كيف خرجت داعش الي حيز الوجود؟
بعد تقدم قوات التحالف نحو بغداد عام 2003، أدرك صدام حسين أن لا فائدة من
مقاومة الجحافل الغازية بطريقة الجيوش النظامية التقليدية. وذلك لأن الجيش
العراقي كان قد أنهك تماما من القصف المتواصل والحصار المستمر وانقطاع الامدادات وقطع
الغيار. ولهذا قرر صدام أن يحول المقاومة من حرب نظامية الي حرب عصابات ترهق
القوات الغازية وتستنزفها وتدفعها للانسحاب بعد فترة طالت أم قصرت. فقام
بتوزيع كثير من الأسلحة والذخائر والأموال على منتسبي حزب البعث والدفاع المدني
والمقاومة الشعبية، فضلا عن اصدار أوامر للجيش النظامي بالتحول ألي فرق صغيرة
لامركزية الإدارة، يمكنها المراوغة والانخراط في حرب العصابات. ولما كانت
ظروف عراق ما بعد حرب الكويت (من حيث تمرد الشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال
وصعود التعاطف مع الحركات الجهادية السنية بعد غزو أفغانستان) قد جعلت من استمرار
التمسك بعقيدة البعث العلمانية أمرا غير عملي، فقد بدأ صدام بعد حرب الكويت
تدريجيا إضفاء الصفة الإسلامية السنية على دولته، كإدخال لفظة "الله
أكبر" علي العلم العراقي، واستخدام مصطلحات سلفية صرفه في الحديث عن الشيعة
"كالصفويين والرافضة." وبلغ هذا الاتجاه ذروته بعد انهيار الجيش
العراقي وقرار صدام المشار اليه بالتحول الي حرب العصابات، فقد أصدر توجيهات الي
قادة البعث والجيش والمقاومة "بخلع قبعة البعث العلمانية وارتداء عمامة السنة
الإسلامية." وهنا يجب الإشارة الي أن هذا القرار لم يكن قرارا تكتيكيا
فقط، يهدف لاستدرار عطف وتأييد السنة داخل وخارج العراق، بل كان أيضا قرارا
استراتيجيا وتحولا أيديولوجيا يعكس قناعة صدام المتنامية بأن الهوية الإسلامية
تمثل الرابطة الحقيقية الأقوى بين عرب العراق السنة وليست أي هوية أخري. وطبعا جاء
قرار بريمر، حاكم العراق العسكري، بتسريح ما تبقي من الجيش العراقي تحت حجة
"القضاء على البعث" كقشة قصمت ظهر البعير، لأنها قضت على وظائف وأبواب
رزق من تبقي في الجيش بعد احتلال بغداد، وأقنعهم بالانضمام الي صفوف المقاومة.
تواكب مع سقوط بغداد، الحدث الذي هز مشاعر السنة في العالم أجمع، أن تنظيم
القاعدة في خراسان بزعامة أسامة بن لادن رأي في هذه المصيبة فرصة لمد الجهاد الي
ساحات جديدة، فأرسل بعض المقاتلين الي العراق الذين سرعان ما انضووا تحت لواء
الأردني أبو مصعب الزرقاوي لتكوين نواة لتنظيم القاعدة في العراق. ولم يمر
وقت طويل حتى بدء التناغم والتعاون والتنسيق يحدث بشكل تلقائي بين هذين الفصيلين:
بقايا جيش صدام ومنتسبي البعث، الذين سوغ لهم توجههم الإسلامي الجديد التعاون مع
التيار السلفي الجهادي ممثلا في القاعدة، والقاعدة في العراق، التي لم تجد حرجا في
التعاون ومد اليد الي بعثيين سابقين، طالما أنهم قد التزموا إسلاميا، لأن الإسلام
والالتزام يجبان ما قبلهما.
وطبعا لا يعني هذا أن كل منسوبي البعث السابقين أو كل ضباط الجيش المنحل أو
حتى كل السلفيين الجهاديين قد انخرطوا في جماعة الزرقاوي، فحزب البعث ككينونة
لايزال قائما يصدر البيانات، وكثير من منتسبيه انضوي تحت لواء جيش الطريقة
النقشبندية بقيادة عزة إبراهيم. وبالمثل، الكثير من ضباط الجيش شكلوا ما عرف باسم
المجلس العسكري، وكل هذه الجماعات شارك بشكل أو بآخر في مقاومة الجيش الأمريكي بعد
سقوط بغداد. الا أنه يمكن القول إن العمود
الفقري للمقاومة السنية المسلحة في العراق بعد الغزو شكله هذا التحالف الذي لم يكن
انتهازيا بقدر ما عكس تقارب الأفكار والايديولوجيا والظروف بين الفريقين. والمقصود هو أن ما يشاع عن أن تنظيم الدولة
الإسلامية (ومن قبله قاعدة العراق) ما هو الا مجموعة من البعثيين العلمانيين الذين
يستغلون الحماس الديني لكثير من غلاة شباب السنة لتحقيق أحلامهم في الانتقام من
شيعة العراق وإعادة بعث صدام القديم الي الحكم هو محض هراء لا يقوم عليه دليل ولا
يعضده منطق. فحتي بافتراض أن هذه هي الخطة
الأصلية لتلك الثلة من الضباط, فأن التفوق العددي الهائل للمتطوعين الجهاديين من
بلاد مختلفة, بما فيهم من هو متمرس في فنون القتال في الشيشان والبوسنة وأفغانستان
وغيرها, كان حقيقا بأن يؤدي الي انقلاب داخلي يقوده أولئك القادمون الجدد, بعد أن
تتبين لهم "الخطة الشيطانية" للبعثيين الملاحدة الأقل عددا وعدة والحال الوحيد الذي يمكن معه تصور استمرار
سيطرة قلة من "البعثيين الزنادقة" علي كثرة من المجاهدين المتحمسين هو
افتراض أن الأخرين ما هم الا جماعة من المتخلفين عقليا او ممن نوموا مغناطيسيا, أو
ممن سلبت ألبابهم حشيشة كحشيشة الحسن الصباح..
إذا كانت داعش بكل القوة المشاهدة حاليا، فلماذا هزمت ولم تتمكن من التغلب
على الاحتلال الأمريكي للعراق؟
بالرغم من وجود مئات الآلاف من الجنود الأمريكيين المزودين بأحدث أنواع
الأسلحة, ومع أن الشيعة والاكراد تعاونوا تعاونا مطلقا مع القوات الغازية, الا أن
المقاومة السنية التي كانت في الصدارة منها جماعة القاعدة في العراق, إضافة لكل
المجموعات الأخرى المشار اليها في إجابة السؤال السابق, دوخت قوات الاحتلال وأوقعت
بها خسائر فادحة, مما حدا بالإدارة الامريكية الي تغيير خطتها العسكرية المعتمدة
علي وجود فوات محدودة ذات قدرة فائقة علي الحركة السريعة (خطة رامسفيلد) الي خطة
تقليدية تعتمد علي وجود مالا يقل عن ثلاثمائة ألف جندي علي الأرض. ولكن مع هذا
كله، زادت الخسائر جدا في صفوف الأمريكيين، سيما في المثلث السني (الأنبار، صلاح
الدين، ديالي) واحتاج الأمر الي شراء ذمم رجال العشائر لتكوين ما عرف بالصحوات،
وهي قوات سنية لمقاتلة الثوار. ولم تتمكن تلك القوات من تحجيم الثوار (وليس القضاء
عليهم) تماما الا بعد سنين عديدة. ونخلص من ذلك الي أن جماعة القاعدة في العراق
(سلف داعش) لم تهزم بالمعني المفهوم، أي لم يقض عليها تماما، وانما حجم نشاطها
وتقلصت منطقة نفوذها (شأنها شأن باقي جماعات المقاومة) بعد أن حرمت من الحاضنة
الشعبية وانقلبت القبائل السنية عليها، بل وقاتلتها عن طريق الصحوات. فيما
عدا ذلك، صقلت المعارك من المهارات القتالية لقادتها العسكريين، مما أفادهم فيما
بعد في عملياتهم الحالية في العراق والشام.
هي اذن جماعة عراقية بامتياز، لماذا تمددت الي الشام وقاتلت الجماعات
الجهادية الأخرى؟ ألا يثبت ذلك عمالتها للنظام السوري والمخابرات الإيرانية، سيما
وأن هناك صلات موثقة بين القاعدة وإيران؟
لا يخفي على أحد أن الفكر السلفي الجهادي الذي انبثقت منه القاعدة وروافدها
لا يعترف بالحدود السياسية بين الدول القومية الحديثة، ويدعو دائما الي إقامة
الخلافة الإسلامية الشاملة. ومن هذا المنطلق، قامت القاعدة في العراق بتغيير
اسمها الي دولة العراق الإسلامية كخطوة أولي لترسيخ مفهوم "الدولة" التي
تسيطر على مساحات من الأرض وتحكمها تمهيدا للتوسع نحو تكوين خلافة بعد ذلك.
ولما اجتاح الربيع العربي دول المنطقة في مطلع 2011 وبدا جليا أن النظام الأسدي لن
يتنازل سلميا عن السلطة كما فعل نظيريه التونسي والمصري، بل وشرع في قتل
المتظاهرين بوحشية مفرطة (مع التحفظ في وصف ما حدث في سوريا بداية بالثورة)، وجد
تنظيم دولة العراق الإسلامية في الأمر فرصة سانحة لنصرة أهل السنة في سوريا،
وترسيخ مفهوم عالمية الإسلام الذي لا يعترف بالحدود السياسية "المصطنعة"
بين الدول، فأرسل طرفا من فصائله الي سوريا تحت اسم "جبهة النصرة".
وهنا بدأت المشاحنات التي تطورت فيما بعد الي قتال بين تنظيم دولة العراق
الاسلامية (الذي ما لبث أن غير اسمه رسميا الي الدولة الإسلامية في العراق والشام
ليعكس واقع تمدده الي الشام) وبين باقي الفصائل الجهادية الأخرى لأسباب
عديدة. فمعظم مقاتلي داعش, كما رأينا, كانوا في البداية عراقيين, إضافة لما
تيسر من مجاهدين قدموا من مختلف أصقاع العالم من أجل إقامة الخلافة. بينما
معظم منسوبي الجماعات الجهادية الأخرى (بما فيها جبهة النصرة التي انضم لها كثرة
من السوريين، وما لبثت قيادة القاعدة في أفغانستان أن اعترفت بها كفرع لها في
سوريا) هم من السوريين أصحاب البلد الأصليين. وطبيعي أن يفضي هذا التباين
الي نوع من الحساسية بين الطرفين، لأن السوريين لن يقبلوا أن تقودهم مجموعة من
الأجانب لتحرير بلدهم ومن ثم حكمها بعد ذلك. إضافة الي أن الرؤية التكتيكية
والاستراتيجية اختلفت تماما بين الطرفين. فمجاهدو الفصائل الأخرى (كالنصرة
واحرار الشام وصقور العز وما الي ذلك) يرغبون في الاحتفاظ بدولة سورية مركزية،
يتعايش فيها السنة جنبا الي جنب مع الدروز والعلويين والمسيحيين. طبعا هم يريدون لهذه الدولة أن تكون إسلامية
التوجه، الا أنهم لا يمانعون في مشاركة من يرونهم شركاء في الوطن في الحكم بشكل أو
بآخر، ويريدون في النهاية أن تبقي سوريا ككيان مستقل. أما داعش, فهي أولا تكفر
الشيعة والعلويين, ولا تري لهم مكانا في الحكم. وهي ثانيا لا ترغب في الحفاظ على
سوريا كبلد مستقل بمعزل عن الخلافة.
وانعكس هذا الاختلاف في الرؤية المبدئية والهدف النهائي لكل من الفريقين
على تكتيكاته العسكرية. فكان طبيعيا للجماعات التي تسعي للاحتفاظ بسوريا
كوطن تتشارك كل فئاته في حكمه أن تسعي لإسقاط النظام عن طريق استهداف المدن
الكبيرة كدمشق وحلب وحمص وغيرها. أما داعش, برؤيتها المتمثلة في إقامة خلافة
إسلامية تكون سوريا جزءا يسيرا منها, فكانت غير متعجلة لإسقاط النظام الأسدي القوي
المتمركز في المدن الكبرى (سيما ذات الحضور العلوي القوي كاللاذقية ودمشق مثلا)
لأن ذلك ربما يمثل هدفا صعب المنال في البداية, لتحصن النظام واحتماءه بحاضنته
الشعبية من أبناء طائفته ذوي الكثافة في تلك المناطق. وانما قضي المنطق
الداعشي بالتمدد الي المناطق ذات الأغلبية السنية، والتي تمثل حاضنة شعبية طبيعية
للدولة الإسلامية الناشئة، وتأجيل الاصطدام المباشر بالنظام في مراكزه القوية الي
مرحلة لاحقة تكون فيها شوكة الدولة الجديدة قد قويت، وأصبح لديها من العدة والعتاد
ما يمكنها من التصادم المباشر مع قوات النظام. وكان من شأن تباين هذين
الاستراتيجيتين أن أساء الكثيرون فهم تصرفات داعش واتهموها بالتواطؤ مع النظام ضد
الجماعات الجهادية الأخرى. وهذا غير صحيح بالمرة، فكيف يتواطأ تنظيم سني متطرف في
سنيته مع من يعتبرهم كفارا ضد اخوانه من السنة، وان أختلف معهم في الرؤية؟
وواقع الأمر أن النظام أدرك اختلاف الأساليب بين داعش من ناحية وباقي الجماعات
الجهادية من ناحية أخري، فساهم في نشر الشائعات عن تواطؤ داعش معه ليفت في عضد
الجهاديين وليضرب اسفينا بينهم. ومن ناحية أخري، فالنظام عندما ووجه بجهدين
حربيين مختلفي المقاصد، أحدهما يسعي لإسقاطه مباشرة عن طريق مهاجمة المدن الكبرى
بما فيها العاصمة، بينما يسعي الآخر لاقتناص مساحات من الأراضي الريفية وبعض المدن
الصغيرة غير ذات التأثير، أثر أن يلقي بكل ثقله لمواجهة الجهد الأول، لأن في نجاح
ذلك الجهد سقوط النظام. أما الجهد الثاني (جهد داعش) فلا بأس من تأجيل المواجهة
معه الي حين القضاء على الخطر العاجل (خطر الجماعات الجهادية الأخرى). ومن
هنا بدا لبعض المحللين من ذوي النظرة القاصرة أن النظام انما يسمح لداعش بالتمدد
في الرقة والحسكة ودير الزور، وأن داعش بدورها تركت النظام يحتفظ بحمص ودمشق دون
مقاومة. بينما الصحيح أن كلاهما يعلم أنه سيواجه الآخر ولكن بعد حين. ويستغل
تأجيل هذه المواجهة الحتمية لتعضيد مركزه في المناطق التي يسيطر عليها، ومن هنا
نشأت شبهة التواطؤ.
أما أسطورة العمالة لإيران فتعود الي أيام الغزو الأمريكي لأفغانستان،
عندما لجأ بعض قادة القاعدة وزوجاتهم الي إيران هربا من الملاحقة الامريكية.
وهنا نشأ وضع شاذ، فالقاعدة كتنظيم سني متطرف يري في الشيعة زنادقة منحرفين عن
صحيح العقيدة على أحسن تقدير، ان لم يكونوا كفارا بالكلية. وإيران تري في القاعدة
عدوا ناصبيا يريد أن يستأنف الاضطهاد الأموي لأهل البيت. الا أن الظروف ألقت بكل
منهما في اتجاه الآخر. فضلا عن أن لكليهما
عدو مشترك، ألا وهو أمريكا. فنشأ نوع من التفاهم المرحلي الذي يحدث كثيرا بين
أعداء لم تترك الظروف لهم غير التعامل مع بعضهم البعض، استضافت إيران بمقتضاه
هؤلاء الفارين وآوتهم، في مقابل أن كفت القاعدة وطالبان يدها عن الهزارة الشيعة في
أفغانستان، وتعهدت بعدم المساس بعامة الشيعة في العراق (باستثناء الحكومة المالكية
طبعا، التي رأت القاعدة فيها عميلا مزدوجا لأمريكا وإيران في آن واحد). ومن
هنا نري أن التعاون بين الطرفين لم يعن أبدا عمالة القاعدة لإيران، كما تروج لذلك
بعض الدوائر الخليجية، ولم يعد كونه تفاهما لحظيا تكتيكيا بين عدوين جمعتهم الظروف
في طارئ واحد سرعان مازال وعاد كلا منهم لعدائه المستحكم للطرف الآخر. أضف الي ذلك أن تمدد نشاط القاعدة الي العراق
كان بمثابة شهادة الوفاة لهذا التفاهم المؤقت، لأن عمليات المجاهدين السنة ضد
الحكومة العراقية الموالية لطهران كان كفيلا بإنهاء أي نوع من "الهدنة"
مع زعيمة الشيعة في العالم. ولهذا
فالتناول الصحيح للأمور ينظر لهذا التفاهم كنوع من المداراة المؤقتة بين قيادة
القاعدة في أفغانستان والحكومة الإيرانية أملتها الظروف الميدانية التكتيكية. وهي موائمة لم تكن يوما ما ملزمة لباقي فروع
القاعدة حول العالم ولم تلبث أن انتهت.
ولكن ألم يسهل المالكي للمئات من مسجوني داعش الفرار من أبي غريب لكي
يعيثوا في الأرض فسادا ويسيئوا الي السنة وجهادهم لكي يتمكن من بسط سيطرته على
العراق وقمع ثورة السنة السلمية؟
دعنا نعد قليلا الي الوراء لفترة ما بعد نجاح الصحوات في تحجيم خطر
الجهاديين علي الجيش العراقي المتمركز في المناطق السنية. كجزء من الصفقة
المذكورة آنفا بين الحكومة العراقية والسنة المتعاونين من رجال الصحوات، تم ادخال
بعض الإسلاميين المعتدلين في الحكومة العراقية كطارق الهاشمي. زعيم الاخوان في
العراق، والذي عين كنائب لرئيس الجمهورية. كما بدأ المالكي في دفع رواتب شهرية لقادة وجنود
الصحوات السنية كنوع من الرشوة لضمان استمرار ولائهم للحكومة المركزية ذات
الغالبية الشيعية في بغداد. وقد نجحت الخطة بشكل مذهل وهدأت الأحوال بشكل
كبير جدا في المثلث السني، الي درجة أن المالكي بعد فترة ليست بالطويلة لم يعد يري
حاجة لمداراة السنة، فأقال الهاشمي من الحكومة ولاحقه قضائيا واستصدر حكما ضده
بالإعدام، كما أوقف الرواتب الشهرية لرجال الصحوات. فعل المالكي كل هذا دون
مقاومة تذكر من السنة، لأن دولة العراق الإسلامية في هذا الحين كانت في فترة ضعف
وكمون بعد أن حجمتها الصحوات. وحتى عندما بدأ السنة أخيرا في الإصابة بحمى
الثورة القادمة من بلاد الربيع العربي، قادت هذه الثورة في مناطق السنة الجماعات
المعتدلة كالإخوان، بأساليبهم المعروفة من التظاهرات والاعتصامات التي استمرت عاما
كاملا في منطقة المثلث السني. لم يكن المالكي يواجه خلال هذا العام اذن خطرا
جهاديا بالمعني المفهوم لكي يتفتق ذهنه عن هذه الحيلة الجهنمية (حيلة تهريب المئات
من الجهاديين لكي يعيثوا في الأرض فسادا فيبغضهم ذلك الي الناس) لسبب بسيط:
الجهاديون لم يكونوا في موضع الصدارة من الحراك السني حينئذ وانما كان الاخوان،
ومن ثم لم تكن هناك ثمة حاجة الي تبغيض عموم السنة فيهم، لأنهم لم يكونوا حملة
شعلة المقاومة السنية في ذلك الوقت. وحتى بفرض التسليم بأن المالكي قد غض
الطرف عن هروب أولئك المعتقلين الستمائة من سجن أبو غريب بغرض الاستفادة سياسيا من
الحدث على النحو المتقدم، فهل يعقل أن يقف المالكي موقف المتفرج بينما يتعدى السجناء
دورهم المرسوم من اثارة بعض الفوضى بغرض الإساءة للحراك السني الي احتلال الموصل
وتكريت والقضاء على عشرات الآلاف من قوات الصفوة في الجيش العراقي والاستيلاء علي
أحدث أنواع الأسلحة الأمريكية؟ طبعا لا. الواقع أن كل الدلائل تشير الي أن
هؤلاء السجناء قد تم تهريبهم رغما عن أنف المالكي، وأن حكومته لم تكن يوما ترغب في
زيادة نفوذ الجهاديين قيد أنملة، لما ذاقته على أيديهم من ويلات أيام المقاومة
الأولي قبل ظهور الصحوات.
لماذا تحولت داعش عن بغداد الي كردستان ولماذا تمددت بعد ذلك الي سوريا؟
ألا يشير كل ذلك الي تواطؤها مع إيران، سوريا، أو حتى أمريكا؟
بعد استيلاء داعش على الفلوجة، بقت هناك ردحا من الزمن تعضد من مواقعها
وتضع الخطط للمزيد من التمدد. فلما حان الوقت (بعد فتح سد الفلوجة واغراق
أراض يتمركز عليها الجيش العراقي لإرباكه) قامت بعمليات خاطفة، استغلت فيها عنصر
المفاجأة أولا، والرعب الناتج عن نشر فيديو "صليل الصوارم" بما فيه من
مناظر بشعة لقطع الرؤوس ثانيا للاستيلاء على الموصل وتكريت في زمن قياسي، وغنم
عتاد حربي شكل فيما بعد العمود الفقري لقوات داعش الجديدة. الا أن الصدمة
سرعان مازالت، وأدرك العالم الخطر الذي تمثله داعش على النظام العالمي برمته، فتم
ارسال المستشارين العسكريين الغربيين لإعادة تنظيم الجيش العراقي المنهار، وانهالت
الأسلحة من كل حدب وصوب على كل من القوات النظامية وميليشيات البشمركة الكردية، ثم
بدأت حملة من أقسي حملات القصف الجوي على كل قوات ومراكز اتصال ومخازن أسلحة داعش
في كل من العراق وسوريا تمهيدا لهجوم بري مضاد تقوم به كل القوي السابقة لاستعادة
المناطق التي سيطرت عليها داعش في هجماتها الأولي.
وكان من الطبيعي نتيجة لكل هذا الهجمات المتزامنة من أطراف عديدة أن تنهار
داعش تماما، فهي رغم كل شيء، لا تعدو أن تكون مجموعة من الاستشهاديين غير
المتمرسين على قتال الجيوش النظامية، باستثناء ثلة من الضباط السابقين في الجيش العراقي،
وهم مهما بلغت خبرتهم، لن يكونوا ندا للمستشارين العسكريين الأمريكيين الذين
يديرون المعركة من بغداد مثلا. ولكن المفاجأة الكبرى أنه باستثناء سد
الموصل، الذي استعادته القوات العراقية من داعش بعد قصف جوي امريكي مكثف لم يترك
لداعش خيارا سوي الانسحاب من تلك المنطقة المكشوفة تماما للضربات الجوية.
وباستثناء تمكن القوات العراقية تحت غطاء جوي مكثف أيضا من فك الحصار حول آمرلي,
فأن قوات التحالف لم تحرز تقدما يذكر نحو استعادة المناطق التي سيطرت عليها داعش,
بل واستمرت داعش في التمدد الي مناطق جديدة في الأنبار كالرمادي, وفي سهل نينوي
الذي تسيطر عليه البشمركة, كسنجار وزمار ومخمور وبعشيقة.
أما التمدد في هذه المناطق التي لا تقطنها أغلبية سنية كسنجار مثلا المليئة
باليزيدين، أو حديثا في كوباني بسوريا، والتي يسكنها الاكراد المتعاطفين مع حزب
العمال الكردستاني، فحتمته الضرورة العسكرية. فقد صرح قادة التحالف غير مرة
أنهم يعتزمون استخدام مناطق الأكراد في نينوي او كردستان بالعراق، او في الحسكة
وحلب (كالقامشلي وكوباني بسوريا) كنقاط انطلاق للقوات البرية التي تعتزم شن هجوم
مضاد ضد داعش لاستعادة المناطق التي تسيطر عليها في الانبار وصلاح الدين بالعراق،
أو الرقة ودير الزور بسوريا. لم يكن معقولا أذن أن تستمر داعش بالتمدد جنوبا
نحو بغداد أو غربا نحو حلب وحمص ومن ثم دمشق، وهناك جيوب تستعد للانقضاض عليها
وحصرها بين فكي كماشة (الأكراد شمالا والقوات العراقية جنوبا في حالة العراق، او
الاكراد شمالا وشرقا والقوات السورية + قوات الجيش الحر جنوبا وغربا))
هل تريد أن تقول إن داعش غير مخترقة مخابراتيا ولا يقف خلفها أحد؟ بم تفسر
اذن انتصاراتها السريعة المذهلة؟
بداية، لا يوجد تنظيم غير مخترق مخابراتيا, فأي جهاز مخابرات ناجح يحاول
باستمرار اختراق كل التنظيمات المعادية له, ويفلح في ذلك بدرجات متفاوتة من
النجاح. بعضها يقتصر نجاحه علي زرع أجهزة تصنت أو عيون تمكنه من معرفة
تحركات التنظيم المقبلة والتحسب لها. وبعضها يتمكن من زرع أفراد يدعون
الولاء للتنظيم بينما هم في الواقع يعملون على تخريبه من الداخل. وفي أحوال
نادرة تتمكن أجهزة المخابرات من التحكم في قيادة التنظيم ذاتها، بحيث تتحرك تلك
الأخيرة وفق رؤية جهاز المخابرات المحرك، وضد رغبات الأعضاء العاديين الممثلين
للكثرة الغالبة من جنود التنظيم. ما يدل
اذن علي نجاح الأجهزة الاستخبارية لدولة ما في اختراق تنظيم معاد هو قدرتها على
تحريك هذا التنظيم ضد إرادة غالبية أعضاءه وفقا لمصلحة حكومة تلك الدولة. فلو طبقنا هذا المعيار الواضح علي المخابرات
العراقية مثلا، لتوصلنا الي نتيجة قاطعة بأنها لم تتمكن علي الاطلاق من اختراق
داعش, بدليل استيلاء الأخيرة علي أكثر من ثلت مساحة العراق, وتدميرها لجيشه,
وحصارها لعاصمته. وبالمثل، لا يمكن القول بأن
المخابرات السورية متحكمة في داعش, والا لما سيطرت الأخيرة علي أكثر من ربع مساحة
سوريا, والكثير من آبار نفطها, مع القضاء علي الالاف من قوات النخبة السورية في
الفرقة 17 والجيش رقم 93 ومطار الطبقة.
اذا ما تحولنا لإيران، التي تحاول جاهدة انشاء "هلال شيعي" يصل
من طهران الي بيروت، سنجد أنه من غير المحتمل علي الاطلاق أن مخابراتها قد اخترقت
داعش, لأن الأخيرة قد حطمت تقريبا هذا الحلم, وقطعت الاتصال البري بين ايران من
ناحية, وسوريا وحزب الله من ناحية أخري.
أما الاقتراب حثيثا من الأراضي السعودية، الحليف الرئيس للولايات المتحدة
في المنطقة والمورد الأساسي للنفط للغرب، فضلا عن التهديد المباشر لإسرائيل فور
سقوط دمشق، فيقطع أيضا بانعدام قدرة الاستخبارات الأمريكية على تحريك داعش أو
اختراقها بأي مقدار مؤثر. مما تقدم يتضح لنا أن قيادة داعش غير مخترقة مخابراتيا
من أي طرف، والا لتماهت تحركاتها الميدانية مع مصالح هذا الطرف أو ذاك. أما
الاختراق على المستويين الأوليين بهدف جلب المعلومات عن التنظيم أو الاضرار به فلا
يسلم منه أحد، وان كانت التطورات الميدانية حتى الآن لا تشير الي أن أعداء داعش قد
نجحوا في اختراقها حتى علي هذه المستويات البدائية لأي مدي مؤثر.
هل يمثل فكر داعش امتدادا طبيعيا لفكر الاخوان المسلمين أم للفكر السلفي
الوهابي؟ وهل يعتبر فكرا متطرفا؟
كما اتفقنا، ما يفصل جماعات الإسلام السياسي عن الكثير من التيارات التي
تركز على الجانب التعبدي الطقسي أو الروحي للإسلام دون التركيز على بعده الاجتماعي
هو أن الأولي غالبا ما تصطدم بالحكومات القائمة في أثناء سعيها لإعادة صياغة
العلاقات الاجتماعية والسياسية بناء على ما تعتقد أنه الرؤية الإسلامية الصحيحة
لحركة المجتمع. وسواء اتخذ شكل الصدام هذا شكل التنافس الديمقراطي في صناديق
الاقتراع (كما يفعل الاخوان) أو التقاتل في ساحات الوغي على من يحكم البلاد
والعباد (كحال الجهاديين)، فان كل دعاة الإسلام السياسي غالبا ما يصطدمون
بالحكومات القائمة، على عكس التيارات الإسلامية غير السياسية، والتي تحظي غالبا
بدعم الحكومات القائمة، لأنها لا تشكل تهديدا للأنظمة الحاكمة. وللدقة، فقد
جوز كثير من المفكرين الإسلاميين المعاصرين وجماعات الإسلام السياسي في المائتي
عام الأخيرتين استخدام العنف كأسلوب للمواجهة مع الحكام العصاة او الكفرة إذا ما
فشلت الأساليب التقليدية كالمناصحة والمباهلة من ناحية، او المنافسة الديمقراطية
من ناحية أخري. وللتبسيط، دعنا نقل أن مجدد الفكر السلفي في العصر الحديث،
الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد، قد جوز لمعاصريه من الأمراء (وأبرزهم محمد بن
سعود أمير الدرعية) استخدام العنف المسلح لإجبار اهل البدع الشركية من وجهة نظره
(كالصوفية ومن يتمسح بقبور الأولياء وغيرهم) على الدخول في "عقيدة التوحيد
الصافية" كما يراها. وكان لهذه الاجازة أعظم الأثر من حيث أنها زودت
الأمراء السعوديين في الدول السعودية الثلاث بالفتاوي الدينية التي تبيح لهم
الاغارة على جيرانهم من أبناء القبائل الأخرى والاستيلاء على أموالهم واراضيهم،
وسبي نسائهم، تحت حجة مقاومة البدعة وإدخال الناس في عقيدة التوحيد الصافية.
وحتى بعد أن وصلت الدولة السعودية الثالثة أبان عبد العزيز آل سعود الي حدودها
المنطقية، استمر ورثة الشيخ بن عبد الوهاب الفكريين (الذين كانوا يعرفون في هذا
الوقت "بإخوان من طاع الله" في الحض على مواصلة القتال ضد
"البدعيين" من شيعة البصرة والاحساء وغيرهم، إضافة الي "الكفار"
من الانجليز الذين كانوا متمركزين في الكويت والعراق. وطبعا تصدي لهم عبد
العزيز وقتلهم في موقعة السبلة وغيرها من الوقائع، لأنه لم يقم
"بالفتوحات" بادئ ذي بدء من منطلق الغيرة على "عقيدة التوحيد
الصافية" كما يراها الوهابيون، وانما استخدم حماسهم الديني كغطاء يبرر به
توسعاته الاستعمارية، فلما تحقق له ما أراد، ورأي أن المزيد من الحروب سيدخله في
مواجهات مباشرة مع امبراطوريات عصره، ألجم الوهابيين وأعمل فيهم السيف. الا
ان الملوك السعوديين الذين أعقبوا عبد العزيز لم يجرؤوا على التبرؤ من النزعة
الجهادية في الفكر الوهابي، لأنها جزء لا يتجزأ من هذا الفكر, وانما حاولوا قدر
جهدهم أن يدفعوا علماء عصرهم من أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب أو غيرهم من
الوافدين, كالشيخ محمد أمان الجامي مثلا, الي نشر "فكر وهابي معدل" يدعو
الناس الي طاعة الأمير طاعة مطلقة وان فسد وافسد, والي صرف النظر من البعد السياسي
الاجتماعي في الإسلام الي التركيز علي المظاهر الشكلية كإغلاق المتاجر أثناء
الصلوات الخمس والإصرار علي نقاب المرأة ومنع قيادتها للسيارة وغير ذلك من الأحكام
المتشددة التي تعطي انطباعا زائفا لضعاف العقول أن الحكومة القائمة انما تبذل كل
الجهد لأقامه شعائر الإسلام والذود عن حياضه, بينما هي في حقيقة الأمر أول من
يناصبه العداء. . وليراجع من يشاء كتاب
"الدرر السنية" الذي يعتبر الجامع لفتاوي الشيخ بن عبد الوهاب، ليري أن
ما جاء به جهيمان في أواخر السبعينات من دعوة للخروج علي آل سعود بالسيف لتنكبهم
طريق الاسلام، ثم ما دعي اليه تنظيم القاعدة بعد ذلك من الخروج على حكام الجزيرة
بالسيف وإخراج الكفار من جزيرة العرب، ليس بدعا من الفكر أو شططا في التأويل،
وانما هو مد فكر بن عبد الوهاب علي خطه المستقيم ليطبق تطبيقا مباشرا على الظروف
السياسية آن ذاك. ولسنا بحاجة للتذكير هنا
أننا لا نسوغ أو نسوق لهذا الفكر أو ذاك، وانما نحاول أن نتلمس الأسس والأصول
الفكرية للفكر الجهادي المعاصر بغض النظر عن مقدار اتفاقنا أو اختلافنا معه.
من ناحية أخري، الاخوان أنفسهم لهم نصيب، تنظيريا على الأقل، من تسويغ
العنف ضد السلطات القائمة. فسيد قطب، وان لم يكن المؤسس الأول للجماعة ولا
حتى قائدا رسميا من قادتها التاريخيين، الا أنه يعتبر منظرها الأول، وفيلسوفها
الأوحد. وفي الصدارة من فكره يأتي مفهوم الحاكمية والذي استعاره بدوره من
كتاب أبي الأعلى المودودي الشهير "المصطلحات الأربعة" والذي يتناول فيه
المودودي بالشرح المفاهيم الأربعة الأساسية التي تميز الإسلام عن غيره من الأديان
"الاله، الدين، الرب، والعبادة". فطبقا لقطب، الحاكمية هي أخص
خصائص الربوبية، ومن نازع الله حقه كحاكم أعلي ومشرع مطلق فقد كفر بالله ربا، وان
لم يكفر به الها بالضرورة، واستوجب قتاله. وعلى الرغم من أنه من غير الثابت
أن الاخوان كتنظيم قد وضعوا مفاهيم قطب موضع التنفيذ العملي في أي عصر، الا أن
جماعات أخري قد استلهمت فكر قطب استلهاما مباشرا، كجماعة المسلمين التي عرفت في
مصر باسم التكفير والهجرة، وكالسرورين في السعودية، الذين زاوجوا بين عباءة بن عبد
الوهاب السلفية وبنطال قطب الإخواني ليخرجوا للعالم فكرا يسوغ الخروج علي الحاكم
بالسيف من منطلقات فكرية بعضها سلفي وبعضها اخواني. وبالرغم من أن السروريين الأصليين في السعودية
لم يثبت عنهم التحريض علي الخروج بالسيف علي آل سعود مثلا، الا أن بعضا من تنظيمات
الشام (كجماعات الحموي ومعروف وعلوش وغيرها) تعتنق فكرا قريبا جدا من الفكر
السروري, وتستقي منه مبررات شرعية للخروج علي بشار الأسد وقتاله. .
نخلص من هذا كله الي أن فكرة الخروج بالسيف علي الحاكم المسلم غير المطبق
لشرائع ومقاصد الإسلام موجودة ومتأصلة في كل من الفكر السلفي الوهابي والفكر
الاخواني القطبي. أما كيف نشأت القاعدة (ومن ثم داعش بعد ذلك) وما هي نسبة
تأثير كل من هذين التيارين في أيديولوجيتهما الحالية، فهذا مبحث طويل، وان كانت
تكفي الإشارة الي أن أسامة بن لادن نفسه سعودي سلفي وهابي، وان كان قد تتلمذ علي
يد عبد الله عزام الفلسطيني الاخواني. ونفس الأمر يمكن أن يقال عن رفيق كفاحه
وخليفته أيمن الظواهري المصري الذي نشأ في أحضان الاخوان، وان كان قد اعتنق الفكر
السلفي فيما بعد. ومن ثم قد يبدو للباحث لأول وهلة أن الفكر الحالي لهاتين
الجماعتين قد استخلص بالتساوي من أصول سلفية واخوانية. الا أن المدقق في أدبيات تنظيم القاعدة والدولة
الإسلامية من بعدها لا يخطئ النبرة السلفية الجهادية الواضحة في مبرراتها الفقهية،
مع تأثر بسيط واستخدام يسير لأفكار وجدليات سيد قطب. وعلى هذا يمكن القول
بأن حركات الجهاد المسلح المعاصرة تعتبر امتدادا طبيعيا لفكر الامام محمد بن عبد
الوهاب، مع استعارات بسيطة من فكر الأخوان المسلمين.
أما بشأن التساؤل عما إذا كان فكر داعش فكرا خارجيا أم لا، فيجدر بنا أن نعود
الي التعريف المعتبر في كتب الفقه لفكر الخوارج ومحدداته لنري ان كانت هذه الصفة،
التي يحلو لخصوم داعش نعتها بها لتبغيض العامة فيها، منطبقة عليها أم لا.
الخوارج الأول اتصفوا بثلاث صفات تحديدا وبها عرفوا: تكفير بعض الصحابة (كعثمان
وعلى وطلحة والزبير، إضافة الي عائشة زوجة الرسول)، العمل بالقرآن دون الحديث (ومن
أشهر ذلك عدم تطبيقهم لحد الرجم الذي ورد في السنة وان لم يرد نصا في القران)، عدم
اعترافهم بوجوب قرشية الخلافة (ومن ذلك خروجهم على كل من عثمان وعلي ودعوتهم
المسلمين لاختيار خليفة جديد، قد لا يكون قرشيا بالضرورة). وعلى العكس من
هذه المواقف المثبتة تاريخيا للخوارج، فان أعضاء القاعدة وداعش يترضون على كل
الصحابة وامهات المؤمنين ويتوقفون عن سبهم ونقد أحد منهم، حتى من خرج منهم علي أحد
الخلفاء بالسيف كطلحة والزبير مثلا. إضافة
الي ذلك، يشترط أعضاء القاعدة وداعش أن يكون الخليفة قرشيا لصحة بيعته. ومثال ذلك محاولات داعش الدؤوب الترويج لصحة
بيعة خليفتهم البغدادي عن طريق الإعلان عن نسبه الحسيني بزعمهم. أما قضية مرجعية الحديث، فغني عن البيان أن كلا
من الجماعتين تتخذ من مذهب أهل الحديث، وتحديدا مذهب الامام أحمد، المرجع الفقهي
الأول لهم، بما فيه من تقديم للسنة النبوية وان ضعفت على الرأي وان قوي.
وعلى هذا فجل أعضاء داعش والقاعدة ليسوا من الخوارج على الاطلاق، وانما ينتمون الي
عموم أهل السنة والجماعة، وليس خروجهم على الحكام بالسيف بمسوغ لإطلاق صفة الخروج
عليهم، لأن مواقفهم العقدية ومنطلقاتهم الفكرية تختلف كلا وجزئا عن الخوارج
التاريخيين.
ولكن الكثير من ممارسات داعش البربرية والهمجية كقطع الرؤوس وصلب الناس لا
يمكن أن تتفق مع صحيح الإسلام، فكيف يكونوا من أهل السنة والجماعة اذن؟
مرة أخري، لسنا هنا بصدد تبادل الآراء الشخصية حول حقيه ممارسات القاعدة أو
التعبير عن مدي استساغتنا لأفعال داعش او غيرهما من الجماعات الجهادية، فهذا مبحث
آخر، وان كان يحسن بي في هذا المقام أن أسجل اختلافي المطلق مع المنطلقات الفكرية
والممارسات التطبيقية للجماعات الجهادية المعاصرة، وانما قصدنا من هذا البحث أن نفصل
الحقيقة عن الخيال، وأن نناقش الادعاءات المنتشرة في وسائل الاعلام المختلفة بشأن
بعد تلك الممارسات عن صحيح الإسلام لنري هل هي بعيدة حقا أم لا. فالسؤال هنا
يهدف الي استقصاء مدي اقتراب أو ابتعاد الممارسات المنسوبة الي داعش من ممارسات
المسلمين الأوائل وفي المقدمة منهم صحابة محمد، وأيضا مدي تطابق تلك الممارسات أو
اختلافها مع ممارسات جماعات أو دول معاصرة او تاريخية مشهود لها "بالمدنية
والحضارة". بداية، لابد أن نسلم بأن كثيرا مما ينسب الي أنصار داعش هو
من قبيل الدعاية المغرضة التي يروجها خصومهم عنهم، بينما هم منها برئاء.
فعلي سبيل المثال، انتشرت مقاطع مؤخرا لسيدة ترجم وقيل أنها امرأة سورية رجمت
لأنها انخرطت في علاقة محرمة في احد المناطق التي تسيطر عليها داعش, ثم اتضح فيما
بعد أن المقطع لامرأة رجمت في ايران منذ سنوات. وبالمثل، نشرت مقاطع لأشخاص
قد قطعت رؤوسهم وقيل لنا انهم من الجماعات الجهادية السورية المختلفة فكريا مع داعش,
ثم اتضح بعد ذلك أن الرؤوس لجنود نصيرين من الجيش السوري أعدموا قصاصا لارتكابهم
الفظائع بحق السنة العزل. طبعا نحن هنا لا نسوغ قطع رأس أي انسان، ولاصلبه
ولا رجمه لأي سبب، وانما نشير فقط الي ان الصحابة الأوائل قد قاموا بكل هذه
الأفعال بتوقيف من الرسول نفسه او دون اعتراض منه، وليراجع من يشأ قطع رأس كعب بن
الأشرف او أبي جهل من جانب، وكيف قطع خالد بن الوليد رؤوس الآلاف من مقاتلي الفرس
على ضفاف الفرات فضلا عن رأس مالك بن نويرة من جانب أخر. وفي العصور
الحديثة، قام الجنود الفرنسيون بقطع رؤوس المئات من الجزائريين المنخرطين في حرب
التحرير ضد فرنسا، وقتل الامريكيون المئات من أبناء العراق وأفغانستان بوسائل بشعة
للتسلية باعترافاتهم المنتشرة على الشبكة العنكبوتية. ونفس الشيء قام به
المستعمرون البيض في الأمريكيتين ضد السكان الأصليين. وحتى في يومنا هذا،
تشنق إيران المعارضين بشكل روتيني وتعلق جثامينهم على أعمدة الانارة والروافع
وترجم الزانيات كما تقدم، كما تقطع السعودية الرؤوس كوسيلة معتادة للإعدام، وتقوم
بصلب قطاع الطريق، فضلا عما قام به عبد العزيز آل سعود من قطع لرؤوس الآلاف من
أبناء القبائل المعارضة أو من اخوان من طاع الله لتعضيد حكمه كما تقدم.
فنخلص من ذلك كله الي اننا إذا نحينا الكثير من الادعاءات الكاذبة عن فظائع قامت
بها داعش بحق النساء والأطفال (كبيع اليزيديات في سوق النخاسة او صلب الأطفال
المفطرين في رمضان) وهي أمور يتعذر علي العقل تصديقها لاختلافها مع المنهج الفكري
المعروف لداعش، إضافة الي نفيها نفيا قاطعا من أمراء الجماعة الذين عادة ما
يفتخرون بالاثخان في العدو، ولا يخجلون من التصريح بقتله أو التنكيل به، ان كان
هذا ما قاموا به حقا, أقول, اذا نحينا هذه الترهات والافتراءات جانبا, سنجد ان ما
ثبت عنهم من قطع لرؤوس الأعداء المحاربين في ميدان المعركة لا يختلف بالمرة عما
قام ويقوم به المسلمون وغير المسلمين في كل زمان ومكان في حق أعدائهم
وخصومهم. قد نختلف أو نتفق على مدي مشروعية هذه الأفاعيل او على مدي اتساقها
مع معايير حقوق الانسان المعاصرة، وهذا كما قلت مبحث آخر، الا أنني أحببت فقط ان
ابين في هذه العجالة السريعة أن ما تقوم به داعش ليس بدعا من الأفعال، وليس فتحا
جديدا في مجال إهانة آدمية أو كرامة الانسان، وانما هو استمرار لنفس الممارسات
العسكرية التي قامت وتقوم بها كل الجيوش في حق الأعداء المحاربين عبر العصور.
بعيدا عن التفسيرات التي تفترض تدخل السماء الي جانب طرف ضد طرف، هل يمكن
تفسير انتصارات داعش علي أساس مادي بحت؟
المشاهد عبر التاريخ أن الاستحواذ والجمع والكنز هم المحرك الرئيسي للبشر
عبر العصور، المحرك، الذي قد يدفعهم للحرب والقتال بغرض تعظيم الكسب وزيادة
الممتلكات من أراض الي أموال ومن نفوذ وسطوة الي تحكم في قلوب النساء وعقول الرجال
وهلم جرا. ومن يؤمن بالكتب السماوية، لابد وانه توقف عند النص القرآني
"زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة
والخيل المسومة والأنعام والحرث" أو عند نص الانجيل "حب المال هو أصل
الشرور" وخلص منهما الي أن الأديان السماوية تقرر أن حب البشر للجمع والكنز
هو المحرك الأساسي لهم، والسبب في اقتتالهم.
أما ذوي المرجعية العلمية فيمكنهم مراجعة الكتابات المعاصرة للمتخصصين في
علم الأحياء الجزيئي والقائلة بأن محاولات المورثات الجينية البقاء والتكاثر هي
العامل الوحيد الذي يقف وراء تعقد الحياة وتطورها، وذلك لأن الجينات المذكورة تطور
سلوكا أنانيا في صاحبها يدفعه للاقتتال على الموارد المحدودة والتنافس عليها مع
الكائنات الأخرى بغية جمعها والاستحواذ عليها. ومرد ذلك الي أن وفرة الطعام
مثلا تؤدي الي حفظ حياة الكائن وبالتالي جيناته بالمقارنة مع كائن آخر لا يجد قوت
يومه، فالثاني أقرب الي الهلاك من السغابة. وبالمثل، توفر الاناث والقدرة
على تخصيبهن حقيق بإيجاد نسخ أخري من جينات الكائن واستمرارها في ذريته بعد موته،
وهكذا.
ولذا نري دائما أن البشر يتقاتلون على الموارد المذكورة أعلاه بغية جمعها
والاستحواذ عليها والتمتع بها، لأن من شأن ذلك إطالة أعمارهم على الأرض، وضمان
استمرار نسلهم في حالة من الازدهار والعلو على الآخرين من الشعوب أو القبائل
المنافسة. الا أن كل هذا الكفاح يفقد معناه إذا تسبب في انهاء حياة الكائن
المقاتل. فعلي سبيل المثال، يمكنني أن أشكل جيشا من أبناء عشيرتي لغزو
القبيلة المجاورة، لأن من شأن ذلك حصولي، وحصول كل أفراد جيشي، علي نصيب من أموال
ونساء تلك القبيلة. ولكن إذا غلب على ظني أن هذه حرب خاسرة، لقوة وبأس أبناء
القبيلة المذكورة، فلن أقوم بأي غزو على الاطلاق، لأن حفظ حياتي وحياة أفراد
عشيرتي يسبق في الأهمية الحصول على أي أموال وممتلكات إضافية. بل لو حدث
واشتعلت الحرب، وظهر تفوق القبيلة المنافسة الي الحد الذي سأفقد معه أنا وأبناء
عشيرتي حيواتنا ان لم نتنازل عن نساءنا وأموالنا وممتلكاتنا، فلن نتردد لحظة في
التنازل عنها، لأن حفظ النفس هي الأولوية الأولي لكل كائن حي. هذا الفهم
الغريزي المتأصل في نفوس البشر جميعا هو ما يفسر سلوك الجيوش المختلفة والمقاتلين
من كل أمة وعرق عبر العصور المختلفة. القتال من أجل المكانة والمال
والمكتسبات الدنيوية والنفوذ، حتى إذا غلب علي ظن المقاتل أنه سيفقد حياته في سبيل
ذلك، امتنع وأوقف الحرب، بل واستسلم في كثير من الأحيان، للقوات المعادية.
العامل الآخر الذي لا يقل أهمية عن الرغبة المذكورة في الاستحواذ والكنز،
بل هو في الواقع متصل به كما سنري بعد قليل، هو العقيدة الدينية. الانسان
مهموم دائما بقصر حياته ودنو أجله، مع ما يتبع ذلك من انصرام لذته وانقطاع مدته،
وانتهاء قدرته على التمتع بكل ما جمع وكنز. صحيح أن استمرار مورثاته الجينية
في شكل أبناءه يحمل في طياته نوعا من السلوى والعزاء، الا أنه لا يعوض أبدا عن
حقيقة انه فان وهالك وتارك لكل ما جمع وكنز طال الوقت أم قصر. هذا الهاجس
الوجودي الذي يشغل بال كل انسان هو ما جعل التصديق بالأديان المختلفة، التي يدعي
كل منها القدرة على تحديد ما سيحدث للمرء بعد موته، بل ويعطي الانسان منهاجا
سلوكيا محددا إذا التزم به أفضي الي نعيم مقيم واستمرار في التمتع بمباهج الحياة
الدنيا على مستوي أعمق وأعظم، أمرا غريزيا للسواد الأعظم من الناس. والأديان
هنا تختلف، فمنها ما يرسم صورة ضبابية غير واضحة للحياة بعد الموت عن عالم تهيم
فيه الأرواح وتسعد بالقرب من الرب أو من الأرواح الأخرى، ومنها مالا يعترف بوجود
حياة آخرة من الأصل، انما يجعل من العود الي هذه الحياة الدنيا متناسخا في صور
بشرية أو حيوانية أخري الآلية الأساسية للثواب والعقاب، ومنها ما هو صريح شديد
الوضوح في رسمه لنعيم أبدي يستمتع فيه المؤمن بأضعاف مضاعفة من المتع الحسية التي
يعاينها في الدنيا، فضلا عن لذة القرب من الرب، بله مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا
خطر علي قلب بشر.
من المتوقع اذن أن يستميت المسلمون الأتقياء الذين يستحضرون ما وعدهم دينهم
كل لحظة في القتال والحرب لأنهم انما ينتظرون إحدى الحسنيين، النصر، الذي سيجلب كل
ما تقدم من الأموال والنفوذ والتمكن في الأرض، او الشهادة، والتي ستفضي بهم الي
النعيم المقيم في الاخرة على النحو الموصوف في الفقرة السابقة. وهنا يجدر
بنا أن ننبه الي أن هذه الاستماتة ليست حكرا على المسلمين وحدهم، فكل مؤمن بمبادئ
تتجاوز حياته الشخصية بحيث يستعذب معها بذل مهجته في سبيلها سيقاتل قتالا يستحب
معه الموت على الحياة. وقد حفظ لنا التاريخ أمثلة كثيرة لاتباع ديانات أخري،
او حتى أنظمة وضعية، قاتلوا حتى الموت دفاعا عن عقيدة او مبدئ. الا أن ذلك
في غير المسلمين قليل، وإن وجد في جماعة محدودة أو مجموعة قليلة من الأفراد فلن
يوجد في عموم الناس. فالاستبسال الذي يبديه كثير من أعضاء حزب العمال
الكردستاني دفاعا عن عقيدتهم اليسارية التحررية وعما يعتبروه وطنهم وارضهم، لا
يقارن بفرار أفراد الجيش العراقي النظامي أمام ضربات داعش مثلا، لأن هؤلاء الجنود،
علي عكس مقاتلي الأكراد، انما انخرطوا في سلك الجندية من باب الاسترزاق وبالبحث عن
راتب شهري، فحقيق بهم أن يفروا عند أول مواجهة حقيقية تهدد حيواتهم.
استحضار المسلم الورع لعقيدته البسيطة الواضحة التي تعده إحدى الحسنيين اذن
كان السبب الأساسي في انتصارات المسلمين وفتوحاتهم الباهرة في صدر الإسلام، لأنهم
انما واجهوا جيوشا تقتصر عقيدتها القتالية علي حفظ النفس وتعظيم الكسب الدنيوي على
النحو الموضح أعلاه، دون حضور قوي لعقيدة دينية ناصة في النعيم المقيم بعد الموت.
وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع تنظيم الدولة الإسلامية، ومدي لزومه للحق او صدفه عنه،
فانه من الواضح لكل متابع لكتابات منظريه وخواطر اتباعه المتداولة في وسائط
التواصل الاجتماعي أنهم يستحضرون هذه العقيدة في كل لحظة وعند كل قتال، مما يجعل
لهم بالضرورة مزية التفوق على خصومهم حتى قبل أن تبدأ الحرب وتتصافح الصفوف.
فمن ذا الذي يريد أن يواجه مقاتلا مستعدا لأن يموت في سبيل ان يفتح هذا الحصن او
تهدم هذا القلعة؟ من البديهي اذن أن أي جندي مكلف بالدفاع عن هذا الحصن أو تلك
القلعة سيفكر ألف مرة قبل أن يواجه المقاتل المذكور، بل والأرجح أنه سيلقي بسلاحه
ويفر هاربا حفاظا على حياته، التي كما أوضحنا سابقا، هي الأولوية الأولي لأي جندي
يحارب من أجل مكاسب دنيوية.
ولكن لكي تكتمل الصورة، لابد لنا أن نتناول الجانب الآخر الحاسم في تحديد
سير المعارك، ألا وهو التكافؤ المادي، فالشجاعة والاستبسال وحدهما كفيلان بحسم أي
معركة بين طرفين متكافئين لصالح الجانب الذي يمتلك الحظ الأكبر منهما. أما
إذا انعدم التكافؤ، كقدرة أحد الطرفين (وليكن الأقل شجاعة) أن يقتل خصمه من وراء
جدر، أو يقصفه بحمم من السماء، أو يدمر الأرض من تحت قدميه، دون أن تتاح للطرف
الأشجع مجرد فرصة المواجهة المباشرة، فان النتيجة محسومة سابقا للطرف
الأقوى. والتاريخ ملئ بأمثلة عديدة لمجموعات صغيرة من الجنود مكنهم
استبسالهم وشجاعتهم من التغلب على فرق وكتائب أكبر منهم عددا وعدة، لأن الاختلال
في موازين القوي لم يكن من التباين بحيث يحسم المعركة لصالح الطرف الأكثر عدة
وعتادا. حتى إذا التقت تلك الفئة بجيوش هائلة ذات تفوق ساحق، انهزمت وقضي
عليها تماما. فمن منا لا يذكر كيف انتصر المسلمون بقيادة عبد الرحمن الغافقي
على كثير من أمراء الأسبان والقشتاليين في الأندلس، قبل أن ينهزموا تماما أمام جحافل
الفرنجة التي تفوقهم عددا وعدة بقيادة شارل مارتل في معركة تور بواتييه؟ أو كيف
فتح الاسكندر بسهولة نصف العالم المعروف في زمنه، قبل أن ينكسر أمام بوروس ملك
الهند الذي استخدم الافيال ببراعة لسحق الخيول المقدونية بعد أن تخطت بنجاح جبال
الهندوكوش؟ وحتى سبارتاكوس وجماعته التي دوخت روما ردحا من الزمن، هزم أخيرا
وصلب هو وجنوده عندما قذفت اليه روما بفلذات أكبادها وخيرة جيوشها التي فاقته عددا
وعدة. فقدرة داعش المبدئية علي سحق الجيش العراقي في الانبار وصلاح الدين,
ثم قضاؤه علي بعض من اقوي فرق الجيش السوري في الرقة ودير الزور انما يرجع في
المقام الأول الي قدرة القادة الميدانيين لداعش علي تقليص الفارق الكبير بين
كتائبهم الصغيرة والفرق العراقية والسورية الضخمة عن طريق المفاجأة وحسن المناورة
الميدانية, واستخدام الهجمات الانتحارية ببراعة الي الحد الذي أصبح للمقاتل
الداعشي فرصة عادلة في الالتحام وجها لوجه مع الجندي العراقي او السوري الأقل
شجاعة والذي لا ينافح عن مبدا, فكانت النتيجة المتوقعة, انتصار الأول وانهزام
الأخير.
أما وقد تحالفت جيوش أكثر من أربعين دولة علي حرب داعش, ودخلت علي الخط
الطائرات الحديثة بما لها من قدرة علي قصف وتدمير جنود ومعدات داعش دون مواجهة
مباشرة, فقد تغير ميزان المعركة كثيرا. ومالم تبتكر داعش أساليب جديدة
لتحييد التفوق الجوي، والمعدات والذخيرة المتطورة التي تنهمر على الأكراد والجيوش
النظامية للنظامين العراقي والسوري من كل حدب وصوب، فان الشجاعة وحدها لا تغلب
الكثرة، هذه هي السنة الكونية. والقرآن
الكريم نفسه قرر هذه الحقيقة عندما قال " الأن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم
ضعفا، فان تكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وان بكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله،
والله مع الصابرين" والمعني، أن هناك حدا أقصي لمقدار النقص في العدد والعدة
الذي يمكن أن تجبره شجاعة المؤمن، وقد عرفه النص القرآني السابق بنسبه واحد الي
اثنين. فلننتظر ونري كيف سيتطور سير
المعارك في ميادين القتال، فداعش الآن أحوج ما تكون الي المهارة وحسن التخطيط
لتقليص الفارق الهائل في ميزان القوي بينها وبين خصومها، والا فلن يختلف مصيرها عن
مصائر اسلافها من الجماعات والأفراد التي اعتمدت على الحماسة والشجاعة وحدهما دون
تقدير لقوانين الحرب وموازين القوي
في ضوء سير العمليات العسكرية حتى الآن، هل يمكن استشفاف خطط داعش
الميدانية واستراتيجيتها على المدي الطويل؟
أي
عمل عسكري تقوم به الجيوش انما تقوم به لتحقيق هدف سياسي لم يكن في الإمكان تحقيقه
عن طريق المفاوضات. قد لا يتعدى هذا الهدف
السياسي مجرد تحسين موقف من يقوم بالعمل العسكري علي مائدة المفاوضات مع خصومه،
وقد يتعداه لضم أراض جديدة لمملكته أو لإمارته.
وفي كلتا الحالتين، هناك إشارات ودلائل يمكن تلمسها من ميدان المعركة تشي
بالنية الحقيقية من وراء العمل العسكري.
لنأخذ بضع أمثلة: إسرائيل عندما عزمت على انشاء وطن قومي لليهود في فلسطين
لم تكتف باحتلال فلسطين التاريخية فحسب، بل أرسلت جيوشها لاحتلال الجنوب اللبناني،
والجولان السوري، وسيناء المصرية على مدار الستين سنة الماضية. لم يكن هدفها النهائي الاحتفاظ بهذه الأراضي،
بدليل انسحابها منها كلها في مناسبات مختلفة بعد ذلك (باستثناء الجولان السوري
والذي تحتفظ به إسرائيل ريثما يتسنى لها ابرام اتفاق سلام دائم مع سوريا)، وانما
كان هدفها الاحتفاظ بمناطق عازلة حول ما تعتبره أراضيها الحقيقية (فلسطين) لتضمن
بذلك حدودا آمنة وقدرة على إبقاء أي معارك تشنها الجيوش المعادية بعيدا عن أراضيها،
بل وفي داخل أراضي تلك الدول المعادية.
اسرائيل اذن عندما كان هدفها التوسع الحقيقي، لم تكتف باحتلال الأراضي التي
تعتزم ضمها لدولتها، بل تعدتها لأراض مجاورة لتكون بمثابة منطقة عازلة وحدودا آمنة
بينها وبين جيرانها المعادين لها. على
العكس تماما نجد أن الرئيس السادات عندما شن حرب يوم الغفران على إسرائيل لم يحاول
استرجاع كامل التراب المصري المحتل، دع عنك احتلال جزء من إسرائيل كمنطقة عازلة،
بل اكتفي بشريط ضيق من سيناء شرق قناة السويس، لا يمكن الدفاع عنه عسكريا او
الاحتفاظ به لفترة طويلة. والسبب في ذلك
أن السادات لم يكن يمتلك القدرة العسكرية على استعادة كامل التراب المصري عن طريق الحرب،
فقام بعملية عسكرية محدودة لتحسين مركزه التفاوضي. كلا المثالين السابقين يمثلان استخداما مناسبا
للقوة العسكرية بشكل يتناسب مع تحقيق الهدف المنشود. على العكس من ذلك تماما نلاحظ استخدام صدام
حسين الفاشل للقوة العسكرية أثناء عملية احتلال الكويت. كما اتضح من الوثائق السرية للحكومة العراقية
بعد ذلك، صدام كان دائما يعتبر الكويت جزءا لا يتجزأ من لواء البصرة، ومن ثم كان
يرغب في ضمه الي العراق بشكل دائم. لكن لو
كان الأمر كذلك، لتوجب عليه أن يحتفظ بمنطقة عازلة داخل حدود البلدان المجاورة
ليحول دون أي هجوم مضاد قد تقوم به الجيوش المعادية لاستعادة الكويت. بشكل أوضح، كان ينبغي علي صدام أن يحتل مناطق
الخفجي والنعيرية وحفر الباطن وعرعر ورفحاء السعودية لكي يمنع تمركز قوات عاصفة
الصحراء التي تشكلت بعد اذلك بشهور لاستعادة الكويت. ولو كان قد فعل ذلك لكان من المتعذر جدا شن أي
هجوم مضاد عليه ولتغير مجري التاريخ. ولكن
خطأ صدام القاتل تمثل في استخدام تكتيك عسكري فاشل (الاقتصار على احتلال الكويت)
لا يتناسب مع هدفه السياسي الاستراتيجي (الاحتفاظ بها للأبد). ما قام به كان سيكون مناسبا وناجحا لو أن هدفه
النهائي اقتصر على الضغط على المجتمع الدولي للحصول على آبار نفط إضافية او
امتيازات حدودية أو اعفاء العراق من ديون حربه الطويلة مع إيران عن طريق
التفاوض. ولكن حيث أن ذلك لم يكن الهدف،
بل تعداه للاحتفاظ بكامل الكويت، فقد باء جهده العسكري بالفشل لأنه لم يتناسب مع
الهدف المنشود.
بافتراض
أن قيادة داعش تعي جيدا ما تقدم من بديهيات العلوم الاستراتيجية وتستخدم الأدوات
العسكرية استخداما صائبا لتحقيق أهدافها السياسية الاستراتيجية، فانه بإمكاننا
التكهن بماهية تلك الأهداف، بل ورسم صورة عامة لما قد تكون عليه تحركاتها العسكرية
المقبلة. بادئ ذي بدء، داعش لم تتقدم فورا
نحو بغداد كما توقع الجميع بعد احتلالها للموصل، وانما اتجهت شمالا لخلق منطقة
عازلة حول الموصل في سهل نينوي تتكون أساسا من بلدات غير ذات أغلبية سنية (يزيديون
ومسيحيون) تحتلها قوات البشمركة الكردية، وان كانت لا تدخل في نطاق كردستان العراق
بشكل رسمي. الهدف اذن كان خلق منطقة عازلة
تؤمن ظهر داعش في الموصل وتضمن عدم مهاجمتها من الخلف بعد ذلك عندما تتجه بمعظم
قواتها جنوبا نحو الأنبار ومن ثم بغداد.
أن احتلال سنجار وزمار ليس هدفا استراتيجيا لداعش في حد ذاته، كما لم يكن
احتلال سيناء أو الجنوب اللبناني هدفا استراتيجيا لإسرائيل، وانما هي عملية عسكرية
مرحلية لحماية القوات الأساسية لداعش في المثلث السني، والموصل، ومن ثم
بغداد. ولذا لن أفاجأ إذا ما عاودت قوات
البشمركة احتلال تلك المناطق في فترة ما، او استغلت تركيز داعش مستقبلا علي بغداد
لشن هجوم مضاد لاستعادة سهل نينوي. ولا
ينبغي للمحلل ذو النظرة الثاقبة حينئذ أن يعتبر هذا نصرا للبشمركة أو هزيمة لداعش،
فالسيطرة على مناطق اليزيديين او المسيحيين بشكل نهائي لا يأتي ضمن قائمة أولويات داعش،
التنظيم السني المتطرف الذي يريد احكام قبضته على أراضي السنة أولا، قبل التوسع في
أي اتجاه آخر. بالمثل تماما، محاولات داعش
المستميتة للسيطرة على كوباني ليس الهدف منها التوسع في أراض الأكراد الذين لا يحمل
معظمهم مشاعر طيبة نحو داعش (ليس الآن على الأقل، ربما في مرحلة لاحقة)، وانما
حماية ظهر القوات الأساسية لداعش حال قيامها مستقبلا بالتمدد لمدن الداخل السوري
الأساسية ذات الغالبية السنية (حلب، ثم ادلب، ثم حماة، ثم حمص، ثم دمشق)، دون ترك
جيب للقوي المعادية (كوباني) يمكن استخدامه للالتفاف والهجوم المضاد على داعش.
يتضح
لنا مما سبق أمران: الأمر الأول هو أن داعش عازمة حقا على التمدد والتوسع بغرض
تأسيس دولة مترامية الأطراف، والا لما سعت لخلق مناطق عازلة داخل الأراضي المجاورة
لدولتها المنشودة والتي تتحكم فيها قوات معادية.
ولو كان الأمر كله مجرد مناورة سياسية كمناورة السادات أبان حرب يوم
الغفران بهدف الحصول على وضع كونفدرالي او استقلالي للسنة في وسط العراق مثلا،
لاكتفت باحتلال الموصل وتكريت، وربما تقدمت لاحتلال مطار بغداد ثم توقفت عند ذلك. أما وقد بذلت الغالي والنفيس لبناء المناطق العازلة،
فهي حقا تريد أن تبقي وان تتمدد. الأمر
الثاني هو أن الخطوات التالية لداعش أصبحت أكثر وضوحا من أي وقت مضي. فبعد احتلال سهل نينوي، وشغل البشمركة في أوضاع
دفاعية فيه، صار من الممكن أن تتفرغ القوات الرئيسية لداعش لتطويق ما تبقي من
الأنبار (حديثة ومعسكر البغدادي) بعد أن سقطت هيت وكبيسة، ولم يبق قائما في
الرمادي غير اللواء الثامن. وبعد أن تتحقق
السيطرة الكاملة على الأنبار، سيصبح التقدم نحو بغداد أمرا منطقيا، لاسيما أن نصف
المدينة الغربي (الكرخ) تقطنه أغلبية سنية سترحب غالبا بالتخلص من حكم
الشيعة. ومن ثم ستتركز العمليات القتالية
في الشطر الشرقي ذي الأغلبية الشيعية (الرصافة).
أما في سوريا، فربما تكتفي داعش بتصفية جيب الأكراد في كوباني ثم تتوجه
راسا الي مدن الداخل السوري المذكورة، وربما تسعي الي بناء المزيد من المناطق
العازلة زيادة في التأمين فتنحدر نحو الساحل العلوي ومدنه المعروفة (اللاذقية، بانياس،
طرطوس) لكي تؤمن قواتها الأساسية بعد ذلك تماما وهي تنتقل من حلب شمالا الي دمشق
جنوبا مرورا بأدلب وحماة وحمص.
أما
التمدد لدول أخري فلا ينبغي النظر اليه ضمن السياق العراقي السوري ذاته، وانما
كأهداف لاحقة تدخل في إطار سعي داعش لتكوين خلافة تضم المسلمين جميعا، دون أن يؤثر
ذلك سلبا في قدرتها على الاحتفاظ بمواقعها الأساسية في البلدين المذكورين. فكلنا مثلا لابد وأنه سمع ببيعة ابي بكر شيكاو،
زعيم بوكو حرام للبغدادي، وتقدمه في شمال نيجيريا حتى حدود الكاميرون. شيء مشابه تقوم به الشباب في الصومال من تقدم
نحو كسمايو. أما درنة، والتي سيطر عليها
جهاديون بايعوا البغدادي أيضا، فيحاول البعض تضخيم أمرها لتبدو كما لو كانت تشكل
تهديدا مباشرا لمصر، او أنها على وشك أن تسيطر على الفصائل الأخرى التي لم تبايع
البغدادي كأنصار الشريعة في بنغازي أو فجر ليبيا في مصراته وطرابلس. والواقع هو أن قيادة داعش لابد وأنها تسر كثيرا
عندما ينمو الي علمها أخبار هذه البيعات، وكذا ما يحدث في القلمون وعرسال بين
جهاديين موالين لداعش وقوات الجيش اللبناني.
الا أن واقع سير المعارك يحتم على داعش الاحتفاظ بمعظم قواتها على المسرح
العراقي والسوري في الوقت الراهن، لكي تستطيع الصمود أمام جحافل التحالف الدولي
التي تبغي تحطيمها. وعليه، لا ينبغي تصور
ان "فروع" داعش في الأماكن المذكورة لها نفس البأس او المنعة التي يتمتع
بها التنظيم الأساسي في سوريا والعراق.
فما هذه الفروع الا جماعات جهادية صغيرة ارادت ان تبث في جسدها المتداع دماء
جديدة بإعلان بيعتها لما يبدو في الوقت الراهن كأكبر تنظيم جهادي في العالم. طبعا هذا لا ينفي احتمال أن تلتحم بعض هذه
المجموعات بداعش ميدانيا إذا ما أدي توسع الأخيرة الي التمدد في اتجاهها (لبنان
بطبيعة الحال هي المرشح الأول لهذا التمدد).
باستثناء
اليمن، التي ربما أدي سقوط عاصمته في يد الحوثيين الي ضخ دماء جديدة في تنظيم
قاعدة جزيرة العرب ودفعه للتحالف مع داعش، تبقي السعودية والأردن، والي درجة أقل الكويت،
حالات فريدة. فعلي العكس من كل البلدان
السابق ذكرها، لا توجد أي مجموعات جهادية فاعلة يمكن لها الانضمام لداعش أو بدء
عمليات إرهابية تلقائية في أي من البلدان الثلاث.
الا أن ما يميز هذه البلدان عن غيرها هو وجود دائرة واسعة من التعاطف
الشعبي مع داعش الذي يصل أحيانا الي حد القيام بتظاهرات علنية موالية للتنظيم تحت
سمع وبصر الحكومة كما هو الحال في معان والزرقاء بالأردن مثلا. كما أن التمدد الي أي من هذه البلدان يحمل ميزة
خاصة لداعش، لأنه قد يعني السيطرة على بلاد الحرمين بما لها من قيمة دينية هائلة
في قلب كل مسلم، او التقدم الي مرمي حجر من القدس الشريف كما هو الحال بالنسبة للأردن،
او السيطرة على كنوز هائلة من البترول وتطويق شيعة العراق من الجنوب كما هو الحال
بالنسبة للكويت. وفي كل الأحوال، غالبا ما
سيؤدي هذا التمدد الي اجبار قوات التحالف على التدخل بريا للمرة الأولي، لما
للبلدان الثلاث من أهمية جيواستراتيجية قصوى.
وعليه فيمكننا القول إن هناك من الأسباب ما قد يدعو داعش الي التمدد الي
البلدان الثلاث، رغم ما قد ينتج عن ذلك من تباعد في خطوط الامدادات، واستجلاب
التدخل الغربي المباشر. وأغلب الظن هو أن
داعش ربما تؤجل أي تدخل في هذه البلدان حتى يوسد لها الأمر بشكل كبير في سوريا والعراق،
كأن تنتظر الي ما بعد سقوط بغداد مثلا او الاستيلاء على دمشق وغيرها من المدن
الهامة. والأرجح أنها ستحاول أن تؤخر
الهجوم ليتزامن مع اضطرابات داخلية يقوم بها موالوها في أي من الدول الثلاث لإعطاء
الهجوم الخارجي فرصة أكبر للنجاح. في
السعودية على سبيل المثال، يمكن الانتظار حتى وفاة الملك عبد الله المرتقبة وما قد
يتبعها من صراع بين أمراء آل سعود علي خلافته، لكي تقتحم بعض أفواج داعش مدن
الحدود الشمالية مع العراق، بالتزامن مع محاولة تكرار ما حدث في أبو غريب، من
إطلاق الاسري الموالين لداعش، ولكن في سجن الحائر الشهير هذه المرة. الخلاصة هي أن مكاسب التدخل في هذه البلدان
الثلاث تعادل الأخطار، ولذا أعتقد أن داعش لن تغامر بالتمدد اليها حتى تكون قد
وضعت خطة ناجحة تستغل الأوضاع الداخلية المضطربة فيها لتعزيز فرص النجاح.
بناء على كل ما تقدم، هل يمكن القاء الضوء على حظوظ داعش من النجاح أو
الفشل؟
حسنا،
ولتكن هذه هي الإجابة الأخيرة على اسئلتك العديدة، فأنك قد جادلتنا فأكثرت جدالنا،
وقد آن لي الآن أن أخلد الي الراحة وأنعم بشيء من الموسيقي والقيان. لقد توقفت
كثيرا عند تشبيه بعض الحمقى والمغفلين داعشا بفيروس الايبولا في سرعة نموه ونمط تكاثره،
الا أنني لم أجد بينهما أي تشابه. وانما
الغالب علي ظني أنها أشبه ما تكون بورم سرطاني سريع الانتشار. ولا أريد أن يخلص القارئ الأريب من هذا التشبيه
الي ظن أنني قد فقدت حيادي الذي حرصت عليه طيلة هذه المناقشة، وأفصحت عن عدائي لداعش،
فأنا كما أوضحت من قبل، لا أعادي ولا أوالي، وانما أجتهد في توضيح الحقائق كما
أراها وكما تبينها الأدلة. وانما شبهتها بالورم السرطاني في سرعة انتشاره وانتقاله
من عضو الي عضو اما بالانقسام المباشر الذي يزيد حجمه ويمدد من مساحته، واما عن
طريق سريان بعض خلاياه المنفصلة في مجري الدم الي عضو بعيد لا يمت الي مكان منشأه بصلة،
لكي تبدأ هذه الخلايا نموا سرطانيا جديدا في عضو غير مجاور، لم يكن يخطر ببال أحد
من قبل أن يصيبه المرض. وهذا لعمري ما نراه
مع داعش اليوم من تمدد مباشر في العراق والشام، ثم من انتشار في أصقاع لم يدر بخلد
أحدنا من قبل أنها ستنتقل اليها في يوم من الأيام، كنيجيريا وليبيا وباكستان
وغيرها من البلدان التي لا تجاور العراق ولا تلاصق الشام.
مكمن
القوة لداعش اذن هو نفس مكمن القوة لأي ورم سرطاني: سرعة الانتشار الفائقة التي لا
تدع للطبيب النطاسي مجالا لإجراء جراحة استئصال أو علاجا كيميائيا أو اشعاعيا يقتل
الخلايا المصابة، لتمكن المرض من أعضاء حيوية ورئيسة في الجسم، لا ينفع استئصالها،
ولا يطيب العيش دونها. ومن غرائب الأقدار،
ان مكمن القوة هذا لأي سرطان هو نقطة ضعفه ومقتله في الوقت ذاته. ومرد ذلك الي أن الورم أثناء فترات نموه
الفائقة يكون أكثر اعتمادا علي وصول الغذاء والأكسجين اليه عن طريق الأوعية
الدموية لكي يستمر بالتمدد والانتشار.
ولذا تعتمد الكثير من تقنيات العلاج على استخدام عقاقير طبية تقطع او تزيل
الشعائر الدموية المؤدية الي الورم أو تحول دون استخدامه ما يصل اليه من غذاء أو
دواء الاستخدام الأمثل ليغذو خلاياه ويجدد نشاطه، وهكذا يتوقف نمو الورم ويذبل
ويموت. وكذا الأمر بالنسبة لداعش، فهي
أضعف ما تكون أثناء فترة التمدد تلك، لأنها تحتاج الي تجنيد المزيد من المقاتلين،
وتدريبهم على الأسلحة المستولي عليها حديثا، ثم ارسالهم بأعداد غير متكافئة الي
جبهات بعيدة ضد قوات للعدو تفوقهم عددا وعدة، لأنها ان لم تفعل ذلك واكتفت بالحفاظ
على ما استولت ليه من أراض دون التمدد لأراض جديدة، أتاحت لقوات العدو حشد الجيوش
لتطويقها والقضاء عليها، تماما كما يعطي الورم السرطاني البطيء الانتشار الجراح
فرصة ذهبية لتطويقه واستئصاله جراحيا بشكل كامل.
والمقصود
ان لداعش فرصة واحدة في النجاح، تنحصر في التمدد بسرعة رهيبة واكتساب الأراضي والمواقع
ذات الأهمية الاستراتيجية، في ذات الوقت الذي تتمكن فيه من استيعاب الغنائم وتجنيد
الآلاف من المتطوعين الجدد، وارسالهم الي جبهات جديدة وهكذا دواليك، حتى تصل الي
قدر من التمدد والانتشار يصير معه من المستحيل على أعداءها استئصالها أو حتى
محاصرتها بنجاح. أما خصوم داعش، وهم اليوم
كما أراهم، كل حكومات العالم تقريبا، فلهم فرصتين في النجاح: الأولي تعتمد على
تسديد ضربات قاتلة لخطوط امداد داعش المتنامية، والقضاء على مواردها المالية من
نفط وغيره، ومنعها من تجنيد متطوعين جدد، بما يمكن القوات المدافعة (سواء كانت
البشمركة او البي كيه كيه او الجيشين السوري والعراقي) من صد هجماتها، ثم التحول
من وضع الدفاع الي وضع الهجوم والقضاء عليها قضاء مبرما. أما الفرصة الثانية، فتتمثل في إيقاف تمدد داعش
عن طريق الهجمات الجوية واتخاذ مواقف دفاعية قوية بهدف حصرها في أماكنها الحالية،
ريثما يتم حشد قوات رهيبة العدد والعدة، تطوقها وتقضي عليها كما حشدت الجيوش من
قبل لصدام أثناء حرب عاصفة الصحراء.
فالأسابيع
والشهور القادمة ستكون حاسمة ودالة على ماذا كانت داعش قد قدمت لهذا العالم لتبقي
وتتمدد حقا، ام ليتم استئصالها كأي ورم سرطاني فاشل. وغني عن البيان أنه كما لا يمكن لأي جراح تحديد
مقدار معين لنمو السرطان يكون استئصاله بعده مستحيلا، وذلك لأن كل جراح له وجهة
نظر مختلفة عن زملائه، كما أن بعض المرضي قد يتقبل إزالة أعضاء حيوية من جسمه
ليبقي على قيد الحياة، حتى ولو أدي ذلك لإعاقته الكلية، بينما البعض الاخر قد لا
يتقبل ذلك ويفضل الموت على الإعاقة، أقول، كما يتعذر رسم هذا الخط الفاصل بين
امكان الجراحة واستحالتها، لا يمكن تخطيط حد فاصل بين الوقت الذي يمكن للعالم أن
يتدخل قبله بنجاح لإيقاف تقدم داعش المضطرد وبين الوقت الذي يتعذر بعده ذلك. الا أن حقيقة واحدة تبقي: كلما مر الوقت دون
منع داعش من التمدد بنجاح، كلما ازدادت مهمة ايقافها صعوبة، وكلما ازدادت كلفة ذلك
على حكومات التحالف. وكمثال توضيحي، دعنا
نتصور أن الحكومة الأمريكية قد استجابت لطلب الحكومة العراقية ارسال قوات برية
للقضاء على داعش وهي لاتزال محصورة في الفلوجة بالعراق والرقة بسوريا، ماذا كانت
ستكون فرص استئصال داعش بنجاح حينئذ؟ دعنا
ننظر الي الموقف الحالي بكل ملابساته، ماهي كلفة الاستئصال الآن بعد ان امتدت داعش
من كوباني شمالا الي جرف الصخر جنوبا، ومن أطراف ديالي شرقا الي الطبقة غربا؟ دعنا نستمر في التخيل، ماذا ستكون الكلفة بعد أشهر
من الآن إذا ما امتد سلطان داعش الي ما بعد بغداد جنوبا والي دمشق غربا؟ ماذا إذا
تمددت لأجزاء بالسعودية أو الكويت أو الأردن؟ ماذا إذا اتحد الجهاديون في سيناء
ودرنة مع الاخوان في مصر وأطاحوا بالسيسي، وأعادوا مرسي الي الحكم أو أتوا بآخر
يوالي داعش، ان لم يبايعها بالكلية؟ الوقت
اذن ليس في مصلحة التحالف، طالما أن داعش تستغله للبقاء والتمدد.
أنا
على أتم الاستعداد للحلف على أي كتاب سماوي أو غير سماوي، ان قوات التحالف
المجتمعة تستطيع سحق داعش والقضاء عليها قضاء مبرما الآن بكل سهولة. صحيح أن الكلفة كانت ستكون أقل لو تم ذلك بالأمس،
ولكن الكلفة ستزداد فداحة مع مرور الوقت، حتى نصل الي يوم يجمع فيه الأطباء
المعالجون على استحالة استئصال الورم السرطاني دون قتل المريض. متي يكون ذلك؟ هل يكون بعد السيطرة علي بغداد؟
هل يكون بعد الوصول الي دمشق؟ أم أن الأمر يمكن تداركه طالما لم تسيطر داعش بعد على
منابع البترول في الخليج وطالما لم تصل الي أعتاب إسرائيل؟ لا أعتقد أن أحدا يملك إجابة
محددة علي هذه الأسئلة, ولكنني أريد أن أوضح أمرا خيرا يلتبس علي كثير من الناس:
لم يزل المسلمون الأوائل امبراطوريات الروم والفرس, ولم يجتح جنكيز خان أرض
الخلافة الإسلامية, ولم ينتصر جيش جورج واشنطن الهزيل علي القوات البريطانية في
المستعمرات لفضل قوة أو شجاعة في الطرف الأول علي الطرف الأخير, وانما لأن الطرف
الأخير في كل حالة اغتر بقوته, وظن أنه يمكنه حشد القوات اللازمة للقضاء علي هذا
"التمرد" في أي وقت, فركن الي ذلك الظن, ولم يحشد القوات الكافية,
واستنام للأمر, حتي أجهزت القوات الغازية الأقل عددا وعدة, علي قواته المجزئة وغير
المستغلة جيدا, فبات يعض أصابع الندم علي ما فرط في حق جيشه وقومه. لو صح ظني، فان التحالف الغربي لن يتحرك بالسرعة
الكافية، وأعني بذلك ارسال القوات البرية في حشود كثيفة وليس الاكتفاء بالضربات الجوية،
الا بعد أن تكون داعش قد تمددت بما يتعذر معه استئصالها، وبما سيغير وجه التاريخ،
ليس في منطقة الشرق الأوسط فحسب، بل في العالم كله. أرجو في نهاية المطاف أن أكون مخطئا، فما أنا
الا شيخ رومي هرم قد هدته السنون، يطمع أن يقضي أيامه الأخيرة في سكينة، يستمع الي
القيان، ويحتسي النبيذ، ويتحسر على أمجاده الغابرة. لقد نصحت وبينت وأوضحت وافصحت، ولكن قومي لا
يحبون الناصحين.