من تابع وقائع المؤتمر الصحفي للجنة
الانتخابات الرئاسية بالامس, وشاهد اللغة الجسدية واالفظية للمستشار فاروق سلطان
رئيس المحكمة الدستورية العليا, لابد وأن يكون قد خرج بانطباع يشبه اليقين أن
المجلس العسكري عازم علي تزوير الانتخابات للفريق شفيق. فلغة البيان لاتتناسب
اطلاقا مع الهيبة والوقار المفترضين لرؤساء السلطة القضائية في مصر, وانما يفيض
بالمديح لرجال الجيش والشرطة والقضاة والموظفين علي ماقاموا به من مجهود, ويهنأ
الشعب علي "عرسه الديمقراطي" ويدعوه للخروج بأعداد أكبر في جولة
الاعادة. وربما لاتلفت تلك التفاصيل البسيطة انتباه معظم الناس, ولكن القانونيين
منهم –سيما من هو عليم بالممارسات المشابهة في دول العالم المختلفة- لابد وأن
يهوله انعدام اللغة المهنية الوقورة التي تقتصر علي اعلان الحقائق في مثل تلك
البيانات, واستبدالها بهذا الكم الهائل من الثناء, الذي يعيد الي الاذهان صورة
الكابتن لطيف رحمه الله وهو يشكر الجميع علي خروج المباراة بشكل مرض.
الا ان ما ضيعه سلطان من وقار المتن, استعاض
عنه بتعال مفرط علي الصحفيين, الذين تعامل مع أسئلتهم بشكل لا يخلو من الوقاحة,
وبأسلوب ينم عن تنمر وتحفز من يتعمد المراوغة والمناورة, ولا يدخر وسعا في احباط
سائله والتهرب من اجاباته. أما موضوعا فقد رفضت اللجنة كل الطعون المقدمة لأسباب
شكلية, أشك كثيرا ان المحامين المتمرسين الذين قدموها قد وقعوا فيها, وحرصت علي
التظاهر باداء واجب المتابعة والتقصي, بان أعلنت اكتشافها لاخطاء حسابية تافهة
لاتقدم ولا تؤخر, لتعطي انطباعا للمستمع الساذج أن اللجنة لاتفوتها شاردة ولا
واردة الا أحصتها, ,وانها لم تدع بابا للشك الا سدته
وكل ذلك يغلب الظن أن سلطانا ومن لف لفه من
أعضاء اللجنة وماهم الا أذناب للمجلس العسكري علي أي حال, قد عقدوا العزم علي
توسيد الامر لشفيق علي النحو الموضح في المقال السابق.
وكما توقعنا, فقد ألقت اللجنة ببعض الملهيات في طريق صباحي وابا الفتوح لتصرفهما
عن الاصطفاف خلف مرسي في جولة الاعادة. فمن آمال سرابية اولية في الدخول الي جولة
الاعادة في حالة صباحي, الي التضخيم من الانا العليا للرجلين عن طريق الاعلام,
استطاع النظام أن يوحي الي الرجلين أن لديهما الكتير من الاتباع المخلصين الذين
يصلحون نواة لاحزاب قوية, أو حملات انتخابية مستقبلية تحملهما الي قصر الرئاسة,
فرفضا الالتقاء بمرسي حتي الان, وحملاه علي اراقة ماء وجهه والظهور بشكل متدن في
لقاءاته ومؤتمراته الصحفية, وهو مالن يفيد كثيرا في بناء "الهالة
الرئاسية" اللازمة للنجاح ان كان هذا لايزال ممكنا علي أي حال بعد أن اسفر
النظام عن وجهه القبيح.
ولكن هذا ليس موضوعنا الليلة. موضوعنا هو
ماذا يفعل مرسي وقد استبان لكل ذي لب أن فرصته بالغة الضعف ازاء عزم المجلس تزوير
الانتخابات. وللاجابة علي هذا السؤال دعونا نتلمس الحالة الوحيدة التي يمكن أن
ينجح فيها. وهي حال اقتصار التزوير علي مااستخدم منه حتي الان, من رشوة فقراء
الناخبين, وحمل موظفي الدولة علي التصويت قسرا, وتسجيل رجال الجيش بالمخالفة في
كشوف الناخبين. أن اقتصر الامر علي ذلك فان لمرسي فرصة قائمة في الفوز, لانه حتي
مع استخدام هذه الوسائل, لم يحصل شفيق وموسي مجتمعين الا علي مايساوي ثلث الاصوات,
وبالتالي يمكن الفوز نظريا لمرسي ان استطاع حصد كل أو جل أصوات "مرشحي الثورة"
كما يطلق عليهم
ولكن لكي يتمكن مرسي من ذلك, يجب عليه أن
يدرس سيكولوجية الناخب الذي صوت لأولئك المرشحين, وتعديل خطابه الانتخابي في
الفترة المتبقية, بما يضمن استمالته والنفاذ الي قلبه وعقله بغرض الحصول علي صوته.
وهو اذ ينجح في ذلك انما يستغني عن الحاجة الي التاييد المباشر من المرشحين الذين
صوت لهم أولئك الناخبون في الجولة الاولي آنفا, وسيرغمهم علي المجئ اليه صاغرين
بعد أن يروا أن خطابه قد تغير بحيث بات قادرا علي جذب مؤيديهم دون الحاجة الي
اعلانهم (المرشحين) الاصطفاف حوله. فماذا يريد هولاء الناخبون الذين صوتوا لحمدين
صباحي أو ابي الفتوح أو حتي أولئك الذين قعدوا عن التصويت بعد أن خاب أملهم في
دخول ابي اسماعيل او البرادعي حلبة السباق؟
أولا: يكره كل هولاء المجلس العسكري كراهية
التحريم. ويعتقد معظمهم انه افتعل او سمح بالمذابح المتكررة في التحرير ومحمد
محمود والعباسية وبورسعيد وغيرها لكي يستمر في سدة الحكم. كما أن لكثيرين منهم
ثارات شخصية عند جهاز الشرطة وأمن الدولة, وأحدثهم اكتوائا بناره هم جماهير
السلفيين الذين نحروا في العباسية علي ايدي بلاطجته المتنكرين في زي مدني. ولذا
ينبغي علي مرسي أن يتخذ خطابا متشددا تجاه المجلس العسكري وقيادات الداخلية, والا
يدخر وسعا للتلميح والتصريح باعتزامه احالتهم للتقاعد والمحاكمة, وانزال اقصي
العقوبات علي من يثبت عليه منهم تهما جنائية, فهو ان فعل ذلك ضمن اصوات معظم الراديكاليين
واسر الشهداء وجمهور السلفيين الموتورين ولم يخسر أصوات الاخوان التي تصوت علي
الهوية في كل حال.
ثانيا: ياسف معظم هولاء علي التردي الذي اصاب
دور مصر في العالم العربي والاسلامي علي يد مبارك وزمرته, ويأملون في استعادة
دورها الاقليمي سيما في مواجهة اسرائيل. ولذا يتوجب عليه التضرع الي عواطفهم
القومية المشبوبة بخطاب يشدد فيه النكير علي النظام السابق (ومن يسعون لاعادة
انتاجه) ممن قزموا دور مصر وجعلوها ألعوبة في يد الدول الكبري والصغري علي السواء.
وعنده من مخازي النظام القديم الجديد الكثير ابتداءا من تصدير الغاز الي التغاضي
عن مذابح غزة الي السماح للمتهمين بالسفر الي مهزلة الجيزاوي وهلم جرا.
ثالثا: يعاني معظم أفراد هذه الكتلة
التصويتية من الفقر والفاقة و ويشعرون بالحقد الدفين علي من اثري بغير حق في عهد
مبارك. وهنا ياتي دور التركيز علي العدالة الاجتماعية في الاسلام, ورد فضول اموال
الاغنياء علي الفقراء, وتطبيقاتها الحديثة من ضرائب متدرجة وشبكة ضمان اجتماعي
وخلافه مما لايرقي الي مرتبة الاشتراكية, ولا يخيف اصحاب الاموال من الناخبين,
ولكنه يتسق مع جوهر الاسلام ويستميل قلوب الفقراء.
أن التزم مرسي بهذه الامور الثلاثة في خطابه
الانتخابي, فانه يكون قد وضع نفسه علي يسار الاخوان وخارج المألوف من مماراساتهم
التاريخية, ولكنه يكون قد اقترب حثيثا من وسط الكتلة التصويتية الغالبة للشعب
المصري, ويكون قد زاد من احتمالات حصوله علي تأييدها في انتخابات الاعادة. صحيح أن
هذا الخطاب لن يأتي له باصوات مسيحية, ولكن هذا غير مؤثر لانهم لن يصوتوا له علي
اية حال بالاخذ في الاعتبار خلفيته الاخوانية. صحيح أنه قد يغضب كبار رجال الاعمال
والمستثمرين, ولكن هولاء هم القاعدة الاساسية لشفيق في أي ظرف ولن يصوتوا له وان
طلعت الشمس من المغرب. صحيح أن خطابه العدائي المقترح تجاه المجلس العسكري
والداخلية سيوغر صدرهما عليه, ولكن صدرهما موغر علي أية حال, وهم عاقدون العزم علي
تزوير الانتخابات في الحالتين وقدرتهم اضعف علي النيل منه ان التفت الجماهير حوله.
أما الاخوان, فباستطاعتهم دائما التبرؤ من
مرسي بعد خسارته والقول بانه نهج نهجا متطرفا منفردا لحرصه علي الفوز, وبذلك
يمكنهم العودة الي العمل مع النظام من خلال البرلمان اذا نجح شفيق وهو المتوقع علي
اي حال. أما اذا حدثت المعجزة ونجح مرسي, فعندئذ تكون جماعة الاخوان هي الرابح
الاكبر, وتكون قد خرجت من شرنقتها الطائفية الضيقة الي رحابة الاجماع الوطني.
دعوه يجرب فماذا عساه أن يخسر؟
No comments:
Post a Comment