Sunday, June 3, 2012

القشة والزلزال وظهر البعير


أي حد متابع حساب تويتر بتاعي واللي عمال أنقل تدويناته المرقمة هنا, حيلاحظ اني كنت دايما باتكلم عن تصوري لطبيعة الثورات, وانها بتتشابه مع التقلبات الغير متوقعة في البورصة, ومع الاحداث التاريخية الكبري, في انها بتتبع نفس قوانين الزلازل. الهزات الارضية بتحصل لما التواءات القشرة الارضية بتوصل لدرجة عالية من انعدام الاستقرار, بحيث انه أي عامل توتر اضافي بسيط, مهما بلغت تفاهته, ممكن يتسبب في زلزال مدمر, يطلع كل طاقة الوضع المكبوتة عبر السنين. وده مشاهد في الاحداث الكبري زي الحرب العالمية الاولي مثلا, اللي درسولنا في التاريخ واحنا عيال انها قامت عشان واحد صربي مجنون, اغتال ولي عهد النمسا في حواري ساراييفو فحصلت. الكلام ده ممكن يكون صح من ناحية ان الاغتيال كان هوه الحدث المباشر, المشابه لعامل التوتر الاضافي البسيط اللي بيرسب الزلزال, لكنه غلط اذا كان المقصود ان هو ده كل ما في الامر اللي خلا الحرب تقوم. الحرب قامت عشان التوتر الاقليمي بسبب طموحات كايزر المانيا, ووقوف فرنسا وبريطانيا (اللي كانوا حلفاء لصربيا) ضد الطموحات دي  فلما النمسا (اللي هيا حليفة المانيا) دخلت في خلاف مع صربيا, جت حادثة الاغتيال زي القشة اللي قصمت ظهر البعير, وقامت الحرب.

نفس الشيئ حصل في خمسة وعشرين يناير. كل المظالم الاجتماعية والقهر والفقر والفساد اللي مبارك عيش فيهم الناس لتلاتين سنة, وصلت الناس لدرجة ان بقت روحها في مناخيرها وبقوا مستنيين تكة وينفجروا في وش النظام. فجت القشة اللي قصمت ظهر البعير متمثلة في بو عزيزي, والثورة التونسية اللي ألهمت المصريين (اللي هما بطبيعتهم غيورين جدا وحاسين نفسهم أنضف مافي المنطقة وحضارة 7000 سنة والكلام ده). فطلع الشباب في مسيرات قدرت تعدي الكتلة الحرجة في العدد وتصمد قدام الشرطة 3 ايام. فلما ابتدت الشرطة تتحرك لسحق الطليعة دي, اتحركت الاغلبية الصامتة المكبوتة المقهورة المضروبة علي قفاها من تلاتين سنة. اتحركت بالضبط زي الزلزال اللي مفيش حاجة بتقف في طريقه. وخدت في سكتها الشرطة وامن الدولة والامن المركزي. وكان المفروض تكمل لغاية ماتكنس في طريقها قيادات الجيش الفاسدة, اللي هيا درع مبارك وعصايته اللي بيقهر بيها الشعب, لولاكشي المخذلين عن قصد, والمغفلين من دون قصد, اللي هدوا الزلزال, وادوا للنظام الفرصة الذهبية لاعادة ترميم ماتصدع من بناءه.

وطول السنة ونص اللي فاتوا, سمعنا عن جمعة المش عارف ايه, او اعتصام الايه, اللي كان المفروض تنهي وتخلص وترجع الحق لاصحابه. وعلي قدر ما كنت بادعي من كل قلبي ان ربنا ياخد بايد الثوار وهما معتصمين قدام مجلس الوزرا, او بيرموا طوب في محمد محمود, او واقفين في العباسية, الا اني ما كنتش متفائل. ما كنتش متفائل لأني كنت حاسس ان دي كلها امور مترتبة ومش عفوية وبالتالي عمرها ماحترقي الي مستوي اثارة رد الفعل العفوي المطلوب من جماهير الاغلبية الصامتة, عشان الهزة الارضية تبتدي من جديد. لكن امبارح كان مختلف. الناس خرجت بشكل تلقائي مافيهوش ترتيب, يذكر باللي حصل في أوائل ايام الثورة. صحيح ان المطالبة باسقاط المجلس العسكري وتكوين مجلس رئاسي مدني مالهاش علاقة مباشرة بأحكام قضية مبارك, لان الطرف التاني حيقولك ده تدخل في أحكام القضاء, والمجلس نفذ ماوعد وعمل انتخابات مجلس الشعب والجولة الاولي من انتخابات رئاسة الجمهورية وحيسلم السلطة علي اخر الشهر, لكن اللي بيقول كده بيستهبل. بيستهبل لأنه عارف كويس ان المجلس سلب كل صلاحيات البرلمان, حتي حق تكوين حكومة تمثل الاغلبية او اسقاط الحكومة اللي مابتتمتعش بيها. وزور انتخابات الجولة الاولي بالوسائل الناعمة المشار اليها في مقال سابق, بحيث انه خلي مرشحه المباشر يبقي قاب قوسين أو ادني من الوصول للرئاسة. وبالتالي المجلس مسؤول بشكل مباشر عن كل الخراب اللي البلد فيه ولازم يمشي امبارح مش بكرة. بمعني اصح آه احنا بنستهبل, وآه احنا واخدينها حلوانة في سلوانة, واه اللي حصل مالوش علاقة مباشرة بالخصومة مع المجلس, بس طالما الحدث ده بيمدنا بقوة الدفع اللازمة لاعادة الزلزال مرة اخري يبقي يا أهلا بيه.

المجلس–زي ماقلنا ستين مرة قبل كده-بيشتغل لحسابه الخاص, وحساب رجال اعمال نظام مبارك وجهاز الدولة العميقة اللي بناها طول تلاتين سنة وده كل ما في الامر. هما دول اللي مستعدين يقتلوا ويتقتلوا عشان النظام ما يسقطش. هما دول اللي دبحوا الالتراس في بورسعيد, وصفوا السلفيين في العباسية. هما دول اللي دشدشوا راس خالد سعيد و وموتوا مينا دانيال. هما دول اللي انتهكوا اعراض الناشطات, وكبوا البنزين في الصحرا عشان يعملوا أزمة. هما دول اللي مش حيتورعوا انهم يتصرفوا زي شبيحة سوريا ويعملوا مذابح جماعية اذا لزم الامر عشان مملكتهم علي الارض ما تسقطش. بس لحسن الحظ مش حيقدروا. لانه لا احنا عندنا انقسام طائفي زي لبنان والعراق, والا قبائل زي اليمن, والا حتي عرب وبربر زي الجزاير. لحسن الحظ احنا مجتمع متجانس جدا, وحتي المسلمين والمسيحيين عندنا دمهم ساح مع بعض في ثورة يناير واثبتوا ان مفيش مكان للشيطان بينهم. لو الجيش حاول يأمر قواته بضرب المدنيين حيحصل تمرد والقادة هما اللي حينضربوا بالرصاص. لو الحزب الوطني وامن الدولة طلعوا البلطجية بتوعهم في وسط تجمعات حاشدة حيتعلقوا. ولو مشايخ وقساوسة السوء حاولوا يثبطوا من همة جماهيرهم حيتقلبوا عليهم بعد ماشافوا حقيقتهم وعرفوا مكنون نفوسهم الوسخة طول السنة ونص اللي فاتوا.

باختصار المجلس باستثناء بلطجية وحزب وطني وامن مبارك- لوحده تماما, ومالوش أي غطاء خارجي. الغرب طبعا له مصالح في مصر. الغرب طبعا مش عايز حرب جديدة بين مصر واسرائيل. الغرب طبعا مش عايز البلد تبقي حليفة لايران. الغرب طبعا مش عايز البلد تتقفل قدام استثماراته الاجنبية وطبعا مش عايز النظام في مصر يقلب علي اقتصاد موجه. لكن مين اللي قال ان المجلس العسكري او شفيق هما الضامن الوحيد لده؟ لو جه البرادعي او ايمن نور او ابو الفتوح او حتي حمدين كل او معظم الحاجات دي حتستمر, علي الاقل في المستقبل المنظور. حتي في ظل حكومة اخوانية مفيش خطر علي مصالح الغرب. وادينا شايفين أردوغان في تركيا بق عالفاضي من ناحية العلاقة مع اسرائيل, وفي عهده الشراكة الاستراتيجية الاطلسية زادت ماقلتش. حكاية الخيار صفر دي خرافة حاول نظام مبارك يروجلها, وخيال مأتة حاول يخوف بيه الغرب عشان ما يرفعش حمايته عنه. لكن لحسن الحظ الخواجات مش مغفلين زي ماحنا فاكرين. الخواجات شافوا ان حكومة اشتراكية زي بتاعة أورتيجا (وما أدراك ما اورتيجا للشباب الصغير) او لولا دي سيلفا مش خطر علي مصالحه والا حاجة. الغرب شايف ان ولاية الفقيه اللي متحكمة في كل ايران وتلات تربع العراق فعليا مش مهددة مصالحه غير بالكلام. الغرب شايف ان اردوغان (الشاطر التركي) ومن قبله غول (مرسي التركي) زي العسل. يبقي نفكنا بقي من اسطورة الحماية المطلقة للمجلس من الغرب, وانه مجيئ رئيس يمثل استمرار لنظام مبارك حتمية تاريخية. الشعوب هيا اللي بتكتب تاريخها بايديها مش أي حد تاني.

الحاجة الوحيدة الصح في الاشاعات يتاعة تأييد الغرب للمجلس, هيا أن الغرب عايز استقرار, لان ده المناخ اللي بيشجع علي الاستثمار وبيقلل من احتمالات الحروب. ولما البلد تدخل في حالة من الفوضي, المجلس ومن وراه شفيق هو المستفيد الوحيد من الاوضاع لانهم بيقدموا نفسهم للغرب كضامن وحيد للاستقرار. عشان كده اخواتنا الثوار لازم يفرقوا بين ماهو مثالي وما هو ممكن. أنا ممكن كاناركي أكون باحلم باقامة مجتمع من غير حكومة او قيادة لكن هل هذا ممكن في مصر حاليا؟ السياسة هي فن الممكن و وطول مانا مصمم اني اضرب راسي في الحيط مش حاوصل لحاجة. غالبية الشعب المصري متدين ومتربي من الصغر علي فكرة الاذعان لقيادة مركزية, وكل امله انها تكون عادلة. حتي النخبة من المثقفين الليبراليين واليساريين معظمهم مش معترض علي فكرة وجود قيادة من حيث المبدء. وبعدين احنا حنروح بعيد ليه, الحزب الشيوعي البريطاني كان بيخلي اعضائه يصوتوا لنيل كينوك, والخضر في امريكا حلقوا لرالف نادر وبقوا بيصوتوا للديمقراطيين, بالرغم من ان كلا المجموعتين دول مش مؤمن بالديمقراطية التمثيلية اساسا. لكن زي ما بنقول, السياسة هي فن الممكن.

عشان كده, الناس اللي في الشوارع فعلا لازم تتفق علي قيادة بديلة للمجلس العسكري وفعلا لازم تديها ثقتها وتفويضها. والقيادة دي لازم يكون فعلا لها شرعية مكتسبة عن طريق الاصوات اللي خدها ممثليها في الانتخابات, ولازم تكون فعلا شخصيات مقبولة دوليا, عشان لما الخواجات يقعدوا في أوض اجتماعاتهم السرية ويناقشوا اللي بيحصل في مصر يشوفوا ان الحراك الجماهيري ما هواش جسد بلا راس ويشوفوا ان الرأس ده مقبول ولا يشكل تهديد مباشر لمصالحهم كما سبق توضيحه. قوم لما المجلس العسكري يصوت ويقولهم ألحقوني يقولوله مانعطلكش. لكن الاصرار علي عدم تحويل الحراك الميداني الي مكسب سياسي علي الارض هوه الحاجة الوحيدة اللي ممكن تطول في عمر المجلس العسكري وتمنع من سقوطه.

المشكلة الحقيقية هيه الاخوان, اللي قلنا قبل كده انهم قوة وطنية أصيلة, ولكنها غير ثورية بالمرة لان لها اساليبها اللي بيفضلوها واللي سبق توضيحها. وهي الان مسيطرة علي البرلمان وفي منتصف الطريق الي مقعد الرئاسة (ده نص الكوباية المليانة) أما النص الفارغ فبيقول ان المجلس العسكري غدر بيهم واداهم برلمان بدون صلاحيات, وفي طريقه انه يديهم علي قفاهم ويسرق منهم كرسي الرئاسة. عشان كده أنا متأكد ان فيه صراع داخلي وازمة وجودية حاليا داخل قيادات الاخوان وكوادرها حول أي الطريقين اصح, طريق المهادنة ام طريق الثورة.

أنا مش نبي ولا عراف ولا في استطاعتي أقول اذا كان فيه حاجة مفيدة (او مضرة) حيتمخض عنها الحراك الحالي, لكن اللي أقدر اقوله حاجة واحدة بس: من بين كل القش اللي شفته بيطير في الهوا طول السنة ونص اللي فاتوا, دي اكتر قشة عندها القدرة علي قصم ظهر البعير.

No comments:

Post a Comment