ليه معظم
الناس بيمشوا في سكة البلحة المقمعة
طبقا لنظرية الجين الاناني
-وهي مع الاسف الشديد صحيحة- الانسان جبل علي الانانية, وهي صفة موجودة علي اكثر المستويات
قاعدية, وهي الجين. يعني قطعة صغيرة من الحامض
النووي بتتحكم في صفة وراثية معينة. فاللي بيحصل ان شوية جينات يتلموا علي بعض, ويبتدوا
يطوروا في تركيبهم, بشكل يخليهم اكثر قدرة علي التنافس. ولان البقاء للاصلح, حتفضل
دايما الجينات المورثة لصفات اكثر تنافسية, هي الممثلة بشكل اكبر في الطبيعة. يعني
بالبلدي كده, ابن الوسخة والندل والاناني ينتشر ويتوغل ويستمر, بينما الامير ابن الناس
الطيبين حيموت فطيس. طبعا ده تبسيط شديد ومخل, لان المشاهد ان فيه الكثير من صفات الكرم
والاريحية موجودة عند كثير من الناس, وده عكس ماسبق توضيحه. لكن الواقع انه مش عكسه
ولا حاجة, وانما كل ما في الامر ان الصفات دي بتضفي جاذبية, وتجلب منافع من نوع
آخر لصاحبها أو لأقاربه الحاملين لنفس خصائصه الوراثية, تعوض للجينات الراغبة في
الانتشار ما قد يفقد عن طريق التضحية. يعني حتي الكرم والنجدة والشهامة والمرؤءة هي
في الواقع انانبة مقنعة, واحنا كلنا اندال ولاد ستين كلب. لكن لحسن الحظ فيه مخرج من
هذه الصورة الكئيبة, وده يتمثل في معرفة ان كل ما سبق سرده, هو محاولات مكوناتنا الاساسية
(الجينات الصماء) للبقاء والتكاثر. لكن احنا ككائنات متكاملة اكبر من مجرد مجموع الاجزاء
بتاعتنا, وبالتالي ممكن نظريا اننا نتخذ قرارات واعية اننا نعيش بطريقة مخالفة للاجندة
بتاعة الجينات المكونة لنا. يعني ممكن نقرر اننا نعيش بشكل يعلي من قيم الايثار والتضحية
والكرم والعطاء, حتي لو ده ادي لهلاكنا المبكر, وبالتالي هلاك جيناتنا معانا. لكن لان
دي عملية (مستهلكة للطاقة) بتعبير الكيمياء الحرارية, فهي حاجة شاقة جدا علي النفس,
أو بالمصطلح الديني جهاد. ومعظم الناس حتغلب عليهم شقوتهم, ويمشوا في سكة البلحة المقمعة,
لانه اسهل واريح ومتماشي مع الطبيعة البشرية كما تم توضيحها اعلاه. وبرضه التعبير الديني المعروف "حفت النار بالشهوات,
وحفت الجنة بالمكاره" مناسب جدا لوصف الحالة دي.
ولذلك المهتمين بشؤون الاخرين
أكثر من شئونهم الشخصية, اقلية في كل زمان ومكان, لان اللي بيحاولوا يقنعوا الناس
بيه من ثورة علي نظم الحكم اللي بتكرس للانانية, هو حاجة عكس الطبيعة البشرية. واللي
بيحصل دايما ان غالبية البشر (المجبولين علي الانانية) حيتخذوا أحد موقفين ازاء مثالية
وثورية وتضحية الاقلية الميالة للتضحية والايثار, واللي بتحاول تشعل الثورة: اللي وضعه
متنيل بستين نيلة في ظل النظام القائم, حيؤيد الدعوة المثالية سواء كانت دعوة نبي او
مصلح او ثوري, وحيقف جنبها, مش حبا فيها, او لانه فجأتن بقي مثالي أوفر نايت, ابدا,
هو لسه اناني ابن وسخة, بس حسبها صح, ولقي انه حيكسب لو أيد الدعوة لانه ببساطة
ماعندوش حاجة يخسرها. اما اللي وضعه كويس في ظل النظام الاناني, فبيحارب الدعوة بعينه
وعافيته في الاول لانه حيخسر الكتير, بس لما بيلاقي مافيش فايدة, بيتبع استراتيجية
جديدة: بيتظاهر بقبول الدعوة الثورية أيا كانت, ويخش في زوارق المثاليين والثوار لغاية
مايتمكن, وبعدين شوية شوية ينسفها من الداخل, عن طريق انه يفرغها من مضمونها, ويحولها
لمسخ مشوه, ظاهره الدعوة الثورية المثالية, وباطنه نفس النظام الاناني القديم ابن الوسخة.
وطبعا بعد ما العملية كلها تتم, حيكون حصل شوية تغيير في المواقع’ فشوية من الناس اللي
كانوا فوق في المجتمع نزلوا تحت, وشوية من اللي كانوا تحت طلعوا فوق. لكن المحصلة النهائية واحدة في جميع الاحوال: الدعوة
الثورية فشلت وفرغت من مضمونها, والدعاة الثوريين راحوا في ستين داهية, يا ماتوا مقتولين,
يا فسدوا هما كمان وتحولوا لانانيين ولاد كلب. عشان كده الراجل الطيب جريشام كان معاه
حق لما قال العملة الرديئة بتطرد العملة الجيدة من السوق.
ازاي ممكن أي
ثورة تنجح؟
زي ما وضحنا, المشكلة بتكمن
في ان الغالبية العظمي من الناس اللي بتتجاوب مع الدعوة او الثورة في البداية, هيه
نفسها انانية وليست مثالية, وبالتالي لن تلبث ان تنقلب علي الثوار او الانبياء او المصلحين
اللي شالوا روحهم علي كفوفهم وخاطروا بنفسهم من اجل الغالبية الجاحدة دي, أول
مايلاقوا فايدة شخصية لكده, او يلاقوا ان حجم التضحيات اللي مطلوب منهم كبير. وعشان نعرف الحل حنتبع طريقة شارلوك هولمز في الاستنباط,
اللي بتقضي باستبعاد كل الاحتمالات المستحيلة اولا, واللي بيفضل علي الترابيزة في
الاخر مهما كان لاول وهلة غريب او مضحك او مستبعد هو الحل الصحيج. لو طبقنا المنهج
ده حنلاقي ان الاعتماد علي الاقلية الانانية الحاكمة لا يمكن يكون هوه الحل, لانه
مهما تظاهر بعض اعضائها بالايمان بالفكرة الثورية والاقتناع بيها, لايمكن نسيان ان
دول هما نفسهم اللي حاربوا الثوار في البداية وحاولوا يقضوا عليهم بشتي الوسائل,
ومش معقول في يوم وليلة تصديق انهم بقوا ثوريين. ولأن دول هما الاعداء الحقيقين
للدعوة الثورية, مش حيهدالهم بال الا لما يقضوا عليها, وطالما ماقدروش يسحقوها سحق
مباشر (بدليل النجاح المبدئي للثوار), يبقي اللي بيعملوه دلوقتي مالوش غير تفسير
واحد: الالتفاف والتظاهر بقبول الثورة, ثم تفريغها من مضمونها ونسفها من الداخل. المثال
الكلاسيكي علي كده الثوار المصريين بقيادة عمر مكرم, اللي تصوروا انهم ممكن يثقوا في
شخص ينتمي لطائفة الظلمة لانهم توسموا فيه خير, فسلموا الحكم لمحمد علي (اللي هوه
في الاول و في الاخر جندي من جنود الظلمة) بعد ما تعبوا وبذلوا المجهود العظيم في خلع
خورشيد. ولاداعي لاكمال الحكاية, فالباقي معروف
للجميع.
وثانيا الاعتماد علي النفس
فقط ايضا مستحيل, وليس له الا اسم واحد فقط: الانتحار, لان الكثرة تغلب الشجاعة. ومهما
استبسل الثوار او اصحاب الدعوات النبيلة في الذود عنها فمصيرهم الذبح, لان الاكثرية ضدهم, مش بس الظلمة ولكن المستضعفين
الانانيين ايضا. والتاريخ يذخر بامثلة لا اول لها ولا آخر عن ثوار استعفوا واتفتونوا
ومشيوا بنظرية العافية الهابلة, فاندقوا علي ام راسهم, وانقبرت دعواتهم معاهم. الاناركيين في اسبانيا, واتباع يهوذا
الجليلي في فلسطين, او سبارتاكوس في روما, امثلة كلها حاضرة في الذهن لثوار نبلاء,
حاولوا يقوموا بثورتهم دون حشد جماهيري مناسب, فراحوا في ابو نكلة.
وثالثا محاولة (تثوير)
المستضعفين الانانيين من العامة, وتحويلهم
الي ثوار نبلاء يضحوا بحياتهم هما كمان عن طريق التثقيف, ومقارعة الحجة بالحجة, هي
الفشل مجسما. لانك ببساطة بتناطح الصخر, وبتحاول تغير الطبيعة البشرية المتجذرة في
الجينات, عن طريق انك تمشي تطبل في الشارع وتقول يا أهالينا انضموا لينا, والاخوة عبدة
الشيطان ادركوا الحقيقة دي من Solipsism is the third satanic Sinزمان, ولذلك اعتبروا افتراض
ان الآخرين يمكن ان نكون لهم نفس الدوافع او يستجيبوا لنفس الحجج خطيئة فمثلا تصور الحسين واتباعه ان أهل كربلاء المستضعفين
من قبل الأمويين فجأتن حيسموا فوق أنانيتهم الجينية, ويتحولوا الي ابطال نبلاء, يضحوا بحياتهم من أجل المبادئ, ويستشهدوا الي جواره, مثال كلاسيكي للسوليبسيزم ده.
يبقي كده وصلنا الي الطريق
الوحيد المتبقي, وهو الارتكان الي دعم الاغلبية المستضعفة, ولكن ليس عن طريق حملها
علي تغيير صفاتها الانانية, ولكن عن طريق دغدغة وتدليك هذه الرغبات, واقناع
أصحابها -بالحق او بالباطل- ان طريق الثورة هو نفسه طريق اللذة وتحقيق المكاسب الذاتية
الانانية. هيه دي الطريقة اللي مش بس استخدمها الثوريين, دي كمان استخدمتها
الامثلة الشمولية بنجاح منقطع النظير. ولو استعرضنا كل الحركات الناجحة في التاريخ
الانساني, سنجد انها ارتكنت الي هذا المزيج من الافكار النظرية المثالية للانبياء,
اوالثوار المؤسسين, والقوة الغاشمة لاغلبية متعطشة للكسب, رأت في الثورة أو الدعوة
طريقا لإيجاد مكان لها تحت الشمس. ناخد شوية
امثلة عملية من التاريخ: الاسلام لم يكن
لينتشر هذا الانتشار المذهل, لو لم يعتمد علي الوعد, اي تبشير المجاهدين باحدي الحسنيين,
النصر ومايتبعه من مغانم وسبايا في الدنيا, أو الشهادة والانتقال الي
جنة ابدية عرضها السماوات والارض في الاخرة. المسيحية لم تكن لتصبح
اكبر دين في العالم لو لم تعتمد فكرة الفداء, أي ان يسوع تحمل كل خطايا البشر عن طريق
تضحيته بنفسه, وبالتالي كل ما عليك فعله كمسيحي هو أن تؤمن به وتقبله في قلبك, دون
الحاجة الي كثير من الشرائع المقيدة كما في اليهودية او الاسلام, وهذا الايمان
وحده يضمن لك الخلاص و والالتحاق بملكوت السموات, اما الخطايا فلا باس منها فقد دفع ثمنها الفادي مقدما وشال
الليلة. الشيوعية لم تكن
لتحظي بدعم الجموع, لولا انها وعدت الفقراء بالاستيلاء علي اموال الاغنياء, وتوفير
كل الحاجات الاساسية المحروم منها هولاء الفقراء عن طريق دكتاتورية البروليتاريا. القومية
او الفاشية دغدغت الانا عند الجموع بايهامهم انهم افضل الاجناس او الشعوب, وبالتالي
من حقهم استعباد واسترقاق الشعوب الاخري, واستباحة مقدراتهم وممتلكاتهم.
والخلاصة انه لامفر امام
الثوار من كسب تاييد الجماهير المستضعفة لكي تنجح الحركة. وذلك لا يتأتي عن طريق التضرع
الي "اخلاقهم النبيلة" أو محاولة مخاطبة "عقولهم الحكيمة" لانه
لا هذه ولا تلك موجودتان أصلا, والا لكان اصحابها قد قاموا بالثورة من تلقاء
انفسهم (لو كانوا أريحيين) أو التحقوا بالطغمة المستبدة ( لو كانوا أنانيين). و انما يتاتي ذلك عن طريق ربط الفكر الثوري بتحقيق
الاحلام الاستحواذية أو الانتقامية أو الاستعلائية (وفي كل الاحوال الانانية) لتلك
الجماهير, مهما كانت وضيعة او خسيسة. وكلما تفنن الثوار في استثارة
مشاعر وغرائز تلك الجماهير, كلما نجحوا في
تهييجها, و كلما حولوها الي اداة طيعة في ايديهم وسيل جارف لا تمكن مقاومته. لان الحاجة الوحيدة اللي
بتحرك الجماهير دي هي شهواتهم بانواعها المختلفة سواء الانتقام او التملك او النهب
او السيطرة علي الاخرين او الخلود. فما علي اصحاب الدعوة او الثورة الا اتاحة الفرصة
للجماهير لاشباع هذه الرغبات, بعد تغليفها في اطار فكري او فلسفي او عقائدي شيك, لتبرير
الفعل الثوري, وبعدها قول علي النظام (او علي اعداءه اذا كان اللي بيستخدم
الجماهير هوه نفسه نظام او حركة سلطوية) يا رحمن يا رحيم.
التاريخ مليان امثلة: فلو انا البابا
بيوس, وعايز أضم بيت المقدس لاملاك الكنيسة, ما علي الا اني افتح الباب لعامة الاوربيين
انهم يمارسوا غريزة الغزو والسيطرة علي البلاد التي تفيض لبنا
وعسلا, تحت ستار تحرير قبر ابن الرب, من الشعب اللعين الكافر الذي احتله. ولو انا خليفة
مسلم وعايز اوسع الدولة الناشئة, حاطلق العنان لعامة البدو لسبي نساء بني الاصفر, وتقسيم
كنوز كسري, تحت بند اخراج
الناس من الظلمات الي النور. ولو انا ماو تسي تونج وعايز
اتخلص من خصومي السياسيين, حاسمح للطلبة انهم يشووا المدرسين ويغتصبوا المدرسات, وللسكان
انهم يشنقوا رؤساء الاحياء تحت غطاء الثورة الثقافية, وتطهير الصين من
التحريفيين. ولو انا هتلر وعايز
انفرد بالحكم, حادي الاشارة للمؤيدين بتوعي انهم يدبحوا كل المعارضين السياسيين في
ليلة السكاكين الطويلة, بحجة "توحيد الصف". ولو انا عبد الناصر وعايز اقضي علي اي فرصة للديمقراطية,
حادعوا العامة لاشباع غريزة الضرب والتهزيء
الموجودة عندهم بشكل طبيعي ضد المثقفين في السنهوري بحجة حماية الثورة من القوي
الرجعية.
مين نجح ومين
سقط في شحن الجماهير؟
ده كان الماضي, تعالوا
نشوف ازاي كل القوي اللي علي الساحة المصرية حاليا بتطبق المبدأ ده, وبتحاول تضمن بيه
القوة الضاربة لقاعدتها الشعبية. فيه تقسيمات
كتيرة, بس عشان وضع مصر الخاص, خلينا نقسمهم الي يمين ويسار وقوميين واسلاميين, كل
واحد فيهم منقسم بدوره لفصائل مختلفة بعضها ثوري -أو علي الاقل
ممكن تصور انخ حيؤيد او يرحب بفعل ثوري- وبعضها
رجعي, او حتمي انه معادي للثورة علي طول الخط. المأساة اللي حنشوفها بعد قليل, انه بشكل عام,
القوي المعادية للثورة قدمت خطاب بيسمع مع قاعدتها الجماهيرية ونجحت نجاح كبير في حشد
تأييد الجماهير دي في صفها في معركتها لاسقاط الثورة, بينما الفصائل الثورية -أو اللي
المفروض تكون واقفة في خندق الثورة- فشلت في التلاحم مع قاعدتها, وبالتالي كلت علقة
ورا علقة, ماكلهاش حرامي في جامع, ومقدرتش حتي وقت كتابة هذه السطور انها تدفع
بالنظام دفعة قوية نهائية الي مزبلة التاريخ.
اليمين
اليمين الكمبرادوري كان
ولايزال العمود الفقري للنظام الحاكم في مصر. ويتكون بشكل أساسي, من مجموعة متشابكة
من رجال الاعمال الفاسدين, الذين ارتبطوا باركان النظام الحاكم بعلاقات
المصاهرة والمشاركة, ومن مصلحتهم استمرار نظام قمعي لا يسمح بتداول السلطة, لضمان استمرارهم
في احتكار موارد البلاد, وتوزيع الصفقات علي بعضهم البعض, بطريقة الامر المباشر. وقد نجح هذا الفصيل
الي حد بعيد في الاحتفاظ بولاء وتأييد الغالبية الساحقة من قاعدته الجماهيرية, المتمثلة أولا
في جهاز الشرطة الفاسد الدارج علي السلب وفرض الاتاوات وممارسة السادية علي الشعب, وكلها خصال غذاها فيهم هذا التيار عن
طريق اطلاق العنان لهم فيها. والمتمتلة ثانيا في كل القيادة العليا ومعظم القيادات
المتوسطة في القوات المسلحة, واجهزة الاستخبارات والمباحث, والاجهزة السيادية بشكل عام, عن طريق اعطاء مميزات مبالغ
فيها لاعضاء هذه الاجهزة, واطلاق ايديهم في الحصول علي الرشاوي و فرض الاتاوات, وابتزاز
باقي طبقات المجتمع. وثالثا في اعضاء
الحزب الوطني المنحل, وكل من أدمنوا الاشتغال بالسياسة او الانتفاع منها طيلة العصور
السابقة بطرق مماثلة. ونجاح هذا الفصيل في
حشد أولئك المؤيدين واضح لا يحتاج الي بيان, وتكفي نظرة عابرة الي القسوة التي تعاملت وتتعامل
بها هذه الاجهزة الامنية المنتفعة مع الثوار, والتي لا يمكن تفسيرها
ببساطة علي انها مجرد تنفيذ للاوامر, لأن المشاهد لطرق ووسائل العنف المستخدمة
يلاحظ انها انما تصدر عن تلذذ واستمتاع التابع
الذي ينتهز فرصة تلقي الامر من سيده لكي يفرغ شحنة العنف والسادية
المكبوتة بداخله ضد ضحيته او فريسته. و لو لم يكن هناك من مبرر لاستخدام العنف, لاوجد
هو المبرر.
أما اليمين الليبرالي المؤمن
عن حق بمبدأ تداول السلطة والراغب في اقامة نظام برلماني علي النسق الاوروبي, تكفل
فيه الحريات المدنية للمواطنين, وتصان فيه اقتصاديات السوق, فقد فشل في حشد مؤيديه
المنطقيين, من بين ابناء البرجوارية المتوسطة والكبيرة, والمثقفين المتأثرين بالنموذج
الغربي, وذلك لتردد وانعدام كاريزمية
حامل لواء هذا التيار وهو الدكتور البرادعي, وعدم قدرته علي تقديم نفسه للقوي القلقة
في الخارج, كبديل قوي ذو قاعدة شعبية
معقولة, تضمن استقرار الاحوال واستمرار السياسات الخارجية والاقتصادية المنفتحة لمصر,
والمهمة جدا لتلك القوي.
اليسار
القوي اللي باعت نفسها
للنظام من زمان زي حزب التجمع, استمرت في القيام بدور المحلل للنظام في ثوبه الجديد,
بل وشاركت بعض رموزها في حكوماته المتعاقبة منذ سقوط مبارك. ولكن هذه القوي لم تكن لها قاعدة جماهيرية في أي
وقت من الاوقات وعليه فقد استمرت في الفشل في التأثير الجماهيري, ورضي منها النظام
بالحضور الاعلامي والوزاري فقط. وتعد هي الوحيدة بين القوي المعادية للثورة الفاشلة
في التأثير او التلاحم مع الجماهير.
أغلب فصائل اليسار الاخري
شاركت بشكل اساسي ورئيسي في الثورة. وقد شكلت بالتوازي مع بعض القوميين
والليبراليين وقليل من الاسلاميين النواة الاساسية لحركات الاحتجاج المعاصرة الممتدة
من حركة كفاية مرورا بستة ابريل وغيرها. والي هؤلاء الناشطون المثابرون يرجع كل الفضل في اشعال شرارة
ثورة 25 يناير, باصرارهم الدءوب علي المشاركة في الاحتجاجات والاعتصامات من 2005 حتي
اندلاع الثورة, و بمحاولاتهم (التي كللت بالنجاح اخيرا) في اقتباس شعلة الثورة
التونسية ونقلها الي مصر. وبالرغم من كل هذه المساهمة
الفعالة, الا ان فشل اليسار بشكل عام في التواصل مع عموم الشعب المصري, بطريقة تناسب
طبيعته (الشعب المصري) المتدينة وثقافته المحدودة, كان له اعظم الضرر
علي قدرة هذا الفصيل الوطني المهم علي حشد التاييد بين قطاعات المجتمع التي تتجه تقليديا
نحو اليسار في العالم كله, مثل العمال والفلاحين والطلبة والمسنين والمرأة. فرأينا
من الكتاب اليساريين من يهاجم تدين عموم المصريين ويسخر من مقدساتهم, بل ومن ينظم
منهم نثرا يحاكي اسلوب القرآن الكريم. وراينا
ثياب وتصفيفات شعور النشطاء وهيئاتهم علي التلفاز وفي الصحف مما ينفر غالبية ابناء
الشعب منهم, ويعمق من النظرة اليهم كطبقة منفصلة,
تعيش عالما موازيا لعموم الناس, وتهتم بغايات
واهداف تطعن في الصميم لب الدين, وتفارق قناعات الاكثرية الكاسرة من ابناء الشعب. وحتي في الانترنت
وعلي التويتر, اختار معظم النشطاء افاتارات مثيرة للجدل, لزعماء شيوعين او فوضويين,
واسهبوا في استخدام مفردات غير مألوفة
لعامة المصريين, ونشروا تراجم و
عربوا افلاما لمفكرين وفنانين غربيين تقدميين, تقصد الي التعريف بالشيوعية او الفوضوية.
وهم وان كانوا قد فعلوا كل ذلك عن حسن نية, الا انه قد غاب عن ذكائهم وفطنتهم ان تلكم
التراجم والافلام انما تحوي اساءات الي مقدسات الناس, وتروج لقيم وان كانت حميدة علي
المستوي الغربي الا انها منفتحة جدا بالمفهوم المصري التقليدي. فلم تزد الناس الا نفورا منهم وبغضا لهم. فكانوا كمن اراد ان يضئ غرفته فاحرق بيته. وهم علي هذا اعجز الناس عن ترغيب الجماهير بالمكاسب
المنتظرة جراء تاييدهماو مشاركتهم بالثورة, أو حتي استثارة غرائز الانتقام عندهم ممن ظلمهم
وسلبهم حقوقهم. فكلما اندفع العامة لتحطيم مبني حكومي, او اشعال
النار في احد المخافر, او الفتك بجندي مندس بين ظهرانيهم ايام الثورة الاولي, حالوا
بينهم وبين مرادهم بدافع الانسانية والسلمية. وعلي الرغم من حسن هذا المسلك من قبل الثوار
اليساريين, الا انه يندرج تحت بند المثالية التي لن يفهمها العامة, فهم تحركهم غرائزهم
وشهواتهم كما اسلفنا.
وجملة القول ان الثوار
اليساريين (وهذا ينطبق ايضا علي الثوار القوميين), لم ينجحوا ابدا في التلاحم مع قاعدتهم
الشعبية المنطقية, لا قبل الثورة ولا بعدها. وانما تسببوا بالمصادفة
البحتة في احداثها عن طريق نقل و توفير الشعلة الاولي للغضب الجماهيري, فلما خبت تلكم
الجذوة فشلوا في اعادة اشعالها, لعجزهم عن تطوير
خطاب شعبوي ينفذ الي قلوب الناس, ويلهب مشاعرهم, ويستثيرهم لتاييد الثورة, انطلاقا
من الرغبة في تحقيق المكاسب المادية او الانتقام ممن
ظلمهم وغمط حقوقهم لعقود طويلة.
القوميون
تعتمد القوي القومية في
العالم كله علي الاسطورة والخيال الجمعي للشعوب, التي عادة ما تميل الي تعظيم الماضي
والحنين الي امجاده المفترضة المتخيلة. والمتابع
لصعود المد القومي الحديث منذ منتصف القرن التاسع عشر بداية من بسمارك ومازينى ومن عداهم حتي يومنا
هذا, يلاحظ ارتباطا قويا مع الملاحم الغنائية الاسطورية لفاجنر وفيردي وغيرهما من
الموسيقيين والشعراء الذين مجدوا الاساطير القومية. وطبعا مع تعظيم الصورة الذاتية للشعوب عن نفسها,
لابد وان يصاحب ذلك شيطنة لصورة الاخر, فتواكب مع المد القومي
الاوروبي مثلا المعاداة للسامية في المانيا وروسيا, ونسبة الفظائع الي اليهود في كتب
مختلقة مثل بروتوكولات حكماء صهيون, ونشأة التفسير
التآمري للتاريخ الذي يري ان اي جماعة او تنظيم اجتماعي (كالماسونية مثلا), هي مؤامرة
للقضاء علي الدولة القومية الناشئة, وبالرغم من خلو
الفكر القومي عموما من أي نظرية اقتصادية محددة مصاحبة, الا ان العداء للاخر وتمجيد
الذات وتأكيد وحدة الجماعة القومية, تناقض تماما دعاوي
اليسار القائلة بعكس ذلك. ولهذا راينا عبر التاريخ ان معظم القوميين طبقوا نظما اقتصادية
يمينية محافظة, ابتداء من النازيين
في المانيا والفاشيين في ايطاليا والامبراطوريين في اليابان, وانتهاءا بفرانكو وسالازار
وبينوشيه كل في بلده. وانفردت الحركة الصهيونية في اسرائيل والناصرية في مصر, بمحاولة
المزج بين الفكر القومي والاقتصاد اليساري ان صح هذا التعبير, الا ان الهزيمة
الساحقة للمشروع الناصري, وتحول المشهد السياسي الاسرائيلي نحو اليمين, اثبتا ان اليسار
والقومية لايمتزجان. وعلي الرغم من
سذاجة الفكر القومي لاي شعب وفشله في الصمود امام النظرة المتأنية او النقد العلمي,
الا ان بساطته ومخاطبته للعواطف وغرائز السيطرة
والكراهية والاستعلاء عند البسطاء من الناس ضمنا له الرواج بين الغالبية الساحقة من
الدهماء, الذين يشكلون النسيج الاساسي لاي شعب.
و بنظرة سريعة علي المشهد
المصري نري ان كلا من النظام القديم الجديد والمعارضة, قد سعوا لزيادة مساحة التاييد
الشعبي لديهما عن طريق الدعاية القومية الفارغة. فمن منا لم ينشأ
ويكبر علي مسلسلات الجاسوسية لعادل امام او محمود عبد العزيز, ولم يتمتع بمشاهدة (جسد)
و بطولات نادية الجندي امام الاسرائيليين؟
ومن منا لم يشعر بالفخر يملأ اوداجه, وهو يتابع
صولات مصطفي بكري العنترية وجولاته علي صفحات الاسبوع او تحت قبة البرلمان, وهو يندد بالتفريط
في الكرامة الوطنية, ويغار علي سمعة مصر ان يطالها سوء من جراء نشر الاعمال التي "تمجد"
المثلية الجنسي كعمارة يعقوبيان وغيرها؟ والمقصود ان الغناء
علي الوتر القومي كان وسيظل احد اقصر الطرق الي قلوب وعقول العامة, و لذلك لم يرض النظام
ان يترك حق استخدامه مقصورا علي معارضي القوميين, كهبكل وحمدي وعبد الحليم قنديل وحمدين
صباحي, وغيرهم بل جاء بمن يشبههم في الخطاب
واللهجة وان اختلفت المقاصد والغايات. فكيف استخدمت الدعاية القومية
اثناء وبعد ثورة يناير؟
بداية شاركت الفصائل المعارضة
من القوميين جنبا الي جنب مع اليساريين في الحركات الاحتجاجية الممتدة من 2005 حتي
الثورة. وكانت الدعاية
القومية التقليدية من الهجوم المتواصل علي الصلح مع اسرائيل والغرب, والدعوة لاعلاء
الكرامة الوطنية ابعد مدي من صيحات اليسار ودعواته الي العدالة
الاجتماعية او المساواة بين طوائف المجتمع, او في حالة الفوضويين انهاء الدولة ذاتها. واستخدم الثوار
ببراعة خلال ايام الثورة الثمانية عشر اغاني صلاح جاهين وعبد الحليم حافظ, التي ترجع
لعنفوان المد القومي الناصري, لتحميس الجماهير المحتشدة في ميادين التحرير
وطمأنة المسيحيين ان ذلك الامر (الثورة), يخصهم تماما كما يخص اخوانهم المسلمين. ولكن سرعان ماانتهي
هذا النجاح المبدئي في استخدام الدعاية القومية, وافضي الي فشل مستديم, وانتقال حق
استغلال تلك الدعاية لمعسكر النظام. فافراد القوات
المسلحة وكثير من الفلاحين المستفيدين من الاصلاح
الزراعي الناصري وكثير من موظفي الدولة هم
القاعدة المنطقية للدعوة القومية. وما حدث هو ان الثوار كان
من الممكن ان يكسبوا ارضا جديدة مع هؤلاء, لو لفتوا نظرهم لاستمرار اعضاء المجلس العسكري
في اتباع سياسات مبارك, من التبعية للغرب,
والخضوع لاسرائيل, والتفريط في الكرامة الوطنية. ولكننا وجدنا بدلا من ذلك اساطين الناصرية
يدبجون المقالات في التسبيح بحمد المجلس العسكري, والاشادة بوطنيته, ووقوفه سدا منيعا
امام اعداء الوطن. ولما قام بين ظهراني
الضباط من يلفت نظرهم الي تلك الخيانة, كال الثوار القوميون لهم السباب واتهموهم بالعمالة
للخارج, والعمل علي اسقاط جيش مصر القوي. بل
وكانوا حربا للمجلس علي الضباط المتمردين.
فلما سحق المجلس تمرد
ضباطه, انتقل من خندق الدفاع الي صف الهجوم, مستخدما ذات الدعاية القومية التي كان
يمكن ان تطعنه في مقتل. فبدأ صنائعه من الكتاب القوميين كمصطفي بكري
يزيدون من هجومهم علي المعارضين المصريين, الذين قضوا شطرا من حياتهم في الخارج, وبمكن
ان تحوم حولها شبهة العمالة. ولم يقتصر الامر علي "عمالة"
سعد الدين ابراهيم والبرادعي المفترضة لامريكا, بل امتدت لتشمل "عمالة" ابراهيم عيسي لقطر,
او غيره لايران. ولم ينسي النظام
البارع في استخدام الدعاية, ضحالة تفكير جل المصريين, وميلهم للنفور ممن يختلف عنهم
زيا او لهجة او خطابا, فاعتمد لونا جديدا من الدعاية الشعبوية, لايختلف كثيرا عما كان
يقوم به الاب كوفلين في امريكا في مطلع القرن
العشرين وان اختلفت الاسماء. فمن توفيق عكاشة الي عمرو
مصطفي ومن خيري شلبي الي احمد سبايدر, راينا طوفانا من الاتهامات الشعبوية للثوار بالعمالة,
وتلقي الدعم الخارجي, عدا الانتماء للمنظمات
الماسونية, وتنفيذ مخططات الصهيونية والامبريالية العالمية. والملاحظ هو ان
المجلس يخاطب الناس علي قدر عقولهم, فاحد المذكورين يخاطب المثقفين, والثاني يوجه كلامه
للفلاحين, والثالث للشباب, وهلما جرا. و هكذا فشل قوميو
الثوار في استثارة واستمالة قاعدتهم الشعبية, ونجح موالوا النظام منهم نجاحا منقطع
النظير, في توظيف ذات الدعاية في الذود عنه.
الاسلاميون
قال ول ديورانت يوما, "الدين
هو العامل الاعظم تاثيرا في تاريخ البشرية, وكلما زادت سذاجة الدين كلما زاد تأثيره" والتفسير بسيط:
السؤالان الوجوديان الذين حيرا الانسان عبر العصور هما عن المنشأ والصيرورة, أو من
اين اتينا والي اين نحن ذاهبون. والدين ببساطة لا يقدم اجابة واضحة عن هذين السؤالين
فحسب, بل يقدم في غالب الاحيان وصفة تفصيلية للطريقة التي ينبغي ان نعيش بها, ويعدنا الخلود
اذا اتبعنا هذه الطريقة قدر المستطاع. ولكي يحصل الناس علي هذه الطمانينة وذلك اليقين
والامل في البعث والحياة الابدية, تغاضي معظمهم عن التناقضات الواضحة في البنية الفكرية
للدين, بل ووافق الكثيرون
منهم ان يعيشوا حياة مقيدة بطقوس وممارسات, لا تتفق دوما مع المنطق, علي امل الفوز
بالنعيم المقيم في الاخرة. ووصل اخرون لدرجة سفك دماء اخوانهم من اصحاب الملل الاخري,
لظنهم ان ذلك يقربهم من آلهتهم زلفي. وبالرغم من قدم النقد الموجه
للفكر الديني التقليدي وتوغله في التاريخ لدرجة تجاوره بل اسبقيته علي الفكر الثيولوجي
ذاته, وبالرغم من تطور ذلك النقد في القرن التاسع عشر, ليتجاوز الاطروحات الفلسفية
التقليدية ألابستمولوجية والاونتولوجية وخلافهما, الي اكتشاف مسكوكات وحفائر تناقض
التاريخ المذكور في الكتب المقدسة وتلقي عليه بكثير من الشكوك, وعلي الرغم من
نسف نظرية النشوء والارتقاء -التي اصبحت اليوم حقيقة علمية مؤكدة في ظل المكتشفات الجديدة
في علم الاحياء الجزيئي- لاقوي الحجج الدينية
وهي الحجة الكونية او كما تسمي حجة التصميم الكوني, الا ان نتائج هذه الاكتشافات
العلمية ظلت حكرا علي دائرة ضيقة من العلماء والفلاسفة والمفكرين, بينما زادت نسبة
التدين بين عموم الناس. والتفسير بسبط
جدا, وهو كما اسلفنا حاجة الانسان الي اجوبة مطمئنة لاسئلته الوجودية الملحة, واستعداده
للتضحية بالمنطق في سبيل الحصول عليها.
كان من الضروري سرد هذه المقدمة السريعة للتمهيد
لاطروحتنا, ان اي مناد بنداء الدين سوف يجد اتباعا وانصارا واعوانا مهما بلغ سخف دعوته
وعدم استوائها علي ساقين, ولذلك نجحت الدعوات السياسية والاجتماعية التي تتخذ من الدين
رداءا عبر العصور في جذب الاتباع, والوصول الي مراكز الحكم والسيطرة. ويكفي ان نجيل
النظر لنلحظ المكانة السامقة والحضور القوي لبهاراتا جناتا الهندوسي في الهند, والاحزاب
المسيحية في اوروبا كلها, وعلم التوراة وشاس في اسرائيل, والحزب الحاكم البوذي في تايلاند, ولكن موضوعنا
الليلة عن مصر فدعنا ننظر اليها بشيء من التفصيل.
السلفيين في مصر (أو الوهابيين
في السعودية) بيمثلوا أحد الرؤي او القراءات الممكنة للاسلام و ترجع أصولهم لفقه الامام
أحمد أو مدرسة الحديث. المهم في الامر انه لو ترك الامر للتوازن الطبيعي بين الافكار,
لانتهي بيهم الحال لفكر اقلية. لان الاسس الفكرية لمنطقهم ضعيفة ولا تصمد للنقاش,ولكان
أصبح حالهم زي الآميش في أمريكا مثلا, طائفة منسحبة من المجتمع تعيش علي الهامش ولكن
في سلام. المشكلة ان بعض السياسين المعاصرين (زي آل سعود مثلا) شافوا مكسب سياسي من
اطلاق العنان لهذا الفكر ونشره بين الناس, لانه حيضمن انشغال العامة بالسفاسف, واطلاق
الحبل علي الغارب للحكام يعملوا في البلد اللي هما عايرينه. وبغض النظر عن سطحية الاستراتيجية
دى من قبل الحكام (لان النهاية المنطقية للفكر السلفي هوه الفكر الجهادي اللي ممكن
يقلب علي الحكام نفسهم اللي شجعوه زي ماشفنا في حالة القاعدة مثلا), فان الحكام في
السعودية أو في مصر استخدموا الفكر الوهابي أو السلفي بنجاح كبير في تخدير الناس (كل
الشعب السعودي تقريبا, وقطاع لا يستهان بيه من الشعب المصري), مما ضمن لهؤلاء الحكام
الاستمرار في سياستهم الفاسدة دون معارضة تذكر.
ألمشكلة الحالية ان جماهير
السلفيين (اللي همه باي ديفنيشن ذوي قدرات تحليلية متواضعة), عمرهم ما حيقتنعوا ان
قيادتهم التاريخية زي محمد حسان وغيره كانوا مخلب قط في أيد النظام, لان ده ببساطة
معناه فقدانهم لايمانهم واكتشافهم فجأة انهم ليسوا علي شيئ. حتي الفكر السلفي الجهادي
اللي بدء في مصر زمان من اتحاد تنظيم الجهاد بتاع عبد السلام فرج والجماعة الاسلامية
بتاعة كرم زهدي, أو في افغانستان من تلاميذ عبد الله عزام زي بن لادن وغيره, او في
الجزاير من دروكدال وبلمختار, او في ليبيا من الجماعة الاسلامية المقاتلة, كلهم اخترقتهم
الانظمة الحاكمة في بلادهم, او اجهزة المخابرات الدولية, واصبحوا بوعي او بدون وعي
بيعملوا لصالح الانظمة دي, حتي لو هما مش عارفين. و بذلك تم استخدام السلفيين
بنجاح منقطع النظير في تتفيه وتخدير عقل الملايين (في حالة السلفية العلمية) أو في
ارتكاب الفظائع والصاقها بالاسلام لاستخدامها بعد ذلك كذريعة لمهاجمة الاسلام ذاته
(في حالة السلفية الجهادية) كلما دعت الحاجة الي ذلك. عشان كده فقط مغفل او اعمي ممكن
يشك ولو لدقيقة واحدة ان قيادة الحركة السلفية او الجماعة الاسلامية في مصر هما العدو
الاول للثورة, أو العون الاول للنظام القديم الجديد في حربه علي الثوار. أما جماهير السلفيين واتباع الجماعة الاسلامية فهم
مغفلون مضللون, ولكن لايرجي منهم الخير للاسباب
السابق ذكرها في مقدمة هذا الجزء. و لو في يوم ظهر في السلفيين العلميين او
الجهاديين فصيل منحاز للخيارات الوطنية الثورية حيصفي فورا, زي العبد الاسود اللي
كان الرومان منزلينه يصارع سبارتاكوس واقتنع بيه وقرر ينضمله, فالرومان دبحوه علي
طول. أما السلفي الافريدج او عضو الجماعة الاسلامية
الافريدج فعنده استعداد يقتل او يحارب واحد مسيحي, او غير اسلامي التوجه,علي انه يبلع
فكرة ان حسان او عبد الماجد عملاء للنظام, او انه عاش حياته كلها في ضلال مبين. السلفيين
والجماعة الاسلامية (كقيادة و 90% من الاتباع) هم أعداء الثورة علي الحقيقة, ولا أمل
في تغيير ذلك. قضي الامر الذي فيه تستفتيان
الاخوان هما الطرف الاصعب
في المعادلة كلها, لانه مش ممكن ببساطة تصنيفهم انهم مع او ضد الثورة,كما انه صعب جدا
للقوة الثورية سواء كانت يسارية او قومية او ليبرالية, انها تحسم امرها بالنسبة لهم,
تحالفهم واللا تحاربهم. وعشان كده انا عايز القارئ الكريم يصم اذانه ولو مؤقتا عن كلام
الكتاتني والعريان والشاطر والبلتاجي, ويرجع للاصول, لحسن البنا وسيد قطب.بالرغم من
التفاوت الهائل في الشخصية بين الاتنين دول, الا ان فيه حاجة واحدة مشتركة بينهم, زي
ماهيه موجودة بين غالبية العظماء عبر التاريخ: الاتنين من خارج المؤسسة اللي قضوا الشطر
الاعظم من حياتهم يشتغلوا فيها, المؤسسة الدينية. بالضبط زي ما ابرع القادة العسكريين
ماتخرجوش من كليات اركان الحرب, واكثر الموسيقيين موهبة مادخلوش الكونسرفتوار, واعظم
الفلاسفة مماعهمش ليسانس آداب, الاتنين خريجي دار علوم مش أزهر. الحكاية دي مهمة جدا,
لان التاريخ اثبت مرة بعد مرة ان التجديد والتطوير محتاج نظرة من خارج السيستم. محتاج
واحد مش منتمي للنظام او البلد او العقيدة او التخصص, ييجي بفرش نيو لوك علي الاوضاع,
عشان يقدر يحط ايده علي موضع الخلل ويلاقي حل جديد. بدون دخول في تفاصيل الاتنين كانوا
من اكثر المصريين موهبة في القرن العشرين, بالرغم من خلافي الشخصي مع مضمون دعوتهم
الا اني لا املك الا الانحناء اعجابا بشخصية البنا القيادية الساحرة, وقدرته علي بناء
المؤسسات,والاعتراف باستاذية قطب ذو التحليل الجبار مع الاسلوب السهل الممتنع في الكتابة,
اللي يخليك تقتنع تماما بالمضمون, طالما انت بتدور داخل دائرة الاسلام وبتبتدي دايما
من المربع رقم 1 لا اله الا الله محمد رسول
الله. فيه كاتب فرنساوي مشهور اسمه جيل كابل كتبله كتابين تلاتة عن الاصولية الاسلامية,
بيصف في احدهم اسلوب قطب "بالرهيب ذوالحلقة المفرغة" من حيث انه "لا
يترك للقارئ فكاكا من التسليم بافكاره طالما ظل يدور في داخل حوزة الاسلام".
الجديد في دعوة الاخوان
واللي بيخليها حركة وطنية بامتياز -بالمخالفة للسلفية بفرعيها والتبليغ وغيرهما من
الحركات الانسحابية- انها تعمل علي اقامة مشروع نهضوي استقلالي لكل الشعوب المنضوية
تحت لواء الاسلام. حتي لو توقفنا عند هذا الحد فقط لخلصنا انها حركة وطنية بامتياز.
فهي لا تحاول فقط تحسين سلوك الانسان علي المستوي الفردي, او اقامة الحدود, او تطبيق
الشريعة, وانما احياء مفهوم الامة الاسلامية من جديد, وايجاد مكان لها تحت الشمس. وبخلاف هذا الخط
العريض او الهدف الاسمي تختلف الوسائل و الوسائط حسب الظروف وحسب المتاح في كل
عصر. فلا بأس من استخدام العنف ضد النقراشي او الخازندار
او عبد الناصر (اذا صدقنا حديث المنشية), فاذا اشتد النكير وعلا
فرعون في الارض واتخذ اهلها شيعا, لزم الكمون
والدخول تحت الارض, والسفر للسعودية الخليج لجمع المال واعادة التنظيم. فان اخرجنا السادات
من السجون لمواجهة فلول الناصريين, قبلنا المهمة وقمنا بها خير قيام, ما دمنا قد قبضنا
الثمن ممثلا في الخروج من السجون, والسماح باعادة اصدار الدعوة
والاعتصام, وتكوين ضمير جيل جديد سيسيطر بعد قليل علي الاتحادات الطلابية والنقابات
المهنية ويشكل العمود الفقري للطبقة المتوسطة في العقود التالية, فان صالح السادات اليهود والغرب, واتي بسياسات
تناقض صريح الاسلام, حفظنا له سابق فضله فعارضناه علي استحياء وابقينا معه شعرة معاوية, ليقيننا ان الجيل
الذي نربيه سيتسلم القيادة يوما, وعندها تسقط مصر في ايدينا كالثمرة الناضجة. ولم العجلة؟ ألم يفعل الرسول ذلك يوم الحديبية؟ سم ذلك جبنا سمه
حصافة سياسية سمه سياسة النفس الطويل, المهم ان الاخوان دائما جاهزون للاستفادة مما
تجود به الايام, فاذا قتل اولاد
عمومتنا المتسرعين السادات, سارعنا لحصد النتائج من شهر عسل مع نظام خليفته, من مقاعد
في البرلمان, وعودة لاطلاق اليد في الاتحادات الطلابية والبنوك الاسلامية والنقابات
المهنية. فان شدد علينا الفرعون الجديد النكير, واعتقل قادتنا وزور الانتخابات في
2010, انحنينا للعاصفة حتي يقضي الله امرا كان مفعولا. فان دعا العلمانيون لثورة يوم الخامس
والعشرين من يناير, دعونا ربنا ان يهلك بعض الظالمين ببعض, فان جرت الثورة
بريح طيبة سارعنا في الثوار خشية ان يقال قعدوا مع الخوالف و رغبة في المغانم. فان دارت الدائرة
علي الظالمين يوم الثامن والعشرين, عجلنا بهم الي جهنم فاحرق شبابنا الاقسام ومقرات
الحزب الوطني (ان صدقنا رواية منصورالعيسوي), فان رفعت فلول النظام الراية
البيضاء وطلبوا الامان, بذلناه لهم وامناهم
علي انفسهم واموالهم مقابل التمكين في الارض. فان تنكب المجلس العسكري الدرب, وبدل وغير من
بعد ذلك قلنا سحقا سحقاو وهددنا بالنزول الي الشوارع من جديد.
أرجو ان تكون الفكرة قد
اتضحت للقارئ. فالاخوان وطنيون مخلصون من حيث انهم يعملون علي
اقامة دولة مستقلة قوية, وهو امر تتفق عليه كل القوي الوطنية الاخري (باستثناء الفوضويين
من امثالي), ولكنهم غير ثوريين
بالمرة, بل ومستعدون لبيع الثوار الحقيقيين من اجل بعض المكاسب الرخيصة, والتاريخ خير
شاهد. فلو كانوا ثوريين
لآزروا اليساريين والقوميين في يناير 77 وتخلصوا من السادات. ولو كانوا ثوريين لآزروا الجهاديين في اكتوبر
81 وقضوا علي دولة مبارك قبل ان تبدأ. ولو كانوا ثوريين لمضوا
مع ثوار يناير حتي اسقاط نظام مبارك بالكامل, ولم يتركوهم يذبحوا من الوريد الي الوريد
في محمد محمود وغيره. والي ذلك فهم لا
يتعلمون من أخطائهم, فهم يتصورون ان المهادنة والمساومة افضل من المبادئة. وانهم بتقديمهم
انفسهم كبديل تفاوضي, سينجحون حيث فشل الثوار. وغاب عن ذكائهم ان عدوهم
نمر كاسرلا يرضي باي تفريط. وان كان قد تظاهر بالتقهقر امامهم, فانما فعل ذلك ليميل
عليهم ميلة واحدة لا تقوم لهم من
بعدها قائمة ابدا. ومن المؤسف ان
الاخوان هم اكثر القوي الوطنية تنظيما, واحسنهم استغلالا للموارد, بما في ذلك الشبكة
الاعلامية والمالية الضخمة التي بنوها مؤخرا. وان المرء ليحزن عندما
يجد هكذا جماعة تنفصل عن باقي القوي الوطنية, وتعمل من اجل مكاسب عاجلة وقتية.
الخلاصة
وختاما فكان هذا استعراضا
سريعا للقوي المختلفة علي المسرح السياسي المصري, وقفنا فيه علي الدوافع الحقيقية لكل
منها. والمحصلة النهائية
لا تشي بخير فما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا, كما قال امير الشعراء. ولكن معظم القوي
الوطنية موزع بين مطالبة المجلس بتسليم السلطة وهو مالن يكون ابدا, وان تم فسيكون بشكل
صوري لا قيمة له. فمتي سمعنا عن ملك انخلع من ملكه لرعيته او غني
تنارل عن ماله لاتباعه, الا ان يكون قديسا او يكون من المجانين. والبعض الآخر ممن
اخذته الحمية ظن ان مجرد الوقوف بباب المجلس او التحرير كفيل باحراج المجلس ودفعه للتنحي, وهو في ظنه هذا
كالذبابة التي تأتي الي نور النيلوفر تطلب الرحيق, فينقبض عليها فترتبك وتموت. والرأي عندي ان تجتمع القوي الوطنية اولا فيتدبروا
امرهم, ولياخذوا ما شاءوا ان ياخذوه من وقت, فالامر خطير والخطب جليل. ثم يتفكروا هل
هناك سبيل لخروج المجلس دون جهاد؟ فان اجمعوا
امرهم -ومااخالهم الا مجمعين ان ذلك لا يكون الابالمنابذة- آذنوه بالحرب ثم قطعوا كل تفاوض
او مطالبة, وقاطعوا كل استحقاقات رئاسية او برلمانية, وجعلوا جل جهدهم حشد جماهيرهم كل في مجاله, وليقولوا كما قال الذين يظنون انهم ملاقوا الله
من أصحاب طالوت "كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله والله مع الصابرين" ولتعلمن نبأه بعد
حين.