عرفت أحمد سعيد لأول
مرة من خلال مدونة نوارة نجم ايام ثورة يناير. في الوقت ده كنت متعطش أعرف أخبار
جديدة, ومش صابر علي المواقع العادية اللي ما بتتجددش غير كل حين ومين. وبما اني
كنت من المعجبين بشجاعة نوارة في الحق وأسلوبها الساخر المتميز, فكان طبيعي أني
اروح لجبهة التهييس كذا مرة في اليوم بحثا عن الجديد. وفي البداية كل شيئ كان ماشي
علي مايرام, لكن لما الوقفة طولت والجيش نشر قواته ابتدت تختلف الاراء بشأن اللي
المفروض يتعمل. فيه اراء كانت بتقول (ومنهم نوارة نفسها) ان سلمية الثورة هيه ضمان
نجاحها, وان الجيش في النهاية حينحاز للشعب, وبالتالي مفيش أي معني لمهاجمته, او
محاولة تخوين قياداته وده كان راي الاغلبية.
أقلية من المعلقين,
وكان من بينهم احمد سعيد, كانوا شايفين ان قيادات الجيش اللي استفادت من نظام
مبارك لمدة 30 سنة هيه جزء لا يتجزأ من النظام وبالتالي مش من المنطقي تصور انها
فجأة حتقلب عليه ويصحا ضميرها وتنضم للجماهير بين يوم وليلة. المهم في الموضوع ان
أحمد سعيد ماكانش متفرد بالراي ده لوحده. الحقيقة ان كان فيه عدد لاباس بيه من
المعلقين شايفين نفس الصورة, وان اختلفت طريقة تعبيرهم. أنا شخصيا بعد تردد قررت
اني ابتدي ابعت لنوارة تعليقات اوضح فيها وجهة النظر دي في نفس شهر فبراير اللي
مشي فيه مبارك. واللي عنده وقت يرجع لأول 13 بوست في المدونة دي حيلاقيهم نقل حرفي
للمساهمات اللي كنت بابعتها لنوارة باقولها نفس الشيئ. لكن نوارة كانت مقتنعة ان
معظم اللي بيطالبوا باستخدام القوة مع الجيش عملاء لأمن الدولة هدفهم التعرف علي
ذوي الافكار المشابهة بهدف القبض عليهم (نظرية المغناطيس), وان قيادة الجيش فعلا
مخلصة. وبالتالي وقعت دعوات استمرار
الوجود في الشوارع والتصعيد مع المجلس اللي كان أحمد سعيد وانا وكثيرين غيرنا
بيدعوا اليها علي اذان صماء عندها.
لكن في نفس الوقت اللي
كنت ابتديت اكتب تعليقات لنوارة كنت باحاول أدور اذا كان حد من الاخرين اللي
بيكتبوا تعليقات عنده مدونة خاصة بيه. وكم كانت سعادتي لما اكتشفت ان أحمد سعيد
عنده هوه راخر مدونة (عنبر العقلاء) بيكتب فيها مقالات مطولة وتحليلات تفصيلية
تعرض رؤيته للأحداث. وابتديت اتابع بشغف كل اللي بيكتبه وطلعت بعدة انطباعات سريعة
قلتله علي بعضها أول ماتعرفت عليه علي تويتر فيما بعد, وشفت انه مش من المناسب اني
اواجهه بالباقي فسمحت لنفسي اني اتناقش فيه مع بعض الزملاء الاخرين في محادثات
خاصة أو احتفظت ببعضه لنفسي.
أول ملاحظة لفتت نظري,
كانت كثافة المعلومات العسكرية, اللي يبتكلم فيها عن وحدات وتسليحات كتائب وسرايا
مختلفة في الجيش, بشكل يستحيل معاه يكون ماعندوش خلفية عسكرية. تاني ملاحظة كانت
انه ملوش فكر ايديولوجي محدد, و او علي الاقل فكره مشوش, لانه بيبدي آراء بالاعجاب
او الامتعاض من شخصيات مفيش بينها أي قاسم مشترك أعظم الا انها شخصيات تتسم
بالشجاعة وتميل الي المواجهة وعدم المراوغة. لكن غير كده كلها شخصيات متناقضة
(وبرضه اللي متابعني علي تويتر او بيقرا مقالاتي علي المدونة حيلاقيني ابديت
الملاحظة دي مرتين قبل كده علي الاقل). تالت حاجة انه واضح انه مفيش اي روافد
أجنبية في ثقافته, صحيح انه بيشبه نفسه بادجار الان بو وحاطط صورته في الصفحة
الاولي, الا انه مابيتكلمش عنه خالص, او ليه هوه بيحبه وغير كده كل الشخصيات والناس اللي بيستشهد بيهم
أو بيرجعلهم عرب. ده كله اداني انطباع مبدئي انه ذو خلفية عسكرية (سابقة أو حالية
لايمكن الجزم بيه) وغالبا كان في المخابرات او المباحث الحربية لان هو ده المكان الوحيد
في الجيش اللي الناس فيه بتبقي علي قدر من الثقافة لزوم الشغل. كون انه مخلص والا
بيمثل امر لا يمكن الجزم بيه لان الواحد لا يستطيع أن يشق عن قلوب الناس. لحد كده
كويس؟
نيجي بقه لتويتر. بعد
كام شهر, اكتشفت ان نوارة وأحمد سعيد وغيرهم من اللي بقرالهم مش بس عندهم مدونات, لا
ده كمان عندهم حسابات في تويتر وبيكتبوا عليها تدوينات قصيرة باستمرار. وبالرغم
اني أنا شخصيا كاره للتكنولوجيا وما كنتش اعرف لا تويتر ولا فيس بوك لغاية كام شهر
فات, الا اني عملت حساب عشان أقدر اتابعهم, خصوصا ان تحديثات المدونة بتاعتهم قلت
نسبيا. واول ماعملت الحساب, دورت علي الاكاونت بتاع الاتنين دول وعملتلهم فولو علي
طول. بالنسبة لنوارة, هيه هيه نوارة, مفيش
فرق أو اختلاف في الشخصية بكل عيوبها ومحاسنها. وزي ماكنت باكتبلها مساهمات او
ردود في المدونة وكانت غالبا مابتردش عليا, حاولت اكتبلها ردود علي تويتر لكنها
ردت مرة واحدة, وعملت ريتويت لحاجة كتبتها مرة تانية, غير كده ما حصلش اي تواصل
يذكر علي تويتر. وفي الاول كنت مستغرب, لأني كنت باكتب كلام في اعتقادي انه اجدر
بالمناقشة والرد من كتير من الكلام الفارغ اللي عمالة ترد عليه طول النهار, لكن
لما بصيت لعدد الفولورز عندها عذرتها, وخلصت الي انه المشاهير من أمثالها مش ممكن
يلاحقوا يردوا علي كل اللي بيتكتبلهم, خصوصا اذا كان بيحمل وجهة نظر مخالفة.
أحمد سعيد بقي كان
المفاجأة. علي عكس مدونته اللي الواحد بيخرج منها بانطباع انه شخص انطوائي عميق
التفكير تحليلي النزعة, ودول غالبا مابيكونوا أشخاص هاديين مهذبين خجولين, لأن
الثقافة بتهذب من الشخصية وتخفف من الميول التصادمية, لقيت اللي علي تويتر شخصية
مختلفة تماما, بيستخدم أحط الالفاظ لوصف مخالفيه في الرأي, واقذع السباب للرد علي
التويبس اللي بيبدوا أدني اعتراض علي ما يقول. وشوية بشوية بقي عندي شبه قناعة ان
دول شخصين مختلفين لأن السمات النفسية متباينة تماما. لكن كل شوية أبص الاقيه طلع
بتحليل في مجموعة تويتات قصيرة يخليني أشك تاني انه ممكن يكون نفس صاحب المدونة.
لكن الشخصية السلطوية
احادية النظرة (المتسقة مع الخلفية العسكرية المفترضة) فضلت ثابتة في الحالتين.
والباكجراوند المحلية جدا (برضه المتسقة مع شخص اكتسب ثقافته من خلال بيئة دراسية
نظامية في الداخل زي الجيش) زادت ووضحت اكتر من خلال تويتاته عن الغناء العربي
والتركي ومن خلال كتاباته عن العصر اللمملوكي والعثماني, بينما كان بيخطئ باستمرار
في هجاء بعض الكلمات الاجنبية, واذكر انه اتنرفز كذا مرة علي اشخاص بعتوله تويتات
بالانجليزي وقالهم يكتبوا بالعربي. ده في الوقت اللي كل المثقفين التانيين اللي
شفتهم علي تويتر بيعرفوا بدل اللغة اتنين وتلاتة (وبعضها لغات نادرة) وبيستشهدوا
بمقولات واراء لمفكرين وفلاسفة أجانب وده منطقي جدا, لان الانسان اللي ثقافته جاية
عن طريق شغف اصيل بالمعرفة, مش حيتوقف عند حدود بلد او لغة, وانما حينهل من كل
ينابيع الفكر الانساني وده أنا ماشفتوش في أحمد سعيد.
الحاجة التانية ان
تحليلاته وان كانت تبدو منطقية في الظاهر, فهي منطقية المدير او القائد اللي عايز
يلاقي حل لمشكلة (ودي برضه اسلوب العسكريين) في مقابل المنطقية الفلسفية العميقة
اللي مش مهم بالنسبة لها ايجاد حل بقدر ماهو مهم الوصول الي الحقيقة, وده كان اسلوب
كل المثقفين التانيين اللي شفتهم. وشيئا فشيئا فقدت الاهتمام بأحمد سعيد وبارائه.
لان الواحد كان لازم الاول يرش ديتول علي الكلام اللي بيقوله علشان يطهره من
الوقاحة والتعالي, قبل مايطلع منه بحاجة مفيدة وان كانت مش جديدة. احنا الاتنين
عملنا فولو لبعض بعد فترة وجيزة من التحاقي بتويتر وتبادلنا كلام مباشر في مرات
متباعدة, وان كان كل منا حس ان تكوين الاخر النفسي مخالف تماما له, فماحاولناش
نطور الصداقة دي لابعد من المحادثات السطحية العابرة لكي نحتفظ لبعض بالاحترام
لاننا (او علي الاقل لاني) كنت واثق اننا حنصطدم ببعض لو حاولنا نقرب من بعض اكتر
لاختلاف الشخصية التام. ولغاية دلوقتي أنا مش عارف ازاي بعض الاصدقاء خلطوا بينا,
واعتقدوا اننا نفس الشخص في يوم من الايام, لأن اسلوبنا مختلف تماما.
في مرتين سابقتين علي
الاقل أحمد سعيد غير الافاتار بتاعه لحاجة جديدة, وتقمص شخصية ظابط في المخابرات
الحربية بيكتب يومياته. وهوه حاليا بدأ في تكرار نفس الشيئ من كام يوم. وبالرغم من
ان الحركة دي لا تثبت او تنفي الشكوك حول ماهيته الحقيقية, لان تكرارها يجعلها لا
تعني شيئ. الا ان الامر يحتاج الي وقفة هذه المرة. فحتي بافتراض انه ضابط مفصول من
الخدمة, ووطني ويحاول مخلصا وصادقا أن يحول المد الثوري الي الاتجاه الصحيح, اتجاه
المواجهة مع المجلس العسكري (وهذا مالا أزال ارجحه) الا ان أسلوبه السخيف
وشوفينيته المفرطة, واصراره علي تسفيه كل الاراء المخالفة, مع عدم اتيانه بجديد في
التحليل او في الرؤية الثاقبة يجعل القارئ العادي يزهد في البضاعة التي يعرضها ولا
يرغب في متابعة شخص يلوث التايملاين بتاعه عمال علي بطال بالغثاء والطراش والسباب.
أما ان كان فعلا ضابط
عامل و متقمص شخصية ثائر, فأنا حتي هذه اللحظة لا أعرف ماالذي سيستفيده من ذلك.
فمالم يكن قد استطاع الايقاع بعناصر مسلحة ثورية فعلا ونجح في اخماد حركتها أو
القبض عليها, فهو لم يحقق شيئا علي الاطلاق, لأن كل من علي تويتر مجرد ظواهر صوتية
ولا عاملين تنظيمات مسلحة ولا يحزنون. وكل اللي استفاده انه ضيع وقته ووقت اللي
مشغلينه في متابعة خيوط لا تؤدي الي شيئ. ببساطة اذا كان هوه المغناطيس, فمافيش
دبابيس يجذبها من أصله.
ده غير السؤال الفلسفي
الاعمق اللي بيقول اذا كان هوه فعلا شخص تافه وسطحي ومجرد ضابط مخابرات زي ماهوه
بيحاول يقنعنا في الكام يوم الاخرانيين بكلامه عن "سيادة الفريق"
وخلافه, فهل هو علي المستوي الانساني ماتأثرش بمجموعة الاشخاص المتميزين اللي
عايشهم وعاشرهم افتراضيا علي تويتر في الفترة اللي فاتت؟ واللي بيمثلوا مثل عليا
المفروض يتطلعلها في الثقافة والانساتية والمعرفة؟ يعني بالعربي اذا كان هوه شخصية
واحدة ومش ناس مختلفين ماسكين حساب شخصية أحمد سعيد الافتراضية في المخابرات (زي
ماكان بيبدو أحيانا من اختلاف شديد ففي الاسلوب بين المدونة وتويتر كما أسلفت),
واذا كان فعلا عنده شيئ من العقل والحصافة (زي ما بعض تدويناته الاولي كانت بتوحي)
فهل هوه مش خايف علي نفسه ان احنا اللي نجنده ونوقع بيه بدل ماهوه اللي يوقع بينا؟
هوه حيلاقي ناس أحسن مننا فين؟ مش احنا علي الاقل أحسن من الناس الزبالة اللي
مشغلينه؟
وسواء كان أيا من
الاحتمالين هو الحقيقة (ومش ممكن ده حيتعرف أبدا في يوم من الايام مش لان أحمد
سعيد زرعوه ماطلعش ولكن لأن أي انسان يستطيع ان يخفي شخصيته الحقيقية اذا رغب في
ذلك) فده لم يعد مهما. لأن المهم هيه الرسالة وليس الرسول. فاذا كان الشباب الثائر
يريد دلائل علي خيانة المجلس العسكري فهي تسد عين الشمس ولا تحتاج الي أحمد سعيد
أو غيره لاظهارها. أما اذا كانوا مهتمين بصاحب الرسالة فهو اما شخص تافه لا يستحق الاهتمام
(اذا كان فعلا ضابط مخابرات) أو مريض نفسيا يحتاج الي علاج (اذا كان ثائر مخلص ذو
خلفية عسكرية سابقة).
روي الامام بن القيم
في أحد كتبه, أن الشيطان تمثل في صورة المسيح لأحد العارفين وقال له اقترب مني
ياعبد الله فانما أنا المسيح جئت أعلمك من أمر دينك. فقال له الرجل الصالح ألست قد
وعدتنا الاخرة وبينت لنا الحلال من الحرام؟ انصرف راشدا فلا حاجة لي بك