ربما كانت
مشهورة أو معروفة داخل أوساط النشطاء في مصر، ولكنها لم تظهر على خريطة راداري الا
متأخرا نسبيا. دعنا نقول خلال الشهور القليلة التي سبقت ثورة يناير.
وحتي كتاباتها التي تمزج النقد اللاذع للأوضاع السياسية والاجتماعية بالهجوم
المباشر علي نظام مبارك في قالب ساخر محبب, حتي كتاباتها هذه التي جعلت منها بعد
شهور قليلة أحد أبرز وجوه الثورة, ان لم تكن احدي أيقوناتها, حتي هذه الكتابات
المذيلة بتوقيعها لم تنر مصباحا في عقلي يخبرني أنها قد تكون علي صلة قرابة بهذا
الشاعر العامي الشهير, الذي لم أسمع به الا قبل ذلك بسنوات قليلة, وان كان اسمه
يعيد الي الذاكرة ومضات من الطفولة المبكرة, كان الوالد رحمه الله يستمع خلالها
الي اشعاره وقصائده من اذاعات مصر العربية والعروبة المشوشة المنطلقة من دمشق
وبغداد أواخر عهد السادات.
أما مفتاح
انبهاري الشديد بشخصيتها من خلال كتاباتها تلك، فهو أنها قد جمعت من الخصال ما
يندر أن يجتمع في انسان، فضلا عن أن يكون انسانا مصريا علي وجه الخصوص. فهي
أولا لماحة سريعة البديهة، تستطيع أن تأتيك بجواب مناسب بليغ يرسم على الشفاه
ابتسامة لأي سؤال يمكن تصوره، سواء أتي من عدو يريد احراجها بسؤاله أو صديق يبحث
بصدق عن اجابة. ويقف خلف قدرتها تلك ثقافة موسوعية, لا تقتصر علي الأدب أو
الشعر العالمي, الذي ربما يتبادر الي الذهن أنها تلقته خلال دراستها الجامعية, أو
علي ثقافة إسلامية شرقية متعمقة أيضا, لاتقف عند حدود التلقي الأصم, كما هو حال
كثير من منتسبي الجماعات الإسلامية المختلفة, بل تتجاوزهما الي النظرة الناقدة
النافذة, التي تصل الي فقه المقاصد, وتربطه ربطا شيقا جذابا بحياة الناس اليومية,
وبالتصورات الفلسفية الأخرى التي جاء بها الفلاسفة والمصلحون الوضعيون, ثم تصوغه
في عامية بسيطة خفيفة الظل تصل الي شغاف قلوب العامة, بما يعجز عنه من يفوقها فقها
او علما او أدبا.
وهي مع
ثقافتها العالية شديدة التواضع، حريصة كل الحرص علي صلتها بالقواعد الشعبية
العميقة للشعب المصري، من عمال وطلاب وربات بيوت، تكلمهم في الأسواق، وتأكل معهم
على المقاهي، وتنقل لقرائها أحاسيسهم ومشاعرهم دون مواربة أو تجميل. لا أدري
كم مر من الوقت حتى شعرت أنني أمام شخصية "بهية" التي كأنها قدت من صخر
لتكون مثلا أعلي يلهمها في الحياة، أو نموذجا ينبغي لها أن تسعي للوصول
اليه. نعم، كانت هي بهية الحنون المحبة لكل المصريين، التي تئن وتتوجع مع
آلامهم، وتضحك مع أفراحهم، وتضحي بسعادتها من أجلهم. كانت الأم التي لا تكل
من تكرار الدروس لأبنائها الصغار مهما استغلق عليهم فهمها، ولا تمل من تذكيرهم
بوجوب الوحدة والوقوف صفا كأنهم بنيان مرصوص أمام أعداء الوطن، مهما اختلفت
أهواءهم ومشاربهم.
لا اعتقد أن
انجذابي لها كان انجذابا عاطفيا، فليست هي النوع من النساء الذي يثير في نفسي
عواطف شخصية، اللهم الا الاعجاب العام بالخصال النادرة السابق ذكرها في انثي تقارب
عمرها الزمني وميلها الفكري مع سني وفكري. حتى أنني عندما رأيتها بعد ذلك في
برامج تلفزيونية وجدتها عادية المظهر، لا تتصف بجمال بارع يخلب الألباب أو يدير
الرؤوس، كما أن عصبيتها الواضحة ليست من العوامل التي تزيد من جاذبيتها
أيضا. ولذا لا يمكنني القول إنني نظرت اليها يوما كفتاة أحلام أو أن اعجابي
بها اتخذ طابعا شخصيا، يطغي فيه حكم القلب علي حكم العقل، وانما كان انجذابي
لخصائصها النفسية والعقلية في المقام الأول.
ولما جاءت
الأيام الحاسمة، أيام الثورة، وكنت لا أزال خارج البلاد، لم أكن لأجد أفضل من
مدونتها، إذا استيقظت فزعا بعد منتصف الليل، مصدرا مباشرا لأخبار الاعتصام في
التحرير، وهل فض أم لا. كيف لا وهي دائمة حاضرة في كل اعتصام، ناقلة لقرائها
بالصوت والصورة، الحقيقة الكاملة لما يدور هناك. لا أبالغ ان قلت إن تلكم
الأيام كانت من أفضل فترات حياتي، فأنا بطبعي لا أميل الي النعرات الوطنية
الزاعقة، وكنت قد فقدت الأمل في أن تنهض مصر من سباتها منذ وقت طويل. الا أن
تجمع كل أطياف الشعب المصري علي قلب رجل واحد في ميدان التحرير أيقظ الوطنية
الكامنة في أعماقي، وصرت راغبا أن أهتف بأعلى صوت لكل من أقابله "أنا مصري"
كانت
"بهية" بالنسبة لي اذن هي ضمير الثورة. وكان سمتها الإسلامي
التقليدي بالحجاب، وانتماؤها الصوفي الذي لا تنكره، والذي يصل في حب آل البيت الي
حدود التشيع، واعترافها الصريح بالمكون القبطي غير المنكور للشخصية المصرية، مع
يساريتها وفوضويتها الواضحتين، التين تعاديان أي سلطة بشكل تلقائي، وتضعاها موضع
المتهم المطالب بتبرير موقفه بدلا من أن تلتمس له الأعذار كما يفعل معظم الناس، أقول،
كانت "بهية" بكل هذا التكامل والتناقض في نفس الوقت أصدق تجسيد حي لمصر
كما تخيلتها دائما. بحيث أن مصر لو بعثت الي الحياة ودبت فيها الروح وصارت
امرأة تسعي على قدمين لكانت هي بهية. طبعا كل هذا لا يعني أنني مندمج أو
متوحد تماما مع هذه الشخصية الفريدة، أو أنني أعتبرها تجسيدا لي أنا شخصيا على أي
وجه من الوجوه. فبسنوات عمري التي قضيت نصفها خارج البلاد، لا أعتبر نفسي كامل
المصرية، ولا أعتبر هذا التجسيد الذي تقوم به "بهية" معبرا عن شخصي
كانسان، ينظر الي نفسه كمواطن للعالم أكثر من نظره الي نفسه كمصري، الا أنه كان
تجسيدا باعثا على الاعجاب والانبهار دون شك. مما جعلني أتفق تماما مع كل
خطراتها أو اختياراتها الفطرية لما كان يعرض على الثوار في الميدان من خيارات
تستدعي قرارات لحظية. كيف لا وهي الضمير الحي المتجسد لمصر في تلك اللحظة.
حتى إذا وصل
الجمع في الميدان الي تلكم اللحظة الفارقة، لحظة تنحي مبارك، أصابتني دهشة شديدة
لأن خيارها كان عكس خياري تماما للمرة الأولي منذ بداية الأحداث. فأنا لم
اشك لحظة واحدة في خيانة المجلس العسكري لمصر وتآمر قيادة القوات المسلحة مع
مبارك. كيف لا ومبارك هو من عين أعضاءه وأغدق عليهم المنح والعطايا في
المقام الأول؟ ولذا فقرارها، وقرار غالبية الثوار بترك الميدان وائتمان المجلس
العسكري علي قيادة البلاد خلال الفترة الانتقالية كان كائتمان الثعلب على مزرعة
الدجاج. وللأمانة، فهذا لم يكن رأيها وحدها، بل ضل في عداد من اتخذ الرأي
ذاته كثير من الجماعات والمفكرين الذين لا أذكرهم الا مع الأسي، وبقي في المقابل
القليل من القوي الثورية "الراديكالية" وبعض الإسلاميين كالشيخ حازم
صلاح أبو إسماعيل. الا أن تعصبها للجيش فاق كل حد، فهي من أطلقت عبارة
"جيشنا حبيبنا" ووضعت على مدونتها أغنية سيد درويش الشهيرة "أحسن
جيوش في الأمم جيوشنا" للتدليل على عدم محدودية ثقتها في قيادة القوات
المسلحة. كتبت لها أحذر من الثقة فيمن لا ينبغي أن يوثق به، وكان ذلك بعد
الانصراف من الميدان بأيام قليلة. ثم كتبت ردودا أخري على مقالات مدونتها
عبر الشهور القليلة التالية، ومن يرجع الي بدايات مدونتي هذه، سيجد إعادة نشر لهذه
الردود والرسائل بتواريخها الأصلية.
ومع ازدياد
الأحداث زخما، زادت مساحة اختلافنا الفكري اتساعا. ففي الوقت الذي هب فيه
شرفاء من داخل الجيش للانضمام الي صف الجماهير وبيان ما في داخل القوات المسلحة من
فساد، هددت هي بالإبلاغ عنهم، لأنهم (حسب رأيها) قد تجاوزوا الحدود عندما أقدموا
على التظاهر بلباس الجندية. وفي سياق قريب، دعت المصريين للتصويت بنعم على
اعلان مارس الدستوري الشهير، الذي وضع الكثير من السلطات في يد المجلس العسكري
وتسبب في أعظم المتاعب بعد ذلك، طيلة فترة حكم المجلس. وللأمانة، فقد دعا
الإسلاميون أيضا (وفي مقدمتهم الاخوان) الي التصويت بنعم على ذات الاستفتاء، وان
لم يكن ذلك تعبيرا منهم عن الثقة المطلقة بنوايا المجلس، بقدر ما كان برجماتية
ورغبة في الإسراع بالعملية الانتقالية، حتى وان أدي ذلك الي زيادة مؤقتة في
صلاحيات العسكر. وطبعا كنت ضد هذا وذاك، أولا لانعدام ثقتي في العسكر،
وثانيا لانعدام يقيني في قدرة أي فصيل على التغلب عليهم في مجال الدهاء، مهما بلغت
قوته. الا أن هذين الحدثين كانا نقطة فارقة شكلت تبدلا تاما في موقفي وموقف
"بهية" من كل من الاخوان والعسكر.
يحسن بي هنا
أن أعترف للقارئ أنني لا أنتمي الي أي فكر سياسي أو مدرسة فلسفية جمعية معينة، غير
أن الكثير من أرائي تتفق مع أراء الاشتراكيين التحرريين، الذين يطلق عليهم العامة
الاناركيون أو الفوضويون. وتبعا لذلك، فأنا لا أنتمي الي فكر الإسلام
السياسي علي الاطلاق، ولا أؤيد دعاته من منطلقات فكرية أو عقائدية. وكما
أوضحت في الفقرات السابقة، كنت متحفظا من البداية على الكثير من مواقف الإسلاميين،
من حيث دعوتهم للتصويت بنعم على اعلان مارس الدستوري، أو وثوقهم بالمجلس
العسكري. بيد أنني بحكم الواقع، كنت أعلم علم اليقين أن الاخوان
(والاسلاميون عموما) يمثلون القوة الوحيدة القادرة تنظيميا على اجتثاث نظام مبارك
والقضاء على دولته العميقة. ولذا ناديت تدريجيا عبر تويتر وعبر مدونتي
ابتداء منذ منتصف 2001بأن يصطف اليساريون والقوميون، والليبراليون خلف الاخوان،
باعتبار الاخوان أكبر فصيل ثوري، يمتلك من الكوادر والامكانيات ما يمكنهم من
استكمال معركة الثوار التاريخية لاستكمال بناء المؤسسات الديمقراطية والقضاء على
نظام مبارك. ناديت بأن يؤيد الثوار العلمانيون الاخوان، حتى وان لم يوافقوا
على بعض الخطوات التفصيلية التي قد يقدم عليها الاخوان أثناء مسيرة الكفاح لتسلم
السلطة من المجلس العسكري، لأنه ببساطة لا يوجد ثمة طريق آخر، والقوي الثورية
العلمانية غير قادرة على الفعل المنفرد بمعزل عن الاخوان. ومن هنا ناديت بأن
يقف الثوار العلمانيون صفا واحدا خلف الاخوان في وجه مماطلات المجلس العسكري لأجراء
انتخابات برلمانية أو رئاسية، ثم ناديت بالتصويت لمرسي بعد ذلك.
أما بهية،
فقد اتخذت الموقف المعاكس تماما. فبداية، انتقدت أداء مجلس الشعب الذي رأسه
الكتتاتني انتقادا لاذعا مريرا منذ اللحظة الأولي لحلف اليمين، حتى قبل أن تعطيه
الفرصة لأثبات حسن الأداء، ومع العلم التام بالمؤامرات التي كان المجلس العسكري
يحيكها له منذ اللحظة الأولي لوجوده، انتهاء باستصدار حكم من المحكمة الدستورية
بحله. وقس على ذلك موقفها من مجلس الشورى بعد ذلك. ولما اضطرت موائمات
الاخوان مع المجلس العسكري الي اتخاذ موقف مائع من الثوار العلمانيين الذين
تظاهروا في شارع محمد محمود بالقرب من وزارة الداخلية، صبت جام غضبها على الاخوان،
واتهمتهم بالنفاق والتآمر على الثورة، علما بأن هؤلاء الثوار، بعددهم المحدود، لم
يكونوا ليغيروا من الامر شيئا، خصوصا وأن البلاد كانت في منتصف عملية سياسية بالفعل،
ولم تكن بعض التظاهرات الصغيرة هنا أو هناك لتضيف شيئا يذكر. وازداد منذ تلك
اللحظة عداء بهية للإسلاميين، بالرغم من أنهم (أي الإسلاميون) كانوا في أشد الحاجة
الي التأييد من القوي الوطنية والنشطاء المستقلين مثلها، لأنهم كانوا يمثلون رأس
حربة الثورة التي تحاول أن تنتزع بصعوبة مكاسب جديدة للثورة من المجلس العسكري
المماطل. ولو أن الجميع أجلوا نقدهم المرير حتى نتسلم (كثوار) السلطة كاملة،
لكان خيرا لنا، ولكن...
طبعا كما
يعلم جميعنا الآن، فان المجلس العسكري قد فعل كل ما بوسعه بعد ذلك لتفتيت الصوت
الإسلامي والحيلولة دون ترشيح أقوي المرشحين الإسلاميين وأوفرهم حظا في انتخابات
الرئاسة. فمن شطب أبو إسماعيل وخيرت الشاطر، الي النفخ في ترشيح أبي الفتوح،
تفتت الصوت الإسلامي تماما. وبدلا من ان نحاول كثوار راب الصدع والاتفاق على
مرشح توافقي للثورة أمام ما بدا وكأنه اتفاق للثورة المضادة علي أحمد شفيق، إذا
ببهية تدعو للمقاطعة تارة، وللتصويت لمن لا فرصة له كخالد على تارة أخري، وتنعت
مرسي بأقذع الالفاظ (كالاستبن والنحس) تارة ثالثة. صحيح أنها يذكر لها أنها
فرحت من قلبها عندما أعلنت نتيجة انتخابات الإعادة بين مرسي وشفيق، ولا أزال أذكر
تويتاتها المتتالية "مرسي، مرسي، مرسي" عندما أعلن المستشار النتيجة،
الا أنها لم تعط الرجل أي فرصة للأداء بعد توليه الرئاسة، سيما وأنه كما نعلم، جاء
بصلاحيات منقوصة وسلطات مكبلة اختزلها المجلس العسكري بإعلانه المكمل. وان
أنس لا أنسي دعاءها المرير علي مرسي لأنه لم يطلق سراح المعتقلين مباشرة فور توليه
الرئاسة. هذا مع العلم أنه أطلق سراحهم خلال شهور قليلة بالفعل، وانما توجب
عليه التدقيق في القوائم المقدمة اليه من قبل المجلس العسكري، لأنه خشي أن يكون
المجلس قد أدخل بين الأسماء أسماء بعض المطلوبين جنائيا لتسهل مسائلته بعد ذلك كما
حدث بالفعل. ومع كل هذا، ففشل مرسي أو تباطؤه في الافراج عن بعض المعتقلين لا
يقارن بتاتا باعتقال عشرات الألوف من المواطنين في عهد السيسي، والذين لم تجرؤ
بهية علي انتقاد الأخير بشأنهم ولو بشق كلمة.
ومع بداية
الحملة المسعورة التي شنتها الثورة المضادة لإسقاط مرسي، والتي وافق قادة جبهة
الإنقاذ على ان يقوموا بدور الواجهة السياسية لها، زاد هجوم بهية علي الاخوان بحق
ودون حق. وفي الوقت الذي بدا فيه لكل ذي عينين أن ما يحدث انما هو محاولة
سافرة لدولة مبارك العميقة للعودة الي الحكم مرة أخري على أسنة رماح القوات
المسلحة، لم تستهجن هي أن تدعو مع الداعين الي اسقاط مرسي في الثلاثين من يونيو
والتسبيح بحمد السيسي بعد ذلك، بل والتغزل في لباقته وذكائه وحسن منطقه، وهي أمور
يعرف القاصي والداني الآن أنها عكس حقيقة الرجل على طول الخط. حتى عندما طلب
الرجل تفويضا لقتل المتظاهرين في رابعة والنهضة، ترددت قليلا، الا أنها عادت وبررت
الطلب وجوزت لقرائها إعطاء التفويض. ولما حدثت المقتلة كتبت تلوم أجهزة
الامن عليها، لأن من شأنها "اذكاء الإرهاب وإعطاء الفرصة للإسلاميين لإشعال
البلد." أي ان الأرواح التي أزهقت، والأنفس التي قتلت لم تعنها في شيء،
وانما عنتها فقط التداعيات الأمنية الكارثية المحتملة على البلاد.
وهي في كل
ذلك لا تبدي أي ارعواء او عودة للحق، بعد أن استبان لكل ذي لب خيانة السيسي لمصر
وللعروبة وللإسلام. فالرجل وقف بشكل كامل مع إسرائيل ضد الفلسطينيين في
حملتها ضد قطاع غزة، وكان أداؤه في سيناء أشبه ما يكون بأداء مقاول من الباطن
للموساد الإسرائيلي. بينما مرسي الذي شنعت عليه وتآمرت ضده وخرجت لإسقاطه
اتضح بشهادة الاسرائيليين أنه كان المورد الأساسي للغذاء والدواء والمؤونة
للمقاومة الفلسطينية. وحتى في ليبيا، السيسي لا يخجل من التصريح والتلميح
بتأييده لحفتر، الذي يريد القضاء على الثورة الليبية وإعادة أنتاج نظام
القذافي. وبعض ذلك او قدر يسير منه كان يكفي لأن يراجع الانسان نفسه ويعلم
كيف ظلم غيره ونفسه، ولكن هيهات ان ترعوى أو ترجع الي الحق، حتى بعد أن أطلق سراح
مبارك، وظهر للجميع أن ما حدث في الثلاثين من يونيو كان إعادة لإنتاج النظام
البائد بكل تفاصيله.
خطأ كبير آخر وقعت فيه بهية، كما وقع
فيه كثير من اخواننا اليساريين تحديدا، كان اساءة تقدير قوتهم النسبية في الشارع المصري،
أو قدرتهم على الفعل، وعلي حشد الجماهير لتحقيق أهداف الثورة، أو بالأحرى، قدرة
الجماهير على احداث التغيير المنشود بمجرد التظاهر. وان أنسي لا أنسي
مطالباتها للمصريين بالنزول لإسقاط الاخوان كما أسقطوا مبارك، مطمئنة مخاوف بعضهم
من توجهات الحكم الجديد "بأن في مقدورنا دائما أن ننزل الي الشارع وأن نسقطه إذا
لمسنا منه انحرافا عن اهداف الثورة" وهي في ذلك تغفل تماما أن نظام مبارك كان
يستطيع، لو أراد، سحق ثورة الخامس والعشرين من يناير، لو أنه استخدم عشر معشار
العنف الذي استخدمه القذافي أو الأسد ضد شعبيهما على سبيل المثال. كل ما في الأمر،
ان المتنفذين في الدولة العميقة آثروا أن يضحوا براس النظام (مبارك) وببعض
القيادات الأخرى منتهية الصلاحية، ريثما يتمكنوا من تقليص مكاسب الثوار لأقل قدر
ممكن. وعليه، فلا التظاهرات الأولي في الخامس والعشرين من يناير، ولا
الوسيطة في محمد محمود ومجلس الوزراء والعباسية، ولا حتى المزامنة للانقلاب في
الثلاثين من يونيو غيرت أي واقع على الأرض، وانما كان صراع القوي الحقيقية ذات
الوزن القادرة على الفعل هو الذي حدد أين تتوقف نقطة التوازن في كل حالة.
هذه المثالية المفرطة، التي تصل الي حد السذاجة والتفاؤل الطفولي بقدرة
الجماهير على احداث التغيير بمجرد النزول الي الشوارع والساحات، وبأن الحكام
وأجهزتهم الأمنية المتحكمة في كل شيء ما هم الا ريشة في مهب الريح تلعب بها الشعوب
ان أرادت كيف تشاء، هي أحد مواريث الفكر الخيالي الحالم المنفصل عن الواقع لكثير
من اليساريين في مصر، وليس لبهية وحدها على أي حال. ومع الأسف، فقد استغلت
أجهزة الدولة العميقة هذا الاعتقاد الخرافي أبشع استغلال لاستثارة حفيظة هذا
القطاع من الثوار ضد مرسي والاخوان عموما، كلما حدث اختلاف في الرؤية معهم. فقد
كان يكفي دائما أن يوحي اليها بعض متابعيها على تويتر مثلا بفكرة التظاهر ضد مرسي
لأنه فعل كذا وكذا، لكي تدعو الي الخروج والحشد ضده. ومن سخرية الأقدار، أن
بهية ومن لف لفها من الثوار الذين كانوا أسرع من يتظاهر ضد مرسي عند أدني اعتراض على
قراراته، صار بهم الحال الآن الي انهم يعتقلون ويقدمون الي المحاكمات بل ويعذبون، كما
حدث مع أحمد دومة وعلاء عبد الفتاح وغيرهم، لمجرد ابداء الاعتراض على إحدى سياسات
نظام السيسي الانقلابي، دع عنك التظاهر ضده. ولو أنها تدبرت في هذا وحده
لكفاها دليلا علي وجوب الاعتراف بالحق والرجوع الي صفوف الثوار ضد نظام مبارك المستنسخ،
الذي ساعدت في اعادته الي الحياة بقصد او دون قصد. والأهم هو الاقتناع بأن تغول الدولة القمعية
الحديثة لا يترك أي فرصة للنشطاء المنفردين، او حتى للجماهير المحتشدة لإحداث التغيير،
فضلا عن التحكم في مقاليد الأمور. ولذا
فالطريق الوحيد لتحقيق ذلك هو العمل المنظم من خلال حزب أو جماعة ذات أذرع عديدة
تضاهي تلك التي تتمتع بها أجهزة الدولة القمعية وتتمكن من تحييدها والقضاء
عليها. قد يري البعض في الأحزاب الشيوعية
الثورية قديما، أو الجماعات الإسلامية المسلحة حديثا أمثلة لذلك، وهذا مبحث
آخر. ولكن المقصود هنا، هو أن الاخوان،
بتنظيمهم الدولي، وكوادرهم العديدة في كل المجالات، وميزانيتهم الضخمة، كانوا أقرب
ما يكون الي طبيعة العمل المنظم المطلوب لتفكيك دولة مبارك العميقة. فبدلا من تعضيدهم وسد ثغراتهم والوقوف خلفهم لإتمام
المهمة المنشودة، قمنا بتفكيكهم والإرشاد عن قادتهم والعمل على القضاء عليهم. ولا أدري، أتتاح لنا فرصة أخري للعمل المنظم ضد
دولة مبارك الاخطبوطية العائدة الي الحياة أم لا، وان كنت أدعو من قلبي ألا نكرر
نفس الخطأ، ان أتحفتنا الأقدار بفرصة جديدة.
.
لا أدري بم
أفسر إصرارها على تأييد الباطل، مع اعتقادي أنها من الذكاء بحيث لا تغيب عنها تلك
الحقائق الساطعة. هل حز في نفسها لعن بعض سفهاء الاخوان لأبيها وخوضهم في
عقيدة أمها، ودعائهم عليها بأن ينتهي حملها الأول؟ أعلم تماما كم هي مؤثرة وجارحة
تلك الأمور، خصوصا لمن كانت يوما ما أحد أبرز المدافعين عن الاخوان، الداعين الي
تقاربهم مع اليساريين. ولكن الأمر لا يتعلق الآن بأشخاص أو جماعات. ان
الوطن ذاته قد بات على المحك. إنك قد مكنت للفساد والاستبداد والاستكبار في
الأرض بحسن منطقك، وجاذبية حديثك، وحسن قبولك لدي الناس. إنك يا صديقتي
العزيزة التي لم التقها يوما قد شطبت بجرة قلم مظالم ودماء آلاف المصريين، بزعم أن
غيرهم قد ماتوا أيضا ولم يلق لهم الاخوان بالا، والظنان باطلان، فلا الاخوان لم
يلقوا لهم بالا، ولا يمكن ان يجرمنا شنأن قوم ألا نعدل. أعلم أن كثيرا من
سفهاء الإسلاميين قد سبوك، وأعلم أن كثيرا منهم لن يصل الي عشر معشار ادراكك
لمقاصد الإسلام السياسية والاجتماعية، ولكن هذا ليس مبررا لغمط الناس وبطر
الحق. ان الظلم ظلمات يوم القيامة، وقد أمرنا أن نتقي فتنة لا تصيب الذين
ظلموا منا خاصة، فكيف بمن ظلم؟ اعتبري هذا طردا ناسفا أو رسالة مفخخة قد تصيب بعضا
منك بأذى بهدف ايقاظك من سباتك، فهذا والله خير من أن يغرقك الطوفان القادم
لامحالة.