Friday, April 18, 2014

هل يؤدي التضييق علي الاخوان لصعود الجهاديين؟

لغرب في مشكلة حقيقية مع الاسلام السياسي.  بساطة شديدة، الطرح الاجتماعي للإسلام السياسي اللي بيتصدي لكثير من مشاكل السلطة وتحكم الثروة في مقادير المواطنين العاديين بيخلي الإسلام كنظام سياسي موعود لاهوت تحرير وخلاص للجماهير المقهورة اليائسة من الأوضاع الاقتصادية الظالمة للنظام العالمي المعاصر في معظم أنحاء العالم. أضف الي ذلك ان ارتباط هذا الطرح السياسي عضويا بالعقيدة الدينية للمتلقين بيجعل الإسلام السياسي هو البديل المنطقي للأيديولوجيات اليسارية المختلفة بالنسبة للعلمانيين وغير ذوي المرجعية الدينية. باختصار، الاسلام السياسي هو ايديولوجية الخلاص التقليدية لأي مسلم يعاني اقتصاديا أو اجتماعيا في أي بقعة من العالم، وهم الأكثرية بين كل المسلمين في عالم اليوم علي أي حال.  واللي مش مصدق يروح يحضر أي خطبة جمعة في أي جامع في أوروبا أو أمريكا عشان يشوف ازاي تيارات الاسلام السياسي سيطرت علي عقول وقلوب المسلمين، بحيث أن خطب الجمعة كلها تقريبا مسيسة وبتشكل عقلية ولاوعي المسلم المقيم في الخارج بأدبيات الإسلام السياسي. هل ده بيحصل بشكل عفوي, والا بسبب ان اكبر منظمات إسلامية مسيطرة علي معظم المساجد في الخارج هي منظمات اخوانية بشكل او بآخر (زي مجلس الإفتاء في أوروبا والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في أمريكا الشمالية) غير واضح بشكل كامل, لكن الواقع المشاهد هو أنه أجيال كاملة بتتولد وتكبر علي هذا الفكر في الخارج.  فاذا أخذنا في الاعتبار التكاثر الديموغرافي الزائد عن المتوسط للمسلمين في بلاد المهجر، زائد الهجرة المستمرة من الشرق الأوسط وآسيا، زائد اعتناق الآلاف من الأوروبيين للإسلام كل سنة لأسباب تتعلق بالإفلاس الروحي للحضارة الغربية المعاصرة, حنصل لنتيجة منطقية مفادها انه سيطرة فكر الإسلام السياسي علي جموع المسلمين في الخارج (ومن ثم في الداخل لاعتبارات لا يتسع المجال لذكرها هنا) مسألة وقت فقط.  يعني ممكن أحاول تأخير العملية دي, أو ابطاء التحول ده  بعض الشيء, لكن مش ممكن أعكسه أو حتي أوقفه. 

وطبعا بما أن "المشروع السياسي الاسلامي" له خصائص تتصادم علي طول الخط مع المشروع الحضاري الغربي المعاصر (أيديولوجيا علي الأقل ان لم يكن تطبيقيا)، فانتشار وتغلغل فكر الإسلام السياسي بين مسلمي الغرب (والشرق بالتبعية) لا يمثل أخبارا جيدة للغرب علي الاطلاق.  وحتى محاولات تفريغ الإسلام كدين من محتواه السياسي وتحويله لمراسم طقسية متشددة دون أي بعد اجتماعي أو سياسي كالوهابية أو السلفية الدعوية من ناحية، او اختزاله لممارسات روحية كالصوفية من ناحية أخري لا تلاقي نجاحا كبيرا بين المسلمين المتعطشين للعدل علي الأرض وليس لمجرد ممارسات شكلية او روحية لا تغير شيئا علي أرض الواقع. ولذا فكلنا يلاحظ أن هذه التيارات او الحركات التي تحيط ببداياتها دائما ملابسات مشبوهة، توحي أنها صنعت أو أدخلت خصيصا للحقل الإسلامي لمقاومة الإسلام السياسي، كلنا يلاحظ انها بشكل أو بآخر غالبا ما تنتهي منطقيا ألي صورة أو أخري من صور الإسلام السياسي بمقاومته للاستكبار وحكم الطاغوت وسعيه لإقامة العدل علي الأرض.  فمن رحم السلفية الانعزالية نشأت السلفية الجهادية مثلا، والتي تعتبر من أعنف حركات الإسلام الساسي وأكثرها ثورية.  وحتي الحركات الصوفية بتركيزها علي البعد الروحي هي من أنجبت مقاومة السنوسية للإيطاليين قديما, والنقشبندية للأمريكان حديثا.  فاذا أخذنا نظرة أكثر تفحصا لداخل الاسلام السياسي نفسه، سنلاحظ اتجاهين كبيرين أساسيين. طبعا ده تبسيط مخل، لأن الصورة أكثر تعقيدا من ذلك بكثير، لكن للتوضيح وتقريب الفكرة خلينا نعتبرهم اتجاهين أساسيين في الجانب السني من الإسلام السياسي علي الأقل.  اتجاه بيقبل بشكل الدولة الحديثة، من ناحية مؤسساتها الديمقراطية المستقاة من الفكر السياسي الغربي المعاصر، بما فيه التحاكم للانتخابات كألية للوصول للسلطة، والعمل من خلال منظمات المجتمع المدني والنقابات لحشد التأييد الشعبي للبرنامج الانتخابي.  فضلا عن الاستعداد للعمل من خلال اقتصاديات السوق, ودمج اقتصاد الدولة "الاسلامية" الناشئة في المنظومة الاقتصادية العالمية المعاصرة (ولو مرحليا علي الأقل).  الاتجاه ده بيمثله ايديولوجيا الاخوان أساسا، وأفضل تجسيد معاصر له تجربة أردوغان في تركيا.  النموذج ده علي قدر ما هو مريح للغرب، ظاهريا علي الأقل بسبب كل ما تقدم من مظاهر التشابه في الآليات مع الديمقراطيات الغربية، الا أنه مقلق جدا في ذات الوقت.  لأن القدرة علي "الاندماج" و"التظاهر بالانسجام" مع المنظومة الغالبة سلوك تكتيكي وليس استراتيجي، يخفي خلفه مقاصد مختلفة تماما علي المدي البعيد، ألا وهي إقامة خلافة إسلامية بمنظومة مختلفة تماما عن المنظومة الغربية.  أما الاتجاه الثاني، فبيرفض شكل الدولة الحديثة ومؤسساتها واقتصاداتها من الأساس، وبيسعي لإحياء الدولة الأسطورية الطوباوية المتخيلة لصدر الإسلام.  الاتجاه ده بتمثله حاليا الحركة السلفية الجهادية وبيجسده تنظيم القاعدة بروافده المختلفة بما فيها داعش.  علي عكس الاتجاه الأول اللي بيمثلة الاخوان، الاتجاه الثاني ده علي قدر ما قد يبدو ظاهريا انه يمثل تهديد مباشر للغرب من حيث انه تبنيه العنف أو الارهاب كأسلوب لتحقيق الأهداف، ومن حيث انه بيسعي لنسف المنظومة القائمة برمتها من الألف الي الياء. الا انه لا يمثل تهديد وجودي للنظرية الغربية الحاكمة.  بداية لأنه لا يؤخذ بجدية من جموع المسلمين في الغرب, اللي معظمهم غير راغب في نقض منظومة حياتهم من الألف الي الياء وانما إصلاحها فقط, باستثناء مجموعات من الشباب الثائر الذي يعيش في المناطق المهمشة في أوروبا وأمريكا حيث يكثر المهاجرين وحتي أبناء الجيل الثاني من معدومي الفرصة الاقتصادية, والذين قد تبدو الجماعات السلفية الجهادية لها أكثر جاذبية من الاخوان. اذن هذا التيار, باستثناءات بسيطة, لا يؤخذ بجدية من وجهة نظر سياسية بحتة, نظرا لقلة المؤيدين له بين جموع المسلمين سواء في المهجر او في المشرق, حظوظ هذا التيار في السيطرة ديمقراطيا علي المجتمعات الإسلامية اذن محدودة جدا.  أضف الي ذلك أن أساليبه العنيفة منفرة لمعظم الغربيين، وبالتالي من غير المتوقع أن يؤدي لاعتناق أعداد ضخمة منهم الإسلام. 

وهنا نصل لبيت القصيد، وهو كيف يمكن للدول الغربية، ومن لف لفها من الأنظمة العلمانية المسيطرة علي غالب الدول العربية, التعامل مع المد الديموغرافي والايديولوجي للأسلام السياسي.  لاحظ أن الأطروحتين الأساسيتين لهذا المقال هما أن جسد الإسلام السياسي في تمدد مستمر لا يمكن إيقافه, وأن طيف مكوناته طيف ديناميكي يسمح بالانتقال المستمر من تيارات دعوية لتيارات جهادية والعكس.  يبدو من هذا أن كل ما يمكن فعله هو  محاولة التأثير في عملية التوازن الداخلي, بحيث تؤدي سياسات الدولة أما لتشجيع معظم الدعويين علي التحول الي جهاديين أو العكس, حسب ما يخلص اليه الاستنتاج أنه التيار "الأقل خطورة" علي المنظومة الحاكمة علي المدي الطويل.  هناك مدرستان أساسيتان تطرحان رؤيتين متعارضتين تماما بهذا الصدد.  الاتجاه الأول يري أن التيار الإخواني أقل خطرا لأنه يمكن احتواؤه واجباره (من خلال قيود مختلفة علي العملية الديمقراطية والمواد فوق الدستورية) علي الالتزام بالمنظومة الاقتصادية والسياسية العالمية الحالية, بحيث يتحول في نهاية الأمر الي صورة إسلامية من الأحزاب المسيحية الأوروبية التي لا تتقاطع أو تتصادم "مرجعتيها الدينية" مع أساسيات الدولة الحديثة.  ويشير المقتنعون بهذا الرأي الي تجربة مهاتير محمد في ماليزيا مثلا او أردوغان في تركيا، حيث لم يؤدي "الحكم الإسلامي" في كلا الدولتين الي أي تأثر يذكر للمصالح الغربية.  هذا التيار تمثله غالبا أحزاب يسار الوسط في الغرب، كالأحزاب الاشتراكية في كل من اسبانيا وفرنسا وألمانيا، وكحزب العمال البريطاني والحزب الديمقراطي الأمريكي. أما عربيا، فتمثله الأنظمة "التقليدية" كإدارة الشيخ زايد في الامارات والملك فهد في السعودية والشيخ جابر في الكويت، وطبعا حمد بن خليفة في قطر, حيث أتاح كلا منهم هامشا معتبرا من حرية العمل للتيارات الإسلامية المعتدلة, بل وسمح البعض منهم للإسلاميين بالمشاركة في العملية السياسية كما هو الحال في الكويت مثلا.  طبعا الاعتراض الأساسي على هذا التيار هو أن مجرد السماح للإسلاميين "المعتدلين" بحرية العمل سيؤدي حتما لازدياد شعبيتهم بشكل مضطرد مما سيزيد من حظوظ نجاحهم في الوصول لسدة الحكم عبر أي استحقاقات انتخابية كما حدث في مصر وتونس مثلا بعد ثورتي اللوتس والياسمين.  أما الاتجاه اللي بيتبع سياسات تؤدي في النهاية لزيادة الزخم الجهادي علي حساب الاخوان فيري أن الأخيرين أكثر تهديدا للمنظومة الحاكمة علي المدي البعيد لأنهم بيمثلوا بديل سياسي حقيقي للأنظمة الحاكمة في الدول العربية, وحتي في الغرب.  أما الجهاديين، فهم وان كانوا يشكلون خطرا أمنيا بالدرجة الأولي، الا أن تطرف أفكارهم كفيل بتنفير معظم المسلمين منهم في الشرق والغرب، وضمين  بقاؤهم كحركات مقاومة مسلحة هامشية يمكن احتواءها وتحجيم خطرها بأساليب أمنية ومخابراتية في المقام الأول.  هذا التيار تمثله غالبا أحزاب اليمين المحافظ كالأحزاب المسيحية في ألمانيا واسبانيا, والتجمع من أجل الجمهورية في فرنسا, والمحافظين في بريطانيا, والحزب الجمهوري في أمريكا.  أما عربيا فتمثله الإدارة الحالية لمحمد بن زايد في الامارات، والملك عبد الله في السعودية، علاوة علي حكومة السيسي الانقلابية في مصر.  وما تشريعات مكافحة الإرهاب الأخيرة في السعودية والامارات والتي أعلنت الاخوان جماعة إرهابية، و ما سياسة تكسير العظام التي تتبعها حكومة السيسي في مصر إزاء الاخوان الا تجسيدا حيا لهذا الاتجاه الذي يراهن علي أن القضاء علي الاخوان, ربما يؤدي لزيادة طفيفة في أعداد الجهاديين, الا أن أفكار وممارسات الأخيرين المتطرفة كفيل بفض الجماهير من حولهم وتحويلهم لجماعات عنف منبوذة ومهمشة اجتماعيا بشكل دائم من خلال الحلول الامنية الناجعة ولفظ الجماهير لهم.  يبدو لي أن الاسلوبين المتقدمين محكوم عليهما بالفشل للأسباب المتقدمة من حيث ان جسد الإسلام السياسي في تمدد مستمر، وان الضغط علي جانب منه سيؤدي لصعود الجانب الآخر.  الا أن أحد هذين الأسلوبين (الأسلوب الثاني تحديدا) ربما سيؤدي الي ازدياد العنف واشتعال المنطقة بشكل كامل في الشهور القادمة, لأن التضييق علي المعتدلين سيزيد من تقبل الجماهير العريضة لأساليب الجهاديين العنيفة وسيزيد من أعدادهم جدا بانضمام الآلاف اليهم من المعتدلين المحبطين الذين لم يترك التضييق الأمني لهم بديلا عن العنف.    

Wednesday, April 2, 2014

من يرتكب العنف في مصر؟

طيب خلينا نتكلم شوية في موضوع الانفجارات تاني مع اننا قتلناه بحثا قبل كده. بالنسبة لفرضية أن الحكومة (أو اي من الجهات السيادية زي المخابرات مثلا) هيا اللي بتدبر الحاجات دي, السؤال اللي يتبادر للذهن هوه ليه الحكومة حتعمل حاجة زي كده؟. فيه احتمالين: الأولاني ان الحكومة عايزة تقنع الغرب ان الاخوان ارهابيين, قوم الأخير يتنازل عن تحفظه ويؤيد الانقلاب.  فطبعا الرد علي الاحتمال ده ان الغرب زيه زي اي جهة محترمة مبتسلمش بأي ادعاءات مرسلة دون دليل, عارف جيدا ان ده مش اسلوب الاخوان اللي عايشين وبيشتغلوا بشكل قانوني سلمي في بلاده من عشرات السنين, واللي تبنوا أسلوب المشاركة في الحياة السياسية في دول الشرق الأوسط من عقود.  وفاهم كمان ان الاخوان, وان كانوا ارتكبوا بعض أعمال عنف لفترة وجيزة جدا في الاربعينات, فانهم نبذوا تماما الاسلوب ده بعد كده, والدليل هو سجلهم السلمي في مصر من أول ما السادات طلعهم من السجن وسمح للتلمساني بإصدار مجلة الدعوة ومعاودة النشاط بسقف معين من حرية التعبير.  وطبعا لو خدنا في الاعتبار ان فيه جماعات دلوقتي بتعتنق فكر السلفية الجهادية, وده فكر بيسوغ استخدام العنف ضد النظام, فيتضح أن الانسان مش محتاج انه يفترض افتراضات بعيدة الاحتمال, زي ان الاخوان رجعوا بعد أربعين سنة لاستخدام العنف.  طبعا لو الغرب عايز ياكل الاونطة بمزاجه ويتظاهر انه مصدق ان الاخوان هما اللي بيرتكبوا كل هذا الكم من العنف لسبب او لآخر, زي انه عايز يستخدم "الاكتشاف" ده في انه يطيح بالاخوان, فده موضوع تاني , وعلي أي حال, مش محتاج كل التبريرات المتعسفة دي عشان يعصف بيهم.  لكن حيث أن هذا العصف لم يحدث حتي الآن, فالواضح أنه مش واكل الاونطة ومش حياكلها, وبالتالي مفيش جدوي من ان المخابرا المصرية الجبارة تستمر في تلفيق الانفجار تلو الانفجار, لأنه واضح ان الغرب مش حيقتنع مهما كانت قوة و تعدد الانفجارات.  الاحتمال التاني هوه أن المخابرات بتلفق الانفجارات عشان تكره الناس في الاخوان, زي بالضبط ما أشيع ان السلطات الجزائرية بدأت المذابح في التسعينات لتبغيض الشعب في الاسلاميين. بس برضه الاحتمال ده مستبعد جدا. لأنه من المشاهد ان البلد حاليا في حالة شديدة من الاستقطاب, بحيث ان الاسلاميين ومن يؤيدهم لما يشوفوا ايش باللذي بيحصل للانقلابيين من الدبح والنسف والحرق, مش حيقل تأييدهم لمرسي قيد أنملة, بل حيتشفوا وحيفرحوا في اللي قتلوا اخوانهم في رابعة.  وبالمثل, مؤيدي 30 يونيه بيكرهوا الاخوان لاسباب مبدئية, ومش محتاجين أدلة زيادة عشان يكرهوهم ويعملوا علي ابادتهم عن بكرة ابيهم ويصدقوا عليهم كل رضي.  وتقريبا مفيش حد في النص أو علي الحياد, او رايه ممكن يتأرجح من المعسكر ده للمعسكر ده بسبب حدوث انفجارات او مذابح, علي عكس المجتمع الجزائري في التسعينات اللي كان فيه ناس كتير صوتوا للإسلاميين دون اقتناع أيديولوجي كامل, فكان من السهل قلب تأييدهم للإسلاميين وتبغيضهم فيهم بشوية انفجارات ومذابح يتم الصاقها بالاسلاميين.  فإذن نخلص من التحليل ده الي أن الانفجارات المتعددة حاليا في سيناء، واللي بدأت تنتشر لأجزاء أخري في مصر مش من تدبير أي جهة أمنية علي الاطلاق.  وانما هي علي الأرجح من تدبير جهات تري في المواجهة المسلحة مع النظام الاسلوب الامثل لتغيير الأوضاع علي الارض. وفي هذه الحالة تحديدا، منتسبين لجماعات السلفية الجهادية تحديدا كالقاعدة وروافدها العديدة.

وطبعا يبقي السؤال الأهم، هل هذه العمليات العنقية, التي اتفقنا ان من يقوم بها علي الأرجح هي جماعات سلفية جهادية, مؤثرة ومفيدة من حيث تغيير الواقع الحالي المؤسف أم لا. خلينا نبتدأ باستعراض التاريخ الحديث للأوضاع في مصر وصولا للوضع الراهن. من المعروف انه بسبب الفساد وسوء الادارة, كل التحسن في الماكروايكونوميكس في عهد مبارك لم يترجم الي أي تقدم علي المستوي المعيشي لمعظم المواطنين.  ومن ثم, استمر التفاوت بين دخول الطبقات الاجتماعية المختلفة في التزايد, وارتفعت معدلات الفقر لدرجة انه بقي فيه مواطنين يفترشون الأرصفة لأول مرة في المدن المصرية.  أما في خلال فترة قيادة المجلس العسكري لدفة الأمور، من فبراية 2011 حتي يوليو 2012, فأن سوء الأحوال المعتاد في عهد مبارك زاد بدرجة كبيرة جدا لأن المظاهرات والاحتجاجات المستمرة, مع غياب أي محاولة حقيقية من الحكومات المؤقتة اللي عينها المجلس العسكري للإصلاح أنهكت الاقتصاد, وقضت علي دخل السياحة والاحتياطي الأجنبي تقريبا.  ومع تولي مرسي الحكم، حاول بشكل مخلص إيقاف النزيف في الاحتياطي الأجنبي ونجح فعلا في ده. إضافة الي انه ابتدآ يخطط لمشاريع اقتصادية طموحة (طبعا مع الأخذ في الاعتبار ان كلها بتدور في فلك اقتصاديات الاخوان الليبرالية التي قد لا نتفق معها كيساريين).  ومن المفارقات المثيرة للضحك والبكاء في آن واحد، ان فيه اقتصاديين مؤيدين للانقلاب حاليا ابتدأوا يعترفوا علي استحياء ان فترة حكم مرسي ربما كانت النافذة الأخيرة لإصلاح الأحوال الاقتصادية المنهارة في مصر.  لكن طبعا زي ماحنا شفنا, الفلول, بالتعاون مع الاخوة "الثوار" اللي مش إسلاميين, رأوا وقتها  ان اسقاط مرسي هو الأولوية الأولي, حتي ولو علي حساب تضييع الفرصة الأخيرة لإنقاذ الاقتصاد المصري.  وكما نعلم جميعا، فقد تكللت خطتهم بالنجاح، وسقط مرسي, ولكن مع الأسف, أغلقت النافذة الضيقة التي كانت متاحة وقتها لإنقاذ الاقتصاد, وبدأ انهيار قطاع الخدمات, المرشح للتدهور بشدة في الفترة التالية.  أحدث تقديرات سمعتها من اقتصاديين أجانب مؤخرا، انه بافتراض ان كل الاحتجاجات توقفت، والناس كلها حطت ايدها في ايد بعضها عشان العجلة تسير، فالبلد محتاجة 60 مليار دولار.  على الأقل كاستثمارات جديدة عشان تبتدئ العجلة الاقتصادية تدور من جديد.  وحيث أن الأمرين مستحيلين (الاحتجاجات لن تتوقف، ومفيش حد حيدينا 60 مليار دولار) فمن المنطقي استنتاج أن مصر في طريقها لأن تصبح دولة فاشلة.   بمعني انه سواء السيسي او غيره تولي إدارة البلد (حتي لو الاخوان رجعوا تاني) فالبلد في طريقها لكي تصبح دولة فاشلة، ولا سبيل لتجنب هذا المصير الأسود. 


الطريقين الوحيدين اللي يمكن بيهم تجنب السيناريو المظلم ده انه يا أما أحد الفريقين يقضي تماما علي خصمه بحيث تتوقف الاحتجاجات و محاولات افشال الآخر، وأما حدوث
 مصالحة وطنية يتناسى فيها كلا الطرفين العداوة والبغضاء للطرف الأخر ويقبل بالتعايش والتعاون معه.  ولكن في الحالتين لا مناص من توفير 60 مليار دولار علي الأقل لإدارة العجلة.  خلينا نتفترض لبرهة انه حيبقي فيه مؤتمر للدول المانحة وصندوق لمصر والكلام كله اللي بيتعمل حاليا للصومال واليمن والدول الجبارة دي, وبكده يبقي رأسمال النهضة الاقتصادية تواجد, هل يمكن تحقيق أيا من الشرطين الأوليين؟  دعنا نتطرق السيناريو الثاني في البداية: هل المصالحة الوطنية ممكنة؟  طبعا المقصود بالمصالحة الوطنية أن الطرفين يبقوا راضيين الي حد كبير وليس ان طرف يقهر طرف، لأن القهر عمره ما حيبني بلد, وده لأن الطرف المقهور حيحاول دايما افشال الطرف القاهر.  أنا شخصيا مش شايف ان هذه المصالحة ممكنة في الوقت الراهن.  وده لأنه واضح أن كل طرف بيكره الطرف الآخر كراهية التحريم, ويقبل العمي ولايقبلوش. خصوصا – علي عكس ماهو شائع -- كراهية العلمانيين للإسلاميين وليس العكس.  وخصوصا بعد ما أصبحت هناك بحور عميقة من الدم دي بين الطرفين، بعد مذبحة رابعة وتوابعها.  طب ماذا بشأن السيناريو الأول؟ أن أحد الطرفين يقضي تماما علي الطرف التاني أو علي الأقل يقهره كليا بحيث يجبره علي الرضوخ لشروطه دون القدرة علي مجرد الاستمرار في محاولات الافشال؟  برضه ده مش وارد في المستقبل المنظور، مش لتساوي قوة الطرفين، بالعكس، وانما لتفاوت أساليب الافشال والمقاومة التي يتبعها كل طرف بما يجعل من المستحيل علي الطرف التاني ايقافها أو التصدي لها.  ولذلك فالأقرب للتصور هوه أن البلد ستستمر في الانزلاق الي الحضيض في خلال الشهور القادمة.  يعني مثلا أخواننا اللي بيشتكوا من انقطاع الكهربا دلوقتي مش حنسمع شكواهم أصلا بعد شهور قليلة, لأن الانقطاع حيبقي مستمر وحيزيد لدرجة انه الناس اللي بتشتكي مش حيكون عندها انترنت أساسا عشان تشتكي.  الجرائم مرشحة للتزايد أيضا بشكل كبير, والحياة ستصبح لا تطاق لأي أحد, حتي للميسورين.  في ظل الأوضاع الكئيبة دي, باتصور ان انتشار الجماعات المسلحة, سواء بهدف النيل من الاجهزة الأمنية للنظام, او مواجهة الجريمة المنظمة أمر حتمي ومنطقي.  وبالتالي مفيش معني اساسا للتساؤل عن هل العنف السياسي مفيد والا مش مفيد, لأنه كده كده حيتشكل ويزداد وينتشر ويتوغل ويستمر ويستمر ويستمر ويستمر.  وأحب أهدي مصر الجديدة مصر الفاشلة، مصر معقل الجريمة، مصر الدولة الأوسخ من الصومال واليمن لكل حبايبي وصحابي اللي ساهموا في 30 يونية سواء بالمشاركة الإيجابية او حتي السلبية عن طريق السكوت علي ما حدث وعدم انكاره.   أشربوا يا جماعة، بالهنا والشفا.  "وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون."