Sunday, January 26, 2020

لماذا تفشل كل محاولات الثورة في مصر؟


ككثير من المصريين في الخارج تابعت باحباط متزايد أحداث يوم وليلة الخامس والعشرين من يناير هذا العام عبر تويتر. وللتذكير فالجديد هذه السنة كان دخول المقاول محمد علي علي الخط بفيديوهاته التثويرية و نداءاته المتكررة للشعب بالنزول للتظاهر في اوقات مختلفة و بوسائل تراعي سلامة معظم المشاركين لعلمه أن قطاعا كبيرا من الساخطين ربما لم يصل بهم السخط لدرجة التضحية بحرياتهم او حيواتهم من أجل انجاح الثورة, فلزم اعطائهم خيارات متعددة للمشاركة لاتتضمن الاصطدام المباشر مع قوي الأمن, التي أثبتت وحشية منقطعة النظير في مقاومتها الفاشلة لثورة يناير 2011 ثم في قمعها الناجح لاحتجاجات الاسلاميين عقب الاطاحة بمرسي في النصف الثاني من 2013 وبالرغم من أسلوب محمد علي المسرف في التبسيط (لدرجة الاخلال بالمفاهيم احيانا و الاسفاف غالبا) – بهدف الوصول الي تفاعل واعجاب قطاعات لايستهان بها من قطاعات الجماهير غيرالمؤدلجة – الا ان الاخيرة ابدت سلبية كبيرة في الاستجابة لدعواته المتكررة بالتظاهر مما حدا به لاغلاق صفحاته علي وسائل التواصل الاجتماعي و اعتزال الحياة السياسية.

الأنظمة واستراتيجيات البقاء

وقبل أن نتطرق لما يمكن للثوار القيام به لانجاح ثورتهم يلزم أن نتوقف قليلا عند أحدي النظريات الرياضية التي لاقت قبولا واسعا بين اوساط المفكرين الاجتماعيين و السياسيين و علماء التطور و النفس و السلوك لأنها تصلح لتفسير كثير من المشاهدات التجريبية في كل تلك المجالات.  والنظرية تعرف بالعربية "بالاستراتيجية المستقرة تطوريا" ويقصد بها كل منهج (او مجموعة من المناهج) التي يمكن لفرد (او مجموعة) القيام بها لضمان النجاح و الاستمرار في الوجود علي نحو يستحيل معه لأي منهج (أو مناهج) منافسة أن تفشله أو تزيله من الساحة.  وكتعريف, فان نجاح واستمرار اي منظومة, سواء كانت حزبا سياسيا ناجحا او حركة ارهابية مستمرة, او مؤسسة تجارية مزدهرة, أو نظام حكم مستقر – بغض النظر عن مدي رضانا او سخطنا علي المبادئ القائم عليها أي من تلك المنظومات – هو شهادة ودليل علي اتباع كل منها لاستراتيجية مستقرة تطوريا.  دعونا نستعرض بعض الأمثلة لانظمة حاكمة معاصرة لنري مدي نجاحها أو فشلها في تحقيق استقرار استراتيجيتها للبقاء, قبل أن ننتقل الي تطبيق هذا المفهوم علي الحالة الراهنة في مصر.

ديمقراطية زائفة + حد أدني من الحياة الكريمة = استراتيجية ناجحة للبقاء في الغرب

الدول الغربية المعاصرة علي سبيل المثال تعتمد أنظمة رأسمالية ديمفراطية تضمن لها البقاء و الازدهار, لأنها تعتمد الجشع كحافز أساسي للانتاج الرأسمالي و الاستهلاكية كحافز لترويج و تسويق هذه المنتجات مما يضمن رواج البضائع و استمرار الطلب عليها.  و بالرغم من مظهرية الصفة التداولية الانتخابية لانظمة الحكم في تلك الدول تداولية, من حيث ا، الاغنياء والاقوياء (او مندوبيهم  من عموم الشعب) هم فقط من تسمح ماكينة الاقتراع بانتخابهم لقيادة الحكم وسن القوانين باساليب غاية في الخفاء و التلطف مما يغيب عن ادراك المواطنين العاديين, الا ان مشاركة الجماهير في الاختيار (و لو بشكل زائف ظاهري) يعطي احساسا مريحا للجماهير بتحكمهم في مصائرهم. وتأتي قوانين العمل التي تضمن حدودا دنيا للأجور وحقوقا للعمال لتحول دون تكوين وعي ثوري للجماهير المطحونة و المخدرة في وقت واحد, فتستمر تلك الأنظمة وتنموا دون خطر حقيقي بسقوطها او ثورة الجماهير ضدها.

استراتيجية الصين الناجحة: رأسمالية لاليبرالية أم اشتراكية معدلة؟

الانظمة التي ادعت تطبيق الشيوعية في الاتحاد السوفيتي السابق و دول الكتلة الشرقية ارتكبت أخطاءا في تطبيق نظريات ماركس و انجلز أدت لزوالها المبكر من الخارطة. فهي لم تنه سيطرة الرأسماليين علي وسائل الانتاج لمصلحة الشعب كما تقضي النظرية, وانما فعلت ذلك لمصلحة النظام الهيكلي البيروقراطي للدولة, والذي تحول كبار مسؤليه الي متنفعين مختلسين لأموال الشعب, غير عابئين بتدهور الانتاجية للقطاعات الاقتصادية المختلفة, التي فت غياب عامل التنافس في عضدها, فتدهور الناتج القومي والمستوي الحياتي لمعظم المواطنين, خلا القلة المنتفعة من كبار أعضاء الحزب الشيوعي. ومن ثم لم يحتج الأمر لكثير جهد من قبل الأنظمة الغربية المنافسة لتثوير شعوب الكتلة الشرقية واسقاط أنظمتهم غير المستقرة تطوريا. الصين, علي نحو معاكس, طورت ما كان في البداية تطبيقا مغايرا بعض الشيئ للنظرية الماركسية الي نظام هجين, يضمن عنصر التنافس الرأسمالي للأنظمة الغربية, لكن تحت سيطرة الدولة القمعية بشكل مباشر للتأكد من أن جشع التجار لن يخل بمفهوم العدالة الاجتماعية او بسلطة الحزب الشيوعي علي ادارة الدولة.  وطبعا يخلو هذا التطبيق من أي لمحة ديمقراطية أو تعددية, مما حدا بالبعض لاطلاق مصطلح "الرأسمالية اللاليبرالية" عليه.  وطبعا من المبكر الحكم علي مدي نجاح هذه الاستراتيجية التطورية للصين, لكن حتي الآن, بالنظر الي التفوق الاقتصادي الهائل للصين, وارتفاع مستوي معيشة معظم المواطنين هناك, وعجز الدول الغربية المنافسة عن بث القلاقل و اثارة الثورات بشكل مؤثر ضد الحزب الشيوعي الحاكم, فهي تبدو كاستراتيجية ناجحة قابلة للبقاء.

لولا التدخل العسكري الخارجي الرهيب لنجحت استراتيجية البقاء للدولة الاسلامية

كنت أحد المحظوظين الذين أطلعوا علي تقارير سرية عن كيفية ادارة الدولة الاسلامية لمدينة الرقة أوائل عام 2014.  وكانت تلك التقارير تسخر من الطريقة الساذجة لتحصيل رسوم الكهرباء من المواطنين وادارة شؤون المجلس البلدي بها, وذيلت بتوقع الجميع لفشل وانتهاء الدولة الاسلامية بشكل سريع, أولا لفشلها في ادارة مدينة بحجم الرقة, وثانيا لأن نهجها المحافظ يوغر صدر الاقليات غير السنية, اضافة لكثير من السنة غير المحافظين في الوقت ذاته.  كان كل ذلك قبل سقوط الموصل في منتصف نفس العام, والذي أتبعة تمدد كبير للدولة الاسلامية و اتساع رقعتها لتشمل اجزاء كبيرة من سوريا والعراق, مما كان مفترضا أن يعجل بانكشاف استرتيجيتها "الفاشلة" في الادارة لو صدقنا تقارير الرقة المشار اليها آنفا.  ولكن علي العكس تماما, نجحت الدولة في توفير الغذاء و التعليم و الصحة لما يقرب من 7 ملايين مواطن انضووا تحت لواءها في اوج توسعها.  بل ووصل الأمر أنها شرعت في سك عملة مستقلة (الدينار الذهبي) وأوجدت نظاما لاستخراج النفط و تسويقه أتي بعائدات كبيرة, استخدم جزء يسير منها في صناعة وتطوير الأسلحة ذاتيا للتقليل من كلفة شراء الاسلحة من الخارج, بينما خصصت ميزانيات كبيرة للتعليم و الصحة و الكفالة الاجتماعية بأشكال مجانية أو شبه مجانية "للرعية" بشكل ضمن استقرارنموذج الحكم و انعدام محاولات التمرد عليه (علي الاقل بين العرب السنة الذين شكلوا غالبية الرعايا, وحدا بكثير منهم الي الانضمام الي صفوف مقاتليها طوعا لاكرها, او علي الأقل المساهمة في الانتاج الاقتصادي و الاجتماعي من خلال منظومتها), مما أذهل كثيرا من المحللين الغربيين ودفعهم لشن حرب لتدمير اقتصاد الدولة الناشئة و شل حركة حياتها,  حتي قبل أن تشن حرب التدمير الشامل التي قضت علي سيطرتها فيما بعد علي المدن.  و ماأردت قوله هنا هو أن نموذج ادارة الدولة الاسلامية لم يكن ليتهاوي من تلقاء نفسه أو حتي بفعل الحرب الاقتصادية الخارجية, وانما لزم الأمر أن يزال بقوة عسكرية جبارة لم يعرفها التاريخ حتي ذلك الوقت.  دون أخذ هذا التدخل العسكري الخارجي في الحسبان تعتبر استراتيجية بقاء الدولة الاسلامية استراتيجية مستقرة تطوريا.  أما اذا اضفنا التدخل العسكري غير المتكافئ كجزء من استراتيجية الطرف الآخر في ازالتها, فعندئذ تختل استراتيجية الدولة الاسلامية للبقاء, حتي اشعار آخرعلي الأقل يتحقق به التكافؤ العسكري مع خصومها, وعندها أعتقد أن الأمر لن يستغرق الكثير من الوقت حتي نري الدولة قد عادت للظهور والبقاء هذه المرة.

لماذا نجحت الأنظمة القمعية في العالم العربي في البقاء حتي الآن؟

النظام الحاكم في مصر, شأنه شأن معظم الأنظمة السلطوية في العالم الثالث, قائم علي تبادل المصلحة بين ثلاثة قوي اساسية منتفعة من استمراره و مدافعة عن وجوده: القوات المسلحة و الرأسماليين و البيروقراطية الحاكمة.  و نظرا لضعف التقاليد الديمقراطية (حتي وان سلمنا بزيف معظمها في المجتمعات الغربية) فان الشعب المصري (و كثير من شعوب العالم الثالث) لا يمانع في ان يكون النظام الحاكم له شموليا دكتاتوريا سلطويا, طالما وفر له الحد الأدني من لقمة العيش.  بهذا المفهوم, فشلت محاولات نشر الربيع العربي للدول العربية الغنية كالكويت و البحرين و ليبيا, لأن الشعوب في تلك الدول لم يصل بها العوز المادي لمرحلة الجوع, في الوقت الذي لم يبال معظم الناس بغياب التعددية او حرية الرأي, ففشلت الثورة الوليدة تماما في الكويت, واحتاج الامر لحقن مصل الطائفية في ثورة البحرين لضمان استمرار اشتعال جذوتها (ومع ذلك فشلت بالنهاية), و احتاج الأمر لجلب قوات و ميليشيات اجنبية من الخارج مدعومة بقصف فرنسي و تدخل الناتو "لانجاح" الثورة في ليبيا.  أما في الدول الفقيرة كتونس و مصر و اليمن, فتوفر عنصر العوز و الفقر المدقع, وبالتالي انضمت الجماهير (ولو بعد كثير من التردد) للكتلة الثورية الصلبة.  و نظرا لانعدام اي سابقة او تجربة للأنظمة الحاكمة بالتظاهرات المليونية التي كانت تنمو يوما بعد يوم في تلك الدول, لم تستمر تلك الأنظمة في استخدام العنف طويلا مع المحتجين, وانتهي بها الأمر الي أن تخلت عن السلطة بشكل مؤقت, علي أمل ان تتمكن قوي النظام البائد من اختراق الثوار و العودة مرة أخري الي الحكم بعد قليل (كحزب المؤتمر في اليمن وحزب نداء تونس في تونس) أو كأضلاع ثلاثة لمثلث ثورة مضادة تطيح بحكومة الثورة كما حصل في مصر(راجع المقال الذي يحمل هذا العنوان في بداية هذه المدونة). أما في سوريا (وفي ليبيا قبل تدخل الناتو) فقد فطنت الأنظمة الحاكمة لأمرين أساسيين غفلت عنه نظيراتها في مصر وتونس واليمن: الأول هو هشاشة الكتلة الضخمة للجماهير التي انضمت لاحقا للثورة و سهولة ترويعها وتسميم أفكارها بهدف فض التفافها حول الكتلة الثورية الصلبة من ناحية, والتفوق الهائل الذي منحته التكنولوجيا للجهاز القمعي في تلك الأجهزة, سواء من حيث التسليح او الاختراق الالكتروني لوسائل التواصل الاجتماعي, أو التطور في وسائل التعذيب والارهاب للمعتقلين.  فطنت الانظمة الحاكمة في سوريا وليبيا لذلك فلم تسلم الحكم للثوار كنظيراتها في مصر وتونس واليمن, بل استمرت بنجاح في قمع الثورة, حتي تطلب الأمر تدخل ميليشيات (وجيوش) اجنبية أطاحت بالنظام في ليبيا دون الاتيان ببديل مستقر, و فشلت حتي الآن في تحقيق تقدم مستديم نحو الاطاحة بالنظام الحاكم في سوريا.  أما في مصر – وبعد نجاح الثورة المضادة في اعادة انتاج النظام الحاكم في 2013 – فقد استوعب هذا النظام درس 2011, فلم يتوان في استخدام أقسي وسائل القمع و التعذيب من ناحية مع الكتلة الثورية الصلبة, وغسيل المخ و الارهاب و الترويع من ناحية أخري مع كتلة الجماهير الهشة, فقضي علي العمود الفقري للأولي (وهو الاسلاميون) وشتت الثانية تماما بحيث لم تعد تجدي صيحات الثورة و نداءات التظاهر التي يطلقها النشطاء و الاعلاميون المصريون في الخارج في حشد الجماهير, أو حتي حثها علي القيام بعصيان مدني بسيط ضد النظام.  من أجل ذلك ينبغي علي المتابع المنصف للأحداث أن يشهد بثبات ونجاح و استقرار استراتيجية البقاء التطورية للنظام الحاكم في مصر, حتي الآن علي الأقل.

نحو اعادة تكوين الكتلة الصلبة في مصر

اذ سلمنا بصدق التقارير الأولية عن حال من استجاب لدعوات محمد علي بالنزول الي الشوارع للتظاهر ليلة أمس لأدركنا مدي دقة التصنيف المشار اليه أعلاه للمتظاهرين من حيث انقسامهم الي كتلة ثورية صلبة (صغيرة الحجم) و كتلة جماهيرية هشة (ضخمة الحجم), فمعظم من استجاب لدعوات التظاهر غير المؤدلجة من محمد علي لا ينتمون بحال للقسم الأول, الذي يقبع معظم أفراده الآن في القبور او السجون من ناحية, ولايتعاطف من بقي منهم خارج السجن مع دعوات لاتتفق مع قناعاته الايديولوجية, دينية كانت ام فكرية أم قومية من ناحية أخري. معظم المستجيبيين اذن كانوا من عموم الجماهير المحبطة, التي دفعها شظف العيش و سوء الاحوال للنزول للشوارع.  ولكن نظرا لانعدام الحماسة اللازمة للتضحية بالنفس و تقدم الصفوف جبن معظم المشاركين عن قيادة المتظاهرين او البدء بالهتاف أو حتي الانضمام للقلة المتجمعين هنا او هناك.  ولعل في هذا مايكفي للتكهن بفشل مثل هذه الدعوات مستقبلا, لأن من يجبن عن مجرد الهتاف اوالانضمام لمجموعة من المتظاهرين سيفر عند أول قنبلة غاز مسيل للدموع او ضربة هراوة من أحد جنود الأمن المركزي.  لاغني اذن عن اعادة تكوين الكتلة الثورية الصلبة التي تقود الجماهير و تعمل كنواة يلتفون حولها و يستلهمون منها الحماسة و الشجاعة في مواجهة قمع النظام الحاكم, فهل يحدث ذلك فعلا الآن علي الأرض؟  هناك دعوات ممن يسمي نفسه "الجوكر" لتكوين مجموعات من الشباب العازمين علي "تخشين" السلمية الغالبة علي التظاهرات المصرية حتي الآن.  و بالرغم من أننا لم نر حتي الآن اي تطبيق واقعي لهذه "الخشونة" مع قوات الأمن, نظرا لأن الجوكر يدعي أن هدف هؤلاء "السباع" كان حماية وتأمين التظاهرات التي دعي اليها محمد علي و التي لم تلتئم اصلا, الا ان المبدء في حد ذاته مشجع, لأنه من الممكن أن يتحول هؤلاء الشباب الي مجموعات قيادية يلتف حولها المتظاهرون فيما بعد.  الأمر كله اذن يعتمد علي مدي حماس و ايمان هؤلاء الشباب بعدالة قضيتهم واستعدادهم للتضحية من أجلها, اضافة لمدي قدرة "الجوكر" علي وضع الخطط السليمة التي تضمن نمو مجموعته عدديا باضطراد مع أقل قدر ممكن من الخسائر و بأفضل تكتيكات ممكنة للكر والفر.  فهل سنشهد ظهور كتلة صلبة جديدة تقود حراك التظاهرات في مصر و تتبع استراتيجية ناجحة للتطور والنمو نحو ثورة شعبية حقيقية تنضم لها الجماهير لاحقا؟  هذا ماستكشف عنه الأيام في الفترة القادمة, فلننتظر ونري.