Sunday, January 26, 2020

لماذا تفشل كل محاولات الثورة في مصر؟


ككثير من المصريين في الخارج تابعت باحباط متزايد أحداث يوم وليلة الخامس والعشرين من يناير هذا العام عبر تويتر. وللتذكير فالجديد هذه السنة كان دخول المقاول محمد علي علي الخط بفيديوهاته التثويرية و نداءاته المتكررة للشعب بالنزول للتظاهر في اوقات مختلفة و بوسائل تراعي سلامة معظم المشاركين لعلمه أن قطاعا كبيرا من الساخطين ربما لم يصل بهم السخط لدرجة التضحية بحرياتهم او حيواتهم من أجل انجاح الثورة, فلزم اعطائهم خيارات متعددة للمشاركة لاتتضمن الاصطدام المباشر مع قوي الأمن, التي أثبتت وحشية منقطعة النظير في مقاومتها الفاشلة لثورة يناير 2011 ثم في قمعها الناجح لاحتجاجات الاسلاميين عقب الاطاحة بمرسي في النصف الثاني من 2013 وبالرغم من أسلوب محمد علي المسرف في التبسيط (لدرجة الاخلال بالمفاهيم احيانا و الاسفاف غالبا) – بهدف الوصول الي تفاعل واعجاب قطاعات لايستهان بها من قطاعات الجماهير غيرالمؤدلجة – الا ان الاخيرة ابدت سلبية كبيرة في الاستجابة لدعواته المتكررة بالتظاهر مما حدا به لاغلاق صفحاته علي وسائل التواصل الاجتماعي و اعتزال الحياة السياسية.

الأنظمة واستراتيجيات البقاء

وقبل أن نتطرق لما يمكن للثوار القيام به لانجاح ثورتهم يلزم أن نتوقف قليلا عند أحدي النظريات الرياضية التي لاقت قبولا واسعا بين اوساط المفكرين الاجتماعيين و السياسيين و علماء التطور و النفس و السلوك لأنها تصلح لتفسير كثير من المشاهدات التجريبية في كل تلك المجالات.  والنظرية تعرف بالعربية "بالاستراتيجية المستقرة تطوريا" ويقصد بها كل منهج (او مجموعة من المناهج) التي يمكن لفرد (او مجموعة) القيام بها لضمان النجاح و الاستمرار في الوجود علي نحو يستحيل معه لأي منهج (أو مناهج) منافسة أن تفشله أو تزيله من الساحة.  وكتعريف, فان نجاح واستمرار اي منظومة, سواء كانت حزبا سياسيا ناجحا او حركة ارهابية مستمرة, او مؤسسة تجارية مزدهرة, أو نظام حكم مستقر – بغض النظر عن مدي رضانا او سخطنا علي المبادئ القائم عليها أي من تلك المنظومات – هو شهادة ودليل علي اتباع كل منها لاستراتيجية مستقرة تطوريا.  دعونا نستعرض بعض الأمثلة لانظمة حاكمة معاصرة لنري مدي نجاحها أو فشلها في تحقيق استقرار استراتيجيتها للبقاء, قبل أن ننتقل الي تطبيق هذا المفهوم علي الحالة الراهنة في مصر.

ديمقراطية زائفة + حد أدني من الحياة الكريمة = استراتيجية ناجحة للبقاء في الغرب

الدول الغربية المعاصرة علي سبيل المثال تعتمد أنظمة رأسمالية ديمفراطية تضمن لها البقاء و الازدهار, لأنها تعتمد الجشع كحافز أساسي للانتاج الرأسمالي و الاستهلاكية كحافز لترويج و تسويق هذه المنتجات مما يضمن رواج البضائع و استمرار الطلب عليها.  و بالرغم من مظهرية الصفة التداولية الانتخابية لانظمة الحكم في تلك الدول تداولية, من حيث ا، الاغنياء والاقوياء (او مندوبيهم  من عموم الشعب) هم فقط من تسمح ماكينة الاقتراع بانتخابهم لقيادة الحكم وسن القوانين باساليب غاية في الخفاء و التلطف مما يغيب عن ادراك المواطنين العاديين, الا ان مشاركة الجماهير في الاختيار (و لو بشكل زائف ظاهري) يعطي احساسا مريحا للجماهير بتحكمهم في مصائرهم. وتأتي قوانين العمل التي تضمن حدودا دنيا للأجور وحقوقا للعمال لتحول دون تكوين وعي ثوري للجماهير المطحونة و المخدرة في وقت واحد, فتستمر تلك الأنظمة وتنموا دون خطر حقيقي بسقوطها او ثورة الجماهير ضدها.

استراتيجية الصين الناجحة: رأسمالية لاليبرالية أم اشتراكية معدلة؟

الانظمة التي ادعت تطبيق الشيوعية في الاتحاد السوفيتي السابق و دول الكتلة الشرقية ارتكبت أخطاءا في تطبيق نظريات ماركس و انجلز أدت لزوالها المبكر من الخارطة. فهي لم تنه سيطرة الرأسماليين علي وسائل الانتاج لمصلحة الشعب كما تقضي النظرية, وانما فعلت ذلك لمصلحة النظام الهيكلي البيروقراطي للدولة, والذي تحول كبار مسؤليه الي متنفعين مختلسين لأموال الشعب, غير عابئين بتدهور الانتاجية للقطاعات الاقتصادية المختلفة, التي فت غياب عامل التنافس في عضدها, فتدهور الناتج القومي والمستوي الحياتي لمعظم المواطنين, خلا القلة المنتفعة من كبار أعضاء الحزب الشيوعي. ومن ثم لم يحتج الأمر لكثير جهد من قبل الأنظمة الغربية المنافسة لتثوير شعوب الكتلة الشرقية واسقاط أنظمتهم غير المستقرة تطوريا. الصين, علي نحو معاكس, طورت ما كان في البداية تطبيقا مغايرا بعض الشيئ للنظرية الماركسية الي نظام هجين, يضمن عنصر التنافس الرأسمالي للأنظمة الغربية, لكن تحت سيطرة الدولة القمعية بشكل مباشر للتأكد من أن جشع التجار لن يخل بمفهوم العدالة الاجتماعية او بسلطة الحزب الشيوعي علي ادارة الدولة.  وطبعا يخلو هذا التطبيق من أي لمحة ديمقراطية أو تعددية, مما حدا بالبعض لاطلاق مصطلح "الرأسمالية اللاليبرالية" عليه.  وطبعا من المبكر الحكم علي مدي نجاح هذه الاستراتيجية التطورية للصين, لكن حتي الآن, بالنظر الي التفوق الاقتصادي الهائل للصين, وارتفاع مستوي معيشة معظم المواطنين هناك, وعجز الدول الغربية المنافسة عن بث القلاقل و اثارة الثورات بشكل مؤثر ضد الحزب الشيوعي الحاكم, فهي تبدو كاستراتيجية ناجحة قابلة للبقاء.

لولا التدخل العسكري الخارجي الرهيب لنجحت استراتيجية البقاء للدولة الاسلامية

كنت أحد المحظوظين الذين أطلعوا علي تقارير سرية عن كيفية ادارة الدولة الاسلامية لمدينة الرقة أوائل عام 2014.  وكانت تلك التقارير تسخر من الطريقة الساذجة لتحصيل رسوم الكهرباء من المواطنين وادارة شؤون المجلس البلدي بها, وذيلت بتوقع الجميع لفشل وانتهاء الدولة الاسلامية بشكل سريع, أولا لفشلها في ادارة مدينة بحجم الرقة, وثانيا لأن نهجها المحافظ يوغر صدر الاقليات غير السنية, اضافة لكثير من السنة غير المحافظين في الوقت ذاته.  كان كل ذلك قبل سقوط الموصل في منتصف نفس العام, والذي أتبعة تمدد كبير للدولة الاسلامية و اتساع رقعتها لتشمل اجزاء كبيرة من سوريا والعراق, مما كان مفترضا أن يعجل بانكشاف استرتيجيتها "الفاشلة" في الادارة لو صدقنا تقارير الرقة المشار اليها آنفا.  ولكن علي العكس تماما, نجحت الدولة في توفير الغذاء و التعليم و الصحة لما يقرب من 7 ملايين مواطن انضووا تحت لواءها في اوج توسعها.  بل ووصل الأمر أنها شرعت في سك عملة مستقلة (الدينار الذهبي) وأوجدت نظاما لاستخراج النفط و تسويقه أتي بعائدات كبيرة, استخدم جزء يسير منها في صناعة وتطوير الأسلحة ذاتيا للتقليل من كلفة شراء الاسلحة من الخارج, بينما خصصت ميزانيات كبيرة للتعليم و الصحة و الكفالة الاجتماعية بأشكال مجانية أو شبه مجانية "للرعية" بشكل ضمن استقرارنموذج الحكم و انعدام محاولات التمرد عليه (علي الاقل بين العرب السنة الذين شكلوا غالبية الرعايا, وحدا بكثير منهم الي الانضمام الي صفوف مقاتليها طوعا لاكرها, او علي الأقل المساهمة في الانتاج الاقتصادي و الاجتماعي من خلال منظومتها), مما أذهل كثيرا من المحللين الغربيين ودفعهم لشن حرب لتدمير اقتصاد الدولة الناشئة و شل حركة حياتها,  حتي قبل أن تشن حرب التدمير الشامل التي قضت علي سيطرتها فيما بعد علي المدن.  و ماأردت قوله هنا هو أن نموذج ادارة الدولة الاسلامية لم يكن ليتهاوي من تلقاء نفسه أو حتي بفعل الحرب الاقتصادية الخارجية, وانما لزم الأمر أن يزال بقوة عسكرية جبارة لم يعرفها التاريخ حتي ذلك الوقت.  دون أخذ هذا التدخل العسكري الخارجي في الحسبان تعتبر استراتيجية بقاء الدولة الاسلامية استراتيجية مستقرة تطوريا.  أما اذا اضفنا التدخل العسكري غير المتكافئ كجزء من استراتيجية الطرف الآخر في ازالتها, فعندئذ تختل استراتيجية الدولة الاسلامية للبقاء, حتي اشعار آخرعلي الأقل يتحقق به التكافؤ العسكري مع خصومها, وعندها أعتقد أن الأمر لن يستغرق الكثير من الوقت حتي نري الدولة قد عادت للظهور والبقاء هذه المرة.

لماذا نجحت الأنظمة القمعية في العالم العربي في البقاء حتي الآن؟

النظام الحاكم في مصر, شأنه شأن معظم الأنظمة السلطوية في العالم الثالث, قائم علي تبادل المصلحة بين ثلاثة قوي اساسية منتفعة من استمراره و مدافعة عن وجوده: القوات المسلحة و الرأسماليين و البيروقراطية الحاكمة.  و نظرا لضعف التقاليد الديمقراطية (حتي وان سلمنا بزيف معظمها في المجتمعات الغربية) فان الشعب المصري (و كثير من شعوب العالم الثالث) لا يمانع في ان يكون النظام الحاكم له شموليا دكتاتوريا سلطويا, طالما وفر له الحد الأدني من لقمة العيش.  بهذا المفهوم, فشلت محاولات نشر الربيع العربي للدول العربية الغنية كالكويت و البحرين و ليبيا, لأن الشعوب في تلك الدول لم يصل بها العوز المادي لمرحلة الجوع, في الوقت الذي لم يبال معظم الناس بغياب التعددية او حرية الرأي, ففشلت الثورة الوليدة تماما في الكويت, واحتاج الامر لحقن مصل الطائفية في ثورة البحرين لضمان استمرار اشتعال جذوتها (ومع ذلك فشلت بالنهاية), و احتاج الأمر لجلب قوات و ميليشيات اجنبية من الخارج مدعومة بقصف فرنسي و تدخل الناتو "لانجاح" الثورة في ليبيا.  أما في الدول الفقيرة كتونس و مصر و اليمن, فتوفر عنصر العوز و الفقر المدقع, وبالتالي انضمت الجماهير (ولو بعد كثير من التردد) للكتلة الثورية الصلبة.  و نظرا لانعدام اي سابقة او تجربة للأنظمة الحاكمة بالتظاهرات المليونية التي كانت تنمو يوما بعد يوم في تلك الدول, لم تستمر تلك الأنظمة في استخدام العنف طويلا مع المحتجين, وانتهي بها الأمر الي أن تخلت عن السلطة بشكل مؤقت, علي أمل ان تتمكن قوي النظام البائد من اختراق الثوار و العودة مرة أخري الي الحكم بعد قليل (كحزب المؤتمر في اليمن وحزب نداء تونس في تونس) أو كأضلاع ثلاثة لمثلث ثورة مضادة تطيح بحكومة الثورة كما حصل في مصر(راجع المقال الذي يحمل هذا العنوان في بداية هذه المدونة). أما في سوريا (وفي ليبيا قبل تدخل الناتو) فقد فطنت الأنظمة الحاكمة لأمرين أساسيين غفلت عنه نظيراتها في مصر وتونس واليمن: الأول هو هشاشة الكتلة الضخمة للجماهير التي انضمت لاحقا للثورة و سهولة ترويعها وتسميم أفكارها بهدف فض التفافها حول الكتلة الثورية الصلبة من ناحية, والتفوق الهائل الذي منحته التكنولوجيا للجهاز القمعي في تلك الأجهزة, سواء من حيث التسليح او الاختراق الالكتروني لوسائل التواصل الاجتماعي, أو التطور في وسائل التعذيب والارهاب للمعتقلين.  فطنت الانظمة الحاكمة في سوريا وليبيا لذلك فلم تسلم الحكم للثوار كنظيراتها في مصر وتونس واليمن, بل استمرت بنجاح في قمع الثورة, حتي تطلب الأمر تدخل ميليشيات (وجيوش) اجنبية أطاحت بالنظام في ليبيا دون الاتيان ببديل مستقر, و فشلت حتي الآن في تحقيق تقدم مستديم نحو الاطاحة بالنظام الحاكم في سوريا.  أما في مصر – وبعد نجاح الثورة المضادة في اعادة انتاج النظام الحاكم في 2013 – فقد استوعب هذا النظام درس 2011, فلم يتوان في استخدام أقسي وسائل القمع و التعذيب من ناحية مع الكتلة الثورية الصلبة, وغسيل المخ و الارهاب و الترويع من ناحية أخري مع كتلة الجماهير الهشة, فقضي علي العمود الفقري للأولي (وهو الاسلاميون) وشتت الثانية تماما بحيث لم تعد تجدي صيحات الثورة و نداءات التظاهر التي يطلقها النشطاء و الاعلاميون المصريون في الخارج في حشد الجماهير, أو حتي حثها علي القيام بعصيان مدني بسيط ضد النظام.  من أجل ذلك ينبغي علي المتابع المنصف للأحداث أن يشهد بثبات ونجاح و استقرار استراتيجية البقاء التطورية للنظام الحاكم في مصر, حتي الآن علي الأقل.

نحو اعادة تكوين الكتلة الصلبة في مصر

اذ سلمنا بصدق التقارير الأولية عن حال من استجاب لدعوات محمد علي بالنزول الي الشوارع للتظاهر ليلة أمس لأدركنا مدي دقة التصنيف المشار اليه أعلاه للمتظاهرين من حيث انقسامهم الي كتلة ثورية صلبة (صغيرة الحجم) و كتلة جماهيرية هشة (ضخمة الحجم), فمعظم من استجاب لدعوات التظاهر غير المؤدلجة من محمد علي لا ينتمون بحال للقسم الأول, الذي يقبع معظم أفراده الآن في القبور او السجون من ناحية, ولايتعاطف من بقي منهم خارج السجن مع دعوات لاتتفق مع قناعاته الايديولوجية, دينية كانت ام فكرية أم قومية من ناحية أخري. معظم المستجيبيين اذن كانوا من عموم الجماهير المحبطة, التي دفعها شظف العيش و سوء الاحوال للنزول للشوارع.  ولكن نظرا لانعدام الحماسة اللازمة للتضحية بالنفس و تقدم الصفوف جبن معظم المشاركين عن قيادة المتظاهرين او البدء بالهتاف أو حتي الانضمام للقلة المتجمعين هنا او هناك.  ولعل في هذا مايكفي للتكهن بفشل مثل هذه الدعوات مستقبلا, لأن من يجبن عن مجرد الهتاف اوالانضمام لمجموعة من المتظاهرين سيفر عند أول قنبلة غاز مسيل للدموع او ضربة هراوة من أحد جنود الأمن المركزي.  لاغني اذن عن اعادة تكوين الكتلة الثورية الصلبة التي تقود الجماهير و تعمل كنواة يلتفون حولها و يستلهمون منها الحماسة و الشجاعة في مواجهة قمع النظام الحاكم, فهل يحدث ذلك فعلا الآن علي الأرض؟  هناك دعوات ممن يسمي نفسه "الجوكر" لتكوين مجموعات من الشباب العازمين علي "تخشين" السلمية الغالبة علي التظاهرات المصرية حتي الآن.  و بالرغم من أننا لم نر حتي الآن اي تطبيق واقعي لهذه "الخشونة" مع قوات الأمن, نظرا لأن الجوكر يدعي أن هدف هؤلاء "السباع" كان حماية وتأمين التظاهرات التي دعي اليها محمد علي و التي لم تلتئم اصلا, الا ان المبدء في حد ذاته مشجع, لأنه من الممكن أن يتحول هؤلاء الشباب الي مجموعات قيادية يلتف حولها المتظاهرون فيما بعد.  الأمر كله اذن يعتمد علي مدي حماس و ايمان هؤلاء الشباب بعدالة قضيتهم واستعدادهم للتضحية من أجلها, اضافة لمدي قدرة "الجوكر" علي وضع الخطط السليمة التي تضمن نمو مجموعته عدديا باضطراد مع أقل قدر ممكن من الخسائر و بأفضل تكتيكات ممكنة للكر والفر.  فهل سنشهد ظهور كتلة صلبة جديدة تقود حراك التظاهرات في مصر و تتبع استراتيجية ناجحة للتطور والنمو نحو ثورة شعبية حقيقية تنضم لها الجماهير لاحقا؟  هذا ماستكشف عنه الأيام في الفترة القادمة, فلننتظر ونري.  

Monday, June 17, 2019

الله يرحمك يامرسي

كنت أسير في احدي ردهات المبني عندما التقيت زميلا أجنبيا لم أره منذ أكثر من تسع سنوات.  تصافحنا و تبادلنا بعض الأسئلة المعتادة عن الأسرة و أحوال الحياة, عندما ذكر لي فجأة أن ما حدث صباح اليوم في القاهرة ذكره بمصر التي أقام فيها لبعض الوقت خلال فترة حكم مرسي.  فلما استفسرت عما حدث قال ان مرسيا قد مات صباح اليوم أثناء جلسة لمحاكمته.  لا أدري كيف أصف مشاعري فأنا لم أمر بموقف مشابه الا مرتين فقط في حياتي كلها.  الأول عندما ساق الي أحدهم خبر اعدام صدام حسين صبيحة يوم العيد, والثاني عندما كنت في منتصف الطريق في رحلة طويلة مرهقة بمنطقة ريفية في بلد لاتوجد به شبكة انترنت يمكن التعويل عليها بينما كان فض اعتصامي رابعة والنهضة يجري علي قدم وساق, فكنت أتلقي رسالة او خبرا مقتضبا عن حدوث الاقتحام, ثم عن القتلي, ثم عن الحريق كل ساعتين تقريبا وأنا أتمزق داخليا ولكن لا استطيع الكلام.  الشعور واحد في الحالات الثلاثة: حزن عميق ورغبة شديدة في البكاء أو لعن الظالمين او علي الأقل التعبير عن الأسف, في الوقت الذي تمنعني الظروف والملابسات عن الافصاح عن هذه المشاعر لمن هم حولي من أشخاص لن يتفهموا هذه المشاعر, بل وقد يؤلونها علي نحو انني ارهابي او متعاطف مع الارهابيين.  أما اليوم, فالعجيب أنني في نفس اليوم تعرضت أوضاعي المالية لنكسة, و ظروف العمل لما يشبه خيبة الأمل فمن المفترض أن تشغلني كلا من هاتين المصيبتين بنفسي عن رجل لم ألتقه في حياتي أو انتمي تنظيميا لجماعته أو حتي اوافق علي توجهاته الفكرية, ولكن مع ذلك وجدت نفسي أردد بشكل تلقائي طيلة رحلة العودة للبيت "الله يرحمك يامرسي."  كنت أرددها دون وعي ترديد الانسان الذي تكالبت عليه الهموم والأحزان التي لايدري بأيها ينشغل, فاذا بعقله الباطن ينقل أكثرها حزنا ومرارة الي الصدارة, مع أن التفكير المنطقي لايقضي أبدا بأن يتصدر شأن عام قائمة الهموم الشخصية لانسان غير 
مشتغل بالشأن العام.

لاأدري لم أحببت محمد مرسي من اللحظة الأولي التي صعد فيها اسمه الي بورصة الترشيحات للرئاسة. الرجل 
لايوجد بينه وبيني تشابه ابعد من كون كلانا مصريين مسلمين.  أما ماوراء ذلك فنحن نختلف في كل شيئ تقريبا.  هو اسلامي وانا أعد نفسي علمانيا أو علي الأقل غير ملتزم دينيا.  هو ريفي وأنا حضري.  هو اصلاحي وأنا أفضل المنهج الثوري (وان كنت لست ثوريا بصفة عملية).  هو قضي ماقضي من حياته في الغرب فلم يطق الابتعاد عن مصر و عاد اليها ليعمل بالشأن العام, بينما أنا أمضيت أكثر من نصف سني حياتي خارج مصر ولم أشعر قط بالاغتراب.  هل ذكرني بذلك البروفسور المصري الذي كان يعمل في جامعة مجاورة لنا و كان يأتي ليؤمنا في صلاة الجمعة أثناء دراستي العليا بالغرب؟  ولم لا, فكلاهما مصري ريفي متدين يتحدث لغة بلد المهجر بلكنة ثقيلة و يحرص علي دعوة الخراف الضالة مثلي ومثل غيري من الشباب المسلم اسما المتعلمن فعلا للعودة للاسلام؟  في حالة بروفسوري المصري, لم أكن أطيقه في البداية, ولكن بالتدريج ألفيته رجلا طيب القلب بسيط التفكير لا يريد لمن حوله الا الخير, ربما سخرت أحيانا من "سطحية" أفكاره, لكني لم أملك نفسي ألا و أنا أحبه فعلا شكلا وموضوعا.  هل ذكرني مرسي بهذا الرجل؟  لاأدري, ولكن كل ما أعرفه أنني وجدت نفسي تدريجيا أحمل تجاهه نفس المشاعر الطيبة التي حملتها نحو شبيهه.

فيما بعد, اتاحت لي الظروف اللقاء بأحد المسؤليين الأجانب ذوي المستوي الرفيع, فحكي لي عن لقاءاته بزعماء الأخوان في مصر.  قال لي أنه أعجب كثيرا بذكاء و شخصية خيرت الشاطر, و تحفظ علي قدرات عصام العريان السياسية, و سخر ضمنا من "دروشة" بديع, ولكنه توقف عند مرسي.  قال أن الرجل لم يحاول يوما أن يتلطف أو يكسب ود القادة الأجانب الذين كانوا يتقاطرون الي القاهرة بعد تنصيبه, بل انه كان غالبا ما يبدوا لهم متوترا, عابسا, متجهما, علي عكس ما يبدو عليه عند لقائه بعامة الشعب من البسطاء.  الرجل قال لي هذا الوصف في معرض ذم مرسي والتوكيد علي افتقاره الي الحنكة السياسية.  لا أدري لماذا رفعت هذه الكلمات من مكانه مرسي في قلبي أكثر وأكثر, فأنا دائما ماأري التواضع مع المساكين والكبر علي أهل الكبر من علامات صدق الانسان و سمو أخلاقه.

في أثناء ولايته, غفر الاسلاميون حول العالمين العربي و الاسلامي للاخوان بقيادة مرسي كل خطاياهم, وأذكر 
للتاريخ شهادات العديد منهم, مما أرجو أن يمد الله في عمري لأكتب عنه يوما بالتفصيل, شهادات علي حصافتهم و دهائهم السياسي, وكيف التفوا علي المجلس العسكري و حصلوا علي السلطة ووضعوا مصر علي أول الطريق السليم. حتي أن بعض الجهاديين كالظواهري في مصر والشيخ سليمان العلوان في السعودية أما مدحوا مرسي صراحة أو نفوا تماما قدحه أو ذمه.  حتي اذا كبا تحول الثناء سبابا و المدح قدحا, وتبرأ الجميع منه, حتي أن أنصف القوم لمن ينعته بالسذاجة وينسب اليه تضييع الأمة.  حتي الشيعة, الذين حاول فسح الطريق أمام تصالحهم مع السنة بعد لقائه بأحمدي نجاد و زيارة قادة الحرس الثوري للقاهرة, تلك الزيارة التي حسمت أمر الملك عبد الله من حيث عدائه لمرسي و رصده للبلايين للاطاحة به.  أقول حتي أولئك الشيعة تآمروا عليه و ألصقوا به جريمة قتل حسن شحاتة ووضعوا يدهم في يد من أنقلب عليه فيما بعد و تنكروا لكل ماقام به من أجل التقريب بين المسلمين نكاية في موقفه المؤيد للثورة السورية.

رحمك الله يامرسي رحمة واسعة فقد أتعبت من جاء بعدك, واني لأرجو أن يحشرني الله معك يوم القيامة فقد أحببتك في الله, والمرء يحشر مع من أحب.

Monday, June 4, 2018

حوار مع جامي

سألته وأنا في طريقي للخروج من وليمته العامرة عن السبب الذي يدعو أمثاله من السلفيين لإطلاق لفظ "الاخونجية" على شخصيات اتفق الناس على سلفيتها كالشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل والدكتور محمد عباس وغيرهم، فابتسم وتناول كتابا ضخما كان موضوعا بجواره وقال “نظرية الحكم عندنا معشر السلفيين تتلخص في مفهوم البيعة كما طلبها رسول الله من الأنصار على السمع والطاعة، في المنشط والمكره، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الي أخر الحديث المعروف.  أنت كمحكوم تضع ثقتك في حاكم يتولى أمرك, فتطيعه طاعة مطلقة ما أقام الصلاة, لا تعصاه في معروف, ولا تشق عليه عصا الطاعة حتي تلقيا الله, فتحاسب انت علي مدي طاعتك له, ويحمل هو وزره ووزر كل من حمل أمانته فضيعها, اما ما يدعو اليه من ذكرت من فئام الناس, فهو اختزال الاسلام الي مبادئ نظرية توضع في كتب مثل هذا الكتاب تحت مسميات الاقتصاد الاسلامي او العدالة الاجتماعية في الاسلام, فيدعون أنها هي صحيح الاسلام, وانها قابلة للتطبيق من خلال مختلف الأنظمة الوضعية الحديثة التي ما أنزل الله بها من سلطان, كالديمقراطية التمثيلية التي تتيح للناس خلع بيعة الحاكم في أي وقت واستبداله باخر ربما لا يطبق شرع الله. ووجه الاشكال في ذلك أن اي فشل في تطبيق ما يدعون أنه الحكم بما أنزل الله لن ينسب الي ظلم الحاكم المبايع بيعة مطلقة، كما هو الحال عندنا نحن السلفيين، وانما الي الاسلام ذاته، بعد أن زينوا للناس تقبل فكرة أن الاسلام يمكن اختزاله في مبادئ مجردة قابلة للتطبيق من اي حكومة وضعية منتخبة رئاسية كانت ام برلمانية، عسكرية كانت أم مدنية، فيفضي ذلك بالعامة الي الشك في صلاحية الاسلام كنظام للحكم، وينتهي بضعاف القلوب الي الكفر بالله."

توقفنا قليلا أمام مرآب السيارات ريثما ننهي حديثنا الذي تطور من سؤال استنكاري من قبلي تصورت أنه لن يحير له جوابا الي محاضرة كاملة عن الفروق بين السلفيين و "الحركيين" كما اقترح هو ان نسميهم ان استمر اعتراضي على تعبير "الاخونجية" الذي يحمل في طياته سخرية لأتخطاها الأذن والعين.  كانت المحطة التالية في تساؤلاتي عن مفهوم الاعتراض او الاحتجاج عند السلفيين، لأن ما ذكره من البيعة المطلقة لا يتسع للكثير من النقد من ذلك. قلت له "يا شيخنا الجليل، لو أنك أكملت حديث جابر بن عبد الله الذي ذكرته، لوجدت ان رسول الله صلي الله عليه وسلم أوصي الأنصار أيضا بأن يقولوا في الله لا تأخذهم فيه لومة لائم، وهو ما يمكن أن نصنفه بالمفهوم الحديث كوصية لتقويم الحاكم ورده الي جادة الصواب ان حاد عنها."  عند هذا الحد غاضت ابتسامته وأشار بيده كأنما يريد أن يوقف سيل الكلام المندفع من فمي قائلا " على رسلك، القرآن وان أرسي مبدأ الشورى في غير موضع، فانه لم يلزم الحاكم باتباعها، وانما هي كما يوحي اللفظ، مجرد نصيحة للحاكم الخيار بين قبولها أو رفضها. أما المعارضة بالمفهوم الحديث، كتكتل حزبي دائم يسعي لتغيير الحاكم عن طريق نشر مثالبه والانتقاص من قدره وتأليب الرأي العام عليه فهي بدعة أتحدي كائنا من كان أن يثبت وجودها في صدر الاسلام، الذي مدحه رسول الله صلي الله عليه وسلم حين قال، خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام تسبق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته، فلو كان في هذه المعارضة خير لرأيناه في هدي الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.  وحتى الشورى غير الملزمة، هناك شروط ومواصفات يجب ان تتوفر فيمن يتوفر عليها، كأن يكون عالما ربانيا، فقيها محدثا، مشهودا له بالتقوي والورع، لا منافقا عليم اللسان كأغلب من نراهم اليوم يشتغلون بالسياسة."

عند هذا الحد أدركت أن تلك الفرصة التي أتاحتها لي الأقدار بإجراء حديث مع هذا الداعية الشهير، الذي تتلمذ علي يد ربيع المدخلي وغيره من سلفية المدينة المنورة ربما لا تتكرر مرة أخري، لأنه لو علم بانني أقرب لفهم أولئك "الحركيين" أو "الاخونجية" للإسلام من فهمه هو وفهم أمثاله من "الجامية" لما استضافني من الأصل, و لما تبسط معي في الكلام. وقد وقر في نفسي في تلك اللحظة أنه لابد وأن ينتهي به الأمر لمعرفة مكنون نفسي ان عاجلا او آجلا فآثرت أن أهتبل الفرصة وأن أخرج كل ما في جعبتي من الأسئلة دفعة واحدة لأن المصادفة قد لا تتيح لقائه تارة أخري. سألته هذه المرة عن مفهوم الثورة والخروج علي الحاكم في الاسلام كما يراه السلفيون. قال ان القاعدة الاساسية في اي عمل هو الامتناع عن ترويع الناس او ايذائهم، ولما كانت الثورة والتمرد ضد حاكم مثل بشار الأسد، الذي لا يعتبر مسلما على أي حال كونه علويا نصيريا، من شأنها التسبب في العديد من القتلى والكثير من الخراب المادي، فإنها تظل عملا غير مسوغ لأنها ستؤدي إلى إثارة الفتنة، والفتنة أكبر من القتل.  هذا هو الحكم بالنسبة لأبناء الاقليم، فما بالك بمن سواهم من أبناء الأقاليم الأخرى، ممن ينتفي عندهم المسوغ الرئيس المعقول للتمرد، ألا وهو ظلم الحاكم، لأن بشار ليس بحاكم لهم، دع عنك ما ستسببه ثورتهم وخروجهم عليه بالسلاح من فساد واهلاك للحرث والنسل.  ولذا فعمدة القول لدينا هي أن الترويج لما يسمي بالجهاد الشامي انما تولي كبره أعداء الأمة ممن يسعون لنشر الهرج والفساد في بلاد المسلمين من ناحية، وتدمير جيوشهم من ناحية أخري، والا فقل لي بربك ماذا أثمر هذا الجهاد المشئوم غير تدمير الحرث والنسل، والقضاء علي الجيش السوري، كما قضي علي الجيش العراقي من قبل. ولولا أن تداركتنا رحمة ربك هنا في مصر، لانتهت قواتنا المسلحة الي مصير مشابه

ولما بلغ بنا الكلام الي هذا ناسب أن نتصافح ونفترق، بعد أن أثار حديثه أسئلة أكثر مما طرح من اجابات، نناقشها في جزء ثان لهذا المقال ان كان في العمر بقية.

Sunday, May 1, 2016

جردة حساب مع داعش

كنت أتمنى لو كان عندي الكفاية من الوقت والتفرغ لكتابة مقال طويل أستعرض فيه أهم الأحداث المنصرمة المتعلقة بتنظيم الدولة الاسلامية (داعش) خلال السنة والنصف الماضية مذ كتبت المقال الاول علي المدونة والمعنون "كل ما أردت أن تعرفه عن داعش ولكنك خجلت أن تسأل."  لكن لا باس، مالا يدرك كله لا يترك كله. دعنا نعتبر هذه السطور جردة حساب سريعة لحين التمكن من كتابة تحليل أشمل. المقالة القديمة كتبت بعد اسابيع قليلة علي بده الحملة الجوية للتحالف الدولي المضاد لداعش على قدر ما أذكر.  كانت معظم توقعات "المحللين الاستراتيجيين" في ذلك الوقت تتمحور حول ان التنظيم سينهار سريعا امام اقوي ترسانات الأسلحة علي الارض.  وقتها ذكرت في تلك المقالة ان فرصة داعش الاساسية في النجاح تتمثل في استغلال قدرته الطبيعية  علي التمدد السريع المفاجئ وفتح جبهات كثيرة تربك العدو وتشتت جهوده, سيما في ظل اعتماد حملة التحالف اساسا علي الطيران وقلة الجنود علي الأرض, اللهم الا فيما يتعلق بالحشد الشعبي العراقي وميليشيات حزب الله.  من جهة أخري، بينت ان استراتيجية التمدد السريع وفتح الجبهات المتعددة من شأنه تمكين داعش من استيعاب المتطوعين الجدد والاسلحة المغتنمة من الخصم دون الحاجة لنقلها لمسافات طويلة بما يعرضها للطيران المتربص.  أما في المقابل، ففرصة التحالف الأساسية في القضاء علي داعش تتمثل في ايقاف هذا التمدد السرطاني وحصر التنظيم في اماكن جغرافية معزولة ومكشوفة يسهل استنزافه فيها بالطيران، ريثما يتم جمع قوات كافيه للقضاء عليها.  ما شاهدناه علي الارض, هوه ان التحالف طبق هذه الخطة بحذافيرها, فلم يحاول مثلا توجيه القوات البرية العراقية لتحرير المثلث السني او الموصل, أو الدفع بفصائل الجيش الحر في سوريا للهجوم علي الرقة, وانما أوقف التمدد عن طريق الضربات الجوية المكثفة و عمل علي سحب قوات داعش الي معارك استنزاف طويلة في اماكن جغرافية صعبة يسهل القضاء عليه فيها.  وكان ذلك أوضح ما يكون في كوباني


كوباني هي آخر نقطة تقريبا في الشمال السوري علي الحدود الممتدة مع تركيا, وموقع من مواقع الحصينة لوحدات حماية الشعب YPG المرادف الكردي في سوريا لحزب العمال في تركيا ال PKK.  الاغراء كان أكبر من أن يقاوم بالنسبة لداعش، لأن فتح "عين العرب" كما يسميها التنظيم من شأنه تسديد ضربة قوية "للملاحدة" الأكراد, والتحكم الكامل في الحدود مع تركيا بحيث يسهل علي المتطوعين الجدد الراغبين في الانضمام السفر لتركيا ثم عبور الحدود المفتوحة الي سوريا, اضافة للحيلولة دون التفاف القوات البرية للتحالف حول "ظهر" التنظيم في الداخل السوري بهدف تطويقه لاحقا.  أكثر من 700 من خيرة جنود داعش قضوا نحبهم دفاعا عن مكاسبهم في كوباني, والتي حولتها الضربات الجوية الي كومة من التراب تقريبا, وحطمت فيها الكثير من اليات داعش الثقيلة.  وطبعا تم الضغط على تركيا لكي تبتلع السم وتفتح حدودها لمقاتلي ال PKK ليعبروا الحدود ويعضدوا اخوانهم في ال YPG. نقول ابتلاع السم لأن العداء التركي التاريخي مع ال PKK والذي يعتبر قائده عبد الله اوجلان من أكبر الارهابيين في نظر الحكومة التركية كان من المفترض أن يؤدي الي اغلاق الحدود ومنع هذا العبور. الا ان عضوية تركيا في حلف الاطلنطي والتزاماتها تجاه التحالف أرغماها علي القبول ففتحت الحدود وعبر المقاتلون (اضافة الي بشمركة اكراد متطوعون قادمون من العراق أيضا) وطردت داعش من كوباني (او منعت من احتلالها بشكل كامل) خسب وجهة نظر المتحدث.  الدعاية الاعلامية والتسويق الصحفي ل"لفتح العظيم" كان من الضخامة بحيث يتصور المشاهد غير المتابع لتفاصيل الحدث كما ما لو كان معادلا لانتصار مونتجومري علي روميل في موقعة العلمين، والتي انكسر عندها المد النازي وتحولت الحرب لصالح الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.  وتغني السذج ببطولة المقاتلات الكرديات الحسناوات اللائي "أذقن رجال داعش مرارة الهزيمة لأول مرة."  وتناسي الجميع ان الصمود تحت القصف مستحيل، لأنك تواجه عدوين في نفس الوقت، واحد في الارض والاخر في السماء، ولأن اشتباكك مع الخصم الارضي يكشف مواقعك تماما للعدو السماوي مما يسهل عليه تدميرك، بعكس الحالات التي لا يوجد فيها اشتباك أرضي, حيث يسهل تصميم اهداف هيكلية زائفة أو تحريك سيارات بالريموت كونترول تعطي الطيران انطباعا خاطئا وتكون هدفا لضرباته, في حيت تسلم المعدات الحقيقية من الأذى. 


تعلم كلا من الطرفين درس كوباني. التحالف أدرك ان الاسلوب الامثل للقضاء على داعش هو مهاجمته بالطيران في المدن التي يحتلها بقسوة شديدة، حتى لو كان الثمن تسويتها بالأرض، في نفس الوقت الذي تقوم مجاميع بشرية كبيرة من القوات البرية الموالية للتحالف بمهاجمة تلك المدن أرضا.  طبعا الثمن هو ارتفاع القتلى بين المدنيين وتحطيم المدن وتكبد خسائر كبيرة في صفوف القوات المهاجمة قبل أن يتحقق لها النصر النهائي، الا أن ذلك النصر مضمون في نهاية المطاف.  أما داعش فتعلمت ان الاحتفاظ بالأرض في ظل القصف الجوي المكثف والهجوم الارضي المتزامن مستحيل ويعتبر ضربا من الانتحار.  لذا غيرت من تكتيكاتها بحيث تسحب المعدات الثقيلة من المدينة المهاجمة وتبقي حامية صغيرة مهمتها الحاق أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوف المهاجمين، قبل تلغيم المكان وتركه.  الانسحاب في هذه الحالة من وجهة نظر داعش تكتيكي وليس استراتيجي، لأن التنظيم في نيته العودة الي المدينة في وقت لاحق عندما يتيسر تطوير تقنية لتحييد الطيران المهاجم، او استنزاف الجحافل البشرية المهاجمة الي حد يعدمها القدرة على الهجوم.  ومن ثم، الدواعش لا يطلقون على هذا التراجع انسحابا كما في المصطلحات العسكرية، وانما يستخدمون لوصفه التعبير القرآني "الانحياز" للتأكيد على مرحليته وانه بمثابة "اعادة انتشار للقوات" بالتعبير المعاصر.


حيث يد التحالف مطلقة، وحيث قدرته على القصف العنيف لا نهائية، وحيث يتوافر عدد كبير جدا من القوات البرية القادرة على الهجوم على المدن التي يسيطر عليها التنظيم، تكرر "انحياز" داعش.  بطبيعة الحال، رأينا ذلك في العراق حيث يتوفر الشرطين السابقين، لا في سوريا، حيث لا يتوفر الا الشرط الاول فقط وبشكل جزئي. بدء الامر بإجلاء داعش من الاماكن المكشوفة تماما للطيران كسد الموصل، او القريبة من إيران حيث الامدادات من الحرس الثوري متوفرة، كجلولاء في ديالي.  او في الجنوب حيث الكثافة الشيعية تجعل من بقاء داعش امرا فائق الصعوبة، كما في جرف الصخر. وفي الواقع ان كل تلك "الانحيازات" حدثت قبل كوباني.  أما بعدها، فقد بدأ الزحف علي قلب المثلث السني. محافظة صلاح الدين، حيث سقطت تكريت اولا على ما اذكر بعدما فقدت قوات الحشد الشعبي المهاجمة أكثر من ستة عشر ألف قتيل طبقا لتقارير محايدة. بعدها سقطت بيجي ومن ثم مصفاتها الشهيرة. ولكن في الشهور التالية، قامت داعش باخر هجوم كبير ناجح في العراق حتى الان، عندما استولت على الرمادي، قلب محافظة الانبار.  وفي وقت متزامن تقريبا، اجتاحت فصائلها في سوريا بلدة القريتين ذات الأغلبية المسيحية في ريف حمص، ثم تدمر الاثرية.  ولوهلة بدا كما لو ان داعش قد تمكنت من ايقاف هجوم قوات التحالف وبدأت هجوما معاكسا.  الا أن دخول روسيا علي الخط وبعنف غير مسبوق، حيث لا يكترث القصف الروسي بالمدنيين اطلاقا، وحيث لديه مزية لا توجد للتحالف الغربي تتمثل في النظام السوري الذي يقوم رجاله بلصق الشرائح الدالة علي اهداف القصف علي معدات داعش,  مكن النظام السوري مؤخرا من استعادة تدمر والقريتين, من التقدم علي حساب المعارضة الاسلامية "المعتدلة" في جنوب حلب.  أما في العراق، فقد توالت هزائم داعش بسقوط سنجار الاستراتيجية المتحكمة في طريق الامدادات بين الموصل والرقة، كما سقطت هيت منذ ايام.  صحيح أن وضع التنظيم ميدانيا افضل نسبيا في سوريا، ,حيث زاد مؤخرا من رقعة موطئ القدم المتحصل عليها جنوب دمشق (في منطقة الحجر الأسود) بإضافة أجزاء كبيرة من مخيمي اليرموك وفلسطين, كما استعاد عشرات الكيلومترات من الشريط الحدودي مع تركيا من يد المعارضة "المعتدلة".  الا ان كسر حصاره الطويل حول مطار كويرس, وفقدانه لمدينة الشدادي الاستراتيجية, وفشله في اتمام فتح مدينة دير الزور ومطارها, وطرده  من الضمير قرب دمشق عكست الأزمة التي يعيشها في الوقت الراهن. مد المشاهدات الحالية على استقامتها يشير الي ان التحالف، بعد ان قطع اوصال داعش الي جزر متفرقة، سيقوم بمهاجمة تلك الجزر، سيما مراكزه الاساسية في الرقة والموصل بعد قليل مستعملا نفس الاسلوب المشار اليه انفا.  وبطرد داعش من تلك المناطق الي الريف والصحراء تنتهي اسطورة داعش الي غير رجعة، حيث سيفقد المتحمسون حماستهم ويبحثوا عن تنظيمات أخري أكثر نجاحا، وينزوي من لم يكن حماسه على نفس الدرجة من الاتقاد ويترك الجهاد بالكلية.


الا ان الامر ليس على هذا القدر من البساطة لأسباب عديدة. اولا، التنظيم احتفظ بقدرته على تجنيد مقاتلين جدد بدلا ممن يسقط منهم في ميادين الوغي، وأكثر التقارير تشير الي ان عدد مقاتليه لايزال ثابتا عند 40 الف مقاتل.  ثانيا، التنظيم لايزال محتفظا بمعظم عتاده، فاذا كان هناك ثمة فائدة "للانحياز" فهي الحفاظ على المعدات سليمة حتى اشعار اخر.  ثالثا، يبدو من الهجمات الرهيبة التي قام بها التنظيم في فرنسا وبلجيكا انه نجح في كسب تعاطف الكثيرين من المسلمين في الغرب، والذين عزموا على ما يبدو على الكمون كخلايا نائمة لا تحتاج لأكثر من اشارة البدء لتنطلق مستخدمة جهودها الذاتية وقليل من الامكانيات المتاحة للعمل ضد المجتمعات التي تعيش فيها. رابعا، المواجهات البرية مع داعش أنهكت القوات المهاجمة ايما إنهاك واستنزفت ميزانياتها ايما استنزاف، فالحكومة العراقية الأن مفلسة تقريبا وكلنا شاهد الصراع السياسي الذي تضمن اقتحام البرلمان من المتذمرين.  أما الحشد الشعبي فقد قتل منه الآلاف، وهاجر كثير من افراده الي الغرب.  فقدرة التحالف على الاتيان بنفس اعداد الجحافل التي هاجمت داعش بريا بالتزامن مع الضربات الجوية قد باتت محدودة. خامسا، استمرار الصراع غير كثيرا من القناعات بشأن داعش وخصومها.  فمن ذا الذي لايزال يعتقد أن داعش عميلة لإيران او الاسد بعد كل الرؤوس المقطوعة من هؤلاء؟  أما المعارضة الاسلامية "المعتدلة" والتي ظن كثير من الناس بها خيرا فقد سقطت عن وجوهها الأقنعة مؤخرا.  فجيش الاسلام بقيادة علوش الذي طالما عقد عليه الاسلاميين الآمال، تواطئ مع النظام لطرد داعش من الضمير.  وأحرار الشام هاجمت داعش شمال حلب بالتزامن مع محاولة الاخيرة مهاجمة النظام في خناصر.  وقوات "الصحوات" السنية أعطت غطاءا سياسيا ودينيا للجيش العراقي بمهاجمة الرمادي، حتى لا يقول الناس أن الحشد الشعبي الشيعي هو من يهاجم داعش.  باختصار، استمرار الصراع من شأنه تحول الكثير من المقاتلين الاسلاميين عن النصرة وغيرها الي داعش، اضافة لزيادة نسبة تعاطف عامة المسلمين معها.


وعمدة القول ان المعركة مع التنظيم لم تنته بعد.  فصحيح ان سير المعارك في الشهور الاخيرة لم يكن في صالحه، الا ان كل ما تقدم سرده من فرص مواتية تجعل من عودته بقوة لساحة الأحداث أمرا ممكنا جدا، بل ومحتملا إذا توافرت ظروف معينة تحدثنا عنها من قبل ويمكن أن نفصلها في مقال لاحق.  فرهان التحالف هو ان طرد التنظيم من الموصل والرقة سوف يؤدي الي هزة نفسية عنيفة لأعضائه تدفعهم لوضع السلاح والانخراط في تنظيمات اخري اقل عنفا، او الانضمام لجماعات الاسلام السياسي غير المنتهجة للعنف. وهذا الرهان، او ان شئت هذه الامنية، مبنية على عشرات من المشاهدات السابقة لمالات التنظيمات الارهابية في ماضي الايام، والتي ادي القضاء على قيادتها لذوبان قاعدتها في المجتمع الواسع بعد مراجعات فكرية وعقائدية عديدة.  لكن ما يغيب عن ذهن هؤلاء هوان عضوية تلك التنظيمات لم تتجاوز بضعة عشرات او مئات في أكثر الاحوال.  كما انها كانت تنظيمات محصورة في مكان جغرافي محدد يسهل ضربها فيه، وكانت قناعاتها الفكرية من الشذوذ والغرابة بحيث لا يمكن لها الانتشار خارج الدائرة الضيقة للأعضاء المفتتتنين.  أما في حالة داعش، فالتنظيم من الانتشار حول العالم ومن القدرة على الاقناع بحيث لا يمكن القضاء عليه بسهولة.  ففكر التنظيم، كما أوضحنا في المقال السابق، مأخوذ حرفيا من اقوال محمد بن عبد الوهاب، التي اتخذتها المملكة العربية السعودية مذهبا رسميا منذ تأسيسها، بل وعملت علي نشره لعقود طويلة.  كما أننا في حالة داعش لا نتحدث عن اشخاص معدودين يؤمنون بان ارواحهم سيحملها المذنب هالي بوب عندما يقترب من الارض إذا ما قاموا بالانتحار الجماعي. وانما نتحدث عن 40 الفا من المقاتلين المتمرسين ومائة ضعف هذا العدد علي أقل تقدير من المناصرين المنتشرين حول العالم.  وكل هؤلاء مؤمن تماما بأطروحات التنظيم الفكرية وعلى استعداد لتقديم حياته من أجل الذود عنها. أضف الي ذلك الملايين الأخرى، (وربما عشرات الملايين) من عوام المسلمين المعجبين بانتصارات التنظيم والمتحمسين لافاعيله بخصومه، والذين يمكن ان يتحول الكثير منهم للصنفين الاوليين اذا توافرت الظروف.  صحيح ان النوع الاخير سيكون اول المنصرفين إذا ماحلت بالتنظيم هزيمة عسكرية ساحقة طردته من مراكزه الاساسية، ولكن ماذا بشأن الصنفين الأوليين؟ هل سيستسلمون بسهولة، لا أظن.


فنحن اذن بصدد معركة طويلة ودامية جدا بين النظام العالمي وتنظيم داعش، تتراوح نتيجتها بين سقوط الاول سريعا او دخوله في نفق مظلم طويل لا مخرج منه في نهاية المطاف، يؤدي الي تغيير الحياة كما نعرفها علي كوكب الارض. وطبعا كما هو الحال دائما نحن لا نتحدث عن سيناريوهين صلبين، وانما عن تدرج من احتمال في أقصى اليمين الي احتمال في أقصى اليسار، وأغلب الظن ان ما سيحدث في الواقع هو أحد الاحتمالات الوسيطة.  فلننتظر ونري

Saturday, May 30, 2015

توقعات بما يمكن أن يؤول اليه حال المنطقة في الشهور القادمة

احنا بالصلاة عالنبي واضح اننا داخلين علي فترة شبيهة بنهاية كل جزء من أجزاء الأب الروحي التلاتة. فترة تصفيات وتغيير للأوضاع بعنف علي كل صعيد. وده كله ناتج من أن الأغبياء اللي بيحكموا الكوكب بدل ما يستفيدوا من الفرص الذهبية اللي بتمنحها الأقدار لتنفيس الاحتقان واللي كتبت عنها في بداية حسابي الأول بعد ثورة يناير. واللي مش فاكر اذا كنت نقلتها علي المدونة والا لأ, بيدفعوا للمزيد منه.  يعني بدلا من الرضي بحكومات الإسلام السياسي المعتدلة اللي جاءت بها صناديق الاقتراع بعد الثورات تآمرت تلك القوي الغبية لاسقاطها. وبالتالي بدل ما احتقان الشعوب يخف, زاد وتحول لعنف مسلح واجهته حاليا داعش اضافة لاتجاه الكثير من اجنحة الحركات التقليدية كالاخوان للعنف. ومن هنا نرجع ونقول تاني أنه لو الدول الكبري ضربت الانظمة الرجعية العربية اللي مولت الانقلابات علي ايديها وقالتلها كخ, مفيش داعي لرعاية وتمويل الانقلابات واجهاض الثورات في بلاد الربيع العربي مكناش حنبقي في الوضع الحالي.  لكن نقول ايه, الطوبة جت في المعطوبة, أو لعله قدر السماء, ان طغيان هذه الأنظمة هو اللي يودي بيها. 
.خير, كله خير ان شاء الله. خلينا نستعرض المنطقة بشكل عام ونحاول نستقرئ ايه اللي ممكن يحصل في الفترة القادمة.

سوريا
قوات الامن الداخلي (الشبيحة) حوالي 200 ألف فرد من العلويين بيكونوا شبكة قوية جدا في الساحل العلوي (طرطوس-بانياس-اللاذقية) اضافة لدمشق وحمص.  ودول مرتبطين عضويا بحزب الله في لبنان, ويمكن امدادهم من البحر كمان. الناس دي بتدافع عن وجودها ذاته حتي لو سقط الاسد او تم اغتياله مش يستسلموا.  جيش الفتح, المكون من جبهة النصرة و شوية جماعات اسلامية اخري متطرفة, والمدعوم من تركيا وقطر, وفي بعض الاقوال مؤخرا من سعودية سلمان.  نجح مؤخرا في الحصول علي ادلب وجسر الشغور, وطبعا حيحاول يكمل تحرير حلب, والزحف جنوبا علي حماة, وبعدين دمشق.  جيش الاسلام بتاع زهران علوش في الغوطة الشرقية مدعوم برضه من نفس الجهات السابقة وهو قريب جدا من دمشق ولكنه لايتحرك لاسباب غير مفهومة.  ما يسمي بالجبهة الجنوبية, المكونة من فصائل الجيش الحر المدعومة غربيا واردنيا وسعوديا صدت الهجوم علي درعا والقنيطرة, وان كان مفيش تقدم كبير.  داعش طبعا مسيطرة علي دير الزور والرقة, واجزاء من الحسكة, ومؤخرا خدت تدمر اللي هيا ضهر حمص, وماسكة الطريق الاستراتيجي لدمشق.  الديناميك اللي غالبا حيحصل هوه ان داعش حتتقاسم شمال ووسط سوريا مع المعارضة الاسلامية, وحيكون الزحف لدمشق سباق بين الطرفين دول وحتكون مذبحة.  لأنه زي ما قلنا الشبيحة مش حيتنازلوا عنها بسهولة. أذا عايزين توقعاتي, داعش هيا اللي حتدخل دمشق وحتلتهم الي حد كبير اراضي المقاومة الإسلامية.  أما الساحل العلوي فغالبا حيفضل علوي, لأنه لو دخلوه الاسلاميين وحصلت مذابح أتوقع تدخل دولي, روسي او فرنسي تحديدا بمعني انزال بري.

العراق
بعد احكام سيطرة داعش علي الانبار, واقترابها من بغداد, أتوقع حاجتين, دخولها للعتبات المقدسة في كربلاء بتفجيرات (ممكن جدا في رمضان).  زائد هجوم علي بغداد نفسها, وده مش سهل أبدا, لأنه زي ما قلنا قبل كده, نص بغداد الشرقي (الرصافة)كله شيعة, اضافة لأن أمريكا مش حتسكت.  أتوقع أنها حتكون معركة دموية وطويلة, لكن بفرض انتصار داعش وده مش مؤكد, غالبا حيكون ده حدها الطبيعي لأن الجنوب شيعي تماما ولايمكن التوغل فيه.

السعودية
أتوقع انه التفجيرات الموجهة ضد الشيعة حتزيد, وحتؤدي لانقسام طائفي مجتمعي حاد,ومشكلة الحوثي مش حتتحل, والحوثيين ممكن يخشوا مدن الجنوب السعودي.  وده حيدي فرصة ذهبية لداعش اللي هيا حاليا محتلة الانبار, اللي هيا علي حدود السعودية الشمالية بالدخول. وحيكون الوضع هيصة من كل ناحية.  في ظل الاستقطاب الطائفي الحاد, الغالبية السنية مش حتلاقي في الحكومة المركزية الموالية للغرب سند كافي مما سيضعف سلطة الاخيرة ويدي زخم لداعش.  وبالتالي أتوقع حروب رهيبة هناك وزوال سلطة آل سعود في المستقبل الذي ليس بعيدا جدا. 

الأردن
الملك عبد الله سيحاول جاهدا وأد خطر داعش في المهد عن طريق المشاركة في التحالفات ضدها وضربها قبل أن تصل اليه, اضافة لتشجيع السلفيين الموالين. مثل أبو محمد المقدسي وأبو قتادة لاستصدار فتاوي ضدها لصرف نظر اسلاميي الأردن عن تأييدها, خصوصا في معان والزرقاء والمعاقل الأخري دون جدوي.  وفي النهاية أتوقع دخول قوات مباشرة لداعش للأجزاء الشرقية من الأردن, وان كنت لا أتوقع زوال ملكه في الوقت الحاضر او في المستقبل المتوسط علي الأقل.

الكويت
صرح مسئولين ايرانيين أكثر من مرة أنه اذا سقطت دمشق فستسقط الكويت كنوع من التوازنات, فهذه الدولة التي تعتبر حكومتها اضعف حكومات الخليج.  نسبة الشيعة فيها حوالي 40% من السكان, وبها امراء في الاسرة الحاكمة محسوبين علي ايران, اضافة لملاصقتها للعراق والميليشيات الشيعية به.  ولذلك فمن المتوقع اذا تحققت التوقعات السابقة بانحراف البندول لصالح السنة في سوريا والعراق, ان يسيطر عليها الشيعة بشكل او باخر.  ولكن في هذه الحالة, الجهاديون سيدخلون علي الخط, ومن السعودية تحديدا التي ستكون في حالة فوضي, مما سيؤدي لاشتعال حرب رهيبة بالكويت أيضا. 

اليمن
 الحوثيون سيكملون سيطرتهم (بمساعدة صالح) علي مأرب وتعز وربما عدن. والضربات الجوية السعودية لن تغير شيئا, وان كنت أتوقع نشوء فرع لداعش هناك.  وانضمام الكثيرين من أعضاء القاعدة اليه بعد فشل الاخيرة في وقف تقدم الحوثيين, وانفجار المشهد الطائفي هناك وتحول الصراع لحرب طائفية ضروس. 

ليبيا
قوات فجر ليبيا وميليشيات مصراتة ذات الميول الاخوانية وضعت اصابعها في الشق من استيلاء داعش علي درنة ومؤخرا علي سرت.  لدرجة استعدادهم لتقاسم السلطة مع برلمان طبرق وحكومة الثني, بشرط ألا يكون هناك دور لحفتر, وأعتقد أن برناردينو ليون يبذل الآن جهودا يائسة لذلك.  ولكن سواء نجحت جهوده في الاتيان بحكومة وحدة وطنية أم لا, فأعتقد أن داعش ستسحب لواء العمل الاسلامي تدريجيا من فجر ليبيا, وقبل أن يمر وقت طويل.  سنري تدخلا غربيا مباشرا, فرنسيا او ايطاليا علي الارجح, لأن دول شمال المتوسط لن تسمح بنشأة امارة جهادية علي شواطئه الجنوبية, اما ما وراء ذلك.  فالرؤية غير واضحة حاليا والله أعلم وسنتطرق اليها عندما تتضح الرؤية أكثر.

 مصر
 كل ما أعرفه هو ثلاثة أمور: الأول هو أن السيسي فشل في ادارة الامور بشكل يرضي عموم الشعب, وأن قلة المدخول الخليجي بعد تحول الحكم في الرياض يشكل ضغطا خانقا عليه.  الأمر الثاني أن هناك انشقاقا واضحا في صفوف الانقلابيين, مما قد يدفع بعض اجنحة الجيش للانقلاب عليه مثلا سامي عنان او صدقي صبحي او خلافه.  الامر الثالث أن الاخوان يدبرون أمرا بليل, يتضح في سقطات كلام بعضهم عن "الرجال من ذهب" و"القائد" الذي سيظهر في الوقت المناسب.  ويتضح أيضا من طبيعة الايام الثورية ك 25 يناير و 6 اكتوبر وغيرها التي تبدو اقرب ما تكون للبروفة, حيث يتم التصعيد الشديد جدا في بعض المناطق.  كالمطرية مثلا, وفجأة, وبدلا من استمرار الضغط لبضعة ايام اخري لاسقاط الشرطة, يتم تهدئة كل شيئ كما لو كان المقصود اختبار قوة الشرطة وليس ضربها.  ومن هذين الامرين, يتضح أن الاخوان أيضا لديهم خطة ما, يتم فيها النزول باقصي قوتهم في الشارع, بالتزامن مع تحرك عناصرهم النائمة في الجيش.  وباستقراء تطورات الأحداث وتصاعدها خلال الاسابيع الماضية, يبدوا أننا مقدمون علي صيف ملتهب تحاول فيه كلا من هذه القوي الثلاثة السيطرة علي الامر. 

الخلاصة
 وطبعا, كما يعرف الجميع, فأن أصعب شيئ في محاولة التنبؤ بما سيكون, هو التنبؤ بالتوقيت, لأنه علي الرغم من امكانية صحة التخمين ومنطقيته.  الا أن توقع معدل حركة الاحداث, سيما في ظل وجود عوامل اخري كثيرة تبطئ أو تسرع منها تجعل من التنبؤ باالتوقيت أمرا شبه مستحيل.  ولكن اذا كان لي أن أخمن بشكل عام وفي كلمات قليلة ما ستكون عليه كلا من هذه البلدان بنهاية العام الحالي (2015), أقول:

سوريا: لن يكون بشار الأسد في الحكم.
العراق: ستكون داعش قد اصبحت حقيقة دائمة من حقائق الجغرافيا بسيطرة دائمة علي مناطق شاسعة من وسط وشمال البلاد.
السعودية: فوضي وهرج ومرج.
الكويت: بوادر فوضي واضطرابات.
الأردن: توتر داخلي شديد, ومشاكل علي الحدود مع سوريا والسعودية, واختراق لبعض نقاطها من داعش.
اليمن: حرب طائفية شاملة بين الزيود بزعامة الحوثيين والسنة بزعامة داعش والقاعدة او واحدة منهما.
ليبيا: وجود قوات أجنبية, مع حرب داخلية بين الاسلاميين والعلمانيين.
مصر: لن يكون السيسي في الحكم علي الاطلاق, والله أعلم بما سيكون عليه حال البلاد في ذلك الوقت, او من سيكون في سدة الحكم, وان كنت أرجح الاخوان.

Sunday, November 30, 2014

شخصيات تويترية: طرد ناسف اليها

ربما كانت مشهورة أو معروفة داخل أوساط النشطاء في مصر، ولكنها لم تظهر على خريطة راداري الا متأخرا نسبيا.  دعنا نقول خلال الشهور القليلة التي سبقت ثورة يناير.  وحتي كتاباتها التي تمزج النقد اللاذع للأوضاع السياسية والاجتماعية بالهجوم المباشر علي نظام مبارك في قالب ساخر محبب, حتي كتاباتها هذه التي جعلت منها بعد شهور قليلة أحد أبرز وجوه الثورة, ان لم تكن احدي أيقوناتها, حتي هذه الكتابات المذيلة بتوقيعها لم تنر مصباحا في عقلي يخبرني أنها قد تكون علي صلة قرابة بهذا الشاعر العامي الشهير, الذي لم أسمع به الا قبل ذلك بسنوات قليلة, وان كان اسمه يعيد الي الذاكرة ومضات من الطفولة المبكرة, كان الوالد رحمه الله يستمع خلالها الي اشعاره وقصائده من اذاعات مصر العربية والعروبة المشوشة المنطلقة من دمشق وبغداد أواخر عهد السادات.

أما مفتاح انبهاري الشديد بشخصيتها من خلال كتاباتها تلك، فهو أنها قد جمعت من الخصال ما يندر أن يجتمع في انسان، فضلا عن أن يكون انسانا مصريا علي وجه الخصوص.  فهي أولا لماحة سريعة البديهة، تستطيع أن تأتيك بجواب مناسب بليغ يرسم على الشفاه ابتسامة لأي سؤال يمكن تصوره، سواء أتي من عدو يريد احراجها بسؤاله أو صديق يبحث بصدق عن اجابة.  ويقف خلف قدرتها تلك ثقافة موسوعية, لا تقتصر علي الأدب أو الشعر العالمي, الذي ربما يتبادر الي الذهن أنها تلقته خلال دراستها الجامعية, أو علي ثقافة إسلامية شرقية متعمقة أيضا, لاتقف عند حدود التلقي الأصم, كما هو حال كثير من منتسبي الجماعات الإسلامية المختلفة, بل تتجاوزهما الي النظرة الناقدة النافذة, التي تصل الي فقه المقاصد, وتربطه ربطا شيقا جذابا بحياة الناس اليومية, وبالتصورات الفلسفية الأخرى التي جاء بها الفلاسفة والمصلحون الوضعيون, ثم تصوغه في عامية بسيطة خفيفة الظل تصل الي شغاف قلوب العامة, بما يعجز عنه من يفوقها فقها او علما او أدبا.

وهي مع ثقافتها العالية شديدة التواضع، حريصة كل الحرص علي صلتها بالقواعد الشعبية العميقة للشعب المصري، من عمال وطلاب وربات بيوت، تكلمهم في الأسواق، وتأكل معهم على المقاهي، وتنقل لقرائها أحاسيسهم ومشاعرهم دون مواربة أو تجميل.  لا أدري كم مر من الوقت حتى شعرت أنني أمام شخصية "بهية" التي كأنها قدت من صخر لتكون مثلا أعلي يلهمها في الحياة، أو نموذجا ينبغي لها أن تسعي للوصول اليه.  نعم، كانت هي بهية الحنون المحبة لكل المصريين، التي تئن وتتوجع مع آلامهم، وتضحك مع أفراحهم، وتضحي بسعادتها من أجلهم.  كانت الأم التي لا تكل من تكرار الدروس لأبنائها الصغار مهما استغلق عليهم فهمها، ولا تمل من تذكيرهم بوجوب الوحدة والوقوف صفا كأنهم بنيان مرصوص أمام أعداء الوطن، مهما اختلفت أهواءهم ومشاربهم.

لا اعتقد أن انجذابي لها كان انجذابا عاطفيا، فليست هي النوع من النساء الذي يثير في نفسي عواطف شخصية، اللهم الا الاعجاب العام بالخصال النادرة السابق ذكرها في انثي تقارب عمرها الزمني وميلها الفكري مع سني وفكري.  حتى أنني عندما رأيتها بعد ذلك في برامج تلفزيونية وجدتها عادية المظهر، لا تتصف بجمال بارع يخلب الألباب أو يدير الرؤوس، كما أن عصبيتها الواضحة ليست من العوامل التي تزيد من جاذبيتها أيضا.  ولذا لا يمكنني القول إنني نظرت اليها يوما كفتاة أحلام أو أن اعجابي بها اتخذ طابعا شخصيا، يطغي فيه حكم القلب علي حكم العقل، وانما كان انجذابي لخصائصها النفسية والعقلية في المقام الأول.

ولما جاءت الأيام الحاسمة، أيام الثورة، وكنت لا أزال خارج البلاد، لم أكن لأجد أفضل من مدونتها، إذا استيقظت فزعا بعد منتصف الليل، مصدرا مباشرا لأخبار الاعتصام في التحرير، وهل فض أم لا.  كيف لا وهي دائمة حاضرة في كل اعتصام، ناقلة لقرائها بالصوت والصورة، الحقيقة الكاملة لما يدور هناك.  لا أبالغ ان قلت إن تلكم الأيام كانت من أفضل فترات حياتي، فأنا بطبعي لا أميل الي النعرات الوطنية الزاعقة، وكنت قد فقدت الأمل في أن تنهض مصر من سباتها منذ وقت طويل.  الا أن تجمع كل أطياف الشعب المصري علي قلب رجل واحد في ميدان التحرير أيقظ الوطنية الكامنة في أعماقي، وصرت راغبا أن أهتف بأعلى صوت لكل من أقابله "أنا مصري"

كانت "بهية" بالنسبة لي اذن هي ضمير الثورة.  وكان سمتها الإسلامي التقليدي بالحجاب، وانتماؤها الصوفي الذي لا تنكره، والذي يصل في حب آل البيت الي حدود التشيع، واعترافها الصريح بالمكون القبطي غير المنكور للشخصية المصرية، مع يساريتها وفوضويتها الواضحتين، التين تعاديان أي سلطة بشكل تلقائي، وتضعاها موضع المتهم المطالب بتبرير موقفه بدلا من أن تلتمس له الأعذار كما يفعل معظم الناس، أقول، كانت "بهية" بكل هذا التكامل والتناقض في نفس الوقت أصدق تجسيد حي لمصر كما تخيلتها دائما.  بحيث أن مصر لو بعثت الي الحياة ودبت فيها الروح وصارت امرأة تسعي على قدمين لكانت هي بهية.  طبعا كل هذا لا يعني أنني مندمج أو متوحد تماما مع هذه الشخصية الفريدة، أو أنني أعتبرها تجسيدا لي أنا شخصيا على أي وجه من الوجوه. فبسنوات عمري التي قضيت نصفها خارج البلاد، لا أعتبر نفسي كامل المصرية، ولا أعتبر هذا التجسيد الذي تقوم به "بهية" معبرا عن شخصي كانسان، ينظر الي نفسه كمواطن للعالم أكثر من نظره الي نفسه كمصري، الا أنه كان تجسيدا باعثا على الاعجاب والانبهار دون شك.  مما جعلني أتفق تماما مع كل خطراتها أو اختياراتها الفطرية لما كان يعرض على الثوار في الميدان من خيارات تستدعي قرارات لحظية.  كيف لا وهي الضمير الحي المتجسد لمصر في تلك اللحظة.

حتى إذا وصل الجمع في الميدان الي تلكم اللحظة الفارقة، لحظة تنحي مبارك، أصابتني دهشة شديدة لأن خيارها كان عكس خياري تماما للمرة الأولي منذ بداية الأحداث.  فأنا لم اشك لحظة واحدة في خيانة المجلس العسكري لمصر وتآمر قيادة القوات المسلحة مع مبارك.  كيف لا ومبارك هو من عين أعضاءه وأغدق عليهم المنح والعطايا في المقام الأول؟ ولذا فقرارها، وقرار غالبية الثوار بترك الميدان وائتمان المجلس العسكري علي قيادة البلاد خلال الفترة الانتقالية كان كائتمان الثعلب على مزرعة الدجاج.  وللأمانة، فهذا لم يكن رأيها وحدها، بل ضل في عداد من اتخذ الرأي ذاته كثير من الجماعات والمفكرين الذين لا أذكرهم الا مع الأسي، وبقي في المقابل القليل من القوي الثورية "الراديكالية" وبعض الإسلاميين كالشيخ حازم صلاح أبو إسماعيل.  الا أن تعصبها للجيش فاق كل حد، فهي من أطلقت عبارة "جيشنا حبيبنا" ووضعت على مدونتها أغنية سيد درويش الشهيرة "أحسن جيوش في الأمم جيوشنا" للتدليل على عدم محدودية ثقتها في قيادة القوات المسلحة.  كتبت لها أحذر من الثقة فيمن لا ينبغي أن يوثق به، وكان ذلك بعد الانصراف من الميدان بأيام قليلة.  ثم كتبت ردودا أخري على مقالات مدونتها عبر الشهور القليلة التالية، ومن يرجع الي بدايات مدونتي هذه، سيجد إعادة نشر لهذه الردود والرسائل بتواريخها الأصلية.

ومع ازدياد الأحداث زخما، زادت مساحة اختلافنا الفكري اتساعا.  ففي الوقت الذي هب فيه شرفاء من داخل الجيش للانضمام الي صف الجماهير وبيان ما في داخل القوات المسلحة من فساد، هددت هي بالإبلاغ عنهم، لأنهم (حسب رأيها) قد تجاوزوا الحدود عندما أقدموا على التظاهر بلباس الجندية.  وفي سياق قريب، دعت المصريين للتصويت بنعم على اعلان مارس الدستوري الشهير، الذي وضع الكثير من السلطات في يد المجلس العسكري وتسبب في أعظم المتاعب بعد ذلك، طيلة فترة حكم المجلس.  وللأمانة، فقد دعا الإسلاميون أيضا (وفي مقدمتهم الاخوان) الي التصويت بنعم على ذات الاستفتاء، وان لم يكن ذلك تعبيرا منهم عن الثقة المطلقة بنوايا المجلس، بقدر ما كان برجماتية ورغبة في الإسراع بالعملية الانتقالية، حتى وان أدي ذلك الي زيادة مؤقتة في صلاحيات العسكر.  وطبعا كنت ضد هذا وذاك، أولا لانعدام ثقتي في العسكر، وثانيا لانعدام يقيني في قدرة أي فصيل على التغلب عليهم في مجال الدهاء، مهما بلغت قوته. الا أن هذين الحدثين كانا نقطة فارقة شكلت تبدلا تاما في موقفي وموقف "بهية" من كل من الاخوان والعسكر.

يحسن بي هنا أن أعترف للقارئ أنني لا أنتمي الي أي فكر سياسي أو مدرسة فلسفية جمعية معينة، غير أن الكثير من أرائي تتفق مع أراء الاشتراكيين التحرريين، الذين يطلق عليهم العامة الاناركيون أو الفوضويون.  وتبعا لذلك، فأنا لا أنتمي الي فكر الإسلام السياسي علي الاطلاق، ولا أؤيد دعاته من منطلقات فكرية أو عقائدية.  وكما أوضحت في الفقرات السابقة، كنت متحفظا من البداية على الكثير من مواقف الإسلاميين، من حيث دعوتهم للتصويت بنعم على اعلان مارس الدستوري، أو وثوقهم بالمجلس العسكري.  بيد أنني بحكم الواقع، كنت أعلم علم اليقين أن الاخوان (والاسلاميون عموما) يمثلون القوة الوحيدة القادرة تنظيميا على اجتثاث نظام مبارك والقضاء على دولته العميقة.  ولذا ناديت تدريجيا عبر تويتر وعبر مدونتي ابتداء منذ منتصف 2001بأن يصطف اليساريون والقوميون، والليبراليون خلف الاخوان، باعتبار الاخوان أكبر فصيل ثوري، يمتلك من الكوادر والامكانيات ما يمكنهم من استكمال معركة الثوار التاريخية لاستكمال بناء المؤسسات الديمقراطية والقضاء على نظام مبارك.  ناديت بأن يؤيد الثوار العلمانيون الاخوان، حتى وان لم يوافقوا على بعض الخطوات التفصيلية التي قد يقدم عليها الاخوان أثناء مسيرة الكفاح لتسلم السلطة من المجلس العسكري، لأنه ببساطة لا يوجد ثمة طريق آخر، والقوي الثورية العلمانية غير قادرة على الفعل المنفرد بمعزل عن الاخوان.  ومن هنا ناديت بأن يقف الثوار العلمانيون صفا واحدا خلف الاخوان في وجه مماطلات المجلس العسكري لأجراء انتخابات برلمانية أو رئاسية، ثم ناديت بالتصويت لمرسي بعد ذلك.

أما بهية، فقد اتخذت الموقف المعاكس تماما.  فبداية، انتقدت أداء مجلس الشعب الذي رأسه الكتتاتني انتقادا لاذعا مريرا منذ اللحظة الأولي لحلف اليمين، حتى قبل أن تعطيه الفرصة لأثبات حسن الأداء، ومع العلم التام بالمؤامرات التي كان المجلس العسكري يحيكها له منذ اللحظة الأولي لوجوده، انتهاء باستصدار حكم من المحكمة الدستورية بحله.  وقس على ذلك موقفها من مجلس الشورى بعد ذلك.  ولما اضطرت موائمات الاخوان مع المجلس العسكري الي اتخاذ موقف مائع من الثوار العلمانيين الذين تظاهروا في شارع محمد محمود بالقرب من وزارة الداخلية، صبت جام غضبها على الاخوان، واتهمتهم بالنفاق والتآمر على الثورة، علما بأن هؤلاء الثوار، بعددهم المحدود، لم يكونوا ليغيروا من الامر شيئا، خصوصا وأن البلاد كانت في منتصف عملية سياسية بالفعل، ولم تكن بعض التظاهرات الصغيرة هنا أو هناك لتضيف شيئا يذكر.  وازداد منذ تلك اللحظة عداء بهية للإسلاميين، بالرغم من أنهم (أي الإسلاميون) كانوا في أشد الحاجة الي التأييد من القوي الوطنية والنشطاء المستقلين مثلها، لأنهم كانوا يمثلون رأس حربة الثورة التي تحاول أن تنتزع بصعوبة مكاسب جديدة للثورة من المجلس العسكري المماطل.  ولو أن الجميع أجلوا نقدهم المرير حتى نتسلم (كثوار) السلطة كاملة، لكان خيرا لنا، ولكن...

طبعا كما يعلم جميعنا الآن، فان المجلس العسكري قد فعل كل ما بوسعه بعد ذلك لتفتيت الصوت الإسلامي والحيلولة دون ترشيح أقوي المرشحين الإسلاميين وأوفرهم حظا في انتخابات الرئاسة.  فمن شطب أبو إسماعيل وخيرت الشاطر، الي النفخ في ترشيح أبي الفتوح، تفتت الصوت الإسلامي تماما.  وبدلا من ان نحاول كثوار راب الصدع والاتفاق على مرشح توافقي للثورة أمام ما بدا وكأنه اتفاق للثورة المضادة علي أحمد شفيق، إذا ببهية تدعو للمقاطعة تارة، وللتصويت لمن لا فرصة له كخالد على تارة أخري، وتنعت مرسي بأقذع الالفاظ (كالاستبن والنحس) تارة ثالثة.  صحيح أنها يذكر لها أنها فرحت من قلبها عندما أعلنت نتيجة انتخابات الإعادة بين مرسي وشفيق، ولا أزال أذكر تويتاتها المتتالية "مرسي، مرسي، مرسي" عندما أعلن المستشار النتيجة، الا أنها لم تعط الرجل أي فرصة للأداء بعد توليه الرئاسة، سيما وأنه كما نعلم، جاء بصلاحيات منقوصة وسلطات مكبلة اختزلها المجلس العسكري بإعلانه المكمل.  وان أنس لا أنسي دعاءها المرير علي مرسي لأنه لم يطلق سراح المعتقلين مباشرة فور توليه الرئاسة.  هذا مع العلم أنه أطلق سراحهم خلال شهور قليلة بالفعل، وانما توجب عليه التدقيق في القوائم المقدمة اليه من قبل المجلس العسكري، لأنه خشي أن يكون المجلس قد أدخل بين الأسماء أسماء بعض المطلوبين جنائيا لتسهل مسائلته بعد ذلك كما حدث بالفعل. ومع كل هذا، ففشل مرسي أو تباطؤه في الافراج عن بعض المعتقلين لا يقارن بتاتا باعتقال عشرات الألوف من المواطنين في عهد السيسي، والذين لم تجرؤ بهية علي انتقاد الأخير بشأنهم ولو بشق كلمة.

ومع بداية الحملة المسعورة التي شنتها الثورة المضادة لإسقاط مرسي، والتي وافق قادة جبهة الإنقاذ على ان يقوموا بدور الواجهة السياسية لها، زاد هجوم بهية علي الاخوان بحق ودون حق.  وفي الوقت الذي بدا فيه لكل ذي عينين أن ما يحدث انما هو محاولة سافرة لدولة مبارك العميقة للعودة الي الحكم مرة أخري على أسنة رماح القوات المسلحة، لم تستهجن هي أن تدعو مع الداعين الي اسقاط مرسي في الثلاثين من يونيو والتسبيح بحمد السيسي بعد ذلك، بل والتغزل في لباقته وذكائه وحسن منطقه، وهي أمور يعرف القاصي والداني الآن أنها عكس حقيقة الرجل على طول الخط.  حتى عندما طلب الرجل تفويضا لقتل المتظاهرين في رابعة والنهضة، ترددت قليلا، الا أنها عادت وبررت الطلب وجوزت لقرائها إعطاء التفويض.  ولما حدثت المقتلة كتبت تلوم أجهزة الامن عليها، لأن من شأنها "اذكاء الإرهاب وإعطاء الفرصة للإسلاميين لإشعال البلد."  أي ان الأرواح التي أزهقت، والأنفس التي قتلت لم تعنها في شيء، وانما عنتها فقط التداعيات الأمنية الكارثية المحتملة على البلاد.

وهي في كل ذلك لا تبدي أي ارعواء او عودة للحق، بعد أن استبان لكل ذي لب خيانة السيسي لمصر وللعروبة وللإسلام.  فالرجل وقف بشكل كامل مع إسرائيل ضد الفلسطينيين في حملتها ضد قطاع غزة، وكان أداؤه في سيناء أشبه ما يكون بأداء مقاول من الباطن للموساد الإسرائيلي.  بينما مرسي الذي شنعت عليه وتآمرت ضده وخرجت لإسقاطه اتضح بشهادة الاسرائيليين أنه كان المورد الأساسي للغذاء والدواء والمؤونة للمقاومة الفلسطينية.  وحتى في ليبيا، السيسي لا يخجل من التصريح والتلميح بتأييده لحفتر، الذي يريد القضاء على الثورة الليبية وإعادة أنتاج نظام القذافي.  وبعض ذلك او قدر يسير منه كان يكفي لأن يراجع الانسان نفسه ويعلم كيف ظلم غيره ونفسه، ولكن هيهات ان ترعوى أو ترجع الي الحق، حتى بعد أن أطلق سراح مبارك، وظهر للجميع أن ما حدث في الثلاثين من يونيو كان إعادة لإنتاج النظام البائد بكل تفاصيله.

خطأ كبير آخر وقعت فيه بهية، كما وقع فيه كثير من اخواننا اليساريين تحديدا، كان اساءة تقدير قوتهم النسبية في الشارع المصري، أو قدرتهم على الفعل، وعلي حشد الجماهير لتحقيق أهداف الثورة، أو بالأحرى، قدرة الجماهير على احداث التغيير المنشود بمجرد التظاهر.  وان أنسي لا أنسي مطالباتها للمصريين بالنزول لإسقاط الاخوان كما أسقطوا مبارك، مطمئنة مخاوف بعضهم من توجهات الحكم الجديد "بأن في مقدورنا دائما أن ننزل الي الشارع وأن نسقطه إذا لمسنا منه انحرافا عن اهداف الثورة" وهي في ذلك تغفل تماما أن نظام مبارك كان يستطيع، لو أراد، سحق ثورة الخامس والعشرين من يناير، لو أنه استخدم عشر معشار العنف الذي استخدمه القذافي أو الأسد ضد شعبيهما على سبيل المثال.  كل ما في الأمر، ان المتنفذين في الدولة العميقة آثروا أن يضحوا براس النظام (مبارك) وببعض القيادات الأخرى منتهية الصلاحية، ريثما يتمكنوا من تقليص مكاسب الثوار لأقل قدر ممكن.  وعليه، فلا التظاهرات الأولي في الخامس والعشرين من يناير، ولا الوسيطة في محمد محمود ومجلس الوزراء والعباسية، ولا حتى المزامنة للانقلاب في الثلاثين من يونيو غيرت أي واقع على الأرض، وانما كان صراع القوي الحقيقية ذات الوزن القادرة على الفعل هو الذي حدد أين تتوقف نقطة التوازن في كل حالة.  هذه المثالية المفرطة، التي تصل الي حد السذاجة والتفاؤل الطفولي بقدرة الجماهير على احداث التغيير بمجرد النزول الي الشوارع والساحات، وبأن الحكام وأجهزتهم الأمنية المتحكمة في كل شيء ما هم الا ريشة في مهب الريح تلعب بها الشعوب ان أرادت كيف تشاء، هي أحد مواريث الفكر الخيالي الحالم المنفصل عن الواقع لكثير من اليساريين في مصر، وليس لبهية وحدها على أي حال.  ومع الأسف، فقد استغلت أجهزة الدولة العميقة هذا الاعتقاد الخرافي أبشع استغلال لاستثارة حفيظة هذا القطاع من الثوار ضد مرسي والاخوان عموما، كلما حدث اختلاف في الرؤية معهم. فقد كان يكفي دائما أن يوحي اليها بعض متابعيها على تويتر مثلا بفكرة التظاهر ضد مرسي لأنه فعل كذا وكذا، لكي تدعو الي الخروج والحشد ضده.   ومن سخرية الأقدار، أن بهية ومن لف لفها من الثوار الذين كانوا أسرع من يتظاهر ضد مرسي عند أدني اعتراض على قراراته، صار بهم الحال الآن الي انهم يعتقلون ويقدمون الي المحاكمات بل ويعذبون، كما حدث مع أحمد دومة وعلاء عبد الفتاح وغيرهم، لمجرد ابداء الاعتراض على إحدى سياسات نظام السيسي الانقلابي، دع عنك التظاهر ضده.  ولو أنها تدبرت في هذا وحده لكفاها دليلا علي وجوب الاعتراف بالحق والرجوع الي صفوف الثوار ضد نظام مبارك المستنسخ، الذي ساعدت في اعادته الي الحياة بقصد او دون قصد.  والأهم هو الاقتناع بأن تغول الدولة القمعية الحديثة لا يترك أي فرصة للنشطاء المنفردين، او حتى للجماهير المحتشدة لإحداث التغيير، فضلا عن التحكم في مقاليد الأمور.  ولذا فالطريق الوحيد لتحقيق ذلك هو العمل المنظم من خلال حزب أو جماعة ذات أذرع عديدة تضاهي تلك التي تتمتع بها أجهزة الدولة القمعية وتتمكن من تحييدها والقضاء عليها.  قد يري البعض في الأحزاب الشيوعية الثورية قديما، أو الجماعات الإسلامية المسلحة حديثا أمثلة لذلك، وهذا مبحث آخر.  ولكن المقصود هنا، هو أن الاخوان، بتنظيمهم الدولي، وكوادرهم العديدة في كل المجالات، وميزانيتهم الضخمة، كانوا أقرب ما يكون الي طبيعة العمل المنظم المطلوب لتفكيك دولة مبارك العميقة.  فبدلا من تعضيدهم وسد ثغراتهم والوقوف خلفهم لإتمام المهمة المنشودة، قمنا بتفكيكهم والإرشاد عن قادتهم والعمل على القضاء عليهم.  ولا أدري، أتتاح لنا فرصة أخري للعمل المنظم ضد دولة مبارك الاخطبوطية العائدة الي الحياة أم لا، وان كنت أدعو من قلبي ألا نكرر نفس الخطأ، ان أتحفتنا الأقدار بفرصة جديدة.  .


لا أدري بم أفسر إصرارها على تأييد الباطل، مع اعتقادي أنها من الذكاء بحيث لا تغيب عنها تلك الحقائق الساطعة.  هل حز في نفسها لعن بعض سفهاء الاخوان لأبيها وخوضهم في عقيدة أمها، ودعائهم عليها بأن ينتهي حملها الأول؟ أعلم تماما كم هي مؤثرة وجارحة تلك الأمور، خصوصا لمن كانت يوما ما أحد أبرز المدافعين عن الاخوان، الداعين الي تقاربهم مع اليساريين.  ولكن الأمر لا يتعلق الآن بأشخاص أو جماعات.  ان الوطن ذاته قد بات على المحك.  إنك قد مكنت للفساد والاستبداد والاستكبار في الأرض بحسن منطقك، وجاذبية حديثك، وحسن قبولك لدي الناس.  إنك يا صديقتي العزيزة التي لم التقها يوما قد شطبت بجرة قلم مظالم ودماء آلاف المصريين، بزعم أن غيرهم قد ماتوا أيضا ولم يلق لهم الاخوان بالا، والظنان باطلان، فلا الاخوان لم يلقوا لهم بالا، ولا يمكن ان يجرمنا شنأن قوم ألا نعدل.  أعلم أن كثيرا من سفهاء الإسلاميين قد سبوك، وأعلم أن كثيرا منهم لن يصل الي عشر معشار ادراكك لمقاصد الإسلام السياسية والاجتماعية، ولكن هذا ليس مبررا لغمط الناس وبطر الحق.  ان الظلم ظلمات يوم القيامة، وقد أمرنا أن نتقي فتنة لا تصيب الذين ظلموا منا خاصة، فكيف بمن ظلم؟ اعتبري هذا طردا ناسفا أو رسالة مفخخة قد تصيب بعضا منك بأذى بهدف ايقاظك من سباتك، فهذا والله خير من أن يغرقك الطوفان القادم لامحالة.