Saturday, June 29, 2013

مجاولة لقراءة المآلات المتوقعة للثلاثين من يونيو: ليلة السكاكين الطويلة المصرية

تواعدت القوي المضادة لحكومة الاخوان المسلمين في مصر علي موعد  الثلاثين من يونيو للتقاطر علي القاهرة و اسقاط حكومة الدكتور محمد مرسي, الا أن الاخير استبق الحدث بخطاب هاجم فيه خصومه و كشف طرفا من مؤامراتهم و أسرع من وتيرة الاجراءات المضادة لهم, وحشد لهم الملايين من أتباعه في القاهرة وحدها تحسبا لمكائدهم. وبينما يحبس العالم أنفاسه لما قد تسفر عنه المواجهة الفاصلة في هذا اليوم الذي يصادف ليلة السكاكين الطويلة التي تخلص فيها المستشار الألماني أدولف هتلر من خصومه السياسيين و اسس لحكمه المطلق, نحاول في عجالة تلمس طبيعة الصراع القائم في المنطقة بأسرها (وليس في مصر فقط) محاولين أن نستشرف حظوظ كل طرف في الغلبة.

هناك فرق كبير بين الاسلام كدين والاسلام السياسي كفكر حركي, فبينما يعني الأول بايجاد تصور ميتافيزيقي معين لنشأة الكون والمبدأ والمعاد , يتشابه أو يختلف مع التصورات الخاصة بالأديان والفلسفات الأخري, يعني الثاني بتنظيم علاقة الناس ببعضهم وبمجتمعاتهم علي ظهر الأرض. وصحيح أن الثاني مستلهم من الأول, الا ان نقطة التركيز مختلفة تماما, فبينما يركز الأول علي نقاء العقائد ألي الحد الذي يمكن معه أن يدفع بمعتنقيه الي اتخاذ مواقف عدائية من أبناء الديانات المغايرة (او حتي المذاهب الاسلامية الأخري كالشيعة مثلا) بناء علي اختلاف بسيط معها, يركز الآخر علي مثاليةالرؤية الشاملة لحركة المجتمع وطبيعة علاقة الحاكم بالمحكومين, علي نحو يسمح بهامش كبير من الاختلاف العقائدي بين معتنقي فكر الاسلام السياسي. فآية الله علي خامنئي (المرشد الأعلي للثورة الايرانية الحالي مثلا) ترجم كتابات سيد قطب الاخواني و استلهمها كفكر حركي للثورة الايرانية بالرغم من المحيط الشاسع الفاصل بين مذهب الاول الجعفري والثاني السني. وآية الله خوميني أطلق اسم خالد الاسلامبولي عضو الجماعة الاسلامية السلفية علي أكبر شوارع طهران دونما التفات لاختلاف المذهب, والامثلة كثيرة و لا يحصرها العد.

بينما في المقابل نجد أن المتدينين التقليديين (من غير معتنقي رؤية الاسلام السياسي) كسلفيي حزب النور في مصر أو الجامية في السعودية مثلا غالبا ما يناصبون ممارسي الاسلام السياسي العداء و ينحازون دوما الي الانظمة العلمانية او الموالية للغرب كمبارك في مصر أو آل سعود في السعودية, علي الرغم من اتفاقهم في المذهب و المدرسة الشرعية مع نظرائهم من ممارسي الاسلام السياسي (الجامية مع السرورية في السعودية كلهم وهابيون و سلفيو حزب النور و سلفيو حزب الراية مثلا كلهم سلفيون) ولكن المسألة مسألة اختلاف في رؤية كل منهم لدور الدين في الحياة, فبينما يؤمن الجامية وسلفيو حزب النور مثلا بأن الدين انما جاء لتنظيم علاقة الانسان بربه فقط ويطبقون عمليا مقوله دع مالقيصر لقيصر, يؤمن السروريون و سلفيو حزب الوطن (وطبعا الاخوان و الجماعة الاسلامية بان الدين انما هو منهج حياة ينظم حركة المجتمع أولا وقبل كل شيئ).

وعلي الرغم مما قد يبدوا ظاهريا (أو مرحليا) من اصطباغ فكر الاسلام السياسي بصبغة معينة (مثلا انه ذو توجهات اقتصادية يمينية أو اجتماعية محافظة كما هو الحال مع الاخوان في مصر حاليا) الا ان ذلك يرجع أولا وأخيرا لافكار الطليعة التي تحمل لواء العمل الحركي في فترة معينة. فمثلا خيرت الشاطر في مصر أو تجار البازار في ايران انطبعت أفكارهم بتجربتهم الشخصية كرجال أعمال ناجحين علي رؤيتهم لماهية الاقتصاد الاسلامي. ولكن بنفس المنطق يمكن أن ننظر ألي أفكار علي شريعتي اليسارية كنموذج مقابل يثبت انعدام وجود تصور ايديولوجي مميز للاقتصاد او السياسات الاجتماعية, وان الامر كله يتوقف علي اجتهاد المجتهدين في كل عصر. و الخلاصة هي أن الفكر الاسلامي السياسي (كأي فكر مثالي) ليست له أطر معينة الا أطر المصلحة العامة و السعي لتحقيق ما يتصور أتباعه أنه المدينة الفاضلة علي الأرض. وبالتالي يمكن تصوره كرحلة لانهائية من التجربة والتعديل في المنهج بهدف الوصول الي الهدف الأقصي, ألا وهو اقامة مايتصور اتباعه أنه مراد الله علي الأرض. وفي هذا فسحة وعزاء لمن لايعجبه التوجه الوقتي لقيادات الحركة الاسلامية السياسية في قطر او في بلد. فهذا التوجه بطبيعة الحال ليس توجها عقائديا نهائيا وانما هو توجه جدلي وقتي لايريد الا الاصلاح مااستطاع, فان استبان له خطأ ما عدل عن توجهه و عدل من مساره, حسب ماتمليه الحاجة ويقضي به الدليل.
وفي كل هذا, هناك مفاصلة كاملة بين الاسلام السياسي كنظام مثالي يسعي لاقامة ما يتصور أتباعه أنه العدل المطلق علي الأرض, وبين الأنظمة الوضعية التي يسعي اتباعها لتعظيم الكسب لطائفة الحكام والمستثمرين علي حساب الأغلبية المسحوقة من المواطنين علي نحو يصعب تفصيله في هذه المساحة الضيقة. ولكن الخلاصة أن مناصري هذه الأنظمة الوضعية (باستثناء المثالي منها كالشيوعية الفوضوية مثلا) لا يمكن أن تسالم أو أن تتفق مع أنظمة الاسلام السياسي مطلقا, وستظل في حالة حرب وجودية شاملة معها لأن نجاح الأولي يعني فشل واضمحلال الثانية وهكذا. ولذلك نري الآن أن الأنظمة الوضعية الرأسمالية (كأ نظمة دول الغرب واسرائيل و معظم دول الخليج) في حالة حرب مفتوحة مع الانظمة الاسلامية الوليدة التي انتجتها ثورات الربيع العربي في مصر وتونس, ومن قبل ذلك مع نظام الاسلام السياسي الذي أنتجته الثورة الايرانية في طهران, أو حتي مع محاولات أردوغان التدريجية للعوده ببلاده الي حوزة أنظمة الاسلام السياسي.

ولأنها حرب وجودية مصيرية مستمرة عبر عقود طويلة, لايمكن النظر الي موقعة فيها بمعزل عن باقي الحلقات, فكيف نفصل نجاح العدالة والتنمية في تركيا عن وصول الحرية والعدالة الي الحكم في مصر؟ وكيف يمكن غض النظر عن قيام ايران الاسلامية بتمويل حركة حماس من الابرة الي الصاروخ لتوجه أول مقاومة حقيقية لاسرائيل؟ وكيف لايمكن أن ننحني اعجابا لبطولات حزب الله في صد العدوان الاسرائيلي علي لبنان وتحريره لجنوب البلاد بعد سنوات قليلة من اجتياح اسرائيل لبيروت؟ وبالتالي فما يحدث في مصر حاليا ماهو الا مجرد حلقة من حلقات هذا المسلسل المستمر منذ سنين طويلة, مسلسل الصراع بين الاسلام السياسي و الانظمة الوضعية.

وفي شكله الجديد, حاول حاملوا لواء الدفاع عن الأنظمة الوضعية (محمد بن زايد في الامارات و بندر بن سلطان في السعودية ومحمد دحلان من اسرائيل/الأردن) القضاء علي تجربة الاسلام السياسي الوليدة في القاهرة, فجيشوا جيوش البلطجية في مصر و استخدموا قادة جبهة الانقاذ كرأس حربة وكغطاء سياسي للهجوم علي نظام الاسلام السياسي القائم في القاهرة لأنهم يعلمون تمام العلم أن استتباب الأمر له هناك, يعني أن بلادهم اصبحت في مرمي نيران حركات الاسلام السياسي المسحوقة في بلادهم وأن عروشهم أصبحت في مهب الريح.

و في رأيي المتواضع أن نجاح التيار الوضعي في اشعال حرب طائفية في سوريا و تاليب السنة علي الشيعة في المنطقة هو أكبر انجازاتهم و طعناتهم المسددة لتيار الاسلام السياسي في الفترة الراهنة, فمنذا الذي كان يتصور أن يدعوا يوسف القرضاوي أكبر القيادات السنية في العالم الاسلامي للجهاد ضد الشيعة, او ان يقوم مقاتلوا حزب الله بمذابحهم ضد السوريين في القصير؟ وطبعا جاءت مذبحة الشيعة في مصر و ماتبعها من فتور بين القيادة الايرانية والنظام المصري لتضمن عزل الاخوان في مصر عن مناصر تقليدي في طهران كان من الممكن أن يقلب المعادلات علي الارض تماما علي كل الأصعدة.

وجملة القول أن ميزان المواجهة في مصر حاليا كالأتي:

قوي الاسلام السياسي تتكون اساسا من الاخوان المسلمين والجماعة الاسلامية (بعد أن تغلب الجناح الأصلي فيها بقيادة الاخوين الزمر و صفوت عبد الغني وغيرهم من المجاهدين علي بدعة كرم زهدي و ناجح ابراهيم ومن تنكبوا الطريق في سجون أمن الدولة) وسلفيو حزب الوطن والراية (ممن عرفوا بحق أن تتبع منهج السلف الصالح لايعني تقصير الجلباب و اطالة اللحية وانما اقامة مراد الله علي الأرض) ومن يمكن أن اسميهم بالقوميين الاسلاميين كحزب العمل بقيادة مجدي أحمد حسين, و حزب الوسط (المكافئ تقريبا لحزب أردوغان في تركيا).

القوي الوضعية تتكون أساسا من فلول الحزب الوطني المنحل و أعضاء الدولة العميقة المستفيدين من فساد حكم مبارك كرجال القضاء والشرطة والمخابرات الفاسدين واساطين راس المال والاعلام المنتفع من نظام مبارك و الأحزاب الورقية لجبهة الانقاذ ممن فشلوا عبر العقود في التواصل مع الجماهير او بناء أي قاعدة شعبية فقنعوا باعطاء غطاء سياسي للفلول مقابل وعود بمناصب قيادية في حالة النجاح. يمول كل هؤلاء معين لاينضب من المال الآتي من أنظمة الامارات والسعودية والكويت يستخدم لشراء البلطجية (وتحويل اولاد الشوارع الي بلطجية) ولشراء السلاح من ليبيا تحديدا التي تحولت الي أكبر سوق للسلاح بعد انهيار نظام القذافي.

الصراع بين هذين المعسكرين صراع وجودي مصيري لن ينتهي الا بسحق وانتهاء احد المعسكرين من الوجود, و لذلك لا يمكن لعاقل تصور أن مرور يوم 30 يونيو دون تغيير يذكر علي أرض الواقع (وهو مايريده الاسلاميون) او تمكن المتمردين من اقتحام القصر الجمهوري وازاحة مرسي (وهو مايسعي اليه الوضعيون) سيدشن نهاية الصراع, لأن أحد الطرفين لن يرتضي بالهزيمة و سيعاود الكرة من جديد الي أن يسدد الضربة القاضية للطرف الثاني بسحقه تماما

أما وقود هذه المواجهة من القوي المثالية غير الاسلامية (كاليساريين و القوميين و الليبراليين الاصلاحيين) وأبناء الشعب المصري من غير المسيسين و أعضاء القوات المسلحة من غير القادة فأغلب الظن أنهم سينقسمون بين الطرفين مع زيادة في انضمامهم للقوي الوضعية بداية لتاثرهم بالاعلام و دعاياته ضد مرسي, الا ان اطلاعهم علي حقيقة الصراع (اذا ما طال أمده), ومعرفتهم ان قوي الاسلام السياسي أولا واخيرا هي قوي استقلالية نهضوية مثالية مع الاعتراف بكل أخطائها, وأن القوي الوضعية هي قوي تابعة نفعية, كفيل بانسحابهم من معسكر القوي الوضعية و انضمامهم تدريجيا للمعسكر الثاني, معسكر قوي الاسلام السياسي.


ولهذا فمحاولة التكهن بما قد تسفر عنه المواجهات يوم الثلاثين من يونيوأمر عسير أولا وغير ذي أهمية في الوقت ذاته, لأن اليوم لن يعدوا أن يكون حلقة في سلسلة متصلة من الصراع بين الاسلام السياسي و الوضعيين. الا أن الناظر الي حركة التاريخ, سيما خلال العقود السبعة الماضية, والتي شهدت صعودا مضطردا للاسلام السياسي, لابد وأن يترسخ لديه الاعتقاد أن النصر سيكون حليف هذا التيار وان طال الأمد.

Sunday, June 16, 2013

ثورات الربيع العربي من خلال منظور عالمي

كل حدث له أكثر من بعد, وكما أننا كمصريين مثلا اعتدنا علي النظر الي الأسباب المباشرة للاحتلال البريطاني لمصر سنة 1882 (من وجهة نظرنا الاقليمية المحدودة) المثمثلة في الصراع بين عرابي والخديوي توفيق, ينظر العالم اليه كخطوة متعمدة أقدم عليها التاج البريطاني لضمان الحصول علي القطن المصري بدلا من القطن الامريكي (الذي توقفت امداداته بسبب ظروف مابعد الحرب الأهلية الأمريكية) واللازم لتشغيل مغازل النسيج الانجليزية, عماد الصناعة البريطانية في ذلك الوقت. وبنفس الطريقة يمكن أن ننظر الي أحداث تاريخية كثيرة بعضها لم يمض عليه وقت طويل كالغزو الامريكي للعراق مثلا, وبعضها موغل في القدم كحرب طروادة. وفي كل الأحوال يلعب ما يعتقد الناس في حينه أنه السبب المباشر للحدث دور المبرر الوقتي الذي يركن اليه الناس, بينما يبقي السبب الحقيقي غالبا معروفا فقط لدائرة ضيقة من صناع القرار و المحللين ذوي النظرة الثاقبة, الي أن يمر وقت كاف, و يخرج المسكوت عنه الي دائرة العلن, وعندها تتغير نظرة الناس الي الأمور, بعد أن تكون قد صارت أحداثا تاريخية لا يمكن تغييرها.

وحدثنا الليلة الدي نود الحديث عنه هو ثورات الربيع العربي التي كانت ومازالت المتغير الأكبر علي الساحة الاقليمية. و لفهم ما حدث (ويحدث) دعونا ننحي جانبا انتمائتنا السياسية والعقائدية, والتي قد تدفعنا لتفسيرات تتسق مع نظرتنا الايديولوجية للأمور, او قد تؤدي بنا الي تصوير الأحداث علي غير النحو الذي جرت به الأمور. فمثلا أنا كيساري قد تدفعني قناعاتي بفساد نهج الاسلاميين الي تصوير تصدرهم الي المشهد السياسي في مصر وتونس علي انه ناجم عن تآمرهم مع أمريكا وقوي الرأسمالية الرجعية العالمية ضد الجماهير الكادحة للوصول الي تفاهمات تضمن استمرارهم في الحكم مقابل استمرار التبعية للغرب. وقد تدفع كراهية شيعي بحريني الي تصويره لما حدث في بلاده كثورة من ثورات الربيع العربي ضد الحاكم الظالم حمد. وبالمثل, قد تدفع أحقاد الاخوان المسلمين السوريين (سيما بعد احداث حماة في الثمانينيات) و كراهية سلفيي مصر والسعودية لنصيريي سوريا الي تصوير ما يجري هناك علي انه احدي ثورات الربيع العربي. فدعونا ننحي جانبا, بادئ ذي بدء, كل قناعاتنا العقائدية و لندر مع الدليل حيث دار.

أولا ماهو مفهوم الثورة الذي يفهمه القاصي والداني دون الدخول في تعقيدات فلسفية؟ الثورة هي نقض لنظام الحكم الذي داب عليه الناس من خلال مجموعة من اعمال العصيان او الاحتجاج او العنف تقوم به أغلبية الشعب, او الاقلية التي يؤيد الشعب أفعالها بشكل واضح. هذا المفهوم هو مايتبادر الي الذهن عند تأمل الثورات الثلاث الاكبر في التاريخ الحديث (الامريكية, والفرنسية, والسوفيتية) بالرغم من الاختلاف بينها في الوسائل و طرق العمل الثوري. الا أن احدا لايستطيع ان يدعي مثلا ان جموع الفرنسيين لم ترد تحطيم الباستيل او ان غالبية الروس لم يودوا التخلص من نير القيصر. لأن هذا لو كان هو الحال لانبروا للدفاع عن هذه الأنظمة, أو علي اقل تقديرلامتنعوا عن تأييد الأقلية الثائرة, ولانعكس هذا الامتناع علي حظوظ تلكم الأقلية في النجاح. ولكن ما حدث في كل هذه الأحوال, ان الطليعة الثورية لاقت دعما غير متناه من الجماهير المتعاطفة, تمكنت بفضله من اكتساح كل الحواجز الأمنية أو القوات العسكرية التي كانت أشد شراسة في التصدي للثوار من أي نظام معاصر.

وبنظرة سريعة الي أحداث مايسمي بالربيع العربي, نجد أن ثلاثا فقط من هذه الثورات ينطبق عليها التعريف الموضح أعلاه. الا وهي الثورات التونسية والمصرية واليمنية علي الترتيب. ففي كل من هذه البلاد, تضافرت مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية علي تهييج جموع الشعب, فانطلقت تعبر عن نفسها في شكل مظاهرات حاشدة لم تعد تجدي معها بطش الاجهزة الامنية او الوعود البراقة للحكام, فسقطت الأنظمة السابقة (مع التحفظ الكبير علي تعريف المقصود بالسقوط لأن الأنظمة بالمفهوم العميق لم تزل قائمة, ولكن لنقل علي الاقل سقطت رؤوس الأنظمة). التشابه بين هذه الدول الثلاثة ينحصرفي اقتصادات ضعيفة لاتقوم علي تصدير النفط ولا تعتمد علي قاعدة صناعية قوية, فساد متفش للطغمة الحاكمة, تبعية كاملة للمنظومة السياسية والاقتصادية الغربية, وجموع كبيرة من الجماهير الغاضبة الجائعة. لم يكن هناك شك اذن في انها مسألة وقت, وكان الامر متوقفا فقط علي توفر القشة التي تقصم ظهر البعير وتشعل الثورة كما سبق تناوله في مقال سابق. أما البلاد الثلاثة الأخري والتي حدث فيها شيئ مشابه فيجدر بنا ان ننظر في أمر كل منها علي حدة.

ليبيا دولة نفطية غنية, كان من المنتظر أن يحول غناها دون ان يصل الغضب بالشعب الي الحد الذي يدفعه للثورة والتضحية بالغالي والرخيص. و من لا يصدق فعليه النظر الي الدول الخليجية الثرية و ليسأل نفسه ان كانت الثورة محتملة هناك. أما مايشار اليه من فساد العقيد القذافي المالي و دكتاتوريته وشذوذه فهي مما لايقارن بفساد أو نهب أي من حكام الخليج لثروات بلادهم. علي الأقل, العقيد القذافي بدأ حياته كثائر زاهد مثالي النزعة (كما يشهد بذلك اعدائه قبل اصدقائه) وان كان ذلك قد تغير او تبدل مؤحرا فمن المؤكد أنه لم يكن بالقدر الذي يتفوق به علي حكام الخليج ويستعي ثورة شعبه عليه (علي أقل تقدير قبل ثورة شعوب أخري أكثر فقرا وجوعا كالمغرب مثلا).

البحرين قد تكون أفقر بلاد الخليج, ولكنها علي فقرها النسبي غنية جدا بالمقارنة مع باقي البلدان العربية لقلة عدد سكانها و لموقعها المتميز كجزيرة سياحية لراغبي الترفيه من ابناء دول الخليج الأخري, و كمحطة للصيارفة ورجال الأعمال. وعلي ذلك لم يصل تدني الاحوال الاجتماعية او الاقتصادية فيها الي الحد الذي يظن معه قيام ثورة.

أما سوريا فهي بكل تأكيد بلد فقير لعدم وجود النفط فيه, الا أنه لم يصل به تدهور الاحوال حدا يدفع أبنائه للثورة علي حكامه كما حدث في مصر مثلا. اما مايشاع عنه من انه نظام طائفي فهذا ليس بصحيح. فحزب البعث الحاكم حزب علماني قائم علي عدم التمييز بين الطوائف الدينية المختلفة, وما اصطدامه بالاخوان في الثمانينيات الا لأنهم ارادوا الانقضاض علي النظام العلماني وتحويله الي نظام اسلامي. كما أن تحالفاته مع ايران او حزب الله ماهي الا تحالفات سياسية, فاي مبتدء في علوم الأديان يعلم أن الفروق العقائدية بين نصيرية سوريا و جعفرية لبنان او ايران لا تقل عن الفروق بين هذه الأخيرة والسنة. أما من حيث أنه نظام قمعي, فهذا ينسحب علي كل الأنظمة العربية (بما فيها التي تدعي الديمقراطية كالأردن والمغرب مثلا) وعلي اية حال, فنظام الأسد لايقارن في قمعيته مثلا بنظام صدام حسين البائد الذي لم تثر ضده ثورة شعبية متكاملة, ولم يسقطه الا الاحتلال الأجنبي.

ماذا حدث اذن في هذه البلدان الثلاثة؟

الذي حدث بالضبط هو ما يحدث في المشاجرات الجماعية بين عدد كبير من الناس, وتستخدم فيها كل الاسلحة البيضاء والنارية. اذ ينتهز أحد الأشخاص غير المشاركين في المشاجرة الفوضي الناجمة عن الاقتتال لتصفية حساباته مع بعض أعدائه المتواجدين في ساحة المعركة, عن طريق تسديد بعض الطعنات لهم أو اطلاق الرصاص عليهم, فعندها, و بسبب الاشتجار الدائر, يصعب جدا الوصول الي الجاني الأصلي, وغالبا ما يظن الناس أن الضحية سقطت لأنها كانت طرفا في الاقتتال الدائر مع أن ذلك ابعد مايكون عن الحقيقة.

أذن أغلب الظن أن ماحدث في هذه البلدان الثلاثة, سوريا وليبيا والبحرين, لم يكن من ثورات الربيع العربي بالمعني المفهوم, اولا لانتفاء الدوافع الموضحة أعلاه في حالات تونس ومصر واليمن, وثانيا لأننا لم نشاهد أمثال تلكم المسيرات المليونية الهادرة و الاعتصامات أمام دبابات الجيش في عواصم تلك البلاد, والتي ميزت العمل الثوري في القاهرة وصنعاء مثلا. انما كل ما شاهدناه هو مظاهرات اما محدودة المكان (ممظاهرات درعا التي بقيت في تلك المدينة الصغيرة التي يثير وقوعها بالقرب من الحدود الاردنية الكثير من التساؤلات أكثر مما يقدم من الأجوبة) أو محدودة المشاركة (كمظاهرات البحرين مثلا التي لم يشارك فيها الا الشيعة). وفي كل الأحوال النمط واحد لا يتكرر: تظاهرات محدودة العدد متركزة في مكان جغرافي واحد غالبا ما يكون خارج العاصمة (باستثناء البحرين التي لاتوجد بها من المدن الا العاصمة) لأيام عديدة بغية استثارة باقي أبناء البلاد للانضمام الي "الثوار" و القيام بمظاهرات مماثلة في مدنهم الأصلية. وعندما تفشل هذه الخطة ولا يستجيب أبناء المدن الكبري او العاصمة (لانعدام الاسباب الحقيقية التي يمكن أن تدفعهم للثورة) نبدأ بالسماع عن أحداث عنف وفظائع و جرائم ضد الانسانية تقوم بها الاجهزة الامنية ضد الأعداد المحدودة للمتظاهرين (بما يتناقض مع المفترض أن تقوم به هذه الاجهزة الامنية من ترك المظاهرات المحدودة تذوي وتنتهي من تلقاء نفسها). هذه الفظائع غالبا ما تبدأ باغتصابات للنساء (بما يتناقض ايضا مع المفترض أن تعلمه الاجهزة الامنية المتمرسة ان مثل هكذا أعمال من شأنها اثارة حفيظة الجماهير العربية المحافظة علي الأغلب) و يتطور الأمر الي مذابح للأطفال والنساء والشيوخ تقوم بها قوات النظام بشكل طائفي او قبائلي انتقائي (العلويون الحاكمون ضد السنة المتظاهرين في درعا, السنة الحاكمون ضد الشيعة المتظاهرين في البحرين, القبائل الموالية للقذافي في الغرب ضد المتظاهرة ضده في الشرق, الخ). ويتفاقم الأمر بتدخل عناصر خارجية تتفق مع الطغمة الحاكمة في المذهب او الايديولوجية السياسية ضد الأقلية المتظاهرة (حزب الله + الحرس الثوري الايراني الشيعي مع الاسد الشيعي ضد السنة في سوريا, السعوديون السنة مع آل خليفة السنيون ضد البحرانيون الشيعة, التشاديون المرتزقة الذين بايعوا القذافي ملكا لملوك أفريقيا مع القذافي و قبيلته ضد القبائل الثائرة عليه وهكذا) و عندما تكون الامور قد وصلت لهذا الحد, تكون الطائفة المراد تثويرها بكل السبل (السنة في ثوريا, الشيعة في البحرين, الشرقيون في ليبيا) قد وصل بها الغضب من المذابح و التدخلات الخارجية كل مبلغ, فتثور فعلا و يحتدم الاقتتال الداخلي, و يتحول الأمر الي حرب أهلية, لا ثورة.

السؤال الذي يطرح نفسه هو عن الجهة التي أرادت استغلال فوضي ثورات الربيع العربي لتسديد طعنات قاتلة لحكام هذه البلاد الثلاثة (سوريا وليبيا والبحرين). و للاجابة دعنا نرجع الي البلاد الثلاث التي حدثت فيها ثورات حقيقية (تونس ومصر واليمن) لنري من الذي أضير من هذه الثورات, لأنه غالبا من يقف وراء كل (او معظم) الحروب الأهلية المشار اليها في الدول الثلاث الأخري. و بنظرة سريعة لكل من بن علي ومبارك وعلي عبد الله صالح نجد انهم عملاء للغرب, جعلوا من بلادهم أفنية خلفية لأجهزة الاستخبارات الغربية و تعاونوا مع اجهزتها الامنية للقضاء علي اي مشروع وطني او قومي. فمن قمع بن علي للهوية العربية وفرنسته لتونس الي تعاون مبارك مع اسرائيل وخنق حماس ووقوفه ضد المقاومة اللبنانية الي انبطاح علي عبد الله صالح امام امريكا و سماحه لطائرتها بدون طيار بالغدو والرواح في مجاله الجوي, تقتل اعداء امريكا في كل ربع من ربوع اليمن دون عقاب. الغرب اذن هو الخاسر الأكبر من ثورات الربيع العربي الثلاث. ماذا بشأن دول الحروب الأهلية؟ لو استطعنا اثبات أنها كانت أنظمة معادية للنفوذ الغربي لاتسقت النظرية و لاستقام التفسير. الأمر سهل نسبيا بالنسبة لسوريا, التي وقف نظامها مع ايران ضد الغرب, وكان داعما (مباشرا او غير مباشر عن طريق ايصال الدعم الايراني) لكل من حماس وحزب الله. اذن من المنطقي أن يسعي الغرب "لتثوير" السوريين ضد نظامهم. ونفس الشيئ في ليبيا التي لا ينسي الغربيون تفجير رئيسها للطائرة في لوكيربي ودعمه للعمليات الفدائية طيلة فترة السبعينيات والثمانينيات. حتي ما يشاع عن انبطاحه أمام الغرب بعد القضاء علي صدام حسين لم يكن الا موقفا تكتيكيا حيث تشير بعض التقارير الغربية ان القذافي لم يزل معاديا للغرب في قرارة نفسه, ولم يقتأ يحاول ايجاد تكتلات بديلة للوحدة العربية التي ياس منها كالتكتل الافريقي للساحل والصحراء.

تبقي البحرين عصية علي التفسير لان ملكها يسير في الركب الغربي. ولكن بنظرة الي الجانب الآخر من الخليج الفارسي نجد التفسير, فايران لم تتوقف يوما عن محاولة تاليب شيعة الخليج علي حكامهم السنة, وقد وجدت في الربيع العربي الفرصة الذهبية لتسديد بعض الضربات تحت الحزام في لاضعف هذه الانظمة تماسكا, ألا وهو نظام البحرين السني الذي يحكم أغلبية شيعية.

اكتمل لدينا الآن اذن التصور الشامل لما حدث (ويحدث) في المنطقة. ثورات تلقائية من شعوب ثلاث بلاد عربية (تونس, مصر, اليمن)  
مطحونة بالفقر مسحوقة بالقمع مجبرة علي التبعية للغرب من قبل حكام فاسدين لا يتورعون عن التضحية بشعوبهم علي مذبح شهواتهم. الثورات تتسبب باحداث زلزال داخل مراكز صنع القرار في الغرب الذي اصبح علي وشك فقدان ثلاثة من أهم أنظمته العميلة في المنطقة. بينما تبدأ الدوائر السياسية في حسابات المكسب والخسارة و محاولة احتواء ماحدث (والانقضاض عليه ان أمكن), تدرك الاجهزة الاستخبارية لتلك الدول الفرصة السانحة, وتسدد بعض الطعنات و الضربات لنظامين عربيين معاديين (سوريا وليبيا) قد أعيتهم الحيلة فيهما عبر السنين, وجاء الربيع العربي كفرصة ذهبية للقضاء عليهما. تري ايران مايحدث فتخشي علي نظامها الحليف في دمشق من السقوط, فتقرر اللعب مع الغرب بنفس الأسلوب عن طريق "تثوير" الاغلبية الشيعية في البحرين.

ماذا يعني كل هذا لنا نحن شعوب المنطقة؟ قد لايعني المثير اذا كنا واقعين تحت رحي أحد هذه الحروب الأهلية. فماذا يعني كل ذلك اذا كنت سنيا سوريا قد اغتصبت زوجته وقتل والده و نهبت أمواله من قبل شبيحة الاسد او ميليشيات حزب الله؟ و ماذا يعني اذا كنت شيعيا بحرانيا قد حدث لي نفس الامر من القوات السعودية؟ الواقع في اتون الاحداث اذن معذور لأن عواطفه و كوارثه الشخصية تحول بينه وبين النظر الي الامور بشكل شمولي. ولكن من حسن الحظ أن أغلب مواطني المنطقة غير متعرضين بشكل مباشر لأحد هذه الأهوال ويمكنهم التفكير بشكل سليم.

والخلاصة هي ان كل الأحداث الجارية في منطقتنا يمكن تفسيرها من خلال منظور الصراع بين الغرب (وراعية مصالحه اسرائيل) الذان كانا حتي وقت قريب جدا مسيطرين بشكل كامل ومطلق علي كل مقدرات الامور في المنطقة وبين مجموعة متنافرة من القوي الصغيرة ذات المشاريع الحضارية المتناقضة والتي لايجمعها سوي الرغبة من فكاك الهيمنة الغربية. فمن هذه القوي الصغيرة ايران التي كانت ولا تزال ثورتها ذات بعد اسلامي أممي اكثر منها ذات بعد شيعي طائفي. ومن هذه القوي الاخوان المسلمون الساعين لاعادة الخلافة الي العالم الاسلامي كخطوة اولي نحو ريادة العالم. ومن هذه القوي روسيا سجانة الشعوب, التي قامت كالعنقاء من بين رماد الاتحاد السوفياتي لتبحث عن دور و سيادة لها كقوة عظمي جديدة. ومن هذه القوي اليسار الجديد الذي يحاول تجنب أخطاء التجارب السلطوية السابقة و اقامة تكتلات تعاونية تحقق مصالح البشر لا الانظمة. ومن هذه القوي القوميون العرب الذين أكسبهم الأعلام الجديد روحا جديدة فوصلوا الي اجيال صاعدة و يسعون الآن لتحقيق حلم الوحدة العربية الذي عجز عنه اباؤهم و اجدادهم.


فالمشكلة الحقيقية للقوي الصغيرة اذن انها لايجمعها اي عقيدة ايديولوجية او دينية, بل ان الكثير منها يجد في التحالف مع الطرف الآخر (الغرب المهيمن ذو السيطرة المتآكلة تدريجيا) أمرا اقرب الي المنطق من التحالف مع الفرقاء الاخرين. فالسلفيون وكثير من الاخوان المسلمين يرون النموذج الاقتصادي الغربي نمطا اقرب لفهمهم من الاقتصاد الاشتراكي, ونفس الفئتين يفضلون الموت في خندق واحد مع جندي امريكي او فرنسي علي الموت مع رافضي او علوي. والقوميون واليساريون في مصر يفضلون التحالف مع الفلول الواقعين تحت الهيمنة الغربية, من التعامل مع الاسلاميين الذين لايطيقونهم وهكذا. والناظر الي مثل هذه التناحرات لا يلبث أن يصيبه الياس والقنوط و التسليم بانتصار مشروع الهيمنة الغربية. ولكن كما أن تفضيلنا للنظرة العالمية للاحداث المحلية أنقذتنا من الوقوع في براثن تفسيرات سطحية, فان النظرة التاريخية لمنطقتنا عبر اربعة عقود تشير الي تراجع مضطرد لخط الهيمنة الغربية و صعود مستمر للنزعة الاستقلالية. فمن كان يصدق ان تصمد الثورة الايرانية وتغدو علي وشك الانضمام الي مصاف الدول النووية؟ ومن كان يصدق ان اللاجئين الفلسطينيين الذين شاهدناهم اطفالا يتسولون منا الخبز سيكون لهم كيان يطلق الصواريخ علي اسرائيل من غزة؟ ومن كان يتصور أن لبنان التي دهست عاصمتها الدبابات الاسرائيلية ستطرد المحتلين ثم تردعهم ثانية عندما يحاولون الكرة مرة أخري؟ ومن كان يصدق أن نظاما عميلا تابعا كنظام مبارك سيسقط, وأن الاسلاميين المستضعقين سيصلون الي سدة الحكم؟ الأمور ليست علي الدرجة التي تبدوا عليها من السوء اذن, ومن يدري, فربما نري شعوبنا و قد تحررت من التبعية فيما بقي لنا من حياة.