Sunday, November 30, 2014

شخصيات تويترية: طرد ناسف اليها

ربما كانت مشهورة أو معروفة داخل أوساط النشطاء في مصر، ولكنها لم تظهر على خريطة راداري الا متأخرا نسبيا.  دعنا نقول خلال الشهور القليلة التي سبقت ثورة يناير.  وحتي كتاباتها التي تمزج النقد اللاذع للأوضاع السياسية والاجتماعية بالهجوم المباشر علي نظام مبارك في قالب ساخر محبب, حتي كتاباتها هذه التي جعلت منها بعد شهور قليلة أحد أبرز وجوه الثورة, ان لم تكن احدي أيقوناتها, حتي هذه الكتابات المذيلة بتوقيعها لم تنر مصباحا في عقلي يخبرني أنها قد تكون علي صلة قرابة بهذا الشاعر العامي الشهير, الذي لم أسمع به الا قبل ذلك بسنوات قليلة, وان كان اسمه يعيد الي الذاكرة ومضات من الطفولة المبكرة, كان الوالد رحمه الله يستمع خلالها الي اشعاره وقصائده من اذاعات مصر العربية والعروبة المشوشة المنطلقة من دمشق وبغداد أواخر عهد السادات.

أما مفتاح انبهاري الشديد بشخصيتها من خلال كتاباتها تلك، فهو أنها قد جمعت من الخصال ما يندر أن يجتمع في انسان، فضلا عن أن يكون انسانا مصريا علي وجه الخصوص.  فهي أولا لماحة سريعة البديهة، تستطيع أن تأتيك بجواب مناسب بليغ يرسم على الشفاه ابتسامة لأي سؤال يمكن تصوره، سواء أتي من عدو يريد احراجها بسؤاله أو صديق يبحث بصدق عن اجابة.  ويقف خلف قدرتها تلك ثقافة موسوعية, لا تقتصر علي الأدب أو الشعر العالمي, الذي ربما يتبادر الي الذهن أنها تلقته خلال دراستها الجامعية, أو علي ثقافة إسلامية شرقية متعمقة أيضا, لاتقف عند حدود التلقي الأصم, كما هو حال كثير من منتسبي الجماعات الإسلامية المختلفة, بل تتجاوزهما الي النظرة الناقدة النافذة, التي تصل الي فقه المقاصد, وتربطه ربطا شيقا جذابا بحياة الناس اليومية, وبالتصورات الفلسفية الأخرى التي جاء بها الفلاسفة والمصلحون الوضعيون, ثم تصوغه في عامية بسيطة خفيفة الظل تصل الي شغاف قلوب العامة, بما يعجز عنه من يفوقها فقها او علما او أدبا.

وهي مع ثقافتها العالية شديدة التواضع، حريصة كل الحرص علي صلتها بالقواعد الشعبية العميقة للشعب المصري، من عمال وطلاب وربات بيوت، تكلمهم في الأسواق، وتأكل معهم على المقاهي، وتنقل لقرائها أحاسيسهم ومشاعرهم دون مواربة أو تجميل.  لا أدري كم مر من الوقت حتى شعرت أنني أمام شخصية "بهية" التي كأنها قدت من صخر لتكون مثلا أعلي يلهمها في الحياة، أو نموذجا ينبغي لها أن تسعي للوصول اليه.  نعم، كانت هي بهية الحنون المحبة لكل المصريين، التي تئن وتتوجع مع آلامهم، وتضحك مع أفراحهم، وتضحي بسعادتها من أجلهم.  كانت الأم التي لا تكل من تكرار الدروس لأبنائها الصغار مهما استغلق عليهم فهمها، ولا تمل من تذكيرهم بوجوب الوحدة والوقوف صفا كأنهم بنيان مرصوص أمام أعداء الوطن، مهما اختلفت أهواءهم ومشاربهم.

لا اعتقد أن انجذابي لها كان انجذابا عاطفيا، فليست هي النوع من النساء الذي يثير في نفسي عواطف شخصية، اللهم الا الاعجاب العام بالخصال النادرة السابق ذكرها في انثي تقارب عمرها الزمني وميلها الفكري مع سني وفكري.  حتى أنني عندما رأيتها بعد ذلك في برامج تلفزيونية وجدتها عادية المظهر، لا تتصف بجمال بارع يخلب الألباب أو يدير الرؤوس، كما أن عصبيتها الواضحة ليست من العوامل التي تزيد من جاذبيتها أيضا.  ولذا لا يمكنني القول إنني نظرت اليها يوما كفتاة أحلام أو أن اعجابي بها اتخذ طابعا شخصيا، يطغي فيه حكم القلب علي حكم العقل، وانما كان انجذابي لخصائصها النفسية والعقلية في المقام الأول.

ولما جاءت الأيام الحاسمة، أيام الثورة، وكنت لا أزال خارج البلاد، لم أكن لأجد أفضل من مدونتها، إذا استيقظت فزعا بعد منتصف الليل، مصدرا مباشرا لأخبار الاعتصام في التحرير، وهل فض أم لا.  كيف لا وهي دائمة حاضرة في كل اعتصام، ناقلة لقرائها بالصوت والصورة، الحقيقة الكاملة لما يدور هناك.  لا أبالغ ان قلت إن تلكم الأيام كانت من أفضل فترات حياتي، فأنا بطبعي لا أميل الي النعرات الوطنية الزاعقة، وكنت قد فقدت الأمل في أن تنهض مصر من سباتها منذ وقت طويل.  الا أن تجمع كل أطياف الشعب المصري علي قلب رجل واحد في ميدان التحرير أيقظ الوطنية الكامنة في أعماقي، وصرت راغبا أن أهتف بأعلى صوت لكل من أقابله "أنا مصري"

كانت "بهية" بالنسبة لي اذن هي ضمير الثورة.  وكان سمتها الإسلامي التقليدي بالحجاب، وانتماؤها الصوفي الذي لا تنكره، والذي يصل في حب آل البيت الي حدود التشيع، واعترافها الصريح بالمكون القبطي غير المنكور للشخصية المصرية، مع يساريتها وفوضويتها الواضحتين، التين تعاديان أي سلطة بشكل تلقائي، وتضعاها موضع المتهم المطالب بتبرير موقفه بدلا من أن تلتمس له الأعذار كما يفعل معظم الناس، أقول، كانت "بهية" بكل هذا التكامل والتناقض في نفس الوقت أصدق تجسيد حي لمصر كما تخيلتها دائما.  بحيث أن مصر لو بعثت الي الحياة ودبت فيها الروح وصارت امرأة تسعي على قدمين لكانت هي بهية.  طبعا كل هذا لا يعني أنني مندمج أو متوحد تماما مع هذه الشخصية الفريدة، أو أنني أعتبرها تجسيدا لي أنا شخصيا على أي وجه من الوجوه. فبسنوات عمري التي قضيت نصفها خارج البلاد، لا أعتبر نفسي كامل المصرية، ولا أعتبر هذا التجسيد الذي تقوم به "بهية" معبرا عن شخصي كانسان، ينظر الي نفسه كمواطن للعالم أكثر من نظره الي نفسه كمصري، الا أنه كان تجسيدا باعثا على الاعجاب والانبهار دون شك.  مما جعلني أتفق تماما مع كل خطراتها أو اختياراتها الفطرية لما كان يعرض على الثوار في الميدان من خيارات تستدعي قرارات لحظية.  كيف لا وهي الضمير الحي المتجسد لمصر في تلك اللحظة.

حتى إذا وصل الجمع في الميدان الي تلكم اللحظة الفارقة، لحظة تنحي مبارك، أصابتني دهشة شديدة لأن خيارها كان عكس خياري تماما للمرة الأولي منذ بداية الأحداث.  فأنا لم اشك لحظة واحدة في خيانة المجلس العسكري لمصر وتآمر قيادة القوات المسلحة مع مبارك.  كيف لا ومبارك هو من عين أعضاءه وأغدق عليهم المنح والعطايا في المقام الأول؟ ولذا فقرارها، وقرار غالبية الثوار بترك الميدان وائتمان المجلس العسكري علي قيادة البلاد خلال الفترة الانتقالية كان كائتمان الثعلب على مزرعة الدجاج.  وللأمانة، فهذا لم يكن رأيها وحدها، بل ضل في عداد من اتخذ الرأي ذاته كثير من الجماعات والمفكرين الذين لا أذكرهم الا مع الأسي، وبقي في المقابل القليل من القوي الثورية "الراديكالية" وبعض الإسلاميين كالشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل.  الا أن تعصبها للجيش فاق كل حد، فهي من أطلقت عبارة "جيشنا حبيبنا" ووضعت على مدونتها أغنية سيد درويش الشهيرة "أحسن جيوش في الأمم جيوشنا" للتدليل على عدم محدودية ثقتها في قيادة القوات المسلحة.  كتبت لها أحذر من الثقة فيمن لا ينبغي أن يوثق به، وكان ذلك بعد الانصراف من الميدان بأيام قليلة.  ثم كتبت ردودا أخري على مقالات مدونتها عبر الشهور القليلة التالية، ومن يرجع الي بدايات مدونتي هذه، سيجد إعادة نشر لهذه الردود والرسائل بتواريخها الأصلية.

ومع ازدياد الأحداث زخما، زادت مساحة اختلافنا الفكري اتساعا.  ففي الوقت الذي هب فيه شرفاء من داخل الجيش للانضمام الي صف الجماهير وبيان ما في داخل القوات المسلحة من فساد، هددت هي بالإبلاغ عنهم، لأنهم (حسب رأيها) قد تجاوزوا الحدود عندما أقدموا على التظاهر بلباس الجندية.  وفي سياق قريب، دعت المصريين للتصويت بنعم على اعلان مارس الدستوري الشهير، الذي وضع الكثير من السلطات في يد المجلس العسكري وتسبب في أعظم المتاعب بعد ذلك، طيلة فترة حكم المجلس.  وللأمانة، فقد دعا الإسلاميون أيضا (وفي مقدمتهم الاخوان) الي التصويت بنعم على ذات الاستفتاء، وان لم يكن ذلك تعبيرا منهم عن الثقة المطلقة بنوايا المجلس، بقدر ما كان برجماتية ورغبة في الإسراع بالعملية الانتقالية، حتى وان أدي ذلك الي زيادة مؤقتة في صلاحيات العسكر.  وطبعا كنت ضد هذا وذاك، أولا لانعدام ثقتي في العسكر، وثانيا لانعدام يقيني في قدرة أي فصيل على التغلب عليهم في مجال الدهاء، مهما بلغت قوته. الا أن هذين الحدثين كانا نقطة فارقة شكلت تبدلا تاما في موقفي وموقف "بهية" من كل من الاخوان والعسكر.

يحسن بي هنا أن أعترف للقارئ أنني لا أنتمي الي أي فكر سياسي أو مدرسة فلسفية جمعية معينة، غير أن الكثير من أرائي تتفق مع أراء الاشتراكيين التحرريين، الذين يطلق عليهم العامة الاناركيون أو الفوضويون.  وتبعا لذلك، فأنا لا أنتمي الي فكر الإسلام السياسي علي الاطلاق، ولا أؤيد دعاته من منطلقات فكرية أو عقائدية.  وكما أوضحت في الفقرات السابقة، كنت متحفظا من البداية على الكثير من مواقف الإسلاميين، من حيث دعوتهم للتصويت بنعم على اعلان مارس الدستوري، أو وثوقهم بالمجلس العسكري.  بيد أنني بحكم الواقع، كنت أعلم علم اليقين أن الاخوان (والاسلاميون عموما) يمثلون القوة الوحيدة القادرة تنظيميا على اجتثاث نظام مبارك والقضاء على دولته العميقة.  ولذا ناديت تدريجيا عبر تويتر وعبر مدونتي ابتداء منذ منتصف 2001بأن يصطف اليساريون والقوميون، والليبراليون خلف الاخوان، باعتبار الاخوان أكبر فصيل ثوري، يمتلك من الكوادر والامكانيات ما يمكنهم من استكمال معركة الثوار التاريخية لاستكمال بناء المؤسسات الديمقراطية والقضاء على نظام مبارك.  ناديت بأن يؤيد الثوار العلمانيون الاخوان، حتى وان لم يوافقوا على بعض الخطوات التفصيلية التي قد يقدم عليها الاخوان أثناء مسيرة الكفاح لتسلم السلطة من المجلس العسكري، لأنه ببساطة لا يوجد ثمة طريق آخر، والقوي الثورية العلمانية غير قادرة على الفعل المنفرد بمعزل عن الاخوان.  ومن هنا ناديت بأن يقف الثوار العلمانيون صفا واحدا خلف الاخوان في وجه مماطلات المجلس العسكري لأجراء انتخابات برلمانية أو رئاسية، ثم ناديت بالتصويت لمرسي بعد ذلك.

أما بهية، فقد اتخذت الموقف المعاكس تماما.  فبداية، انتقدت أداء مجلس الشعب الذي رأسه الكتتاتني انتقادا لاذعا مريرا منذ اللحظة الأولي لحلف اليمين، حتى قبل أن تعطيه الفرصة لأثبات حسن الأداء، ومع العلم التام بالمؤامرات التي كان المجلس العسكري يحيكها له منذ اللحظة الأولي لوجوده، انتهاء باستصدار حكم من المحكمة الدستورية بحله.  وقس على ذلك موقفها من مجلس الشورى بعد ذلك.  ولما اضطرت موائمات الاخوان مع المجلس العسكري الي اتخاذ موقف مائع من الثوار العلمانيين الذين تظاهروا في شارع محمد محمود بالقرب من وزارة الداخلية، صبت جام غضبها على الاخوان، واتهمتهم بالنفاق والتآمر على الثورة، علما بأن هؤلاء الثوار، بعددهم المحدود، لم يكونوا ليغيروا من الامر شيئا، خصوصا وأن البلاد كانت في منتصف عملية سياسية بالفعل، ولم تكن بعض التظاهرات الصغيرة هنا أو هناك لتضيف شيئا يذكر.  وازداد منذ تلك اللحظة عداء بهية للإسلاميين، بالرغم من أنهم (أي الإسلاميون) كانوا في أشد الحاجة الي التأييد من القوي الوطنية والنشطاء المستقلين مثلها، لأنهم كانوا يمثلون رأس حربة الثورة التي تحاول أن تنتزع بصعوبة مكاسب جديدة للثورة من المجلس العسكري المماطل.  ولو أن الجميع أجلوا نقدهم المرير حتى نتسلم (كثوار) السلطة كاملة، لكان خيرا لنا، ولكن...

طبعا كما يعلم جميعنا الآن، فان المجلس العسكري قد فعل كل ما بوسعه بعد ذلك لتفتيت الصوت الإسلامي والحيلولة دون ترشيح أقوي المرشحين الإسلاميين وأوفرهم حظا في انتخابات الرئاسة.  فمن شطب أبو إسماعيل وخيرت الشاطر، الي النفخ في ترشيح أبي الفتوح، تفتت الصوت الإسلامي تماما.  وبدلا من ان نحاول كثوار راب الصدع والاتفاق على مرشح توافقي للثورة أمام ما بدا وكأنه اتفاق للثورة المضادة علي أحمد شفيق، إذا ببهية تدعو للمقاطعة تارة، وللتصويت لمن لا فرصة له كخالد على تارة أخري، وتنعت مرسي بأقذع الالفاظ (كالاستبن والنحس) تارة ثالثة.  صحيح أنها يذكر لها أنها فرحت من قلبها عندما أعلنت نتيجة انتخابات الإعادة بين مرسي وشفيق، ولا أزال أذكر تويتاتها المتتالية "مرسي، مرسي، مرسي" عندما أعلن المستشار النتيجة، الا أنها لم تعط الرجل أي فرصة للأداء بعد توليه الرئاسة، سيما وأنه كما نعلم، جاء بصلاحيات منقوصة وسلطات مكبلة اختزلها المجلس العسكري بإعلانه المكمل.  وان أنس لا أنسي دعاءها المرير علي مرسي لأنه لم يطلق سراح المعتقلين مباشرة فور توليه الرئاسة.  هذا مع العلم أنه أطلق سراحهم خلال شهور قليلة بالفعل، وانما توجب عليه التدقيق في القوائم المقدمة اليه من قبل المجلس العسكري، لأنه خشي أن يكون المجلس قد أدخل بين الأسماء أسماء بعض المطلوبين جنائيا لتسهل مسائلته بعد ذلك كما حدث بالفعل. ومع كل هذا، ففشل مرسي أو تباطؤه في الافراج عن بعض المعتقلين لا يقارن بتاتا باعتقال عشرات الألوف من المواطنين في عهد السيسي، والذين لم تجرؤ بهية علي انتقاد الأخير بشأنهم ولو بشق كلمة.

ومع بداية الحملة المسعورة التي شنتها الثورة المضادة لإسقاط مرسي، والتي وافق قادة جبهة الإنقاذ على ان يقوموا بدور الواجهة السياسية لها، زاد هجوم بهية علي الاخوان بحق ودون حق.  وفي الوقت الذي بدا فيه لكل ذي عينين أن ما يحدث انما هو محاولة سافرة لدولة مبارك العميقة للعودة الي الحكم مرة أخري على أسنة رماح القوات المسلحة، لم تستهجن هي أن تدعو مع الداعين الي اسقاط مرسي في الثلاثين من يونيو والتسبيح بحمد السيسي بعد ذلك، بل والتغزل في لباقته وذكائه وحسن منطقه، وهي أمور يعرف القاصي والداني الآن أنها عكس حقيقة الرجل على طول الخط.  حتى عندما طلب الرجل تفويضا لقتل المتظاهرين في رابعة والنهضة، ترددت قليلا، الا أنها عادت وبررت الطلب وجوزت لقرائها إعطاء التفويض.  ولما حدثت المقتلة كتبت تلوم أجهزة الامن عليها، لأن من شأنها "اذكاء الإرهاب وإعطاء الفرصة للإسلاميين لإشعال البلد."  أي ان الأرواح التي أزهقت، والأنفس التي قتلت لم تعنها في شيء، وانما عنتها فقط التداعيات الأمنية الكارثية المحتملة على البلاد.

وهي في كل ذلك لا تبدي أي ارعواء او عودة للحق، بعد أن استبان لكل ذي لب خيانة السيسي لمصر وللعروبة وللإسلام.  فالرجل وقف بشكل كامل مع إسرائيل ضد الفلسطينيين في حملتها ضد قطاع غزة، وكان أداؤه في سيناء أشبه ما يكون بأداء مقاول من الباطن للموساد الإسرائيلي.  بينما مرسي الذي شنعت عليه وتآمرت ضده وخرجت لإسقاطه اتضح بشهادة الاسرائيليين أنه كان المورد الأساسي للغذاء والدواء والمؤونة للمقاومة الفلسطينية.  وحتى في ليبيا، السيسي لا يخجل من التصريح والتلميح بتأييده لحفتر، الذي يريد القضاء على الثورة الليبية وإعادة أنتاج نظام القذافي.  وبعض ذلك او قدر يسير منه كان يكفي لأن يراجع الانسان نفسه ويعلم كيف ظلم غيره ونفسه، ولكن هيهات ان ترعوى أو ترجع الي الحق، حتى بعد أن أطلق سراح مبارك، وظهر للجميع أن ما حدث في الثلاثين من يونيو كان إعادة لإنتاج النظام البائد بكل تفاصيله.

خطأ كبير آخر وقعت فيه بهية، كما وقع فيه كثير من اخواننا اليساريين تحديدا، كان اساءة تقدير قوتهم النسبية في الشارع المصري، أو قدرتهم على الفعل، وعلي حشد الجماهير لتحقيق أهداف الثورة، أو بالأحرى، قدرة الجماهير على احداث التغيير المنشود بمجرد التظاهر.  وان أنسي لا أنسي مطالباتها للمصريين بالنزول لإسقاط الاخوان كما أسقطوا مبارك، مطمئنة مخاوف بعضهم من توجهات الحكم الجديد "بأن في مقدورنا دائما أن ننزل الي الشارع وأن نسقطه إذا لمسنا منه انحرافا عن اهداف الثورة" وهي في ذلك تغفل تماما أن نظام مبارك كان يستطيع، لو أراد، سحق ثورة الخامس والعشرين من يناير، لو أنه استخدم عشر معشار العنف الذي استخدمه القذافي أو الأسد ضد شعبيهما على سبيل المثال.  كل ما في الأمر، ان المتنفذين في الدولة العميقة آثروا أن يضحوا براس النظام (مبارك) وببعض القيادات الأخرى منتهية الصلاحية، ريثما يتمكنوا من تقليص مكاسب الثوار لأقل قدر ممكن.  وعليه، فلا التظاهرات الأولي في الخامس والعشرين من يناير، ولا الوسيطة في محمد محمود ومجلس الوزراء والعباسية، ولا حتى المزامنة للانقلاب في الثلاثين من يونيو غيرت أي واقع على الأرض، وانما كان صراع القوي الحقيقية ذات الوزن القادرة على الفعل هو الذي حدد أين تتوقف نقطة التوازن في كل حالة.  هذه المثالية المفرطة، التي تصل الي حد السذاجة والتفاؤل الطفولي بقدرة الجماهير على احداث التغيير بمجرد النزول الي الشوارع والساحات، وبأن الحكام وأجهزتهم الأمنية المتحكمة في كل شيء ما هم الا ريشة في مهب الريح تلعب بها الشعوب ان أرادت كيف تشاء، هي أحد مواريث الفكر الخيالي الحالم المنفصل عن الواقع لكثير من اليساريين في مصر، وليس لبهية وحدها على أي حال.  ومع الأسف، فقد استغلت أجهزة الدولة العميقة هذا الاعتقاد الخرافي أبشع استغلال لاستثارة حفيظة هذا القطاع من الثوار ضد مرسي والاخوان عموما، كلما حدث اختلاف في الرؤية معهم. فقد كان يكفي دائما أن يوحي اليها بعض متابعيها على تويتر مثلا بفكرة التظاهر ضد مرسي لأنه فعل كذا وكذا، لكي تدعو الي الخروج والحشد ضده.   ومن سخرية الأقدار، أن بهية ومن لف لفها من الثوار الذين كانوا أسرع من يتظاهر ضد مرسي عند أدني اعتراض على قراراته، صار بهم الحال الآن الي انهم يعتقلون ويقدمون الي المحاكمات بل ويعذبون، كما حدث مع أحمد دومة وعلاء عبد الفتاح وغيرهم، لمجرد ابداء الاعتراض على إحدى سياسات نظام السيسي الانقلابي، دع عنك التظاهر ضده.  ولو أنها تدبرت في هذا وحده لكفاها دليلا علي وجوب الاعتراف بالحق والرجوع الي صفوف الثوار ضد نظام مبارك المستنسخ، الذي ساعدت في اعادته الي الحياة بقصد او دون قصد.  والأهم هو الاقتناع بأن تغول الدولة القمعية الحديثة لا يترك أي فرصة للنشطاء المنفردين، او حتى للجماهير المحتشدة لإحداث التغيير، فضلا عن التحكم في مقاليد الأمور.  ولذا فالطريق الوحيد لتحقيق ذلك هو العمل المنظم من خلال حزب أو جماعة ذات أذرع عديدة تضاهي تلك التي تتمتع بها أجهزة الدولة القمعية وتتمكن من تحييدها والقضاء عليها.  قد يري البعض في الأحزاب الشيوعية الثورية قديما، أو الجماعات الإسلامية المسلحة حديثا أمثلة لذلك، وهذا مبحث آخر.  ولكن المقصود هنا، هو أن الاخوان، بتنظيمهم الدولي، وكوادرهم العديدة في كل المجالات، وميزانيتهم الضخمة، كانوا أقرب ما يكون الي طبيعة العمل المنظم المطلوب لتفكيك دولة مبارك العميقة.  فبدلا من تعضيدهم وسد ثغراتهم والوقوف خلفهم لإتمام المهمة المنشودة، قمنا بتفكيكهم والإرشاد عن قادتهم والعمل على القضاء عليهم.  ولا أدري، أتتاح لنا فرصة أخري للعمل المنظم ضد دولة مبارك الاخطبوطية العائدة الي الحياة أم لا، وان كنت أدعو من قلبي ألا نكرر نفس الخطأ، ان أتحفتنا الأقدار بفرصة جديدة.  .


لا أدري بم أفسر إصرارها على تأييد الباطل، مع اعتقادي أنها من الذكاء بحيث لا تغيب عنها تلك الحقائق الساطعة.  هل حز في نفسها لعن بعض سفهاء الاخوان لأبيها وخوضهم في عقيدة أمها، ودعائهم عليها بأن ينتهي حملها الأول؟ أعلم تماما كم هي مؤثرة وجارحة تلك الأمور، خصوصا لمن كانت يوما ما أحد أبرز المدافعين عن الاخوان، الداعين الي تقاربهم مع اليساريين.  ولكن الأمر لا يتعلق الآن بأشخاص أو جماعات.  ان الوطن ذاته قد بات على المحك.  إنك قد مكنت للفساد والاستبداد والاستكبار في الأرض بحسن منطقك، وجاذبية حديثك، وحسن قبولك لدي الناس.  إنك يا صديقتي العزيزة التي لم التقها يوما قد شطبت بجرة قلم مظالم ودماء آلاف المصريين، بزعم أن غيرهم قد ماتوا أيضا ولم يلق لهم الاخوان بالا، والظنان باطلان، فلا الاخوان لم يلقوا لهم بالا، ولا يمكن ان يجرمنا شنأن قوم ألا نعدل.  أعلم أن كثيرا من سفهاء الإسلاميين قد سبوك، وأعلم أن كثيرا منهم لن يصل الي عشر معشار ادراكك لمقاصد الإسلام السياسية والاجتماعية، ولكن هذا ليس مبررا لغمط الناس وبطر الحق.  ان الظلم ظلمات يوم القيامة، وقد أمرنا أن نتقي فتنة لا تصيب الذين ظلموا منا خاصة، فكيف بمن ظلم؟ اعتبري هذا طردا ناسفا أو رسالة مفخخة قد تصيب بعضا منك بأذى بهدف ايقاظك من سباتك، فهذا والله خير من أن يغرقك الطوفان القادم لامحالة.

Wednesday, October 8, 2014

كل ما أردت أن تعرفه عن داعش ولكنك خجلت أن تسأل

 كيف خرجت داعش الي حيز الوجود؟

بعد تقدم قوات التحالف نحو بغداد عام 2003، أدرك صدام حسين أن لا فائدة من مقاومة الجحافل الغازية بطريقة الجيوش النظامية التقليدية.  وذلك لأن الجيش العراقي كان قد أنهك تماما من القصف المتواصل والحصار المستمر وانقطاع الامدادات وقطع الغيار.  ولهذا قرر صدام أن يحول المقاومة من حرب نظامية الي حرب عصابات ترهق القوات الغازية وتستنزفها وتدفعها للانسحاب بعد فترة طالت أم قصرت.  فقام بتوزيع كثير من الأسلحة والذخائر والأموال على منتسبي حزب البعث والدفاع المدني والمقاومة الشعبية، فضلا عن اصدار أوامر للجيش النظامي بالتحول ألي فرق صغيرة لامركزية الإدارة، يمكنها المراوغة والانخراط في حرب العصابات.  ولما كانت ظروف عراق ما بعد حرب الكويت (من حيث تمرد الشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال وصعود التعاطف مع الحركات الجهادية السنية بعد غزو أفغانستان) قد جعلت من استمرار التمسك بعقيدة البعث العلمانية أمرا غير عملي، فقد بدأ صدام بعد حرب الكويت تدريجيا إضفاء الصفة الإسلامية السنية على دولته، كإدخال لفظة "الله أكبر" علي العلم العراقي، واستخدام مصطلحات سلفية صرفه في الحديث عن الشيعة "كالصفويين والرافضة."  وبلغ هذا الاتجاه ذروته بعد انهيار الجيش العراقي وقرار صدام المشار اليه بالتحول الي حرب العصابات، فقد أصدر توجيهات الي قادة البعث والجيش والمقاومة "بخلع قبعة البعث العلمانية وارتداء عمامة السنة الإسلامية."  وهنا يجب الإشارة الي أن هذا القرار لم يكن قرارا تكتيكيا فقط، يهدف لاستدرار عطف وتأييد السنة داخل وخارج العراق، بل كان أيضا قرارا استراتيجيا وتحولا أيديولوجيا يعكس قناعة صدام المتنامية بأن الهوية الإسلامية تمثل الرابطة الحقيقية الأقوى بين عرب العراق السنة وليست أي هوية أخري. وطبعا جاء قرار بريمر، حاكم العراق العسكري، بتسريح ما تبقي من الجيش العراقي تحت حجة "القضاء على البعث" كقشة قصمت ظهر البعير، لأنها قضت على وظائف وأبواب رزق من تبقي في الجيش بعد احتلال بغداد، وأقنعهم بالانضمام الي صفوف المقاومة.

تواكب مع سقوط بغداد، الحدث الذي هز مشاعر السنة في العالم أجمع، أن تنظيم القاعدة في خراسان بزعامة أسامة بن لادن رأي في هذه المصيبة فرصة لمد الجهاد الي ساحات جديدة، فأرسل بعض المقاتلين الي العراق الذين سرعان ما انضووا تحت لواء الأردني أبو مصعب الزرقاوي لتكوين نواة لتنظيم القاعدة في العراق.  ولم يمر وقت طويل حتى بدء التناغم والتعاون والتنسيق يحدث بشكل تلقائي بين هذين الفصيلين: بقايا جيش صدام ومنتسبي البعث، الذين سوغ لهم توجههم الإسلامي الجديد التعاون مع التيار السلفي الجهادي ممثلا في القاعدة، والقاعدة في العراق، التي لم تجد حرجا في التعاون ومد اليد الي بعثيين سابقين، طالما أنهم قد التزموا إسلاميا، لأن الإسلام والالتزام يجبان ما قبلهما.

وطبعا لا يعني هذا أن كل منسوبي البعث السابقين أو كل ضباط الجيش المنحل أو حتى كل السلفيين الجهاديين قد انخرطوا في جماعة الزرقاوي، فحزب البعث ككينونة لايزال قائما يصدر البيانات، وكثير من منتسبيه انضوي تحت لواء جيش الطريقة النقشبندية بقيادة عزة إبراهيم. وبالمثل، الكثير من ضباط الجيش شكلوا ما عرف باسم المجلس العسكري، وكل هذه الجماعات شارك بشكل أو بآخر في مقاومة الجيش الأمريكي بعد سقوط بغداد.  الا أنه يمكن القول إن العمود الفقري للمقاومة السنية المسلحة في العراق بعد الغزو شكله هذا التحالف الذي لم يكن انتهازيا بقدر ما عكس تقارب الأفكار والايديولوجيا والظروف بين الفريقين.  والمقصود هو أن ما يشاع عن أن تنظيم الدولة الإسلامية (ومن قبله قاعدة العراق) ما هو الا مجموعة من البعثيين العلمانيين الذين يستغلون الحماس الديني لكثير من غلاة شباب السنة لتحقيق أحلامهم في الانتقام من شيعة العراق وإعادة بعث صدام القديم الي الحكم هو محض هراء لا يقوم عليه دليل ولا يعضده منطق.  فحتي بافتراض أن هذه هي الخطة الأصلية لتلك الثلة من الضباط, فأن التفوق العددي الهائل للمتطوعين الجهاديين من بلاد مختلفة, بما فيهم من هو متمرس في فنون القتال في الشيشان والبوسنة وأفغانستان وغيرها, كان حقيقا بأن يؤدي الي انقلاب داخلي يقوده أولئك القادمون الجدد, بعد أن تتبين لهم "الخطة الشيطانية" للبعثيين الملاحدة الأقل عددا وعدة  والحال الوحيد الذي يمكن معه تصور استمرار سيطرة قلة من "البعثيين الزنادقة" علي كثرة من المجاهدين المتحمسين هو افتراض أن الأخرين ما هم الا جماعة من المتخلفين عقليا او ممن نوموا مغناطيسيا, أو ممن سلبت ألبابهم حشيشة كحشيشة الحسن الصباح..

إذا كانت داعش بكل القوة المشاهدة حاليا، فلماذا هزمت ولم تتمكن من التغلب على الاحتلال الأمريكي للعراق؟ 

بالرغم من وجود مئات الآلاف من الجنود الأمريكيين المزودين بأحدث أنواع الأسلحة, ومع أن الشيعة والاكراد تعاونوا تعاونا مطلقا مع القوات الغازية, الا أن المقاومة السنية التي كانت في الصدارة منها جماعة القاعدة في العراق, إضافة لكل المجموعات الأخرى المشار اليها في إجابة السؤال السابق, دوخت قوات الاحتلال وأوقعت بها خسائر فادحة, مما حدا بالإدارة الامريكية الي تغيير خطتها العسكرية المعتمدة علي وجود فوات محدودة ذات قدرة فائقة علي الحركة السريعة (خطة رامسفيلد) الي خطة تقليدية تعتمد علي وجود مالا يقل عن ثلاثمائة ألف جندي علي الأرض. ولكن مع هذا كله، زادت الخسائر جدا في صفوف الأمريكيين، سيما في المثلث السني (الأنبار، صلاح الدين، ديالي) واحتاج الأمر الي شراء ذمم رجال العشائر لتكوين ما عرف بالصحوات، وهي قوات سنية لمقاتلة الثوار. ولم تتمكن تلك القوات من تحجيم الثوار (وليس القضاء عليهم) تماما الا بعد سنين عديدة. ونخلص من ذلك الي أن جماعة القاعدة في العراق (سلف داعش) لم تهزم بالمعني المفهوم، أي لم يقض عليها تماما، وانما حجم نشاطها وتقلصت منطقة نفوذها (شأنها شأن باقي جماعات المقاومة) بعد أن حرمت من الحاضنة الشعبية وانقلبت القبائل السنية عليها، بل وقاتلتها عن طريق الصحوات.  فيما عدا ذلك، صقلت المعارك من المهارات القتالية لقادتها العسكريين، مما أفادهم فيما بعد في عملياتهم الحالية في العراق والشام.

هي اذن جماعة عراقية بامتياز، لماذا تمددت الي الشام وقاتلت الجماعات الجهادية الأخرى؟ ألا يثبت ذلك عمالتها للنظام السوري والمخابرات الإيرانية، سيما وأن هناك صلات موثقة بين القاعدة وإيران؟

لا يخفي على أحد أن الفكر السلفي الجهادي الذي انبثقت منه القاعدة وروافدها لا يعترف بالحدود السياسية بين الدول القومية الحديثة، ويدعو دائما الي إقامة الخلافة الإسلامية الشاملة.  ومن هذا المنطلق، قامت القاعدة في العراق بتغيير اسمها الي دولة العراق الإسلامية كخطوة أولي لترسيخ مفهوم "الدولة" التي تسيطر على مساحات من الأرض وتحكمها تمهيدا للتوسع نحو تكوين خلافة بعد ذلك.  ولما اجتاح الربيع العربي دول المنطقة في مطلع 2011 وبدا جليا أن النظام الأسدي لن يتنازل سلميا عن السلطة كما فعل نظيريه التونسي والمصري، بل وشرع في قتل المتظاهرين بوحشية مفرطة (مع التحفظ في وصف ما حدث في سوريا بداية بالثورة)، وجد تنظيم دولة العراق الإسلامية في الأمر فرصة سانحة لنصرة أهل السنة في سوريا، وترسيخ مفهوم عالمية الإسلام الذي لا يعترف بالحدود السياسية "المصطنعة" بين الدول، فأرسل طرفا من فصائله الي سوريا تحت اسم "جبهة النصرة".

وهنا بدأت المشاحنات التي تطورت فيما بعد الي قتال بين تنظيم دولة العراق الاسلامية (الذي ما لبث أن غير اسمه رسميا الي الدولة الإسلامية في العراق والشام ليعكس واقع تمدده الي الشام) وبين باقي الفصائل الجهادية الأخرى لأسباب عديدة.  فمعظم مقاتلي داعش, كما رأينا, كانوا في البداية عراقيين, إضافة لما تيسر من مجاهدين قدموا من مختلف أصقاع العالم من أجل إقامة الخلافة.  بينما معظم منسوبي الجماعات الجهادية الأخرى (بما فيها جبهة النصرة التي انضم لها كثرة من السوريين، وما لبثت قيادة القاعدة في أفغانستان أن اعترفت بها كفرع لها في سوريا) هم من السوريين أصحاب البلد الأصليين.  وطبيعي أن يفضي هذا التباين الي نوع من الحساسية بين الطرفين، لأن السوريين لن يقبلوا أن تقودهم مجموعة من الأجانب لتحرير بلدهم ومن ثم حكمها بعد ذلك.  إضافة الي أن الرؤية التكتيكية والاستراتيجية اختلفت تماما بين الطرفين.  فمجاهدو الفصائل الأخرى (كالنصرة واحرار الشام وصقور العز وما الي ذلك) يرغبون في الاحتفاظ بدولة سورية مركزية، يتعايش فيها السنة جنبا الي جنب مع الدروز والعلويين والمسيحيين.  طبعا هم يريدون لهذه الدولة أن تكون إسلامية التوجه، الا أنهم لا يمانعون في مشاركة من يرونهم شركاء في الوطن في الحكم بشكل أو بآخر، ويريدون في النهاية أن تبقي سوريا ككيان مستقل. أما داعش, فهي أولا تكفر الشيعة والعلويين, ولا تري لهم مكانا في الحكم. وهي ثانيا لا ترغب في الحفاظ على سوريا كبلد مستقل بمعزل عن الخلافة.

وانعكس هذا الاختلاف في الرؤية المبدئية والهدف النهائي لكل من الفريقين على تكتيكاته العسكرية.  فكان طبيعيا للجماعات التي تسعي للاحتفاظ بسوريا كوطن تتشارك كل فئاته في حكمه أن تسعي لإسقاط النظام عن طريق استهداف المدن الكبيرة كدمشق وحلب وحمص وغيرها.  أما داعش, برؤيتها المتمثلة في إقامة خلافة إسلامية تكون سوريا جزءا يسيرا منها, فكانت غير متعجلة لإسقاط النظام الأسدي القوي المتمركز في المدن الكبرى (سيما ذات الحضور العلوي القوي كاللاذقية ودمشق مثلا) لأن ذلك ربما يمثل هدفا صعب المنال في البداية, لتحصن النظام واحتماءه بحاضنته الشعبية من أبناء طائفته ذوي الكثافة في تلك المناطق.  وانما قضي المنطق الداعشي بالتمدد الي المناطق ذات الأغلبية السنية، والتي تمثل حاضنة شعبية طبيعية للدولة الإسلامية الناشئة، وتأجيل الاصطدام المباشر بالنظام في مراكزه القوية الي مرحلة لاحقة تكون فيها شوكة الدولة الجديدة قد قويت، وأصبح لديها من العدة والعتاد ما يمكنها من التصادم المباشر مع قوات النظام.  وكان من شأن تباين هذين الاستراتيجيتين أن أساء الكثيرون فهم تصرفات داعش واتهموها بالتواطؤ مع النظام ضد الجماعات الجهادية الأخرى. وهذا غير صحيح بالمرة، فكيف يتواطأ تنظيم سني متطرف في سنيته مع من يعتبرهم كفارا ضد اخوانه من السنة، وان أختلف معهم في الرؤية؟  وواقع الأمر أن النظام أدرك اختلاف الأساليب بين داعش من ناحية وباقي الجماعات الجهادية من ناحية أخري، فساهم في نشر الشائعات عن تواطؤ داعش معه ليفت في عضد الجهاديين وليضرب اسفينا بينهم.  ومن ناحية أخري، فالنظام عندما ووجه بجهدين حربيين مختلفي المقاصد، أحدهما يسعي لإسقاطه مباشرة عن طريق مهاجمة المدن الكبرى بما فيها العاصمة، بينما يسعي الآخر لاقتناص مساحات من الأراضي الريفية وبعض المدن الصغيرة غير ذات التأثير، أثر أن يلقي بكل ثقله لمواجهة الجهد الأول، لأن في نجاح ذلك الجهد سقوط النظام. أما الجهد الثاني (جهد داعش) فلا بأس من تأجيل المواجهة معه الي حين القضاء على الخطر العاجل (خطر الجماعات الجهادية الأخرى).  ومن هنا بدا لبعض المحللين من ذوي النظرة القاصرة أن النظام انما يسمح لداعش بالتمدد في الرقة والحسكة ودير الزور، وأن داعش بدورها تركت النظام يحتفظ بحمص ودمشق دون مقاومة.  بينما الصحيح أن كلاهما يعلم أنه سيواجه الآخر ولكن بعد حين. ويستغل تأجيل هذه المواجهة الحتمية لتعضيد مركزه في المناطق التي يسيطر عليها، ومن هنا نشأت شبهة التواطؤ.

أما أسطورة العمالة لإيران فتعود الي أيام الغزو الأمريكي لأفغانستان، عندما لجأ بعض قادة القاعدة وزوجاتهم الي إيران هربا من الملاحقة الامريكية.  وهنا نشأ وضع شاذ، فالقاعدة كتنظيم سني متطرف يري في الشيعة زنادقة منحرفين عن صحيح العقيدة على أحسن تقدير، ان لم يكونوا كفارا بالكلية. وإيران تري في القاعدة عدوا ناصبيا يريد أن يستأنف الاضطهاد الأموي لأهل البيت. الا أن الظروف ألقت بكل منهما في اتجاه الآخر.  فضلا عن أن لكليهما عدو مشترك، ألا وهو أمريكا. فنشأ نوع من التفاهم المرحلي الذي يحدث كثيرا بين أعداء لم تترك الظروف لهم غير التعامل مع بعضهم البعض، استضافت إيران بمقتضاه هؤلاء الفارين وآوتهم، في مقابل أن كفت القاعدة وطالبان يدها عن الهزارة الشيعة في أفغانستان، وتعهدت بعدم المساس بعامة الشيعة في العراق (باستثناء الحكومة المالكية طبعا، التي رأت القاعدة فيها عميلا مزدوجا لأمريكا وإيران في آن واحد).  ومن هنا نري أن التعاون بين الطرفين لم يعن أبدا عمالة القاعدة لإيران، كما تروج لذلك بعض الدوائر الخليجية، ولم يعد كونه تفاهما لحظيا تكتيكيا بين عدوين جمعتهم الظروف في طارئ واحد سرعان مازال وعاد كلا منهم لعدائه المستحكم للطرف الآخر.  أضف الي ذلك أن تمدد نشاط القاعدة الي العراق كان بمثابة شهادة الوفاة لهذا التفاهم المؤقت، لأن عمليات المجاهدين السنة ضد الحكومة العراقية الموالية لطهران كان كفيلا بإنهاء أي نوع من "الهدنة" مع زعيمة الشيعة في العالم.  ولهذا فالتناول الصحيح للأمور ينظر لهذا التفاهم كنوع من المداراة المؤقتة بين قيادة القاعدة في أفغانستان والحكومة الإيرانية أملتها الظروف الميدانية التكتيكية.  وهي موائمة لم تكن يوما ما ملزمة لباقي فروع القاعدة حول العالم ولم تلبث أن انتهت.

ولكن ألم يسهل المالكي للمئات من مسجوني داعش الفرار من أبي غريب لكي يعيثوا في الأرض فسادا ويسيئوا الي السنة وجهادهم لكي يتمكن من بسط سيطرته على العراق وقمع ثورة السنة السلمية؟

دعنا نعد قليلا الي الوراء لفترة ما بعد نجاح الصحوات في تحجيم خطر الجهاديين علي الجيش العراقي المتمركز في المناطق السنية.  كجزء من الصفقة المذكورة آنفا بين الحكومة العراقية والسنة المتعاونين من رجال الصحوات، تم ادخال بعض الإسلاميين المعتدلين في الحكومة العراقية كطارق الهاشمي. زعيم الاخوان في العراق، والذي عين كنائب لرئيس الجمهورية.  كما بدأ المالكي في دفع رواتب شهرية لقادة وجنود الصحوات السنية كنوع من الرشوة لضمان استمرار ولائهم للحكومة المركزية ذات الغالبية الشيعية في بغداد.  وقد نجحت الخطة بشكل مذهل وهدأت الأحوال بشكل كبير جدا في المثلث السني، الي درجة أن المالكي بعد فترة ليست بالطويلة لم يعد يري حاجة لمداراة السنة، فأقال الهاشمي من الحكومة ولاحقه قضائيا واستصدر حكما ضده بالإعدام، كما أوقف الرواتب الشهرية لرجال الصحوات.  فعل المالكي كل هذا دون مقاومة تذكر من السنة، لأن دولة العراق الإسلامية في هذا الحين كانت في فترة ضعف وكمون بعد أن حجمتها الصحوات.  وحتى عندما بدأ السنة أخيرا في الإصابة بحمى الثورة القادمة من بلاد الربيع العربي، قادت هذه الثورة في مناطق السنة الجماعات المعتدلة كالإخوان، بأساليبهم المعروفة من التظاهرات والاعتصامات التي استمرت عاما كاملا في منطقة المثلث السني.  لم يكن المالكي يواجه خلال هذا العام اذن خطرا جهاديا بالمعني المفهوم لكي يتفتق ذهنه عن هذه الحيلة الجهنمية (حيلة تهريب المئات من الجهاديين لكي يعيثوا في الأرض فسادا فيبغضهم ذلك الي الناس) لسبب بسيط: الجهاديون لم يكونوا في موضع الصدارة من الحراك السني حينئذ وانما كان الاخوان، ومن ثم لم تكن هناك ثمة حاجة الي تبغيض عموم السنة فيهم، لأنهم لم يكونوا حملة شعلة المقاومة السنية في ذلك الوقت.  وحتى بفرض التسليم بأن المالكي قد غض الطرف عن هروب أولئك المعتقلين الستمائة من سجن أبو غريب بغرض الاستفادة سياسيا من الحدث على النحو المتقدم، فهل يعقل أن يقف المالكي موقف المتفرج بينما يتعدى السجناء دورهم المرسوم من اثارة بعض الفوضى بغرض الإساءة للحراك السني الي احتلال الموصل وتكريت والقضاء على عشرات الآلاف من قوات الصفوة في الجيش العراقي والاستيلاء علي أحدث أنواع الأسلحة الأمريكية؟ طبعا لا.  الواقع أن كل الدلائل تشير الي أن هؤلاء السجناء قد تم تهريبهم رغما عن أنف المالكي، وأن حكومته لم تكن يوما ترغب في زيادة نفوذ الجهاديين قيد أنملة، لما ذاقته على أيديهم من ويلات أيام المقاومة الأولي قبل ظهور الصحوات.

لماذا تحولت داعش عن بغداد الي كردستان ولماذا تمددت بعد ذلك الي سوريا؟ ألا يشير كل ذلك الي تواطؤها مع إيران، سوريا، أو حتى أمريكا؟

بعد استيلاء داعش على الفلوجة، بقت هناك ردحا من الزمن تعضد من مواقعها وتضع الخطط للمزيد من التمدد.  فلما حان الوقت (بعد فتح سد الفلوجة واغراق أراض يتمركز عليها الجيش العراقي لإرباكه) قامت بعمليات خاطفة، استغلت فيها عنصر المفاجأة أولا، والرعب الناتج عن نشر فيديو "صليل الصوارم" بما فيه من مناظر بشعة لقطع الرؤوس ثانيا للاستيلاء على الموصل وتكريت في زمن قياسي، وغنم عتاد حربي شكل فيما بعد العمود الفقري لقوات داعش الجديدة.  الا أن الصدمة سرعان مازالت، وأدرك العالم الخطر الذي تمثله داعش على النظام العالمي برمته، فتم ارسال المستشارين العسكريين الغربيين لإعادة تنظيم الجيش العراقي المنهار، وانهالت الأسلحة من كل حدب وصوب على كل من القوات النظامية وميليشيات البشمركة الكردية، ثم بدأت حملة من أقسي حملات القصف الجوي على كل قوات ومراكز اتصال ومخازن أسلحة داعش في كل من العراق وسوريا تمهيدا لهجوم بري مضاد تقوم به كل القوي السابقة لاستعادة المناطق التي سيطرت عليها داعش في هجماتها الأولي.

وكان من الطبيعي نتيجة لكل هذا الهجمات المتزامنة من أطراف عديدة أن تنهار داعش تماما، فهي رغم كل شيء، لا تعدو أن تكون مجموعة من الاستشهاديين غير المتمرسين على قتال الجيوش النظامية، باستثناء ثلة من الضباط السابقين في الجيش العراقي، وهم مهما بلغت خبرتهم، لن يكونوا ندا للمستشارين العسكريين الأمريكيين الذين يديرون المعركة من بغداد مثلا.  ولكن المفاجأة الكبرى أنه باستثناء سد الموصل، الذي استعادته القوات العراقية من داعش بعد قصف جوي امريكي مكثف لم يترك لداعش خيارا سوي الانسحاب من تلك المنطقة المكشوفة تماما للضربات الجوية. وباستثناء تمكن القوات العراقية تحت غطاء جوي مكثف أيضا من فك الحصار حول آمرلي, فأن قوات التحالف لم تحرز تقدما يذكر نحو استعادة المناطق التي سيطرت عليها داعش, بل واستمرت داعش في التمدد الي مناطق جديدة في الأنبار كالرمادي, وفي سهل نينوي الذي تسيطر عليه البشمركة, كسنجار وزمار ومخمور وبعشيقة

أما التمدد في هذه المناطق التي لا تقطنها أغلبية سنية كسنجار مثلا المليئة باليزيدين، أو حديثا في كوباني بسوريا، والتي يسكنها الاكراد المتعاطفين مع حزب العمال الكردستاني، فحتمته الضرورة العسكرية.  فقد صرح قادة التحالف غير مرة أنهم يعتزمون استخدام مناطق الأكراد في نينوي او كردستان بالعراق، او في الحسكة وحلب (كالقامشلي وكوباني بسوريا) كنقاط انطلاق للقوات البرية التي تعتزم شن هجوم مضاد ضد داعش لاستعادة المناطق التي تسيطر عليها في الانبار وصلاح الدين بالعراق، أو الرقة ودير الزور بسوريا.  لم يكن معقولا أذن أن تستمر داعش بالتمدد جنوبا نحو بغداد أو غربا نحو حلب وحمص ومن ثم دمشق، وهناك جيوب تستعد للانقضاض عليها وحصرها بين فكي كماشة (الأكراد شمالا والقوات العراقية جنوبا في حالة العراق، او الاكراد شمالا وشرقا والقوات السورية + قوات الجيش الحر جنوبا وغربا))

هل تريد أن تقول إن داعش غير مخترقة مخابراتيا ولا يقف خلفها أحد؟ بم تفسر اذن انتصاراتها السريعة المذهلة؟

بداية، لا يوجد تنظيم غير مخترق مخابراتيا, فأي جهاز مخابرات ناجح يحاول باستمرار اختراق كل التنظيمات المعادية له, ويفلح في ذلك بدرجات متفاوتة من النجاح.  بعضها يقتصر نجاحه علي زرع أجهزة تصنت أو عيون تمكنه من معرفة تحركات التنظيم المقبلة والتحسب لها.  وبعضها يتمكن من زرع أفراد يدعون الولاء للتنظيم بينما هم في الواقع يعملون على تخريبه من الداخل.  وفي أحوال نادرة تتمكن أجهزة المخابرات من التحكم في قيادة التنظيم ذاتها، بحيث تتحرك تلك الأخيرة وفق رؤية جهاز المخابرات المحرك، وضد رغبات الأعضاء العاديين الممثلين للكثرة الغالبة من جنود التنظيم.  ما يدل اذن علي نجاح الأجهزة الاستخبارية لدولة ما في اختراق تنظيم معاد هو قدرتها على تحريك هذا التنظيم ضد إرادة غالبية أعضاءه وفقا لمصلحة حكومة تلك الدولة.  فلو طبقنا هذا المعيار الواضح علي المخابرات العراقية مثلا، لتوصلنا الي نتيجة قاطعة بأنها لم تتمكن علي الاطلاق من اختراق داعش, بدليل استيلاء الأخيرة علي أكثر من ثلت مساحة العراق, وتدميرها لجيشه, وحصارها لعاصمته.  وبالمثل، لا يمكن القول بأن المخابرات السورية متحكمة في داعش, والا لما سيطرت الأخيرة علي أكثر من ربع مساحة سوريا, والكثير من آبار نفطها, مع القضاء علي الالاف من قوات النخبة السورية في الفرقة 17 والجيش رقم 93 ومطار الطبقة.  اذا ما تحولنا لإيران، التي تحاول جاهدة انشاء "هلال شيعي" يصل من طهران الي بيروت، سنجد أنه من غير المحتمل علي الاطلاق أن مخابراتها قد اخترقت داعش, لأن الأخيرة قد حطمت تقريبا هذا الحلم, وقطعت الاتصال البري بين ايران من ناحية, وسوريا وحزب الله من ناحية أخري.  أما الاقتراب حثيثا من الأراضي السعودية، الحليف الرئيس للولايات المتحدة في المنطقة والمورد الأساسي للنفط للغرب، فضلا عن التهديد المباشر لإسرائيل فور سقوط دمشق، فيقطع أيضا بانعدام قدرة الاستخبارات الأمريكية على تحريك داعش أو اختراقها بأي مقدار مؤثر. مما تقدم يتضح لنا أن قيادة داعش غير مخترقة مخابراتيا من أي طرف، والا لتماهت تحركاتها الميدانية مع مصالح هذا الطرف أو ذاك.  أما الاختراق على المستويين الأوليين بهدف جلب المعلومات عن التنظيم أو الاضرار به فلا يسلم منه أحد، وان كانت التطورات الميدانية حتى الآن لا تشير الي أن أعداء داعش قد نجحوا في اختراقها حتى علي هذه المستويات البدائية لأي مدي مؤثر.

هل يمثل فكر داعش امتدادا طبيعيا لفكر الاخوان المسلمين أم للفكر السلفي الوهابي؟ وهل يعتبر فكرا متطرفا؟

كما اتفقنا، ما يفصل جماعات الإسلام السياسي عن الكثير من التيارات التي تركز على الجانب التعبدي الطقسي أو الروحي للإسلام دون التركيز على بعده الاجتماعي هو أن الأولي غالبا ما تصطدم بالحكومات القائمة في أثناء سعيها لإعادة صياغة العلاقات الاجتماعية والسياسية بناء على ما تعتقد أنه الرؤية الإسلامية الصحيحة لحركة المجتمع.  وسواء اتخذ شكل الصدام هذا شكل التنافس الديمقراطي في صناديق الاقتراع (كما يفعل الاخوان) أو التقاتل في ساحات الوغي على من يحكم البلاد والعباد (كحال الجهاديين)، فان كل دعاة الإسلام السياسي غالبا ما يصطدمون بالحكومات القائمة، على عكس التيارات الإسلامية غير السياسية، والتي تحظي غالبا بدعم الحكومات القائمة، لأنها لا تشكل تهديدا للأنظمة الحاكمة.  وللدقة، فقد جوز كثير من المفكرين الإسلاميين المعاصرين وجماعات الإسلام السياسي في المائتي عام الأخيرتين استخدام العنف كأسلوب للمواجهة مع الحكام العصاة او الكفرة إذا ما فشلت الأساليب التقليدية كالمناصحة والمباهلة من ناحية، او المنافسة الديمقراطية من ناحية أخري.  وللتبسيط، دعنا نقل أن مجدد الفكر السلفي في العصر الحديث، الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد، قد جوز لمعاصريه من الأمراء (وأبرزهم محمد بن سعود أمير الدرعية) استخدام العنف المسلح لإجبار اهل البدع الشركية من وجهة نظره (كالصوفية ومن يتمسح بقبور الأولياء وغيرهم) على الدخول في "عقيدة التوحيد الصافية" كما يراها.  وكان لهذه الاجازة أعظم الأثر من حيث أنها زودت الأمراء السعوديين في الدول السعودية الثلاث بالفتاوي الدينية التي تبيح لهم الاغارة على جيرانهم من أبناء القبائل الأخرى والاستيلاء على أموالهم واراضيهم، وسبي نسائهم، تحت حجة مقاومة البدعة وإدخال الناس في عقيدة التوحيد الصافية.  وحتى بعد أن وصلت الدولة السعودية الثالثة أبان عبد العزيز آل سعود الي حدودها المنطقية، استمر ورثة الشيخ بن عبد الوهاب الفكريين (الذين كانوا يعرفون في هذا الوقت "بإخوان من طاع الله" في الحض على مواصلة القتال ضد "البدعيين" من شيعة البصرة والاحساء وغيرهم، إضافة الي "الكفار" من الانجليز الذين كانوا متمركزين في الكويت والعراق.  وطبعا تصدي لهم عبد العزيز وقتلهم في موقعة السبلة وغيرها من الوقائع، لأنه لم يقم "بالفتوحات" بادئ ذي بدء من منطلق الغيرة على "عقيدة التوحيد الصافية" كما يراها الوهابيون، وانما استخدم حماسهم الديني كغطاء يبرر به توسعاته الاستعمارية، فلما تحقق له ما أراد، ورأي أن المزيد من الحروب سيدخله في مواجهات مباشرة مع امبراطوريات عصره، ألجم الوهابيين وأعمل فيهم السيف.  الا ان الملوك السعوديين الذين أعقبوا عبد العزيز لم يجرؤوا على التبرؤ من النزعة الجهادية في الفكر الوهابي، لأنها جزء لا يتجزأ من هذا الفكر, وانما حاولوا قدر جهدهم أن يدفعوا علماء عصرهم من أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو غيرهم من الوافدين, كالشيخ محمد أمان الجامي مثلا, الي نشر "فكر وهابي معدل" يدعو الناس الي طاعة الأمير طاعة مطلقة وان فسد وافسد, والي صرف النظر من البعد السياسي الاجتماعي في الإسلام الي التركيز علي المظاهر الشكلية كإغلاق المتاجر أثناء الصلوات الخمس والإصرار علي نقاب المرأة ومنع قيادتها للسيارة وغير ذلك من الأحكام المتشددة التي تعطي انطباعا زائفا لضعاف العقول أن الحكومة القائمة انما تبذل كل الجهد لأقامه شعائر الإسلام والذود عن حياضه, بينما هي في حقيقة الأمر أول من يناصبه العداء.  . وليراجع من يشاء كتاب "الدرر السنية" الذي يعتبر الجامع لفتاوي الشيخ بن عبد الوهاب، ليري أن ما جاء به جهيمان في أواخر السبعينات من دعوة للخروج علي آل سعود بالسيف لتنكبهم طريق الاسلام، ثم ما دعي اليه تنظيم القاعدة بعد ذلك من الخروج على حكام الجزيرة بالسيف وإخراج الكفار من جزيرة العرب، ليس بدعا من الفكر أو شططا في التأويل، وانما هو مد فكر بن عبد الوهاب علي خطه المستقيم ليطبق تطبيقا مباشرا على الظروف السياسية آن ذاك.  ولسنا بحاجة للتذكير هنا أننا لا نسوغ أو نسوق لهذا الفكر أو ذاك، وانما نحاول أن نتلمس الأسس والأصول الفكرية للفكر الجهادي المعاصر بغض النظر عن مقدار اتفاقنا أو اختلافنا معه.

من ناحية أخري، الاخوان أنفسهم لهم نصيب، تنظيريا على الأقل، من تسويغ العنف ضد السلطات القائمة.  فسيد قطب، وان لم يكن المؤسس الأول للجماعة ولا حتى قائدا رسميا من قادتها التاريخيين، الا أنه يعتبر منظرها الأول، وفيلسوفها الأوحد.  وفي الصدارة من فكره يأتي مفهوم الحاكمية والذي استعاره بدوره من كتاب أبي الأعلى المودودي الشهير "المصطلحات الأربعة" والذي يتناول فيه المودودي بالشرح المفاهيم الأربعة الأساسية التي تميز الإسلام عن غيره من الأديان "الاله، الدين، الرب، والعبادة".  فطبقا لقطب، الحاكمية هي أخص خصائص الربوبية، ومن نازع الله حقه كحاكم أعلي ومشرع مطلق فقد كفر بالله ربا، وان لم يكفر به الها بالضرورة، واستوجب قتاله.  وعلى الرغم من أنه من غير الثابت أن الاخوان كتنظيم قد وضعوا مفاهيم قطب موضع التنفيذ العملي في أي عصر، الا أن جماعات أخري قد استلهمت فكر قطب استلهاما مباشرا، كجماعة المسلمين التي عرفت في مصر باسم التكفير والهجرة، وكالسرورين في السعودية، الذين زاوجوا بين عباءة بن عبد الوهاب السلفية وبنطال قطب الإخواني ليخرجوا للعالم فكرا يسوغ الخروج علي الحاكم بالسيف من منطلقات فكرية بعضها سلفي وبعضها اخواني.  وبالرغم من أن السروريين الأصليين في السعودية لم يثبت عنهم التحريض علي الخروج بالسيف علي آل سعود مثلا، الا أن بعضا من تنظيمات الشام (كجماعات الحموي ومعروف وعلوش وغيرها) تعتنق فكرا قريبا جدا من الفكر السروري, وتستقي منه مبررات شرعية للخروج علي بشار الأسد وقتاله. .

نخلص من هذا كله الي أن فكرة الخروج بالسيف علي الحاكم المسلم غير المطبق لشرائع ومقاصد الإسلام موجودة ومتأصلة في كل من الفكر السلفي الوهابي والفكر الاخواني القطبي.  أما كيف نشأت القاعدة (ومن ثم داعش بعد ذلك) وما هي نسبة تأثير كل من هذين التيارين في أيديولوجيتهما الحالية، فهذا مبحث طويل، وان كانت تكفي الإشارة الي أن أسامة بن لادن نفسه سعودي سلفي وهابي، وان كان قد تتلمذ علي يد عبد الله عزام الفلسطيني الاخواني.  ونفس الأمر يمكن أن يقال عن رفيق كفاحه وخليفته أيمن الظواهري المصري الذي نشأ في أحضان الاخوان، وان كان قد اعتنق الفكر السلفي فيما بعد. ومن ثم قد يبدو للباحث لأول وهلة أن الفكر الحالي لهاتين الجماعتين قد استخلص بالتساوي من أصول سلفية واخوانية.  الا أن المدقق في أدبيات تنظيم القاعدة والدولة الإسلامية من بعدها لا يخطئ النبرة السلفية الجهادية الواضحة في مبرراتها الفقهية، مع تأثر بسيط واستخدام يسير لأفكار وجدليات سيد قطب.  وعلى هذا يمكن القول بأن حركات الجهاد المسلح المعاصرة تعتبر امتدادا طبيعيا لفكر الامام محمد بن عبد الوهاب، مع استعارات بسيطة من فكر الأخوان المسلمين.      

أما بشأن التساؤل عما إذا كان فكر داعش فكرا خارجيا أم لا، فيجدر بنا أن نعود الي التعريف المعتبر في كتب الفقه لفكر الخوارج ومحدداته لنري ان كانت هذه الصفة، التي يحلو لخصوم داعش نعتها بها لتبغيض العامة فيها، منطبقة عليها أم لا.  الخوارج الأول اتصفوا بثلاث صفات تحديدا وبها عرفوا: تكفير بعض الصحابة (كعثمان وعلى وطلحة والزبير، إضافة الي عائشة زوجة الرسول)، العمل بالقرآن دون الحديث (ومن أشهر ذلك عدم تطبيقهم لحد الرجم الذي ورد في السنة وان لم يرد نصا في القران)، عدم اعترافهم بوجوب قرشية الخلافة (ومن ذلك خروجهم على كل من عثمان وعلي ودعوتهم المسلمين لاختيار خليفة جديد، قد لا يكون قرشيا بالضرورة).  وعلى العكس من هذه المواقف المثبتة تاريخيا للخوارج، فان أعضاء القاعدة وداعش يترضون على كل الصحابة وامهات المؤمنين ويتوقفون عن سبهم ونقد أحد منهم، حتى من خرج منهم علي أحد الخلفاء بالسيف كطلحة والزبير مثلا.  إضافة الي ذلك، يشترط أعضاء القاعدة وداعش أن يكون الخليفة قرشيا لصحة بيعته.  ومثال ذلك محاولات داعش الدؤوب الترويج لصحة بيعة خليفتهم البغدادي عن طريق الإعلان عن نسبه الحسيني بزعمهم.  أما قضية مرجعية الحديث، فغني عن البيان أن كلا من الجماعتين تتخذ من مذهب أهل الحديث، وتحديدا مذهب الامام أحمد، المرجع الفقهي الأول لهم، بما فيه من تقديم للسنة النبوية وان ضعفت على الرأي وان قوي.  وعلى هذا فجل أعضاء داعش والقاعدة ليسوا من الخوارج على الاطلاق، وانما ينتمون الي عموم أهل السنة والجماعة، وليس خروجهم على الحكام بالسيف بمسوغ لإطلاق صفة الخروج عليهم، لأن مواقفهم العقدية ومنطلقاتهم الفكرية تختلف كلا وجزئا عن الخوارج التاريخيين

ولكن الكثير من ممارسات داعش البربرية والهمجية كقطع الرؤوس وصلب الناس لا يمكن أن تتفق مع صحيح الإسلام، فكيف يكونوا من أهل السنة والجماعة اذن؟

مرة أخري، لسنا هنا بصدد تبادل الآراء الشخصية حول حقيه ممارسات القاعدة أو التعبير عن مدي استساغتنا لأفعال داعش او غيرهما من الجماعات الجهادية، فهذا مبحث آخر، وان كان يحسن بي في هذا المقام أن أسجل اختلافي المطلق مع المنطلقات الفكرية والممارسات التطبيقية للجماعات الجهادية المعاصرة، وانما قصدنا من هذا البحث أن نفصل الحقيقة عن الخيال، وأن نناقش الادعاءات المنتشرة في وسائل الاعلام المختلفة بشأن بعد تلك الممارسات عن صحيح الإسلام لنري هل هي بعيدة حقا أم لا.  فالسؤال هنا يهدف الي استقصاء مدي اقتراب أو ابتعاد الممارسات المنسوبة الي داعش من ممارسات المسلمين الأوائل وفي المقدمة منهم صحابة محمد، وأيضا مدي تطابق تلك الممارسات أو اختلافها مع ممارسات جماعات أو دول معاصرة او تاريخية مشهود لها "بالمدنية والحضارة".  بداية، لابد أن نسلم بأن كثيرا مما ينسب الي أنصار داعش هو من قبيل الدعاية المغرضة التي يروجها خصومهم عنهم، بينما هم منها برئاء.  فعلي سبيل المثال، انتشرت مقاطع مؤخرا لسيدة ترجم وقيل أنها امرأة سورية رجمت لأنها انخرطت في علاقة محرمة في احد المناطق التي تسيطر عليها داعش, ثم اتضح فيما بعد أن المقطع لامرأة رجمت في ايران منذ سنوات.  وبالمثل، نشرت مقاطع لأشخاص قد قطعت رؤوسهم وقيل لنا انهم من الجماعات الجهادية السورية المختلفة فكريا مع داعش, ثم اتضح بعد ذلك أن الرؤوس لجنود نصيرين من الجيش السوري أعدموا قصاصا لارتكابهم الفظائع بحق السنة العزل.  طبعا نحن هنا لا نسوغ قطع رأس أي انسان، ولاصلبه ولا رجمه لأي سبب، وانما نشير فقط الي ان الصحابة الأوائل قد قاموا بكل هذه الأفعال بتوقيف من الرسول نفسه او دون اعتراض منه، وليراجع من يشأ قطع رأس كعب بن الأشرف او أبي جهل من جانب، وكيف قطع خالد بن الوليد رؤوس الآلاف من مقاتلي الفرس على ضفاف الفرات فضلا عن رأس مالك بن نويرة من جانب أخر.  وفي العصور الحديثة، قام الجنود الفرنسيون بقطع رؤوس المئات من الجزائريين المنخرطين في حرب التحرير ضد فرنسا، وقتل الامريكيون المئات من أبناء العراق وأفغانستان بوسائل بشعة للتسلية باعترافاتهم المنتشرة على الشبكة العنكبوتية. ونفس الشيء قام به المستعمرون البيض في الأمريكيتين ضد السكان الأصليين.  وحتى في يومنا هذا، تشنق إيران المعارضين بشكل روتيني وتعلق جثامينهم على أعمدة الانارة والروافع وترجم الزانيات كما تقدم، كما تقطع السعودية الرؤوس كوسيلة معتادة للإعدام، وتقوم بصلب قطاع الطريق، فضلا عما قام به عبد العزيز آل سعود من قطع لرؤوس الآلاف من أبناء القبائل المعارضة أو من اخوان من طاع الله لتعضيد حكمه كما تقدم.  فنخلص من ذلك كله الي اننا إذا نحينا الكثير من الادعاءات الكاذبة عن فظائع قامت بها داعش بحق النساء والأطفال (كبيع اليزيديات في سوق النخاسة او صلب الأطفال المفطرين في رمضان) وهي أمور يتعذر علي العقل تصديقها لاختلافها مع المنهج الفكري المعروف لداعش، إضافة الي نفيها نفيا قاطعا من أمراء الجماعة الذين عادة ما يفتخرون بالاثخان في العدو، ولا يخجلون من التصريح بقتله أو التنكيل به، ان كان هذا ما قاموا به حقا, أقول, اذا نحينا هذه الترهات والافتراءات جانبا, سنجد ان ما ثبت عنهم من قطع لرؤوس الأعداء المحاربين في ميدان المعركة لا يختلف بالمرة عما قام ويقوم به المسلمون وغير المسلمين في كل زمان ومكان في حق أعدائهم وخصومهم.  قد نختلف أو نتفق على مدي مشروعية هذه الأفاعيل او على مدي اتساقها مع معايير حقوق الانسان المعاصرة، وهذا كما قلت مبحث آخر، الا أنني أحببت فقط ان ابين في هذه العجالة السريعة أن ما تقوم به داعش ليس بدعا من الأفعال، وليس فتحا جديدا في مجال إهانة آدمية أو كرامة الانسان، وانما هو استمرار لنفس الممارسات العسكرية التي قامت وتقوم بها كل الجيوش في حق الأعداء المحاربين عبر العصور.

بعيدا عن التفسيرات التي تفترض تدخل السماء الي جانب طرف ضد طرف، هل يمكن تفسير انتصارات داعش علي أساس مادي بحت؟

المشاهد عبر التاريخ أن الاستحواذ والجمع والكنز هم المحرك الرئيسي للبشر عبر العصور، المحرك، الذي قد يدفعهم للحرب والقتال بغرض تعظيم الكسب وزيادة الممتلكات من أراض الي أموال ومن نفوذ وسطوة الي تحكم في قلوب النساء وعقول الرجال وهلم جرا.  ومن يؤمن بالكتب السماوية، لابد وانه توقف عند النص القرآني "زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث" أو عند نص الانجيل "حب المال هو أصل الشرور" وخلص منهما الي أن الأديان السماوية تقرر أن حب البشر للجمع والكنز هو المحرك الأساسي لهم، والسبب في اقتتالهم.  أما ذوي المرجعية العلمية فيمكنهم مراجعة الكتابات المعاصرة للمتخصصين في علم الأحياء الجزيئي والقائلة بأن محاولات المورثات الجينية البقاء والتكاثر هي العامل الوحيد الذي يقف وراء تعقد الحياة وتطورها، وذلك لأن الجينات المذكورة تطور سلوكا أنانيا في صاحبها يدفعه للاقتتال على الموارد المحدودة والتنافس عليها مع الكائنات الأخرى بغية جمعها والاستحواذ عليها.  ومرد ذلك الي أن وفرة الطعام مثلا تؤدي الي حفظ حياة الكائن وبالتالي جيناته بالمقارنة مع كائن آخر لا يجد قوت يومه، فالثاني أقرب الي الهلاك من السغابة.  وبالمثل، توفر الاناث والقدرة على تخصيبهن حقيق بإيجاد نسخ أخري من جينات الكائن واستمرارها في ذريته بعد موته، وهكذا.

ولذا نري دائما أن البشر يتقاتلون على الموارد المذكورة أعلاه بغية جمعها والاستحواذ عليها والتمتع بها، لأن من شأن ذلك إطالة أعمارهم على الأرض، وضمان استمرار نسلهم في حالة من الازدهار والعلو على الآخرين من الشعوب أو القبائل المنافسة.  الا أن كل هذا الكفاح يفقد معناه إذا تسبب في انهاء حياة الكائن المقاتل.  فعلي سبيل المثال، يمكنني أن أشكل جيشا من أبناء عشيرتي لغزو القبيلة المجاورة، لأن من شأن ذلك حصولي، وحصول كل أفراد جيشي، علي نصيب من أموال ونساء تلك القبيلة.  ولكن إذا غلب على ظني أن هذه حرب خاسرة، لقوة وبأس أبناء القبيلة المذكورة، فلن أقوم بأي غزو على الاطلاق، لأن حفظ حياتي وحياة أفراد عشيرتي يسبق في الأهمية الحصول على أي أموال وممتلكات إضافية.  بل لو حدث واشتعلت الحرب، وظهر تفوق القبيلة المنافسة الي الحد الذي سأفقد معه أنا وأبناء عشيرتي حيواتنا ان لم نتنازل عن نساءنا وأموالنا وممتلكاتنا، فلن نتردد لحظة في التنازل عنها، لأن حفظ النفس هي الأولوية الأولي لكل كائن حي.  هذا الفهم الغريزي المتأصل في نفوس البشر جميعا هو ما يفسر سلوك الجيوش المختلفة والمقاتلين من كل أمة وعرق عبر العصور المختلفة.  القتال من أجل المكانة والمال والمكتسبات الدنيوية والنفوذ، حتى إذا غلب علي ظن المقاتل أنه سيفقد حياته في سبيل ذلك، امتنع وأوقف الحرب، بل واستسلم في كثير من الأحيان، للقوات المعادية.

العامل الآخر الذي لا يقل أهمية عن الرغبة المذكورة في الاستحواذ والكنز، بل هو في الواقع متصل به كما سنري بعد قليل، هو العقيدة الدينية.  الانسان مهموم دائما بقصر حياته ودنو أجله، مع ما يتبع ذلك من انصرام لذته وانقطاع مدته، وانتهاء قدرته على التمتع بكل ما جمع وكنز.  صحيح أن استمرار مورثاته الجينية في شكل أبناءه يحمل في طياته نوعا من السلوى والعزاء، الا أنه لا يعوض أبدا عن حقيقة انه فان وهالك وتارك لكل ما جمع وكنز طال الوقت أم قصر.  هذا الهاجس الوجودي الذي يشغل بال كل انسان هو ما جعل التصديق بالأديان المختلفة، التي يدعي كل منها القدرة على تحديد ما سيحدث للمرء بعد موته، بل ويعطي الانسان منهاجا سلوكيا محددا إذا التزم به أفضي الي نعيم مقيم واستمرار في التمتع بمباهج الحياة الدنيا على مستوي أعمق وأعظم، أمرا غريزيا للسواد الأعظم من الناس.  والأديان هنا تختلف، فمنها ما يرسم صورة ضبابية غير واضحة للحياة بعد الموت عن عالم تهيم فيه الأرواح وتسعد بالقرب من الرب أو من الأرواح الأخرى، ومنها مالا يعترف بوجود حياة آخرة من الأصل، انما يجعل من العود الي هذه الحياة الدنيا متناسخا في صور بشرية أو حيوانية أخري الآلية الأساسية للثواب والعقاب، ومنها ما هو صريح شديد الوضوح في رسمه لنعيم أبدي يستمتع فيه المؤمن بأضعاف مضاعفة من المتع الحسية التي يعاينها في الدنيا، فضلا عن لذة القرب من الرب، بله مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر علي قلب بشر

من المتوقع اذن أن يستميت المسلمون الأتقياء الذين يستحضرون ما وعدهم دينهم كل لحظة في القتال والحرب لأنهم انما ينتظرون إحدى الحسنيين، النصر، الذي سيجلب كل ما تقدم من الأموال والنفوذ والتمكن في الأرض، او الشهادة، والتي ستفضي بهم الي النعيم المقيم في الاخرة على النحو الموصوف في الفقرة السابقة.  وهنا يجدر بنا أن ننبه الي أن هذه الاستماتة ليست حكرا على المسلمين وحدهم، فكل مؤمن بمبادئ تتجاوز حياته الشخصية بحيث يستعذب معها بذل مهجته في سبيلها سيقاتل قتالا يستحب معه الموت على الحياة.  وقد حفظ لنا التاريخ أمثلة كثيرة لاتباع ديانات أخري، او حتى أنظمة وضعية، قاتلوا حتى الموت دفاعا عن عقيدة او مبدئ.  الا أن ذلك في غير المسلمين قليل، وإن وجد في جماعة محدودة أو مجموعة قليلة من الأفراد فلن يوجد في عموم الناس.  فالاستبسال الذي يبديه كثير من أعضاء حزب العمال الكردستاني دفاعا عن عقيدتهم اليسارية التحررية وعما يعتبروه وطنهم وارضهم، لا يقارن بفرار أفراد الجيش العراقي النظامي أمام ضربات داعش مثلا، لأن هؤلاء الجنود، علي عكس مقاتلي الأكراد، انما انخرطوا في سلك الجندية من باب الاسترزاق وبالبحث عن راتب شهري، فحقيق بهم أن يفروا عند أول مواجهة حقيقية تهدد حيواتهم.

استحضار المسلم الورع لعقيدته البسيطة الواضحة التي تعده إحدى الحسنيين اذن كان السبب الأساسي في انتصارات المسلمين وفتوحاتهم الباهرة في صدر الإسلام، لأنهم انما واجهوا جيوشا تقتصر عقيدتها القتالية علي حفظ النفس وتعظيم الكسب الدنيوي على النحو الموضح أعلاه، دون حضور قوي لعقيدة دينية ناصة في النعيم المقيم بعد الموت.  وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع تنظيم الدولة الإسلامية، ومدي لزومه للحق او صدفه عنه، فانه من الواضح لكل متابع لكتابات منظريه وخواطر اتباعه المتداولة في وسائط التواصل الاجتماعي أنهم يستحضرون هذه العقيدة في كل لحظة وعند كل قتال، مما يجعل لهم بالضرورة مزية التفوق على خصومهم حتى قبل أن تبدأ الحرب وتتصافح الصفوف.  فمن ذا الذي يريد أن يواجه مقاتلا مستعدا لأن يموت في سبيل ان يفتح هذا الحصن او تهدم هذا القلعة؟ من البديهي اذن أن أي جندي مكلف بالدفاع عن هذا الحصن أو تلك القلعة سيفكر ألف مرة قبل أن يواجه المقاتل المذكور، بل والأرجح أنه سيلقي بسلاحه ويفر هاربا حفاظا على حياته، التي كما أوضحنا سابقا، هي الأولوية الأولي لأي جندي يحارب من أجل مكاسب دنيوية.

ولكن لكي تكتمل الصورة، لابد لنا أن نتناول الجانب الآخر الحاسم في تحديد سير المعارك، ألا وهو التكافؤ المادي، فالشجاعة والاستبسال وحدهما كفيلان بحسم أي معركة بين طرفين متكافئين لصالح الجانب الذي يمتلك الحظ الأكبر منهما.  أما إذا انعدم التكافؤ، كقدرة أحد الطرفين (وليكن الأقل شجاعة) أن يقتل خصمه من وراء جدر، أو يقصفه بحمم من السماء، أو يدمر الأرض من تحت قدميه، دون أن تتاح للطرف الأشجع مجرد فرصة المواجهة المباشرة، فان النتيجة محسومة سابقا للطرف الأقوى.  والتاريخ ملئ بأمثلة عديدة لمجموعات صغيرة من الجنود مكنهم استبسالهم وشجاعتهم من التغلب على فرق وكتائب أكبر منهم عددا وعدة، لأن الاختلال في موازين القوي لم يكن من التباين بحيث يحسم المعركة لصالح الطرف الأكثر عدة وعتادا.  حتى إذا التقت تلك الفئة بجيوش هائلة ذات تفوق ساحق، انهزمت وقضي عليها تماما.  فمن منا لا يذكر كيف انتصر المسلمون بقيادة عبد الرحمن الغافقي على كثير من أمراء الأسبان والقشتاليين في الأندلس، قبل أن ينهزموا تماما أمام جحافل الفرنجة التي تفوقهم عددا وعدة بقيادة شارل مارتل في معركة تور بواتييه؟ أو كيف فتح الاسكندر بسهولة نصف العالم المعروف في زمنه، قبل أن ينكسر أمام بوروس ملك الهند الذي استخدم الافيال ببراعة لسحق الخيول المقدونية بعد أن تخطت بنجاح جبال الهندوكوش؟  وحتى سبارتاكوس وجماعته التي دوخت روما ردحا من الزمن، هزم أخيرا وصلب هو وجنوده عندما قذفت اليه روما بفلذات أكبادها وخيرة جيوشها التي فاقته عددا وعدة.  فقدرة داعش المبدئية علي سحق الجيش العراقي في الانبار وصلاح الدين, ثم قضاؤه علي بعض من اقوي فرق الجيش السوري في الرقة ودير الزور انما يرجع في المقام الأول الي قدرة القادة الميدانيين لداعش علي تقليص الفارق الكبير بين كتائبهم الصغيرة والفرق العراقية والسورية الضخمة عن طريق المفاجأة وحسن المناورة الميدانية, واستخدام الهجمات الانتحارية ببراعة الي الحد الذي أصبح للمقاتل الداعشي فرصة عادلة في الالتحام وجها لوجه مع الجندي العراقي او السوري الأقل شجاعة والذي لا ينافح عن مبدا, فكانت النتيجة المتوقعة, انتصار الأول وانهزام الأخير.

أما وقد تحالفت جيوش أكثر من أربعين دولة علي حرب داعش, ودخلت علي الخط الطائرات الحديثة بما لها من قدرة علي قصف وتدمير جنود ومعدات داعش دون مواجهة مباشرة, فقد تغير ميزان المعركة كثيرا.  ومالم تبتكر داعش أساليب جديدة لتحييد التفوق الجوي، والمعدات والذخيرة المتطورة التي تنهمر على الأكراد والجيوش النظامية للنظامين العراقي والسوري من كل حدب وصوب، فان الشجاعة وحدها لا تغلب الكثرة، هذه هي السنة الكونية.  والقرآن الكريم نفسه قرر هذه الحقيقة عندما قال " الأن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا، فان تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وان بكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله، والله مع الصابرين" والمعني، أن هناك حدا أقصي لمقدار النقص في العدد والعدة الذي يمكن أن تجبره شجاعة المؤمن، وقد عرفه النص القرآني السابق بنسبه واحد الي اثنين.  فلننتظر ونري كيف سيتطور سير المعارك في ميادين القتال، فداعش الآن أحوج ما تكون الي المهارة وحسن التخطيط لتقليص الفارق الهائل في ميزان القوي بينها وبين خصومها، والا فلن يختلف مصيرها عن مصائر اسلافها من الجماعات والأفراد التي اعتمدت على الحماسة والشجاعة وحدهما دون تقدير لقوانين الحرب وموازين القوي

في ضوء سير العمليات العسكرية حتى الآن، هل يمكن استشفاف خطط داعش الميدانية واستراتيجيتها على المدي الطويل؟

أي عمل عسكري تقوم به الجيوش انما تقوم به لتحقيق هدف سياسي لم يكن في الإمكان تحقيقه عن طريق المفاوضات.  قد لا يتعدى هذا الهدف السياسي مجرد تحسين موقف من يقوم بالعمل العسكري علي مائدة المفاوضات مع خصومه، وقد يتعداه لضم أراض جديدة لمملكته أو لإمارته.  وفي كلتا الحالتين، هناك إشارات ودلائل يمكن تلمسها من ميدان المعركة تشي بالنية الحقيقية من وراء العمل العسكري.  لنأخذ بضع أمثلة: إسرائيل عندما عزمت على انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين لم تكتف باحتلال فلسطين التاريخية فحسب، بل أرسلت جيوشها لاحتلال الجنوب اللبناني، والجولان السوري، وسيناء المصرية على مدار الستين سنة الماضية.  لم يكن هدفها النهائي الاحتفاظ بهذه الأراضي، بدليل انسحابها منها كلها في مناسبات مختلفة بعد ذلك (باستثناء الجولان السوري والذي تحتفظ به إسرائيل ريثما يتسنى لها ابرام اتفاق سلام دائم مع سوريا)، وانما كان هدفها الاحتفاظ بمناطق عازلة حول ما تعتبره أراضيها الحقيقية (فلسطين) لتضمن بذلك حدودا آمنة وقدرة على إبقاء أي معارك تشنها الجيوش المعادية بعيدا عن أراضيها، بل وفي داخل أراضي تلك الدول المعادية.  اسرائيل اذن عندما كان هدفها التوسع الحقيقي، لم تكتف باحتلال الأراضي التي تعتزم ضمها لدولتها، بل تعدتها لأراض مجاورة لتكون بمثابة منطقة عازلة وحدودا آمنة بينها وبين جيرانها المعادين لها.  على العكس تماما نجد أن الرئيس السادات عندما شن حرب يوم الغفران على إسرائيل لم يحاول استرجاع كامل التراب المصري المحتل، دع عنك احتلال جزء من إسرائيل كمنطقة عازلة، بل اكتفي بشريط ضيق من سيناء شرق قناة السويس، لا يمكن الدفاع عنه عسكريا او الاحتفاظ به لفترة طويلة.  والسبب في ذلك أن السادات لم يكن يمتلك القدرة العسكرية على استعادة كامل التراب المصري عن طريق الحرب، فقام بعملية عسكرية محدودة لتحسين مركزه التفاوضي.  كلا المثالين السابقين يمثلان استخداما مناسبا للقوة العسكرية بشكل يتناسب مع تحقيق الهدف المنشود.  على العكس من ذلك تماما نلاحظ استخدام صدام حسين الفاشل للقوة العسكرية أثناء عملية احتلال الكويت.  كما اتضح من الوثائق السرية للحكومة العراقية بعد ذلك، صدام كان دائما يعتبر الكويت جزءا لا يتجزأ من لواء البصرة، ومن ثم كان يرغب في ضمه الي العراق بشكل دائم.  لكن لو كان الأمر كذلك، لتوجب عليه أن يحتفظ بمنطقة عازلة داخل حدود البلدان المجاورة ليحول دون أي هجوم مضاد قد تقوم به الجيوش المعادية لاستعادة الكويت.  بشكل أوضح، كان ينبغي علي صدام أن يحتل مناطق الخفجي والنعيرية وحفر الباطن وعرعر ورفحاء السعودية لكي يمنع تمركز قوات عاصفة الصحراء التي تشكلت بعد اذلك بشهور لاستعادة الكويت.  ولو كان قد فعل ذلك لكان من المتعذر جدا شن أي هجوم مضاد عليه ولتغير مجري التاريخ.  ولكن خطأ صدام القاتل تمثل في استخدام تكتيك عسكري فاشل (الاقتصار على احتلال الكويت) لا يتناسب مع هدفه السياسي الاستراتيجي (الاحتفاظ بها للأبد).  ما قام به كان سيكون مناسبا وناجحا لو أن هدفه النهائي اقتصر على الضغط على المجتمع الدولي للحصول على آبار نفط إضافية او امتيازات حدودية أو اعفاء العراق من ديون حربه الطويلة مع إيران عن طريق التفاوض.  ولكن حيث أن ذلك لم يكن الهدف، بل تعداه للاحتفاظ بكامل الكويت، فقد باء جهده العسكري بالفشل لأنه لم يتناسب مع الهدف المنشود.

بافتراض أن قيادة داعش تعي جيدا ما تقدم من بديهيات العلوم الاستراتيجية وتستخدم الأدوات العسكرية استخداما صائبا لتحقيق أهدافها السياسية الاستراتيجية، فانه بإمكاننا التكهن بماهية تلك الأهداف، بل ورسم صورة عامة لما قد تكون عليه تحركاتها العسكرية المقبلة.  بادئ ذي بدء، داعش لم تتقدم فورا نحو بغداد كما توقع الجميع بعد احتلالها للموصل، وانما اتجهت شمالا لخلق منطقة عازلة حول الموصل في سهل نينوي تتكون أساسا من بلدات غير ذات أغلبية سنية (يزيديون ومسيحيون) تحتلها قوات البشمركة الكردية، وان كانت لا تدخل في نطاق كردستان العراق بشكل رسمي.  الهدف اذن كان خلق منطقة عازلة تؤمن ظهر داعش في الموصل وتضمن عدم مهاجمتها من الخلف بعد ذلك عندما تتجه بمعظم قواتها جنوبا نحو الأنبار ومن ثم بغداد.  أن احتلال سنجار وزمار ليس هدفا استراتيجيا لداعش في حد ذاته، كما لم يكن احتلال سيناء أو الجنوب اللبناني هدفا استراتيجيا لإسرائيل، وانما هي عملية عسكرية مرحلية لحماية القوات الأساسية لداعش في المثلث السني، والموصل، ومن ثم بغداد.  ولذا لن أفاجأ إذا ما عاودت قوات البشمركة احتلال تلك المناطق في فترة ما، او استغلت تركيز داعش مستقبلا علي بغداد لشن هجوم مضاد لاستعادة سهل نينوي.  ولا ينبغي للمحلل ذو النظرة الثاقبة حينئذ أن يعتبر هذا نصرا للبشمركة أو هزيمة لداعش، فالسيطرة على مناطق اليزيديين او المسيحيين بشكل نهائي لا يأتي ضمن قائمة أولويات داعش، التنظيم السني المتطرف الذي يريد احكام قبضته على أراضي السنة أولا، قبل التوسع في أي اتجاه آخر.  بالمثل تماما، محاولات داعش المستميتة للسيطرة على كوباني ليس الهدف منها التوسع في أراض الأكراد الذين لا يحمل معظمهم مشاعر طيبة نحو داعش (ليس الآن على الأقل، ربما في مرحلة لاحقة)، وانما حماية ظهر القوات الأساسية لداعش حال قيامها مستقبلا بالتمدد لمدن الداخل السوري الأساسية ذات الغالبية السنية (حلب، ثم ادلب، ثم حماة، ثم حمص، ثم دمشق)، دون ترك جيب للقوي المعادية (كوباني) يمكن استخدامه للالتفاف والهجوم المضاد على داعش.

يتضح لنا مما سبق أمران: الأمر الأول هو أن داعش عازمة حقا على التمدد والتوسع بغرض تأسيس دولة مترامية الأطراف، والا لما سعت لخلق مناطق عازلة داخل الأراضي المجاورة لدولتها المنشودة والتي تتحكم فيها قوات معادية.  ولو كان الأمر كله مجرد مناورة سياسية كمناورة السادات أبان حرب يوم الغفران بهدف الحصول على وضع كونفدرالي او استقلالي للسنة في وسط العراق مثلا، لاكتفت باحتلال الموصل وتكريت، وربما تقدمت لاحتلال مطار بغداد ثم توقفت عند ذلك.  أما وقد بذلت الغالي والنفيس لبناء المناطق العازلة، فهي حقا تريد أن تبقي وان تتمدد.  الأمر الثاني هو أن الخطوات التالية لداعش أصبحت أكثر وضوحا من أي وقت مضي.  فبعد احتلال سهل نينوي، وشغل البشمركة في أوضاع دفاعية فيه، صار من الممكن أن تتفرغ القوات الرئيسية لداعش لتطويق ما تبقي من الأنبار (حديثة ومعسكر البغدادي) بعد أن سقطت هيت وكبيسة، ولم يبق قائما في الرمادي غير اللواء الثامن.  وبعد أن تتحقق السيطرة الكاملة على الأنبار، سيصبح التقدم نحو بغداد أمرا منطقيا، لاسيما أن نصف المدينة الغربي (الكرخ) تقطنه أغلبية سنية سترحب غالبا بالتخلص من حكم الشيعة.  ومن ثم ستتركز العمليات القتالية في الشطر الشرقي ذي الأغلبية الشيعية (الرصافة).  أما في سوريا، فربما تكتفي داعش بتصفية جيب الأكراد في كوباني ثم تتوجه راسا الي مدن الداخل السوري المذكورة، وربما تسعي الي بناء المزيد من المناطق العازلة زيادة في التأمين فتنحدر نحو الساحل العلوي ومدنه المعروفة (اللاذقية، بانياس، طرطوس) لكي تؤمن قواتها الأساسية بعد ذلك تماما وهي تنتقل من حلب شمالا الي دمشق جنوبا مرورا بأدلب وحماة وحمص.

أما التمدد لدول أخري فلا ينبغي النظر اليه ضمن السياق العراقي السوري ذاته، وانما كأهداف لاحقة تدخل في إطار سعي داعش لتكوين خلافة تضم المسلمين جميعا، دون أن يؤثر ذلك سلبا في قدرتها على الاحتفاظ بمواقعها الأساسية في البلدين المذكورين.  فكلنا مثلا لابد وأنه سمع ببيعة ابي بكر شيكاو، زعيم بوكو حرام للبغدادي، وتقدمه في شمال نيجيريا حتى حدود الكاميرون.  شيء مشابه تقوم به الشباب في الصومال من تقدم نحو كسمايو.  أما درنة، والتي سيطر عليها جهاديون بايعوا البغدادي أيضا، فيحاول البعض تضخيم أمرها لتبدو كما لو كانت تشكل تهديدا مباشرا لمصر، او أنها على وشك أن تسيطر على الفصائل الأخرى التي لم تبايع البغدادي كأنصار الشريعة في بنغازي أو فجر ليبيا في مصراته وطرابلس.  والواقع هو أن قيادة داعش لابد وأنها تسر كثيرا عندما ينمو الي علمها أخبار هذه البيعات، وكذا ما يحدث في القلمون وعرسال بين جهاديين موالين لداعش وقوات الجيش اللبناني.  الا أن واقع سير المعارك يحتم على داعش الاحتفاظ بمعظم قواتها على المسرح العراقي والسوري في الوقت الراهن، لكي تستطيع الصمود أمام جحافل التحالف الدولي التي تبغي تحطيمها.  وعليه، لا ينبغي تصور ان "فروع" داعش في الأماكن المذكورة لها نفس البأس او المنعة التي يتمتع بها التنظيم الأساسي في سوريا والعراق.  فما هذه الفروع الا جماعات جهادية صغيرة ارادت ان تبث في جسدها المتداع دماء جديدة بإعلان بيعتها لما يبدو في الوقت الراهن كأكبر تنظيم جهادي في العالم.  طبعا هذا لا ينفي احتمال أن تلتحم بعض هذه المجموعات بداعش ميدانيا إذا ما أدي توسع الأخيرة الي التمدد في اتجاهها (لبنان بطبيعة الحال هي المرشح الأول لهذا التمدد).

باستثناء اليمن، التي ربما أدي سقوط عاصمته في يد الحوثيين الي ضخ دماء جديدة في تنظيم قاعدة جزيرة العرب ودفعه للتحالف مع داعش، تبقي السعودية والأردن، والي درجة أقل الكويت، حالات فريدة.  فعلي العكس من كل البلدان السابق ذكرها، لا توجد أي مجموعات جهادية فاعلة يمكن لها الانضمام لداعش أو بدء عمليات إرهابية تلقائية في أي من البلدان الثلاث.  الا أن ما يميز هذه البلدان عن غيرها هو وجود دائرة واسعة من التعاطف الشعبي مع داعش الذي يصل أحيانا الي حد القيام بتظاهرات علنية موالية للتنظيم تحت سمع وبصر الحكومة كما هو الحال في معان والزرقاء بالأردن مثلا.  كما أن التمدد الي أي من هذه البلدان يحمل ميزة خاصة لداعش، لأنه قد يعني السيطرة على بلاد الحرمين بما لها من قيمة دينية هائلة في قلب كل مسلم، او التقدم الي مرمي حجر من القدس الشريف كما هو الحال بالنسبة للأردن، او السيطرة على كنوز هائلة من البترول وتطويق شيعة العراق من الجنوب كما هو الحال بالنسبة للكويت.  وفي كل الأحوال، غالبا ما سيؤدي هذا التمدد الي اجبار قوات التحالف على التدخل بريا للمرة الأولي، لما للبلدان الثلاث من أهمية جيواستراتيجية قصوى.  وعليه فيمكننا القول إن هناك من الأسباب ما قد يدعو داعش الي التمدد الي البلدان الثلاث، رغم ما قد ينتج عن ذلك من تباعد في خطوط الامدادات، واستجلاب التدخل الغربي المباشر.  وأغلب الظن هو أن داعش ربما تؤجل أي تدخل في هذه البلدان حتى يوسد لها الأمر بشكل كبير في سوريا والعراق، كأن تنتظر الي ما بعد سقوط بغداد مثلا او الاستيلاء على دمشق وغيرها من المدن الهامة.  والأرجح أنها ستحاول أن تؤخر الهجوم ليتزامن مع اضطرابات داخلية يقوم بها موالوها في أي من الدول الثلاث لإعطاء الهجوم الخارجي فرصة أكبر للنجاح.  في السعودية على سبيل المثال، يمكن الانتظار حتى وفاة الملك عبد الله المرتقبة وما قد يتبعها من صراع بين أمراء آل سعود علي خلافته، لكي تقتحم بعض أفواج داعش مدن الحدود الشمالية مع العراق، بالتزامن مع محاولة تكرار ما حدث في أبو غريب، من إطلاق الاسري الموالين لداعش، ولكن في سجن الحائر الشهير هذه المرة.  الخلاصة هي أن مكاسب التدخل في هذه البلدان الثلاث تعادل الأخطار، ولذا أعتقد أن داعش لن تغامر بالتمدد اليها حتى تكون قد وضعت خطة ناجحة تستغل الأوضاع الداخلية المضطربة فيها لتعزيز فرص النجاح.

بناء على كل ما تقدم، هل يمكن القاء الضوء على حظوظ داعش من النجاح أو الفشل؟

حسنا، ولتكن هذه هي الإجابة الأخيرة على اسئلتك العديدة، فأنك قد جادلتنا فأكثرت جدالنا، وقد آن لي الآن أن أخلد الي الراحة وأنعم بشيء من الموسيقي والقيان. لقد توقفت كثيرا عند تشبيه بعض الحمقى والمغفلين داعشا بفيروس الايبولا في سرعة نموه ونمط تكاثره، الا أنني لم أجد بينهما أي تشابه.  وانما الغالب علي ظني أنها أشبه ما تكون بورم سرطاني سريع الانتشار.  ولا أريد أن يخلص القارئ الأريب من هذا التشبيه الي ظن أنني قد فقدت حيادي الذي حرصت عليه طيلة هذه المناقشة، وأفصحت عن عدائي لداعش، فأنا كما أوضحت من قبل، لا أعادي ولا أوالي، وانما أجتهد في توضيح الحقائق كما أراها وكما تبينها الأدلة. وانما شبهتها بالورم السرطاني في سرعة انتشاره وانتقاله من عضو الي عضو اما بالانقسام المباشر الذي يزيد حجمه ويمدد من مساحته، واما عن طريق سريان بعض خلاياه المنفصلة في مجري الدم الي عضو بعيد لا يمت الي مكان منشأه بصلة، لكي تبدأ هذه الخلايا نموا سرطانيا جديدا في عضو غير مجاور، لم يكن يخطر ببال أحد من قبل أن يصيبه المرض.  وهذا لعمري ما نراه مع داعش اليوم من تمدد مباشر في العراق والشام، ثم من انتشار في أصقاع لم يدر بخلد أحدنا من قبل أنها ستنتقل اليها في يوم من الأيام، كنيجيريا وليبيا وباكستان وغيرها من البلدان التي لا تجاور العراق ولا تلاصق الشام.

مكمن القوة لداعش اذن هو نفس مكمن القوة لأي ورم سرطاني: سرعة الانتشار الفائقة التي لا تدع للطبيب النطاسي مجالا لإجراء جراحة استئصال أو علاجا كيميائيا أو اشعاعيا يقتل الخلايا المصابة، لتمكن المرض من أعضاء حيوية ورئيسة في الجسم، لا ينفع استئصالها، ولا يطيب العيش دونها.  ومن غرائب الأقدار، ان مكمن القوة هذا لأي سرطان هو نقطة ضعفه ومقتله في الوقت ذاته.  ومرد ذلك الي أن الورم أثناء فترات نموه الفائقة يكون أكثر اعتمادا علي وصول الغذاء والأكسجين اليه عن طريق الأوعية الدموية لكي يستمر بالتمدد والانتشار.  ولذا تعتمد الكثير من تقنيات العلاج على استخدام عقاقير طبية تقطع او تزيل الشعائر الدموية المؤدية الي الورم أو تحول دون استخدامه ما يصل اليه من غذاء أو دواء الاستخدام الأمثل ليغذو خلاياه ويجدد نشاطه، وهكذا يتوقف نمو الورم ويذبل ويموت.  وكذا الأمر بالنسبة لداعش، فهي أضعف ما تكون أثناء فترة التمدد تلك، لأنها تحتاج الي تجنيد المزيد من المقاتلين، وتدريبهم على الأسلحة المستولي عليها حديثا، ثم ارسالهم بأعداد غير متكافئة الي جبهات بعيدة ضد قوات للعدو تفوقهم عددا وعدة، لأنها ان لم تفعل ذلك واكتفت بالحفاظ على ما استولت ليه من أراض دون التمدد لأراض جديدة، أتاحت لقوات العدو حشد الجيوش لتطويقها والقضاء عليها، تماما كما يعطي الورم السرطاني البطيء الانتشار الجراح فرصة ذهبية لتطويقه واستئصاله جراحيا بشكل كامل. 

والمقصود ان لداعش فرصة واحدة في النجاح، تنحصر في التمدد بسرعة رهيبة واكتساب الأراضي والمواقع ذات الأهمية الاستراتيجية، في ذات الوقت الذي تتمكن فيه من استيعاب الغنائم وتجنيد الآلاف من المتطوعين الجدد، وارسالهم الي جبهات جديدة وهكذا دواليك، حتى تصل الي قدر من التمدد والانتشار يصير معه من المستحيل على أعداءها استئصالها أو حتى محاصرتها بنجاح.  أما خصوم داعش، وهم اليوم كما أراهم، كل حكومات العالم تقريبا، فلهم فرصتين في النجاح: الأولي تعتمد على تسديد ضربات قاتلة لخطوط امداد داعش المتنامية، والقضاء على مواردها المالية من نفط وغيره، ومنعها من تجنيد متطوعين جدد، بما يمكن القوات المدافعة (سواء كانت البشمركة او البي كيه كيه او الجيشين السوري والعراقي) من صد هجماتها، ثم التحول من وضع الدفاع الي وضع الهجوم والقضاء عليها قضاء مبرما.  أما الفرصة الثانية، فتتمثل في إيقاف تمدد داعش عن طريق الهجمات الجوية واتخاذ مواقف دفاعية قوية بهدف حصرها في أماكنها الحالية، ريثما يتم حشد قوات رهيبة العدد والعدة، تطوقها وتقضي عليها كما حشدت الجيوش من قبل لصدام أثناء حرب عاصفة الصحراء.

فالأسابيع والشهور القادمة ستكون حاسمة ودالة على ماذا كانت داعش قد قدمت لهذا العالم لتبقي وتتمدد حقا، ام ليتم استئصالها كأي ورم سرطاني فاشل.  وغني عن البيان أنه كما لا يمكن لأي جراح تحديد مقدار معين لنمو السرطان يكون استئصاله بعده مستحيلا، وذلك لأن كل جراح له وجهة نظر مختلفة عن زملائه، كما أن بعض المرضي قد يتقبل إزالة أعضاء حيوية من جسمه ليبقي على قيد الحياة، حتى ولو أدي ذلك لإعاقته الكلية، بينما البعض الاخر قد لا يتقبل ذلك ويفضل الموت على الإعاقة، أقول، كما يتعذر رسم هذا الخط الفاصل بين امكان الجراحة واستحالتها، لا يمكن تخطيط حد فاصل بين الوقت الذي يمكن للعالم أن يتدخل قبله بنجاح لإيقاف تقدم داعش المضطرد وبين الوقت الذي يتعذر بعده ذلك.  الا أن حقيقة واحدة تبقي: كلما مر الوقت دون منع داعش من التمدد بنجاح، كلما ازدادت مهمة ايقافها صعوبة، وكلما ازدادت كلفة ذلك على حكومات التحالف.  وكمثال توضيحي، دعنا نتصور أن الحكومة الأمريكية قد استجابت لطلب الحكومة العراقية ارسال قوات برية للقضاء على داعش وهي لاتزال محصورة في الفلوجة بالعراق والرقة بسوريا، ماذا كانت ستكون فرص استئصال داعش بنجاح حينئذ؟  دعنا ننظر الي الموقف الحالي بكل ملابساته، ماهي كلفة الاستئصال الآن بعد ان امتدت داعش من كوباني شمالا الي جرف الصخر جنوبا، ومن أطراف ديالي شرقا الي الطبقة غربا؟  دعنا نستمر في التخيل، ماذا ستكون الكلفة بعد أشهر من الآن إذا ما امتد سلطان داعش الي ما بعد بغداد جنوبا والي دمشق غربا؟ ماذا إذا تمددت لأجزاء بالسعودية أو الكويت أو الأردن؟ ماذا إذا اتحد الجهاديون في سيناء ودرنة مع الاخوان في مصر وأطاحوا بالسيسي، وأعادوا مرسي الي الحكم أو أتوا بآخر يوالي داعش، ان لم يبايعها بالكلية؟  الوقت اذن ليس في مصلحة التحالف، طالما أن داعش تستغله للبقاء والتمدد. 

أنا على أتم الاستعداد للحلف على أي كتاب سماوي أو غير سماوي، ان قوات التحالف المجتمعة تستطيع سحق داعش والقضاء عليها قضاء مبرما الآن بكل سهولة.  صحيح أن الكلفة كانت ستكون أقل لو تم ذلك بالأمس، ولكن الكلفة ستزداد فداحة مع مرور الوقت، حتى نصل الي يوم يجمع فيه الأطباء المعالجون على استحالة استئصال الورم السرطاني دون قتل المريض.  متي يكون ذلك؟ هل يكون بعد السيطرة علي بغداد؟ هل يكون بعد الوصول الي دمشق؟ أم أن الأمر يمكن تداركه طالما لم تسيطر داعش بعد على منابع البترول في الخليج وطالما لم تصل الي أعتاب إسرائيل؟ لا أعتقد أن أحدا يملك إجابة محددة علي هذه الأسئلة, ولكنني أريد أن أوضح أمرا خيرا يلتبس علي كثير من الناس: لم يزل المسلمون الأوائل امبراطوريات الروم والفرس, ولم يجتح جنكيز خان أرض الخلافة الإسلامية, ولم ينتصر جيش جورج واشنطن الهزيل علي القوات البريطانية في المستعمرات لفضل قوة أو شجاعة في الطرف الأول علي الطرف الأخير, وانما لأن الطرف الأخير في كل حالة اغتر بقوته, وظن أنه يمكنه حشد القوات اللازمة للقضاء علي هذا "التمرد" في أي وقت, فركن الي ذلك الظن, ولم يحشد القوات الكافية, واستنام للأمر, حتي أجهزت القوات الغازية الأقل عددا وعدة, علي قواته المجزئة وغير المستغلة جيدا, فبات يعض أصابع الندم علي ما فرط في حق جيشه وقومه.  لو صح ظني، فان التحالف الغربي لن يتحرك بالسرعة الكافية، وأعني بذلك ارسال القوات البرية في حشود كثيفة وليس الاكتفاء بالضربات الجوية، الا بعد أن تكون داعش قد تمددت بما يتعذر معه استئصالها، وبما سيغير وجه التاريخ، ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل في العالم كله.  أرجو في نهاية المطاف أن أكون مخطئا، فما أنا الا شيخ رومي هرم قد هدته السنون، يطمع أن يقضي أيامه الأخيرة في سكينة، يستمع الي القيان، ويحتسي النبيذ، ويتحسر على أمجاده الغابرة.  لقد نصحت وبينت وأوضحت وافصحت، ولكن قومي لا يحبون الناصحين.

Monday, July 14, 2014

كيف أفهم الدين؟

ماذا الأديان بشكلها الحالي غير دقيقة وغير واجبة الاتباع بشكل حرفي؟
مبدئيا بالنسبة لقضية الايمان بشكل مطلق ودون الخوض في العقائد المختلفة, الانسان المعاصر مفيش عنده الأدلة القطعية الدامغة علي وجود اله او قوة خارجية خالقة للكون زي ما الانسان اللي عاش في عصور نشأة الديانات الكبرى كان متصور انه عنده مثل هذه الدلائل. مش حاقول اني مؤمن بنظرية التطور بشكل كامل زي بعض غلاة الملحدين متمسكين بيها، لكن يكفي القول ان معلوماتنا المعاصرة عن البيولوجي و الفيزياء أعطونا تفسير منطقي لنشأة التعقيد من البساطة, او لتطور الحياة بالشكل اللي بنشوفه حاليا من الاشكال البسيطة البدائية. التفسير ده ماكانش متاح في زمن القدماء, فكان بيكفي انهم يبصوا للسماوات المرفوعة بغير عمد, او الي الابل وقدرتها علي تحمل العطش, الخ الخ ويقفزوا الي النتيجة المنطقية الوحيدة اللي بتقول ان البعرة تدل علي البعير, فكيف ان سبع سموات وسبع ارضين لايدللن علي السميع البصير؟

النقطة دي مهمة جدا في دحض الأديان بشكلها الاصولي اللي بتقول ان ربنا حيحرق في جهنم و يعاقب بالخلود في النار كل كافر به, لأن المنطق بيقول ان الاله الرحيم العادل اللي خلق الانسان كنوع من الكرم والمنحة اللي بتحول العدم الي وجود مش ممكن يعاقب رفض عقلاني لوجوده بالخلود في جهنم, اذا كان الرفض ده مبني علي شواهد او ادلة مستخلصة من المعطيات اللي حطها قدامنا في الكون, زي العلوم المختلفة, وباستخدام الأدوات اللي خلقها فينا, زي استخدام العقل أو التفكير الاستنباطي. النقطة دي لوحدها كفيلة بأنها تخلينا نرفض فكرة أن ايماننا كمسلمين او كمسيحيين او كاتباع أي دين ضروري للنجاة من النار, او ان المخالفين لنا حيخشوا النار, عشان تصورهم للكون ونشأته مخالف لنشأتنا, لأنه طالما ان تصورهم ده يمكن تبريره منطقيا من خلال الأدلة اللي أتاحها لنا ربنا, او يمكن الوصول اليه كتصور بديل, عن طريق العقل اللي خلقه الرب فينا, يبقي مش من العدل لهذا الرب أنه يعذبهم

أما بالنسبة للدحض التفصيلي لأديان بعينها، فإضافة للنقطة السابقة, اللي بتنسف المصداقية الحرفية  لأيات او اصحاحات كتيرة في الكتب المقدسة بتؤكد ان الايمان علي طريقة هذا الدين أو ذاك هو الطريق الوحيد للخلاص (لأنه زي ماتفقنا مش من العدل تعذيب من وصل لنتائج مخالفة بالعقل اللي ربنا خلقه فيه),  فيه تناقضات صارخة بين المعلومات التاريخية اللي أصبحت معلومة لنا من الحفريات و المسكوكات اللي عثر عليها حديثا وبين كثير من الادعاءات عن الاحداث "التاريخية" اللي وردت في الكتب المقدسة. يعني مثلا قصة ذي القرنين المذكورة في سورة الكهف متاخدة بالنص من حواديت كانت منتشرة في منطقة الشرق الأوسط أيام ظهور الإسلام اسمها رومانسيات الاسكندر, بتقول معلومات احنا دلوقتي عارفين انها مغلوطة تماما عن الاسكندر الأكبر (من حيث انه كان موحد ومن حيث مغامراته المختلفة اللي الأبحاث التاريخية المعاصرة أثبتت عدم صحتها). أصحاب الحجر اللي الرسول أشار الي انهم كانوا عايشين في منطقة مداين صالح في شمال السعودية, واللي المفروض نصدق من السياق القرآني انهم من عصور غابرة وانهم اهلكوا بالصيحة, الحفريات الحديثة اثبتت انهم بيعودوا للقرن التاني الميلادي وان الاثار الموجودة واللي العرب تصوروا انها قصور فارهة منحوتة في الصخر مجرد أضرحة وقبور فخمة وليست منازل منحوتة في الصخر. وطبعا دي امثلة بسيطة جدا للتناقضات التاريخية الفظيعة اللي بتذخر بيها الكتب المقدسة واولها التوراة والانجيل, اللي فيهم أضعاف أضعاف التناقضات الموجودة في القرآن.
  
يبقي كده احنا وصلنا الي ان المصداقية الحرفية للكتب المقدسة مطعون فيها تماما من أوجه مختلفة, وبالتالي أي جدلية بتدعو للالتزام بشعائر تعبدية معينة زي الصلاة والصوم, او بعادات وسلوكيات اجتماعية معينة زي الحجاب للستات او الامتناع عن شرب الخمر او اكل الخنزير مدحوضة بشكل كامل لأنها جاية من مصادر احنا دلوقتي عارفين انها غير دقيقة بالمرة. من ناحية تانية, وصلنا برضه الي ان فكرة وجود الاله في حد ذاتها قابلة للمناقشة وللأخذ والترك, لأن فيه بعض الشواهد اللي ممكن تزيل الحاجة الي تصور وجود خالق وتفسر تعقد الحياة بشكل مادي بحت. لكن علي أي حال, يبقي دحض صدقية الأديان بشكلها التفصيلي الحرفي اسهل بكتير من دحض وجود الخالق بشكل مطلق.

ولكن بالرغم من كل ذلك, أدلة كثيرة تشير بقوة الي وجود عالم الغيب
اذن توقفنا عند ان الافتراض الأساسي للماديين هوه انه مفيش آلهة, ومفيش روجانيات ومفيش غيب ومفيش كائنات ماورائية. وان كل الظواهر يمكن تفسيرها طبقا للقوانين الطبيعية, سواء بتاعة الفيزياء او الكيمياء او البيولوجي, او المعتمدة علي علم الاحياء الجزيئي زي نظرية التطور. وان تعقد الحياة سببه التطور الناتج عن الصراع من أجل البقاء بين الكائنات ذات التكوين المختلف نتيجة للطفرات العشوائية. وبالتالي طبقا لنظرية البارسيموني (البخل) المعروفة في الفيزياء, لاينبغي افتراض أسباب معقدة اذا كانت الظاهرة يمكن اثباتها بأسباب بسيطة. يعني مثلا لو الباب اتقفل لوحده, فقبل ما أقفز لاعتقاد ان فيه عفريت هوه اللي قفله لازم الأول استنفذ الأسباب البسيطة زي ان الهوا رده, او ان المفصلات اللي فيه سايبة, الخ الخ.

وطبعا تنهار هذه النظرية تماما اذا قدرنا نثبت وجود عوالم اخري غير مرئية بشكل موضوعي, لأنه ساعتها حتبقي كل الأديان بعقائدها  في وجود عوالم أخري بتتفاعل مع عالمنا ده قابلة للتصديق. مش لازم تكون صحيحة بنسبة 100%, بس علي الأقل الاحتمال حيفضل موجود انها تكون سليمة بشكل جزئي. عشان كده اطاقة العلماء الملحدين للغيبيات صفر, وبيحاولوا بكل الإمكان اثبات انها مش موجودة, لانها لو موجودة, كل الاحتمالات حتبقي مفتوحة.

خلال التاريخ البشري, كان فيه آلاف المزاعم علي ظواهر غريبة لايمكن تفسيرها بالقوانين الطبيعية, مما حدا بالناس عبر العصور انهم يفترضوا نظريات عديدة من اول ان أرواح الميتين بتستمر بصيغة او اخري بعد الموت, لغاية ان فيه مخلوقات غير بشرية خفية (الجن والشياطين والملايكة) عايشة معانا علي كوكب الأرض وبتتفاعل معانا بشكل او بآخر, ويمكن لنا اننا نسخرها ونتحكم فيها عن طريق السحر او علم الحرف او علم التنجيم الخ. ولسوء الحظ, قدام كل حالة حقيقية لايمكن تفسيرها بالقوانين الطبيعية, كان الف مشعوذ او دجال بيختلقوا ظواهر وهمية عشان يسيطروا علي عقول البسطاء ويسترزقوا من وراهم. وده سهل جدا من مهمة العلماء الملاحدة, لانه ما أسهل انهم يمسكوا في حالات النصب دي و يفضحوها قدام الملأ عشان يشككوا الناس في كل شيئ, ويخلوهم يكفروا بالغيبيات تماما. بينما الحالات الحقيقية اللي بتدل علي وجود عالم الغيب ضايعة في وسط ركام الأكاذيب.

طبعا بحكم دراستي كنت من ناحية باعرض كل ظاهرة اشوفها او اسمع عنها لمعايير قاسية جدا من الفحص, ولكني كنت مختلف عن العلماء الملاحدة في اني مش باصدر من موقف عقائدي مسبق عايز ينسف كل حاجة, وانما من رغبة صادقة في اني أوصل للحقيقة. ومن خلال ده كله ظهرت علي السطح عندي مجموعة من الاحداث اللي خلتني أؤمن تماما بعالم الغيب, وان كنت لا أزال أجهل كنهه حتي الأن.

الأولي كانت مجموعة من الظواهر الشبحية اللي حصل بعضها لبابا الله يرحمه, والبعض التاني لمراتي, والآخر لبنتي, ثم شاهدت انا نفسي بعضها الآخر لوحدي او مع مراتي, طبعا أنا باذكر دول فقط لانهم يا أما حاجات أنا شفتها بنفسي واتأكدت انه مالهاش أي تفسير تاني, يا أما حصلت لناس من اسرتي تصديقي لهم كامل. بعدهم في الأهمية ييجي عدد هائل من الظواهر الشبحية اللي حصلت يا أما لزميلات وزملاء في العمل او الدراسة في بلاد مختلفة  ياأما لناس مافيش بينها أي رابط علي الاطلاق. وبالرغم اني بالطبع حادي مجموعة الظواهر دي درجة اقل من المصداقية لأنهم ماحصلوليش او حصلوا لاسرتي, الا ان الكثير منهم حصلوا لناس انا باصدقهم تماما ومفيش أي سبب ان اشك في صدق كلامهم.

التانية نقدر نقول عليها ظواهر تدل علي وجود مخلوقات ذكية غير بشرية أما متلبسة بني آدمين وبتتصرف من خلالهم, او من خلال حيوانات, او بيتم استدعائها في صورتها الروحية بطقوس معينة. انا جت عليا فترة استهواني الموضوع ده جدا وقريت فيه كتب كتير وكنت علي وشك اني اخش في العالم ده, لكن بعض قصص الرعب اللي سمعتها من زملاء دخلوا فيه قبل كده وطلعوا بأمراض نفسية وحياة محطمة أقنعني ان العالم ده احنا مالناش سيطرة كاملة عليه (مهما ادعي الادعياء عكس ذلك) وبالتالي اللي بيخش فيه كأنه بيرمي نفسه في البحر وممكن جدا يغرق, فأحجمت عن الدخول وان كان قدامي حالات كتير جدا لناس بيتصلوا بالكائنات دي لغاية دلوقتي.

الثالثة طبعا كانت عالم السحر, وده مرتبط بشكل او بآخر بالجزئية التانية, من حيث انه بيتعمله طقوس عشان الواحد يدخل في حالة من الوعي المتغير اللي يقدر من خلالها أنه يغير الواقع علي النحو اللي هوه عايزه. وده قد يتضمن الاتصال بالكائنات الأخرى السالف ذكرها (وده وجه الشبه مع البند السابق) وقد لايتضمن ذلك. وبرضه قريت وكنت علي وشك التطبيق وبعدين أحجمت لما وصلت لقناعتي الايمانية الحالية اللي حنتكلم عنها بالتفصيل في جزء قادم ان شاء الله, واللي بتبص لكل الممارسات دي علي انها نوع من المراهقة الروحية. بس برضه ده مايمنعش اني شفت ناس بتمارس السحر بنجاخ علي نحو لايمكن تفسيره بالقوانين الطبيعية, حتي مع تطبيق اشد المعايير صرامة.

الرابعة والأخيرة كانت الظواهر المتعلقة بالموت, ودي بعضها متعلق بالتحولات الروحية اللي بتحصل للشخص المشرف علي الوفاة , واللي بتخليه يشوف رؤي وعوالم مفيش تفسير لوجودها غير انه ازدادت شفافيته كل ماقرب من العالم الآخر. والتاني الخاص بمايسمي نيرديث اكسبرينس (تجارب الاشراف علي الهلاك), والمقصود بيها الناس اللي كانوا علي وشك الموت (في غيبوبة مثلا) وبعدين عادوا للحياة تاني, انا كنت شبه مدمن اصاحب دكاترة في غرفة الإنعاش وقساوسة مستشفيات واسمع القصص اللي بيقولوهالي بشكل متكرر جدا, وبطريقة لايمكن تفسيرها بالعاصفة الكيميائية المخية اللي العلماء الملحدين بيحاولوا يبسطوا كل شيئ اليها. وحاحط تحت هذا البند أيضا ظواهر الاختطاف من قبل الاطباق الطايرة اللي وثقها الدكتور جون ماك أستاذ الطب النفسي في جامعة هارفارد واللي لاغبار علي مصداقيتها لأنه طبق عليها أشد المعايير العلمية صرامة.

فخرجت من ده كله بأن العالم المادي اللي بنعيش فيه مش هوه كل ما في الأمر, وان فيه عوالم أخري محيطة متداخلة معانا سواء المكونة من أرواح الناس اللي ماتت, او من الكائنات الذكية الأخرى أيا كان الأسماء اللي حنديهالها. أول ما استقرت في نفسي القناعة دي, بقي من السهل جدا فهم ظاهرة الأديان و الفلسفات الروحية بشكل مش متعسف زي مالماديين عايزين يفهمونا انه مرتكز علي خوف الانسان من الموت ورغبته في الخلود اللي بتدفعه لتخيل الحاجات دي. لأنه اذا نحينا الظواهر الزائفة كما أسلفنا, حيبقي كم هائل من الظواهر الاصيلة التي لايمكن تفسيرها غير بوجود عالم للغيب. ولو بصينا لان كتير جدا من الناس اللي بتحصلهم الظواهر دي أطفال او غير عاقلين, مش ممكن نتصور ان قلقهم من الموت خيلهم الحاجات دي,  ومن هنا حنوصل لنتيجة بسيطة جدا مفادها ان الناس بتشوف الظواهر دي مش لانها عايزة تشوفها,ولكن لأنها موجودة فعلا.وبالتالي رؤي الأنبياء او الشامانز, او السحرة او المتصوفين غالبا تحتوي علي قدر كبير من الحقيقة, من حيث ان الناس دي غالبا عندها حساسية اكتر من الأشخاص العاديين اللي زيي وزيك فحصلتلهم جرعة زائدة من التعرض لعالم الغيب, نجم عنها الرؤي الفائقة الروعة اللي بنوا عليها الأديان او الفلسفات اللي جاءوا بيها وبلوروها بعد كده.


التصور الأرجح لكيفية نشأة الأديان
اذا اتفقنا انه كما أن الظواهر المشيرة الي وجود عالم للغيب تحيط بعالم البشر في كل زمان ومكان, فلابد أن نستنتج أيضا أن البشر في كل العصور حاولوا دائما إيجاد تفسير لهذه الظواهر, تفسير لايسعي فقط للوقوف علي كنهها, ولكن يحاول أيضا أن يجد إجابة علي الأسئلة الوجودية الكبرى التي اقضت مضاجع الانسان منذ وجوده علي ظهر الأرض. تلك الأسئلة التي تحاول أن تجد تفسيرا لسبب الوجود في حد ذاته, وماذا يحدث بعد الموت, وماهو المنهج الأخلاقي او القيمي الذي يجب أن يسلكه الانسان خلال حياته. في نظري المتواضع أن الربط بين الأمرين – بالرغم انه حتمي ولامناص منه – الا انه مضر اكثر مما هو مفيد. لان الرغبة الملحة في إيجاد أجوبة علي هذه الأسئلة العويصة يدفع معظم الناس الي الإسراع بافتراض شكل معين لعالم الغيب والعلاقة بين مكوناته لكي يسمح ذلك باستنباط أجوبة علي هذه الأسئلة الوجودية الكبرى, دون أن تكون هناك دلائل كافية علي كل تلك الافتراضات.

فمثلا هناك مجموعة الأديان الوثنية التي تفترض أن القوي الغيبية الأساسية التي نلمح طيفا من وجودها من خلال الظواهر المشار اليها أنفا هي ألهة مختلفة يتحكم كلا منها في جانب معين من جوانب الوجود الخارجي, وجانب مرادف من جوانب النفس البشرية, وتمضي تلك الأديان (كالويكا, والاساترو, والدرويديزم, والديانات الاغريقية والمصرية القديمة) فتوجد نظاما أخلاقيا معينا واجب الاتباع حتي لايطغي جانب علي آخر وحتي يصل الانسان الي حالة تمكنه من مضاعفة ارادته بدلا من ذوبانها عندما تصطدم مع إرادة الآلهة. وهناك مجموعة الأديان التوحدية (بانثيزم) التي تقول بمبدأ وحدة الوجود, بمعني أن الكون والرب هما شيئ واحد, والإرادة الكونية الشاملة هي المجموع الكمي والكيفي لكل المخلوقات وهي تمثل الحقيقة المطلقة او الرب. وواجب كل انسان هو أن يحاول دائما توجيه مسار حياته واختياراته وارادته الشخصية بحيث تتسق مع هذه الإرادة الكلية المطلقة التي يسميها الطاويون الطاو, والهندوس البراهما, البوذيون, النرفانا, الخ. والنار او العذاب هي انفصال إرادة الانسان عن إرادة الكون, لانها حينئذ يكون مصيرها التحطم علي صخرة الإرادة الإلهية, بينما السعادة أو الجنة تكون في الاندماج والتوحد مع هذه الإرادة الكونية. والظواهر الغيبية طبقا لهذه المجموعة من الأديان هي تجليات الحقيقة المطلقة في جزء معين من الكون علي يد انسان او حيوان او روح تجسد فيها مظهر او جانب من جوانب القوة الكونية. وهناك طبعا الأديان التوحيدية كاليهودية والمسيحية والإسلام, والتي تفترض وجود خالق بارئ مصور منفصل تماما عن الكون, خلقه ووضع له قوانين معينة يسير طبقا لها, كما وضع للبشر معايير أخلاقية معينة (الشريعة) ينبغي عليهم أن يسيروا عليها ليفوزوا بالجنة وليتجنبوا النار. وطبقا لمجموعة الأديان تلك, فان الظواهر الغيبية هي محاولات المخلوقات المستترة الشريرة (الجن او الشياطين) اغواء الناس وايقاعهم في حبائلهم, وصدهم عن الطريق المستقيم.

وأكبر دليل علي بشرية كل هذه الأنظمة الروحية أو الديانات, هي ظاهرة التوتولوجي او التواتر, بمعني أن كل مجموعة منها محصورة في منطقة جغرافية معينة ومرتبطة بحضارات او ثقافات او لغات ذات تواصل انساني ثابت, بما يدل أن الأمر ليس تواصلا بحتا مع السماء – والا لوجدنا دينا توحيديا في الكاميرون وآخر في اليابان وثالث في أمريكا مثلا, او دينا وثنيا في البرازيل وآخر في الصين, وثالث في السويد – وانما هي اجتهادات البشر المقيمين في كل منطقة من مناطق العالم لتفسير الظواهر الغيبية وإيجاد أجوبة علي الأسئلة الوجودية, في اطار معارفهم و التصورات المحيطة بهم, والتي لابد وأن تؤثر في كيفية فهمهم للأمور. لذلك مثلا نجد ان البوذية نشأت في الهند كتطور من الهندوسية ثم انتقلت للصين المجاورة. والديانة الاغريقية القديمة نشأت كتطور عن الدينة المصرية القديمة من خلال التجارة والتلاقي في بلاد الشام وجزر كريت. والمسيحية تطورت من اليهودية, والإسلام تطور منهما معا, والثلاثة محصورون في منطقة الشرق الأوسط القديم لايغادرونها ابدا وهكذا..

فاذن تتضح الصورة شيئا فشيئا, أناس ذوي حساسية روحية فائقة, يقابلهم في زماننا هذا من نطلق عليهم السايكيك او النفساويين, استشرفت حاستهم الروحية المرهفة عالم الغيب المحيط بنا من كل جانب, والذي يحس به الأشخاص العاديون مثلي ومثلك بصورة مهزوزة غير واضحة. أما هم فانهم بحكم حساسيتهم الروحية, يشعرون به كمن يراه رأي العين. الا ان هذا ليس كل مافي الامر, فالي جانب حساسيتهم الروحية, يتمتع هؤلاء بحس اجتماعي مرهف, يدرك مشاكل بني البشر, ويسعي دائما لايجاد حلول لها تزيل التعاسة وتجلب السعادة للجنس البشري. فتدفعهم حساسيتهم الروحية وحسهم الاجتماعي المرهف الي تصور منظومة معينة تفسر عالم الغيب الذي يعيشوه بكل تفاصيله بشكل يومي, وتوجد نظام حياة يجيب للإنسان علي اسئلته الوجودية الكبرى ويمنحه حياة بعد الموت, ويمده بمنظومة أخلاقية كفيلة بتحقيق السعادة للجميع.

أما كيف حدث هذا بالضبط, فلا أحد يعرف علي وجه الدقة, ولا حتي مؤسسو الأديان تلك يعرفون. هل الامر كله لا يعدو حسابات باردة, تقطع جزئا من هذا النظام وتضيفه الي جزء آخر من ذلك النظام, وتؤلف بعض السجع والايات المرتبة بعناية لكي نحصل علي دين جديد؟ أكاد أجزم أن الامر ليس كذلك. فحساسية هؤلاء المؤسسين الروحية وحسهم الاجتماعي المرهف تجعل من المستبعد جدا عليهم أن يقوموا بعملية نصب مع سبق الإصرار والترصد, لأن هذه الشخصيات غالبا ما تكون صادقة مع النفس محبة للخير, ونحن نري بعضها يسير بين ظهرانينا الي يومنا هذا بشكل مصغر, في شكل الاولياء والقديسين والشامان. هل فعلا اتصلت تلك القوي الغيبية بهؤلاء وأوحت اليهم بما جاءوا به من أديان وشرائع حرفا بحرف كما تحاول بعض هذه الأديان الادعاء؟ لا أعتقد ذلك أيضا, أولا للتناقض الشديد بين هذه الأديان وبين بعضها البعض, مما يقطع بان القوي الغيبية لم توح بها, لأنها لو فعلت لأرسلت نفس الرسالة بنفس المضمون لكل هؤلاء الآباء المؤسسين, ولما راينا هذا الاختلاف الكبير بين النسخ المختلفة. وثانيا كما أوضحنا في فقرة سابقة, لأن التشابه الشديد بين مضمون ولغة بعض هذه الأديان وسابقاتها من أديان أخري نشأت في بيئة مجاورة تقطع بالاقتباس, وان الامر ليس موحي من قوة خارجية وانما مستنبط بشكل داخلي.

والظن الغالب عندي هو ان هؤلاء الآباء المؤسسين للأديان المختلفة اشرأبوا بحاستهم الروحية الفائقة الي عالم الغيب, واستطاعوا بشكل أو بأخر الوقوف علي طرف او جانب من حقيقته المطلقة, وقد يكون ذلك قد تم بمجهود فردي منهم او بمساعدة من القوي الغيبية بشكل أو بآخر, فتم اللقاء في منتصف الطريق. الا ان تعبير هؤلاء الأشخاص عن تجاربهم تلك، وصياغتهم لرؤاهم كان تعبيرا شخصيا متأثرا ببيئة كل منهم وخلفيته الثقافية, وتكوينه النفسي.  فلا يمكن مثلا أن نفصل بوذا عن بيئته الهندوسية, و محمد عن بيئته المسييهودية, او اليوروبا عن خلفيتهم الوثنية الافريقية. بمعني ان كلا منهم رأي "الحقيقة المطلقة", ولكنه رآها بعين ثقافته وفهمه وادراكه, بالتالي جاء تعبيره عنها وليد خلفيته الثقافية وزمنه الذي عاش فيه.

هل معني هذا أن هذه الأديان مقدسة؟ نعم اذا عنينا بالقداسة انها وليدة اتصال بين مؤسسيها وبين "الحقيقة الكونية الغيبية المطلقة," ولا اذا قصدنا بها أن كلا منها يمثل ويختصر هذه الحقيقة بشكل متكامل لايقبل النقاش او الجدال, ويستغني عن كل الأديان الأخرى التي تضع تصورات مخالفة ومناهج مغايرة. هل معني هذا أن الأنظمة الاجتماعية والأخلاقية التي أتت بها هذه الأديان صالحة؟ نعم اذا عنينا بالصلاح أنها جاءت نتيجة محاولات مخلصة من مؤسسي الأديان لإيجاد طرق لإسعاد البشر وتحقيق العدل علي الأرض، مستلهمين فهمهم للحقيقة المطلقة التي اتصلوا بها بشكل او بآخر. ولا اذا قصدنا بها أن تلك القوانين دساتير الهيه مقدسة واجبة التنفيذ بحذافيرها دون استثناء, وان عقوبة اللعنة والوبال يبوء بها كل من حاد عنها قدر أنملة. هل معني هذا أن الطقوس والعبادات التي جاءت بها كل هذه الأديان تقرب الاتباع الي الحقيقة المطلقة؟ نعم اذا نظرنا اليها كتجارب روحية تستلهم وتستحضر تجارب الاباء المؤسسين لتلك الأديان، وتحاول ان تعيد الاتصال بالحقيقة المطلقة من اجل سلام روحي أكبر وحياة افضل. ولا اذا نظرنا الي هذه الطقوس كفروض ثقيلة وواجبات جبرية، تتطلبها منا قوي غيبية باطشة، لاهم لها الا ان تذل أعناقنا بواجبات ثقيلة من حركات روتينية, او اجاعة للنفس او فقد للأموال خلال اليوم والشهر والسنة, لا لشيء الا لتثبت جبروتها وتسلطها علينا وإخضاع رقابنا لها.

ماذا يجب أن يكون عليه موقفنا من الأديان؟ 
من يتابعني علي تويتر, ويتابع مناقشاتي مع كثير من الأصدقاء, يلاحظ أنني دائما ما أستشهد بأيات من القرآن الكريم او أقوال الرسول محمد. و هذا دائما مايدهش كثيرا من المتابعين, لأن مواقفي المعلنة من صدقية الأديان قد تشير الي أنني لا أدري, وبالتالي فلا يستقيم أن أستشهد بالنصوص الإسلامية بهذه الكثرة. وهذا اعتراض وجيه ومنطقي الي حد بعيد.

الا أن دراستي للنصوص القرآنية, ومدي احتواءها علي الحكمة والقدرة المذهلة علي وصف النفس البشرية وعلاقة الناس بعضهم البعض, والنواميس الكونية الحاكمة, تجعلني دائم الرجوع الي القرآن الكريم كمصدر للحكمة البالغة, والتوصيف الدقيق لحال البشر. كيف لا, وهو نتاج اتصال الأرض بالسماء من خلال محمد علي النحو السالف ذكره في فقرة سابقة. ولايهمني ان اللفظ لفظ محمد, او أن الحقيقة المطلقة قد قطرت من خلال شخصيته و بيئته وثقافته. المهم عندي انه نص يحتوي علي الحقيقة المطلقة بشكل او بآخر.

وطبعا ما ينسحب علي القرآن ينسحب علي كل الكتب المقدسة الأخرى. وانما ركزت علي القرآن لأنني بحكم خلفيتي كمسلم أعلم به من غيري, بيد أن القليل الذي أعلمه عن بعض الأسفار الأخرى يقطع أيضا بانها نتيجة اتصال نفوس اشرأبت الي السماء بالحقيقة المطلقة, وخلدت لنا هذا الاتصال في صورة كتابات واسفار فيها من القداسة بقدر مافيها من البشرية.

والمشكلة هنا واضحة تماما لكل ذي عينين: ماالذي يمكن أن يصنعه المرء حيال هذه الاسفار؟ هل يلقي بها الي سلة المهملات لأنها في النهاية نصوص بشرية تشكلت من خلال عقول عاشت منذ آلاف السنين, لا تعرف عشر معشار مانعرفه نحن أبناء القرن الحادي والعشرين من علوم ومعارف؟ أم هل نتبعها اتباعا حرفيا ظاهريا لأنها (بشكل او بآخر) تحتوي علي الحقيقة المطلقة, مهما أدي هذا الاتباع الحرفي الي الوقوع في سخافات و صدامات مع مايقضي به المنطق و تحكم به الضرورة؟

يخيل الي أن حل هذه المعضلة يكمن في العودة الي نقطة البدء. مالذي يريده الرب\ الكون\ الحقيقة المطلقة من الانسان؟ وبصياغة مختلفة: ما المضمون الأخلاقي الذي استشرفه مؤسسو هذه الأديان عندما دخلوا في تجاربهم الروحية؟ وماذا أرادوا لبني البشر؟

الإجابة عن السؤال الأول قد تحل اللغز كله, لانه كما اتفقنا, أحد أهم الاعتراضات علي الديانات المصطلح علي تسميتها بالسماوية, هي انها تفترض أن "الرب" انما خلق البشر ليختبرهم وليبلوهم أيهم أحسن عملا. و هذا (علي ظاهره) من أغرب القول, لأن الهدف ان كان المعرفة في حد ذاتها, فهي شهاده بنقص الخالق, الذي لايعقل أن يحتاج الي تجربة عملية لكي يعرف النتيجة. وان كان الهدف هو اتاحة الفرصة للصالحين أن يصلحوا فيثابوا والفاسدين ان يفسدوا فيعاقبوا, فهذ مخالف للخيرية المطلقة المفترضة في الخالق الأعلى, الذي حقيق به ألا يعرض الفاسدين لتجربة يعلم مسبقا أنهم سيرسبون فيها فيستوجبوا سخطه وعقوبته.

وللخروج من هذا المعضلة, يمكن افتراض أن هدف الخلق هو الانعام علي الانسان بنعمة الوجود و الحياة في حد ذاتها. الحياة في هذا الجسد الأرضي في الدنيا, وبصورة أو صور أخري الخالق أعلم بها بعد ذلك. فيتفق مع هذه الخيرية المطلقة أن الخالق\ الكون\ الحقيقة المطلقة تريد من البشر أن يعيشوا في سلام ومحبة علي نحو يزيد من تمتعهم بنعمة الوجود ونعمة الحياة التي منحها إياهم الخالق. وعلي هذا يكون المردود الأعلى لكل العبادات والطقوس والاعمال الدينية مضمونا اجتماعيا بحتا. فكل عمل يؤدي لاسعاد البشر والقضاء علي اوجاعهم وافشاء السلام بينهم عمل مقرب للرب وان لم يحتو علي عبادة مباشرة او تعظيم له. وكل عمل يؤدي لعكس ذلك هو عمل مبعد عن الرب, حتي وان تدثر بكل الطقوس الدينية.

والعبادات في حد ذاتها ماهي الا تدريبات روحية لتنقية النفس, وتذكيرها بارتباطها بالحقيقة المطلقة, التي تنضوي علي كل البشر وكل المخلوقات. وهي علي ذلك ليس الهدف منها تمجيد الرب المستغني عنها لكماله, وانما مردودها جعل الانسان كائنا أفضل لمجتمعه وللبشر كافة. وعقوبة تركها هي ان يشعر الانسان بوحشة البعد عن الخالق\ الحقيقة المطلقة, وهي عقوبة لعمري أشد وأنكي من أي جحيم حرفي الدلالة.

أما الإجابة عن السؤال الثاني, فتصب أيضا في ذات الاتجاه, لان مؤسسي الأديان المختلفة من الملاحظ عليهم البعد الاجتماعي, ومحاولة إيجاد أنظمة لحركة الحياة علي الأرض, بما يكفل سعادة البشر وتخفيف آلامهم, وحل مشاكلهم.

وهنا نجد أننا قد أكملنا دورة كاملة. فالانسان المعاصر ينبغي أن ينظر الي الأديان المختلفة كاجتهادات لمؤسسيها للوقوف علي الحقيقة المطلقة, ولايجاد أنظمة اجتماعية للحياة والعلاقات بين الناس. ورائده في ذلك كله أن الحقيقة المطلقة لايمكن الجزم بأنها علي النحو الموصوف في أحد هذه الأديان دون الاخر, ولذا فله حق اختيار أحدها مما تأنس به نفسه, او التنقل بينها, او حتي إيجاد عقيدة خاصة به تحتوي علي نسب مختلفة بين دينين أو أكثر, او حتي من وحي خياله. المهم في الامر أن يقر في نفسه ان كل هذه الأديان هي اجتهادات مختلفة للوصول الي الحقيقة المطلقة, وان احتمال ابتعاد رؤيته عن الحقيقة لاتقل عن احتمال ابتعاد الرؤي الأخرى عنها. فيقمع ذلك في نفسه التعصب, يزيل الاعتداد بدينه, ويثبت في نفسه أن المهم هو اخلاص التوجه الي هذه الحقيقة المطلقة, لا دقة التوجه أو الطقوس. فالعابد الخاشع المتبتل المنيب المخلص في عبادته, وان عبد حجرا او شجرا او آلهة متعددة – طالما أنه عالم بقصور نظرته متقبل لطرق غيره – اقرب الي الحق من المتشبث بتقليده المعتقد بفساد رأي غيره.

وفي غضون كل ذلك, يجب أن يجتهد المتدين المعاصر من أجل إيجاد أنظمة اجتماعية تحقق العدل بين الناس لأن هذا هو المراد الاقصي للخالق. وعلي هذا فكل دين يدعو اتباعه الي الانسحاب من حركة الحياة, وترك الظلم يشيع بين الناس, تحت مسمي التفرغ للعبادة هو دين فاسد, والداعي له داع علي طريق جهنم. وبالمخالفة, كل دين يسعي لاقامة العدل, والتصدي للاستكبار والظلم, دين صحيح, مهما أهمل الداعي اليه اتباع الطقوس والعبادات التقليدية. ولهذا مبحث آخر.