Wednesday, May 30, 2012

شخصيات تويترية: أحمد سعيد أو الرسم بالظل




عرفت أحمد سعيد لأول مرة من خلال مدونة نوارة نجم ايام ثورة يناير. في الوقت ده كنت متعطش أعرف أخبار جديدة, ومش صابر علي المواقع العادية اللي ما بتتجددش غير كل حين ومين. وبما اني كنت من المعجبين بشجاعة نوارة في الحق وأسلوبها الساخر المتميز, فكان طبيعي أني اروح لجبهة التهييس كذا مرة في اليوم بحثا عن الجديد. وفي البداية كل شيئ كان ماشي علي مايرام, لكن لما الوقفة طولت والجيش نشر قواته ابتدت تختلف الاراء بشأن اللي المفروض يتعمل. فيه اراء كانت بتقول (ومنهم نوارة نفسها) ان سلمية الثورة هيه ضمان نجاحها, وان الجيش في النهاية حينحاز للشعب, وبالتالي مفيش أي معني لمهاجمته, او محاولة تخوين قياداته وده كان راي الاغلبية.

أقلية من المعلقين, وكان من بينهم احمد سعيد, كانوا شايفين ان قيادات الجيش اللي استفادت من نظام مبارك لمدة 30 سنة هيه جزء لا يتجزأ من النظام وبالتالي مش من المنطقي تصور انها فجأة حتقلب عليه ويصحا ضميرها وتنضم للجماهير بين يوم وليلة. المهم في الموضوع ان أحمد سعيد ماكانش متفرد بالراي ده لوحده. الحقيقة ان كان فيه عدد لاباس بيه من المعلقين شايفين نفس الصورة, وان اختلفت طريقة تعبيرهم. أنا شخصيا بعد تردد قررت اني ابتدي ابعت لنوارة تعليقات اوضح فيها وجهة النظر دي في نفس شهر فبراير اللي مشي فيه مبارك. واللي عنده وقت يرجع لأول 13 بوست في المدونة دي حيلاقيهم نقل حرفي للمساهمات اللي كنت بابعتها لنوارة باقولها نفس الشيئ. لكن نوارة كانت مقتنعة ان معظم اللي بيطالبوا باستخدام القوة مع الجيش عملاء لأمن الدولة هدفهم التعرف علي ذوي الافكار المشابهة بهدف القبض عليهم (نظرية المغناطيس), وان قيادة الجيش فعلا مخلصة.  وبالتالي وقعت دعوات استمرار الوجود في الشوارع والتصعيد مع المجلس اللي كان أحمد سعيد وانا وكثيرين غيرنا بيدعوا اليها علي اذان صماء عندها.

لكن في نفس الوقت اللي كنت ابتديت اكتب تعليقات لنوارة كنت باحاول أدور اذا كان حد من الاخرين اللي بيكتبوا تعليقات عنده مدونة خاصة بيه. وكم كانت سعادتي لما اكتشفت ان أحمد سعيد عنده هوه راخر مدونة (عنبر العقلاء) بيكتب فيها مقالات مطولة وتحليلات تفصيلية تعرض رؤيته للأحداث. وابتديت اتابع بشغف كل اللي بيكتبه وطلعت بعدة انطباعات سريعة قلتله علي بعضها أول ماتعرفت عليه علي تويتر فيما بعد, وشفت انه مش من المناسب اني اواجهه بالباقي فسمحت لنفسي اني اتناقش فيه مع بعض الزملاء الاخرين في محادثات خاصة أو احتفظت ببعضه لنفسي.

أول ملاحظة لفتت نظري, كانت كثافة المعلومات العسكرية, اللي يبتكلم فيها عن وحدات وتسليحات كتائب وسرايا مختلفة في الجيش, بشكل يستحيل معاه يكون ماعندوش خلفية عسكرية. تاني ملاحظة كانت انه ملوش فكر ايديولوجي محدد, و او علي الاقل فكره مشوش, لانه بيبدي آراء بالاعجاب او الامتعاض من شخصيات مفيش بينها أي قاسم مشترك أعظم الا انها شخصيات تتسم بالشجاعة وتميل الي المواجهة وعدم المراوغة. لكن غير كده كلها شخصيات متناقضة (وبرضه اللي متابعني علي تويتر او بيقرا مقالاتي علي المدونة حيلاقيني ابديت الملاحظة دي مرتين قبل كده علي الاقل). تالت حاجة انه واضح انه مفيش اي روافد أجنبية في ثقافته, صحيح انه بيشبه نفسه بادجار الان بو وحاطط صورته في الصفحة الاولي, الا انه مابيتكلمش عنه خالص, او ليه هوه بيحبه  وغير كده كل الشخصيات والناس اللي بيستشهد بيهم أو بيرجعلهم عرب. ده كله اداني انطباع مبدئي انه ذو خلفية عسكرية (سابقة أو حالية لايمكن الجزم بيه) وغالبا كان في المخابرات او المباحث الحربية لان هو ده المكان الوحيد في الجيش اللي الناس فيه بتبقي علي قدر من الثقافة لزوم الشغل. كون انه مخلص والا بيمثل امر لا يمكن الجزم بيه لان الواحد لا يستطيع أن يشق عن قلوب الناس. لحد كده كويس؟

نيجي بقه لتويتر. بعد كام شهر, اكتشفت ان نوارة وأحمد سعيد وغيرهم من اللي بقرالهم مش بس عندهم مدونات, لا ده كمان عندهم حسابات في تويتر وبيكتبوا عليها تدوينات قصيرة باستمرار. وبالرغم اني أنا شخصيا كاره للتكنولوجيا وما كنتش اعرف لا تويتر ولا فيس بوك لغاية كام شهر فات, الا اني عملت حساب عشان أقدر اتابعهم, خصوصا ان تحديثات المدونة بتاعتهم قلت نسبيا. واول ماعملت الحساب, دورت علي الاكاونت بتاع الاتنين دول وعملتلهم فولو علي طول. بالنسبة لنوارة,  هيه هيه نوارة, مفيش فرق أو اختلاف في الشخصية بكل عيوبها ومحاسنها. وزي ماكنت باكتبلها مساهمات او ردود في المدونة وكانت غالبا مابتردش عليا, حاولت اكتبلها ردود علي تويتر لكنها ردت مرة واحدة, وعملت ريتويت لحاجة كتبتها مرة تانية, غير كده ما حصلش اي تواصل يذكر علي تويتر. وفي الاول كنت مستغرب, لأني كنت باكتب كلام في اعتقادي انه اجدر بالمناقشة والرد من كتير من الكلام الفارغ اللي عمالة ترد عليه طول النهار, لكن لما بصيت لعدد الفولورز عندها عذرتها, وخلصت الي انه المشاهير من أمثالها مش ممكن يلاحقوا يردوا علي كل اللي بيتكتبلهم, خصوصا اذا كان بيحمل وجهة نظر مخالفة.

أحمد سعيد بقي كان المفاجأة. علي عكس مدونته اللي الواحد بيخرج منها بانطباع انه شخص انطوائي عميق التفكير تحليلي النزعة, ودول غالبا مابيكونوا أشخاص هاديين مهذبين خجولين, لأن الثقافة بتهذب من الشخصية وتخفف من الميول التصادمية, لقيت اللي علي تويتر شخصية مختلفة تماما, بيستخدم أحط الالفاظ لوصف مخالفيه في الرأي, واقذع السباب للرد علي التويبس اللي بيبدوا أدني اعتراض علي ما يقول. وشوية بشوية بقي عندي شبه قناعة ان دول شخصين مختلفين لأن السمات النفسية متباينة تماما. لكن كل شوية أبص الاقيه طلع بتحليل في مجموعة تويتات قصيرة يخليني أشك تاني انه ممكن يكون نفس صاحب المدونة.

لكن الشخصية السلطوية احادية النظرة (المتسقة مع الخلفية العسكرية المفترضة) فضلت ثابتة في الحالتين. والباكجراوند المحلية جدا (برضه المتسقة مع شخص اكتسب ثقافته من خلال بيئة دراسية نظامية في الداخل زي الجيش) زادت ووضحت اكتر من خلال تويتاته عن الغناء العربي والتركي ومن خلال كتاباته عن العصر اللمملوكي والعثماني, بينما كان بيخطئ باستمرار في هجاء بعض الكلمات الاجنبية, واذكر انه اتنرفز كذا مرة علي اشخاص بعتوله تويتات بالانجليزي وقالهم يكتبوا بالعربي. ده في الوقت اللي كل المثقفين التانيين اللي شفتهم علي تويتر بيعرفوا بدل اللغة اتنين وتلاتة (وبعضها لغات نادرة) وبيستشهدوا بمقولات واراء لمفكرين وفلاسفة أجانب وده منطقي جدا, لان الانسان اللي ثقافته جاية عن طريق شغف اصيل بالمعرفة, مش حيتوقف عند حدود بلد او لغة, وانما حينهل من كل ينابيع الفكر الانساني وده أنا ماشفتوش في أحمد سعيد.

الحاجة التانية ان تحليلاته وان كانت تبدو منطقية في الظاهر, فهي منطقية المدير او القائد اللي عايز يلاقي حل لمشكلة (ودي برضه اسلوب العسكريين) في مقابل المنطقية الفلسفية العميقة اللي مش مهم بالنسبة لها ايجاد حل بقدر ماهو مهم الوصول الي الحقيقة, وده كان اسلوب كل المثقفين التانيين اللي شفتهم. وشيئا فشيئا فقدت الاهتمام بأحمد سعيد وبارائه. لان الواحد كان لازم الاول يرش ديتول علي الكلام اللي بيقوله علشان يطهره من الوقاحة والتعالي, قبل مايطلع منه بحاجة مفيدة وان كانت مش جديدة. احنا الاتنين عملنا فولو لبعض بعد فترة وجيزة من التحاقي بتويتر وتبادلنا كلام مباشر في مرات متباعدة, وان كان كل منا حس ان تكوين الاخر النفسي مخالف تماما له, فماحاولناش نطور الصداقة دي لابعد من المحادثات السطحية العابرة لكي نحتفظ لبعض بالاحترام لاننا (او علي الاقل لاني) كنت واثق اننا حنصطدم ببعض لو حاولنا نقرب من بعض اكتر لاختلاف الشخصية التام. ولغاية دلوقتي أنا مش عارف ازاي بعض الاصدقاء خلطوا بينا, واعتقدوا اننا نفس الشخص في يوم من الايام, لأن اسلوبنا مختلف تماما.

في مرتين سابقتين علي الاقل أحمد سعيد غير الافاتار بتاعه لحاجة جديدة, وتقمص شخصية ظابط في المخابرات الحربية بيكتب يومياته. وهوه حاليا بدأ في تكرار نفس الشيئ من كام يوم. وبالرغم من ان الحركة دي لا تثبت او تنفي الشكوك حول ماهيته الحقيقية, لان تكرارها يجعلها لا تعني شيئ. الا ان الامر يحتاج الي وقفة هذه المرة. فحتي بافتراض انه ضابط مفصول من الخدمة, ووطني ويحاول مخلصا وصادقا أن يحول المد الثوري الي الاتجاه الصحيح, اتجاه المواجهة مع المجلس العسكري (وهذا مالا أزال ارجحه) الا ان أسلوبه السخيف وشوفينيته المفرطة, واصراره علي تسفيه كل الاراء المخالفة, مع عدم اتيانه بجديد في التحليل او في الرؤية الثاقبة يجعل القارئ العادي يزهد في البضاعة التي يعرضها ولا يرغب في متابعة شخص يلوث التايملاين بتاعه عمال علي بطال بالغثاء والطراش والسباب.

أما ان كان فعلا ضابط عامل و متقمص شخصية ثائر, فأنا حتي هذه اللحظة لا أعرف ماالذي سيستفيده من ذلك. فمالم يكن قد استطاع الايقاع بعناصر مسلحة ثورية فعلا ونجح في اخماد حركتها أو القبض عليها, فهو لم يحقق شيئا علي الاطلاق, لأن كل من علي تويتر مجرد ظواهر صوتية ولا عاملين تنظيمات مسلحة ولا يحزنون. وكل اللي استفاده انه ضيع وقته ووقت اللي مشغلينه في متابعة خيوط لا تؤدي الي شيئ. ببساطة اذا كان هوه المغناطيس, فمافيش دبابيس يجذبها من أصله.

ده غير السؤال الفلسفي الاعمق اللي بيقول اذا كان هوه فعلا شخص تافه وسطحي ومجرد ضابط مخابرات زي ماهوه بيحاول يقنعنا في الكام يوم الاخرانيين بكلامه عن "سيادة الفريق" وخلافه, فهل هو علي المستوي الانساني ماتأثرش بمجموعة الاشخاص المتميزين اللي عايشهم وعاشرهم افتراضيا علي تويتر في الفترة اللي فاتت؟ واللي بيمثلوا مثل عليا المفروض يتطلعلها في الثقافة والانساتية والمعرفة؟ يعني بالعربي اذا كان هوه شخصية واحدة ومش ناس مختلفين ماسكين حساب شخصية أحمد سعيد الافتراضية في المخابرات (زي ماكان بيبدو أحيانا من اختلاف شديد ففي الاسلوب بين المدونة وتويتر كما أسلفت), واذا كان فعلا عنده شيئ من العقل والحصافة (زي ما بعض تدويناته الاولي كانت بتوحي) فهل هوه مش خايف علي نفسه ان احنا اللي نجنده ونوقع بيه بدل ماهوه اللي يوقع بينا؟ هوه حيلاقي ناس أحسن مننا فين؟ مش احنا علي الاقل أحسن من الناس الزبالة اللي مشغلينه؟

وسواء كان أيا من الاحتمالين هو الحقيقة (ومش ممكن ده حيتعرف أبدا في يوم من الايام مش لان أحمد سعيد زرعوه ماطلعش ولكن لأن أي انسان يستطيع ان يخفي شخصيته الحقيقية اذا رغب في ذلك) فده لم يعد مهما. لأن المهم هيه الرسالة وليس الرسول. فاذا كان الشباب الثائر يريد دلائل علي خيانة المجلس العسكري فهي تسد عين الشمس ولا تحتاج الي أحمد سعيد أو غيره لاظهارها. أما اذا كانوا مهتمين بصاحب الرسالة فهو اما شخص تافه لا يستحق الاهتمام (اذا كان فعلا ضابط مخابرات) أو مريض نفسيا يحتاج الي علاج (اذا كان ثائر مخلص ذو خلفية عسكرية سابقة).
روي الامام بن القيم في أحد كتبه, أن الشيطان تمثل في صورة المسيح لأحد العارفين وقال له اقترب مني ياعبد الله فانما أنا المسيح جئت أعلمك من أمر دينك. فقال له الرجل الصالح ألست قد وعدتنا الاخرة وبينت لنا الحلال من الحرام؟ انصرف راشدا فلا حاجة لي بك

Tuesday, May 29, 2012

لو كنت مرسي


من تابع وقائع المؤتمر الصحفي للجنة الانتخابات الرئاسية بالامس, وشاهد اللغة الجسدية واالفظية للمستشار فاروق سلطان رئيس المحكمة الدستورية العليا, لابد وأن يكون قد خرج بانطباع يشبه اليقين أن المجلس العسكري عازم علي تزوير الانتخابات للفريق شفيق. فلغة البيان لاتتناسب اطلاقا مع الهيبة والوقار المفترضين لرؤساء السلطة القضائية في مصر, وانما يفيض بالمديح لرجال الجيش والشرطة والقضاة والموظفين علي ماقاموا به من مجهود, ويهنأ الشعب علي "عرسه الديمقراطي" ويدعوه للخروج بأعداد أكبر في جولة الاعادة. وربما لاتلفت تلك التفاصيل البسيطة انتباه معظم الناس, ولكن القانونيين منهم –سيما من هو عليم بالممارسات المشابهة في دول العالم المختلفة- لابد وأن يهوله انعدام اللغة المهنية الوقورة التي تقتصر علي اعلان الحقائق في مثل تلك البيانات, واستبدالها بهذا الكم الهائل من الثناء, الذي يعيد الي الاذهان صورة الكابتن لطيف رحمه الله وهو يشكر الجميع علي خروج المباراة بشكل مرض.

الا ان ما ضيعه سلطان من وقار المتن, استعاض عنه بتعال مفرط علي الصحفيين, الذين تعامل مع أسئلتهم بشكل لا يخلو من الوقاحة, وبأسلوب ينم عن تنمر وتحفز من يتعمد المراوغة والمناورة, ولا يدخر وسعا في احباط سائله والتهرب من اجاباته. أما موضوعا فقد رفضت اللجنة كل الطعون المقدمة لأسباب شكلية, أشك كثيرا ان المحامين المتمرسين الذين قدموها قد وقعوا فيها, وحرصت علي التظاهر باداء واجب المتابعة والتقصي, بان أعلنت اكتشافها لاخطاء حسابية تافهة لاتقدم ولا تؤخر, لتعطي انطباعا للمستمع الساذج أن اللجنة لاتفوتها شاردة ولا واردة الا أحصتها, ,وانها لم تدع بابا للشك الا سدته

وكل ذلك يغلب الظن أن سلطانا ومن لف لفه من أعضاء اللجنة وماهم الا أذناب للمجلس العسكري علي أي حال, قد عقدوا العزم علي توسيد الامر لشفيق علي النحو الموضح في المقال السابق. وكما توقعنا, فقد ألقت اللجنة ببعض الملهيات في طريق صباحي وابا الفتوح لتصرفهما عن الاصطفاف خلف مرسي في جولة الاعادة. فمن آمال سرابية اولية في الدخول الي جولة الاعادة في حالة صباحي, الي التضخيم من الانا العليا للرجلين عن طريق الاعلام, استطاع النظام أن يوحي الي الرجلين أن لديهما الكتير من الاتباع المخلصين الذين يصلحون نواة لاحزاب قوية, أو حملات انتخابية مستقبلية تحملهما الي قصر الرئاسة, فرفضا الالتقاء بمرسي حتي الان, وحملاه علي اراقة ماء وجهه والظهور بشكل متدن في لقاءاته ومؤتمراته الصحفية, وهو مالن يفيد كثيرا في بناء "الهالة الرئاسية" اللازمة للنجاح ان كان هذا لايزال ممكنا علي أي حال بعد أن اسفر النظام عن وجهه القبيح.

ولكن هذا ليس موضوعنا الليلة. موضوعنا هو ماذا يفعل مرسي وقد استبان لكل ذي لب أن فرصته بالغة الضعف ازاء عزم المجلس تزوير الانتخابات. وللاجابة علي هذا السؤال دعونا نتلمس الحالة الوحيدة التي يمكن أن ينجح فيها. وهي حال اقتصار التزوير علي مااستخدم منه حتي الان, من رشوة فقراء الناخبين, وحمل موظفي الدولة علي التصويت قسرا, وتسجيل رجال الجيش بالمخالفة في كشوف الناخبين. أن اقتصر الامر علي ذلك فان لمرسي فرصة قائمة في الفوز, لانه حتي مع استخدام هذه الوسائل, لم يحصل شفيق وموسي مجتمعين الا علي مايساوي ثلث الاصوات, وبالتالي يمكن الفوز نظريا لمرسي ان استطاع حصد كل أو جل أصوات "مرشحي الثورة" كما يطلق عليهم

ولكن لكي يتمكن مرسي من ذلك, يجب عليه أن يدرس سيكولوجية الناخب الذي صوت لأولئك المرشحين, وتعديل خطابه الانتخابي في الفترة المتبقية, بما يضمن استمالته والنفاذ الي قلبه وعقله بغرض الحصول علي صوته. وهو اذ ينجح في ذلك انما يستغني عن الحاجة الي التاييد المباشر من المرشحين الذين صوت لهم أولئك الناخبون في الجولة الاولي آنفا, وسيرغمهم علي المجئ اليه صاغرين بعد أن يروا أن خطابه قد تغير بحيث بات قادرا علي جذب مؤيديهم دون الحاجة الي اعلانهم (المرشحين) الاصطفاف حوله. فماذا يريد هولاء الناخبون الذين صوتوا لحمدين صباحي أو ابي الفتوح أو حتي أولئك الذين قعدوا عن التصويت بعد أن خاب أملهم في دخول ابي اسماعيل او البرادعي حلبة السباق؟

أولا: يكره كل هولاء المجلس العسكري كراهية التحريم. ويعتقد معظمهم انه افتعل او سمح بالمذابح المتكررة في التحرير ومحمد محمود والعباسية وبورسعيد وغيرها لكي يستمر في سدة الحكم. كما أن لكثيرين منهم ثارات شخصية عند جهاز الشرطة وأمن الدولة, وأحدثهم اكتوائا بناره هم جماهير السلفيين الذين نحروا في العباسية علي ايدي بلاطجته المتنكرين في زي مدني. ولذا ينبغي علي مرسي أن يتخذ خطابا متشددا تجاه المجلس العسكري وقيادات الداخلية, والا يدخر وسعا للتلميح والتصريح باعتزامه احالتهم للتقاعد والمحاكمة, وانزال اقصي العقوبات علي من يثبت عليه منهم تهما جنائية, فهو ان فعل ذلك ضمن اصوات معظم الراديكاليين واسر الشهداء وجمهور السلفيين الموتورين ولم يخسر أصوات الاخوان التي تصوت علي الهوية في كل حال.

ثانيا: ياسف معظم هولاء علي التردي الذي اصاب دور مصر في العالم العربي والاسلامي علي يد مبارك وزمرته, ويأملون في استعادة دورها الاقليمي سيما في مواجهة اسرائيل. ولذا يتوجب عليه التضرع الي عواطفهم القومية المشبوبة بخطاب يشدد فيه النكير علي النظام السابق (ومن يسعون لاعادة انتاجه) ممن قزموا دور مصر وجعلوها ألعوبة في يد الدول الكبري والصغري علي السواء. وعنده من مخازي النظام القديم الجديد الكثير ابتداءا من تصدير الغاز الي التغاضي عن مذابح غزة الي السماح للمتهمين بالسفر الي مهزلة الجيزاوي وهلم جرا.

ثالثا: يعاني معظم أفراد هذه الكتلة التصويتية من الفقر والفاقة و ويشعرون بالحقد الدفين علي من اثري بغير حق في عهد مبارك. وهنا ياتي دور التركيز علي العدالة الاجتماعية في الاسلام, ورد فضول اموال الاغنياء علي الفقراء, وتطبيقاتها الحديثة من ضرائب متدرجة وشبكة ضمان اجتماعي وخلافه مما لايرقي الي مرتبة الاشتراكية, ولا يخيف اصحاب الاموال من الناخبين, ولكنه يتسق مع جوهر الاسلام ويستميل قلوب الفقراء.

أن التزم مرسي بهذه الامور الثلاثة في خطابه الانتخابي, فانه يكون قد وضع نفسه علي يسار الاخوان وخارج المألوف من مماراساتهم التاريخية, ولكنه يكون قد اقترب حثيثا من وسط الكتلة التصويتية الغالبة للشعب المصري, ويكون قد زاد من احتمالات حصوله علي تأييدها في انتخابات الاعادة. صحيح أن هذا الخطاب لن يأتي له باصوات مسيحية, ولكن هذا غير مؤثر لانهم لن يصوتوا له علي اية حال بالاخذ في الاعتبار خلفيته الاخوانية. صحيح أنه قد يغضب كبار رجال الاعمال والمستثمرين, ولكن هولاء هم القاعدة الاساسية لشفيق في أي ظرف ولن يصوتوا له وان طلعت الشمس من المغرب. صحيح أن خطابه العدائي المقترح تجاه المجلس العسكري والداخلية سيوغر صدرهما عليه, ولكن صدرهما موغر علي أية حال, وهم عاقدون العزم علي تزوير الانتخابات في الحالتين وقدرتهم اضعف علي النيل منه ان التفت الجماهير حوله.

أما الاخوان, فباستطاعتهم دائما التبرؤ من مرسي بعد خسارته والقول بانه نهج نهجا متطرفا منفردا لحرصه علي الفوز, وبذلك يمكنهم العودة الي العمل مع النظام من خلال البرلمان اذا نجح شفيق وهو المتوقع علي اي حال. أما اذا حدثت المعجزة ونجح مرسي, فعندئذ تكون جماعة الاخوان هي الرابح الاكبر, وتكون قد خرجت من شرنقتها الطائفية الضيقة الي رحابة الاجماع الوطني.

دعوه يجرب فماذا عساه أن يخسر؟

Sunday, May 27, 2012

قراءة في نتيجة الجولة الاولي للانتخابات الرئاسية المصرية


نتيجة الجولة الاولي من انتخابات الرئاسة المصرية أكدت مجموعة من المسلمات, اللي بنيت عليها معظم تحليلاتي السابقة, وأعدتها مرارا وتكرارا سواء علي تويتر, او في ردودي علي المدونين الاخرين وهي تنحصر في أربع نقاط اساسية:

أولا: مفيش حد عميل للمجلس غير مرشحي الفلول

زي ما توقعت ان انسحاب البرادعي نهائي بسبب حساباته الصحيحة لخريطة توازن القوي, وخلوصه الي ان فرصته ضعيفة, بينما غيري أكد انه عميل للمجلس, وانه حيرجع في اللحظة الاخيرة للسباق, كمان أنا أكدت ان مفبش حد من المرشحين الحاليين ألعوبة في ايد المجلس أو حيقبل يكون عروسة ماريونيت في ايد النظام (باستثناء شفيق وموسي طبعا). .بينما غيري نظروا ان أبو الفتوح كان من قيادات الجماعة الاسلامية في السبعينات (واللي كلها كان مخترق مخابراتيا من الداخل والخارج), وبالتالي هو المرشح الحقيقي للمجلس, والناس الهبل حتصوتله وهيه فاكراه ثوري. وناس تانية كمان قالت ان مرسي بالذات, أو الاخوان عموما متفقين مع المجلس, والخلاف اللي بيحصل مابينهم كله تمثيليات, وان المجلس حيسمحله يشيل الشيلة من أول جولة. أظن ان السقوط المريع لابو الفتوح, اللي ان دل علي شيئ فانما يدل علي انه ماكانش مرشح النظام ولا حاجة. والوضع الوسخ اللي مرسي فيه دلوقتي أثبتوا للجميع ان مفيش حد من الناس دي -مع اختلافي التام معاهم-عميل او خلية نائمة للمجلس, وان المجلس كان ولا يزال عايز يسقطهم بالثلث.

ثانيا: المجلس مش عميل لاي جهة أجنبية وبيتصرف لحسابه الشخصي فقط

زي ماكررت قبل كده في أكثر من موضع, المجلس بيدافع عن مصالحه خصوصا ومصالح القوات المسلحة عموما اللي اكتسبها عبر سيادة العسكر طول الستين سنة اللي فاتوا. واذا ظهر سطحيا ان فيه تطابق في المصلحة بينه وبين جهات خارجية فده كل مافي الامر: تلاقي مصالح, وبمجرد ماتختلف المصالح دي كل واحد من طريق. ده في الوقت اللي غيري أكد ان المجلس بيتلقي تعليماته من بره وان المخطط مرسوم عشان عمرو موسي يعتلي كرسي الرئاسة. أظن بعد ماكل حشد الحزب الوطني وامن الدولة والجيش ذهب في اتجاه شفيق, اللي مفيش خلاف علي انعدام لباقته وحدة طبعه وعدم اتساقه مع النموذج التقليدي للدبلوماسي المحفلط الذي تريده القوي الخارجية دائما في مثل هذه الظروف كرئيس يستطيع بلف قطاعات كبيرة من الشعب, وتسكين مخاوف السذج من الثوار المخدوعين مع تنفيذ الاجندات الخارجية, مفيش مجال للشك في ان المجلس هو الفاعل وليست القوي الخارجية. المجلس بكل فجاجته وصراحته ومباشرته, الي تفتقر الي أي مناورة أو محاولة للاختفاء وراء ستار او قفاز من حرير.

ثالثا: المجلس ماعندوش خطط جهنمية ولا يحزنون

برضه فيه بعض الاخوة استغرقوا في التفكير, وهالتهم فكرة ان المجلس اللي متبت في السلطة حيتنازل عنها بكل بساطة بعد 30 يونيو لرئيس قد لا يكون منهم, فهدتهم قريحتهم العبقرية الي تصور مخططات معقدة يتم فيها سحب الصلاحيات الدستورية للرئيس الجديد وابقائه كشرابة خرج أو خيال مأتة يحكموا من ورائه, أو مخططات أخري يتم فيها ترسيم خلية نائمة علي طراز جورباتشوف كرئيس (ابو الفتوح او البرادعي مثلا) يحكم المجلس من ورائه. أظن أن تصعيد شفيق للدور الثاني بكل الوسائل التي شاهدها الجميع, والوقوف ورائه بكل قوة هو أكبر دليل علي خطأ هذه التوقعات وعلي أن المجلس سيسلم السلطة فعلا بعد الانتخابات, ولكن خطته البسيطة جدا والخالية من أي تعقيد تنحصر في انتخاب رئيس عسكري يستمر بحكم الجيش وسيطرته علي مقدرات السياسة في مصر الي مالا نهاية.

رابعا: الصراع الحقيقي ينحصر بين الاخوان والنظام القديم

كم دبجت المقولات في شعبية هذا المرشح او ذاك (عمرو موسي وابو الفتوح تحديدا) ولكن قراءة بسيطة للواقع التصويتي في مصر عبر العقود الثلاثة الاخيرة توضح ان القدرة علي الحشد والتربيط خصوصا في الريف والصعيد هي العامل الحاسم في جمع اصوات الكتلة الانتخابية الاكبر وهي لعبة اتقنها الاخوان (عن طريق سنين من سيادة انتخابات الاتحادات الطلابية والنقابية ومجلس الشعب كما اوضحت سابقا ايضا) والحزب الوطني (من خلال اساليب كمال الشاذلي قديما وأحمد عز حديثا). وعلي هذا ففرص ابو الفتوح انتهت تقريبا من اللحظة التي قرر فيها الاخوان الدفع بمرشح (سواء كان الشاطر أو مرسي), كما ان حظوظ موسي تقلصت حين اختارت فلول النظام الزج بشفبق كمرشح مباشر يضمن استمرار حكم العسكر في مصر.

 استراتيجية النظام في الجولة الاولي

قبل نزول مرسي, أكدت كل استطلاعات الرأي تفوق ابو الفتوح, وهذا شكل مصيبة للنظام, لأن ابو الفتوح بقبوله من قطاعات واسعة من الاطياف السياسية يمثل مرشحا توافقيا يمكنه الفوز ببساطة من أول جولة, وان تعذر ذلك, سهل عليه جمع الاصوات من مختلف الاتجاهات في جولة الاعادة مع مرشح النظام. ولذا تلخصت استراتيجية الفوز في تقليص كتلته الانتخابية, وتصعيد مرشح استقطابي لجولة الاعادة امام مرشح النظام, تسهل هزيمته فعلا في صندوق الانتخاب (بعد الحشد والتلاعب بالكشوف وغيره) او بشيئ طفيف من التزوير ان لزم الامر.

ولاتمام ذلك, ذكي النظام من نار الخلاف بين القوي الاسلامية المختلفة لمنعها من التوافق علي شخص ابو الفتوح والاصرار علي الزج بمرسي من جانب, وزاد من تلميعه الاعلامي لصباحي الذي لم يكن له ان يفوز بالنسبة التي فاز بها تحت اي ظرف من جانب أخر.   ومع استعار اوار هذا الهجوم المرسي الصباحي المزدوج, تفتت الكتلة الفتوحية الهشة, وتراجع صاحبها الي المركز الرابع المخزي, وضمن النظام أن مرشحه سيواجه مرشحا استقطابيا في جولة الاعادة, لن يتمكن علي الارجح من جمع الاطياف التصويتية اللازمة للتغلب علي مرشح النظام.

استراتيجية النظام في جولة الاعادة

مما سبق يتضح أن المجلس ومن ورائه النظام القديم الجديد مصمم علي توسيد الامر لشفيق, وقد نجح حتي الان في تهيئة الراي العام الداخلي والعالم الخارجي لقبول هذه النتيجة. فالاسلاميون الذين حصدوا اكثر من ثلاثة ارباع مقاعد البرلمان تراجعت كتلتهم التصويتية الي اقل من النصف بكثير (او هكذا يراد لنا ان نصدق), فأكثر من نصف المصوتين لابو الفتوح ليسوا اسلاميين علي اي حال, فهم اما برادعيون او ليبراليون او اشتراكيون ممن لن يصوت لمرسي تحت اي ظرف من الظروف. أما حمدين فحدث عنه ولا حرج. فباستثناء بعض الفنانين او النشطاء ممن قد ترغمه متطلبات الوجاهة الاجتماعية علي الظهور بمظهر الموحد لصف الثورة وتأييد مرشح الاخوان اتقاءا لرئاسة شفيق, تبغض الغالبية الغالبة من القوميين (او اليساريين المخدوعين ممن صوت لحمدين) الاخوان كراهية التحريم, ويصعب تصديق أنها ستصوت لمرسي في جوله الاعادة.

وأمل مرسي الوحيد الان ينحصر في بناء تحالف انتخابي قوي يضم كل الكتلة المصوتة لابي الفتوح وصباحي وهذا امر عسير علي نفسية الاخوان الاقصائية التي تميل الي الانفراد بالامر, كما ان المجلس قد القي في طريق صباحي بعض الملهيات عن التحالف مع مرسي, المتمثلة في امكان الطعن علي النتيجة بغية دخوله جولة الاعادة بدلا من او مع شفيق. ومالم  يتصف صباحي بالتجرد ويدع عنه كل هذا ويقف صفا واحدا مع ابو الفتوح وراء مرسي (وهذا صعب التصور),فانه لن يفرط بسهولة في كتلته التصويتية, طمعا في استخدامها كنواة لحملات رئاسية قادمة, او كقاعدة شعبية لحزبه المتعثر.  والنتيجة الحتمية هي فشل المفاوضات الرامية لبناء هذا التحالف, او بناءه علي استحياء في اللحظة الاخيرة, او دخول صباحي طرفا ثالثا في انتخابات الاعادة, مما يؤدي في كل الاحوال الي تفتيت الكتلة التصويتية المواجهة لشفيق وفوز الاخير بالرئاسة.

خاتمة

وفي النهاية نعود الي تصوري السابق من ان طبيعة تكوين الشعب المصري الحالي لاتسمح في هذه اللحظة,إلا بقيادة الاخوان للمواجهة مع النظام, وهي قيادة معيبة لكل ماسبق ان اوضحناه من اسباب في المقالات السابقة, الا انها تبقي القيادة الوحيدة الممتلكة للزخم الكافي لمواجهة النظام. وعلي كل القوي الاخري وفي مقدمتها اليسار الاختيار بين الاصرار علي الاخلاص لمبادئها الفكرية و نقائها الثوري, مما يستحيل معه تغيير الواقع علي المدي المنظور, وبين الانخراط في تحالفات براجماتية مع اطراف متباينة فكريا بغية اسقاط النظام الجاثم علي صدور الجميع. وكلاهما يشبه تجرع السم.