علي التأقلم زي الضلع الاول, ولا عنده وظائف محترمة ثابتة زي الجيش. دول شوية مرتزقة نصابين, رزقهم كله جاي من فرض الاتاوات والبلطجة (في حالة الشرطة), او الايقاع بين الناس (في حالة امن الدولة), او التجسس عليهم (في حالة المخابرات). فاذا اضفت اليهم العمد وشيوخ البلد واعضاء المجالس المحلية بتوع الحزب الوطني والمحافظين ورؤساء الجامعات الخ, حتلاقي لستة طويلة من الاشخاص اللي غالبا حيتشنقوا, او حيترموا في السجن بقية سنين حياتهم, وفي كل الاحيان حتتخرب بيوتهم. عشان كده هما دول المحرك الاساسي للثورة المضادة, وان كان الجيش هوه الاشرس, والاظهر في الصورة. الجيش بين قبل كده انه بيؤمن بالمثل القائل "ان جالك الطوفان, حط ابنك تحت رجليك" بدليل انه حط مبارك وكل الحرس الجديد من الحزب الوطني في السجن فورا بعد الثورة, وبعدين تبعهم بكثير من رجالات الحرس القديم. بتكثيف الضغط يمكن فصم عري هذا التحالف, وجعل الجيش يضحي بالضلع الثاني للثورة المضادة. أما من ناحية الضلع الثاني نفسه, فهو ينظر للجيش كمجرد قوة غاشمة تنفذ له ما يريد, واذا أحس بانها بغشوميتها حتفسد ديمومته في ثنايا الدولة العميقة, حيكون اول المطالبين بحكم مدني.

ثالثا: فيه وسائل كثيرة لدق الاسافين دي بين أطراف الثورة المضادة, ولكن ابرزها هو تصعيد العصيان المدني, بعد ان يكون مرسي قد حلف اليمين في التحرير أمام جلسة مفتوحة لمجلس الشعب الشرعي هناك. وهدف العصيان المدني –الذي لن ينجح الا اذا شارك فيه الجميع- هو تهديد الضلع الاول (رأس المال الفاسد) في مقتل, والضلع الثالث (باحتمال ضياع سيطرتهم علي البلد كلها اذا استمر العصيان) بهدف التخلي عن الضلع الثاني. ولن يكون ذلك ممكنا الا عن طريق ترك باب الامان والتراجع مواربا امام الضلع الاول (عن طريق ارسال الرسائل التطمينية ببقاء النظام الاقتصادي كما هو وعدم اعتزام النظام الجديد مصادرة الاموال), وأمام الضلع الثالث ( عن طريق الوعد بالحصانة ضد اي مسائلة قانونية, والخروج الامن لمن اراد). وطبعا انا ادرك ان بعض الثوار لن يروقهم هذا الكلام, وسيعتبرونه تفريطا في مطالب الثوار, ودماء الشهداء. الا ان أي مصالحة وطنية تتطلب بعض التنازلات لكي تنجح. والقضاء علي نظام مبارك البوليسي المباحثي المخابراتي يجب ان يبقي الهدف الرئيس للثورة. وبعده يسهل تقليم أظافر الضلعين الاخرين.

خاتمة:

وفي النهاية يجب ملاحظة ان الوضع الحالي افضل بكتير من 11 فبراير 2011. يوميها ما كانش فيه مطلب واضح للثورة غير اسقاط مبارك واقامة دولة ديموقراطية. فالمجلس ما صدق انه سمع الكلام ده من الناس و قدملهم شوية كباش فداء مالهاش قيمة, ووعد بانه يقيم دولة ديمقراطية من خلال جدول زمني مطاطي مابيلتزمش بيه من ساعتها. عشان كده كانت مهمة القلائل مننا اللي كان عندهم بعد نظر وشايفين خيانة المجلس العسكري واضحة قدام عينيهم زي الشمس, انهم يقنعوا اخوانهم صعبة جدا. لأن المجلس كان في الظاهر مع الثورة, وبينفذ كل اللي الثوار عايزينه, وما بيضربش الاسافين غير من تحت لتحت. لكن دلوقتي المطالب واضحة: ادي الجمل وادي الجمال. تسليم السلطة للرئيس المنتخب ومجلس الشعب المنتخب في خلال اسبوع. وأظن مفيش اوضح ولا اسهل من كده. واللي مش عايز يفهم او لسه شايف المجلس وطني وكويس بعد كل اللي حصل يبقي يا مجنون, يا خاين رسمي. يعني بالبلدي الحشد والاصطفاف الوطني المفروض يكونوا دلوقتي اسهل مش اصعب

وفي النهاية أحب اوجه كلمة أخيرة للاخوة الثوار, اللي عاشوا حياتهم كلها عشان اللحظة دي, لحظة سقوط نظام مبارك: ما تخلوش طموحكم الشخصي المحبط, و غيرتكم من الاخوان, عشان هما نجحوا فيما فشلتم انتوا فيه عبر السنين, الا وهو التواصل مع الجماهير, يقف في طريق تحقيقكم للهدف اللي عشتم كل حياتكم عشان تشوفوه بيتحقق.


روي الامام أحمد: "كان لنا جار من يهود في بني عبد الأشهل قال فخرج علينا يوما من بيته قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم بيسير فوقف على مجلس عبد الأشهل قال سلمة وأنا يومئذ أحدث من فيه سنا على بردة مضطجعا فيها بفناء أهلي فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت فقالوا له ويحك يا فلان ترى هذا كائنا أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم قال نعم والذي يحلف به لود أحدكم أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبق به عليه وأن ينجو من تلك النار غدا قالوا له ويحك وما آية ذلك قال نبي يبعث من نحو هذه البلاد, نتبعه معشر يهود, و نقتلكم معه قتل عاد و إرم وأشار بيده نحو مكة واليمن قالوا ومتى تراه خارجا؟ قال فنظر إلي وأنا من أحدثهم سنا فقال إن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه. قال سلمة فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم وهو حي بين أظهرنا فآمنا به وكفر به بغيا وحسدا فقلنا ويلك يا فلان ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت قال بلى ولكن ليس به"

 
      
     
     

No comments:

Post a Comment