كنت أتمنى لو كان عندي
الكفاية من الوقت والتفرغ لكتابة مقال طويل أستعرض فيه أهم الأحداث المنصرمة
المتعلقة بتنظيم الدولة الاسلامية (داعش) خلال السنة والنصف الماضية مذ كتبت
المقال الاول علي المدونة والمعنون "كل ما أردت أن تعرفه عن داعش ولكنك خجلت
أن تسأل." لكن لا باس، مالا يدرك كله
لا يترك كله. دعنا نعتبر هذه السطور جردة حساب سريعة لحين التمكن من كتابة تحليل
أشمل. المقالة القديمة كتبت بعد اسابيع قليلة علي بده الحملة الجوية للتحالف الدولي
المضاد لداعش على قدر ما أذكر. كانت معظم توقعات
"المحللين الاستراتيجيين" في ذلك الوقت تتمحور حول ان التنظيم سينهار
سريعا امام اقوي ترسانات الأسلحة علي الارض.
وقتها ذكرت في تلك المقالة ان فرصة داعش الاساسية في النجاح تتمثل في استغلال
قدرته الطبيعية علي التمدد السريع المفاجئ
وفتح جبهات كثيرة تربك العدو وتشتت جهوده, سيما في ظل اعتماد حملة التحالف اساسا
علي الطيران وقلة الجنود علي الأرض, اللهم الا فيما يتعلق بالحشد الشعبي العراقي
وميليشيات حزب الله. من جهة أخري، بينت ان
استراتيجية التمدد السريع وفتح الجبهات المتعددة من شأنه تمكين داعش من استيعاب
المتطوعين الجدد والاسلحة المغتنمة من الخصم دون الحاجة لنقلها لمسافات طويلة بما
يعرضها للطيران المتربص. أما في المقابل،
ففرصة التحالف الأساسية في القضاء علي داعش تتمثل في ايقاف هذا التمدد السرطاني
وحصر التنظيم في اماكن جغرافية معزولة ومكشوفة يسهل استنزافه فيها بالطيران، ريثما
يتم جمع قوات كافيه للقضاء عليها. ما
شاهدناه علي الارض, هوه ان التحالف طبق هذه الخطة بحذافيرها, فلم يحاول مثلا توجيه
القوات البرية العراقية لتحرير المثلث السني او الموصل, أو الدفع بفصائل الجيش
الحر في سوريا للهجوم علي الرقة, وانما أوقف التمدد عن طريق الضربات الجوية
المكثفة و عمل علي سحب قوات داعش الي معارك استنزاف طويلة في اماكن جغرافية صعبة
يسهل القضاء عليه فيها. وكان ذلك أوضح ما يكون
في كوباني
كوباني هي آخر نقطة تقريبا
في الشمال السوري علي الحدود الممتدة مع تركيا, وموقع من مواقع الحصينة لوحدات
حماية الشعب YPG
المرادف الكردي في سوريا لحزب العمال في تركيا ال PKK. الاغراء
كان أكبر من أن يقاوم بالنسبة لداعش، لأن فتح "عين العرب" كما يسميها
التنظيم من شأنه تسديد ضربة قوية "للملاحدة" الأكراد, والتحكم الكامل في
الحدود مع تركيا بحيث يسهل علي المتطوعين الجدد الراغبين في الانضمام السفر لتركيا
ثم عبور الحدود المفتوحة الي سوريا, اضافة للحيلولة دون التفاف القوات البرية
للتحالف حول "ظهر" التنظيم في الداخل السوري بهدف تطويقه لاحقا. أكثر من 700 من خيرة جنود داعش قضوا نحبهم
دفاعا عن مكاسبهم في كوباني, والتي حولتها الضربات الجوية الي كومة من التراب
تقريبا, وحطمت فيها الكثير من اليات داعش الثقيلة. وطبعا تم الضغط على تركيا لكي تبتلع السم وتفتح
حدودها لمقاتلي ال PKK ليعبروا الحدود ويعضدوا اخوانهم في ال YPG. نقول ابتلاع السم لأن العداء التركي
التاريخي مع ال PKK والذي
يعتبر قائده عبد الله اوجلان من أكبر الارهابيين في نظر الحكومة التركية كان من
المفترض أن يؤدي الي اغلاق الحدود ومنع هذا العبور. الا ان عضوية تركيا في حلف
الاطلنطي والتزاماتها تجاه التحالف أرغماها علي القبول ففتحت الحدود وعبر
المقاتلون (اضافة الي بشمركة اكراد متطوعون قادمون من العراق أيضا) وطردت داعش من كوباني
(او منعت من احتلالها بشكل كامل) خسب وجهة نظر المتحدث. الدعاية الاعلامية والتسويق الصحفي ل"لفتح
العظيم" كان من الضخامة بحيث يتصور المشاهد غير المتابع لتفاصيل الحدث كما ما
لو كان معادلا لانتصار مونتجومري علي روميل في موقعة العلمين، والتي انكسر عندها
المد النازي وتحولت الحرب لصالح الحلفاء في الحرب العالمية الثانية. وتغني السذج ببطولة المقاتلات الكرديات
الحسناوات اللائي "أذقن رجال داعش مرارة الهزيمة لأول مرة." وتناسي الجميع ان الصمود تحت القصف مستحيل، لأنك
تواجه عدوين في نفس الوقت، واحد في الارض والاخر في السماء، ولأن اشتباكك مع الخصم
الارضي يكشف مواقعك تماما للعدو السماوي مما يسهل عليه تدميرك، بعكس الحالات التي لا
يوجد فيها اشتباك أرضي, حيث يسهل تصميم اهداف هيكلية زائفة أو تحريك سيارات
بالريموت كونترول تعطي الطيران انطباعا خاطئا وتكون هدفا لضرباته, في حيت تسلم
المعدات الحقيقية من الأذى.
تعلم كلا من الطرفين درس
كوباني. التحالف أدرك ان الاسلوب الامثل للقضاء على داعش هو مهاجمته بالطيران في
المدن التي يحتلها بقسوة شديدة، حتى لو كان الثمن تسويتها بالأرض، في نفس الوقت
الذي تقوم مجاميع بشرية كبيرة من القوات البرية الموالية للتحالف بمهاجمة تلك
المدن أرضا. طبعا الثمن هو ارتفاع القتلى
بين المدنيين وتحطيم المدن وتكبد خسائر كبيرة في صفوف القوات المهاجمة قبل أن
يتحقق لها النصر النهائي، الا أن ذلك النصر مضمون في نهاية المطاف. أما داعش فتعلمت ان الاحتفاظ بالأرض في ظل
القصف الجوي المكثف والهجوم الارضي المتزامن مستحيل ويعتبر ضربا من الانتحار. لذا غيرت من تكتيكاتها بحيث تسحب المعدات
الثقيلة من المدينة المهاجمة وتبقي حامية صغيرة مهمتها الحاق أكبر قدر ممكن من
الخسائر في صفوف المهاجمين، قبل تلغيم المكان وتركه. الانسحاب في هذه الحالة من وجهة نظر داعش تكتيكي
وليس استراتيجي، لأن التنظيم في نيته العودة الي المدينة في وقت لاحق عندما يتيسر
تطوير تقنية لتحييد الطيران المهاجم، او استنزاف الجحافل البشرية المهاجمة الي حد
يعدمها القدرة على الهجوم. ومن ثم،
الدواعش لا يطلقون على هذا التراجع انسحابا كما في المصطلحات العسكرية، وانما
يستخدمون لوصفه التعبير القرآني "الانحياز" للتأكيد على مرحليته وانه
بمثابة "اعادة انتشار للقوات" بالتعبير المعاصر.
حيث يد التحالف مطلقة،
وحيث قدرته على القصف العنيف لا نهائية، وحيث يتوافر عدد كبير جدا من القوات
البرية القادرة على الهجوم على المدن التي يسيطر عليها التنظيم، تكرر
"انحياز" داعش. بطبيعة الحال، رأينا
ذلك في العراق حيث يتوفر الشرطين السابقين، لا في سوريا، حيث لا يتوفر الا الشرط
الاول فقط وبشكل جزئي. بدء الامر بإجلاء داعش من الاماكن المكشوفة تماما للطيران
كسد الموصل، او القريبة من إيران حيث الامدادات من الحرس الثوري متوفرة، كجلولاء
في ديالي. او في الجنوب حيث الكثافة
الشيعية تجعل من بقاء داعش امرا فائق الصعوبة، كما في جرف الصخر. وفي الواقع ان كل
تلك "الانحيازات" حدثت قبل كوباني.
أما بعدها، فقد بدأ الزحف علي قلب المثلث السني. محافظة صلاح الدين، حيث سقطت
تكريت اولا على ما اذكر بعدما فقدت قوات الحشد الشعبي المهاجمة أكثر من ستة عشر
ألف قتيل طبقا لتقارير محايدة. بعدها سقطت بيجي ومن ثم مصفاتها الشهيرة. ولكن في
الشهور التالية، قامت داعش باخر هجوم كبير ناجح في العراق حتى الان، عندما استولت على
الرمادي، قلب محافظة الانبار. وفي وقت
متزامن تقريبا، اجتاحت فصائلها في سوريا بلدة القريتين ذات الأغلبية المسيحية في
ريف حمص، ثم تدمر الاثرية. ولوهلة بدا كما
لو ان داعش قد تمكنت من ايقاف هجوم قوات التحالف وبدأت هجوما معاكسا. الا أن دخول روسيا علي الخط وبعنف غير مسبوق،
حيث لا يكترث القصف الروسي بالمدنيين اطلاقا، وحيث لديه مزية لا توجد للتحالف
الغربي تتمثل في النظام السوري الذي يقوم رجاله بلصق الشرائح الدالة علي اهداف
القصف علي معدات داعش, مكن النظام السوري
مؤخرا من استعادة تدمر والقريتين, من التقدم علي حساب المعارضة الاسلامية
"المعتدلة" في جنوب حلب. أما في
العراق، فقد توالت هزائم داعش بسقوط سنجار الاستراتيجية المتحكمة في طريق
الامدادات بين الموصل والرقة، كما سقطت هيت منذ ايام. صحيح أن وضع التنظيم ميدانيا افضل نسبيا في سوريا،
,حيث زاد مؤخرا من رقعة موطئ القدم المتحصل عليها جنوب دمشق (في منطقة الحجر
الأسود) بإضافة أجزاء كبيرة من مخيمي اليرموك وفلسطين, كما استعاد عشرات
الكيلومترات من الشريط الحدودي مع تركيا من يد المعارضة
"المعتدلة". الا ان كسر حصاره
الطويل حول مطار كويرس, وفقدانه لمدينة الشدادي الاستراتيجية, وفشله في اتمام فتح
مدينة دير الزور ومطارها, وطرده من الضمير
قرب دمشق عكست الأزمة التي يعيشها في الوقت الراهن. مد المشاهدات الحالية على
استقامتها يشير الي ان التحالف، بعد ان قطع اوصال داعش الي جزر متفرقة، سيقوم
بمهاجمة تلك الجزر، سيما مراكزه الاساسية في الرقة والموصل بعد قليل مستعملا نفس
الاسلوب المشار اليه انفا. وبطرد داعش من
تلك المناطق الي الريف والصحراء تنتهي اسطورة داعش الي غير رجعة، حيث سيفقد
المتحمسون حماستهم ويبحثوا عن تنظيمات أخري أكثر نجاحا، وينزوي من لم يكن حماسه على
نفس الدرجة من الاتقاد ويترك الجهاد بالكلية.
الا ان الامر ليس على هذا
القدر من البساطة لأسباب عديدة. اولا، التنظيم احتفظ بقدرته على تجنيد مقاتلين جدد
بدلا ممن يسقط منهم في ميادين الوغي، وأكثر التقارير تشير الي ان عدد مقاتليه لايزال
ثابتا عند 40 الف مقاتل. ثانيا، التنظيم
لايزال محتفظا بمعظم عتاده، فاذا كان هناك ثمة فائدة "للانحياز" فهي
الحفاظ على المعدات سليمة حتى اشعار اخر. ثالثا،
يبدو من الهجمات الرهيبة التي قام بها التنظيم في فرنسا وبلجيكا انه نجح في كسب
تعاطف الكثيرين من المسلمين في الغرب، والذين عزموا على ما يبدو على الكمون كخلايا
نائمة لا تحتاج لأكثر من اشارة البدء لتنطلق مستخدمة جهودها الذاتية وقليل من الامكانيات
المتاحة للعمل ضد المجتمعات التي تعيش فيها. رابعا، المواجهات البرية مع داعش أنهكت
القوات المهاجمة ايما إنهاك واستنزفت ميزانياتها ايما استنزاف، فالحكومة العراقية الأن
مفلسة تقريبا وكلنا شاهد الصراع السياسي الذي تضمن اقتحام البرلمان من
المتذمرين. أما الحشد الشعبي فقد قتل منه الآلاف،
وهاجر كثير من افراده الي الغرب. فقدرة
التحالف على الاتيان بنفس اعداد الجحافل التي هاجمت داعش بريا بالتزامن مع الضربات
الجوية قد باتت محدودة. خامسا، استمرار الصراع غير كثيرا من القناعات بشأن داعش
وخصومها. فمن ذا الذي لايزال يعتقد أن
داعش عميلة لإيران او الاسد بعد كل الرؤوس المقطوعة من هؤلاء؟ أما المعارضة الاسلامية "المعتدلة"
والتي ظن كثير من الناس بها خيرا فقد سقطت عن وجوهها الأقنعة مؤخرا. فجيش الاسلام بقيادة علوش الذي طالما عقد عليه الاسلاميين
الآمال، تواطئ مع النظام لطرد داعش من الضمير.
وأحرار الشام هاجمت داعش شمال حلب بالتزامن مع محاولة الاخيرة مهاجمة
النظام في خناصر. وقوات
"الصحوات" السنية أعطت غطاءا سياسيا ودينيا للجيش العراقي بمهاجمة الرمادي،
حتى لا يقول الناس أن الحشد الشعبي الشيعي هو من يهاجم داعش. باختصار، استمرار الصراع من شأنه تحول الكثير
من المقاتلين الاسلاميين عن النصرة وغيرها الي داعش، اضافة لزيادة نسبة تعاطف عامة
المسلمين معها.
وعمدة القول ان المعركة مع
التنظيم لم تنته بعد. فصحيح ان سير المعارك
في الشهور الاخيرة لم يكن في صالحه، الا ان كل ما تقدم سرده من فرص مواتية تجعل من
عودته بقوة لساحة الأحداث أمرا ممكنا جدا، بل ومحتملا إذا توافرت ظروف معينة
تحدثنا عنها من قبل ويمكن أن نفصلها في مقال لاحق. فرهان التحالف هو ان طرد التنظيم من الموصل
والرقة سوف يؤدي الي هزة نفسية عنيفة لأعضائه تدفعهم لوضع السلاح والانخراط في
تنظيمات اخري اقل عنفا، او الانضمام لجماعات الاسلام السياسي غير المنتهجة للعنف. وهذا
الرهان، او ان شئت هذه الامنية، مبنية على عشرات من المشاهدات السابقة لمالات التنظيمات
الارهابية في ماضي الايام، والتي ادي القضاء على قيادتها لذوبان قاعدتها في المجتمع
الواسع بعد مراجعات فكرية وعقائدية عديدة.
لكن ما يغيب عن ذهن هؤلاء هوان عضوية تلك التنظيمات لم تتجاوز بضعة عشرات
او مئات في أكثر الاحوال. كما انها كانت
تنظيمات محصورة في مكان جغرافي محدد يسهل ضربها فيه، وكانت قناعاتها الفكرية من
الشذوذ والغرابة بحيث لا يمكن لها الانتشار خارج الدائرة الضيقة للأعضاء المفتتتنين. أما في حالة داعش، فالتنظيم من الانتشار حول
العالم ومن القدرة على الاقناع بحيث لا يمكن القضاء عليه بسهولة. ففكر التنظيم، كما أوضحنا في المقال السابق،
مأخوذ حرفيا من اقوال محمد بن عبد الوهاب، التي اتخذتها المملكة العربية السعودية
مذهبا رسميا منذ تأسيسها، بل وعملت علي نشره لعقود طويلة. كما أننا في حالة داعش لا نتحدث عن اشخاص
معدودين يؤمنون بان ارواحهم سيحملها المذنب هالي بوب عندما يقترب من الارض إذا ما قاموا
بالانتحار الجماعي. وانما نتحدث عن 40 الفا من المقاتلين المتمرسين ومائة ضعف هذا
العدد علي أقل تقدير من المناصرين المنتشرين حول العالم. وكل هؤلاء مؤمن تماما بأطروحات التنظيم الفكرية
وعلى استعداد لتقديم حياته من أجل الذود عنها. أضف الي ذلك الملايين الأخرى، (وربما
عشرات الملايين) من عوام المسلمين المعجبين بانتصارات التنظيم والمتحمسين لافاعيله
بخصومه، والذين يمكن ان يتحول الكثير منهم للصنفين الاوليين اذا توافرت الظروف. صحيح ان النوع الاخير سيكون اول المنصرفين إذا
ماحلت بالتنظيم هزيمة عسكرية ساحقة طردته من مراكزه الاساسية، ولكن ماذا بشأن
الصنفين الأوليين؟ هل سيستسلمون بسهولة، لا أظن.
فنحن اذن بصدد معركة طويلة
ودامية جدا بين النظام العالمي وتنظيم داعش، تتراوح نتيجتها بين سقوط الاول سريعا
او دخوله في نفق مظلم طويل لا مخرج منه في نهاية المطاف، يؤدي الي تغيير الحياة
كما نعرفها علي كوكب الارض. وطبعا كما هو الحال دائما نحن لا نتحدث عن سيناريوهين صلبين،
وانما عن تدرج من احتمال في أقصى اليمين الي احتمال في أقصى اليسار، وأغلب الظن ان
ما سيحدث في الواقع هو أحد الاحتمالات الوسيطة.
فلننتظر ونري