قولة حق أريد بها باطل
منذ ان رفع الأمويون المصاحف علي اسنة
الرماح, وهتفوا "ان الحكم الا لله" بعدما أوشكوا علي الهزيمة, و منذ وصف علي ابن ابي طالب هذه الدعوي
بأنها "قولة حق اريد بها باطل", و شعوب المنطقة غدت معتادة علي هذه
الاستراتيجية الناجعة للثورة المضادة, التي تتلخص في المزايدة علي صاحب الحق
بشعارات تبدوا مثالية ثورية, بينما يؤدي تطبيقها الحرفي الي علو الباطل وازهاق
الحق.
والقصة باختصار لمن لا يتذكر أن الأمويين, بعد أن تبددت أحلامهم في
الانفراد بزعامة قريش, بعد خروج نبي بني هاشم, سعوا بكل طريقة ممكنة الي استعادة
مكانتهم المفقودة, عن طريق التظاهر بقبول الدعوة الجديدة, مع الالتفاف عليها
وتفريغها من مضمونها الانساني, ومحاولة تحوبلها الي غلاف خارجي يحمل مظهر الدعوة,
بينما لا يخرج المضمون عن الملك العضوض الوراثي, الذي سعي بنو أمية دوما الي
اقامته. وقد جرت المحاولة في عهد الخليفة عثمان –الذي اتفق وكان أمويا- فانتهز بنو
عمومته طعنه في السن, وقفزوا علي مقدرات الدولة الوليدة بقيادة مروان بن الحكم
وأبناءه عبد الملك وعبد العزيز, محاولين الارتداد بالدولة الناشئة الي حكم أموي
ديكتاتوري, لا تتم مداولته بين المسلمين طبقا للشوري التي أرادها النبي لهم من
بعده.
فلما قتل عثمان, وانتخب الناس من بعده عليا, رفع الأمويون قميص عثمان
الملطخ بالدماء, علي صارية مسجدهم في دمشق. وكانت المطالبة بالثأر ممن قتله مطلبا
ظاهره المعقولية والمشروعية, ولكن الامويين لم يرفعوه حمية أو انفعالا لمقتل
شيخهم, وانما فعلوه كمطلب تعجيزي لابن أبي طالب, الذي استحال عليه عمليا القاء
القبض علي كل الثوار الذين تسوروا بيت عثمان وقتلوه. فقد جاء هؤلاء من كل أطراف
الدولة الاسلامية, وكان فعلهم مبررا لديهم ولكثير من الناس. فغدا القصاص منهم
مستحيلا فعلا, وباعثا علي الفتنة والحرب الاهلية بين المسلمين ضمنا.
ولما استعرت الحرب بين الامويين وبين ومعسكر علي, ودارت الدائرة
عليهم, لجئوا الي الحيلة الموضحة أعلاه, بأن رفعوا المصاحف علي أسنة الرماح ورددوا
قوله تعالي "ان الحكم الا لله" وبالرغم من فطنة علي الي الحيلة
المقصودة, ووصفه لها بأنها "قولة حق أريد بها باطل" الا انه لم يكن
ليظهر أمام الناس كرجل يابي الاحتكام لحكم الله, ولم يكن امامه من حل سوي التسليم
والاذعان للمطلب. وكان ما كان بعد ذلك من التحكيم الذي خدع فيه ممثل الامويين
(عمرو بن العاص) ممثل العلويين (أبي موسي الاشعري) الي خلع علي وتثبيت معاوية. وقد
كان مبدأ الرضوخ الي التحكيم وبالا علي العلويين في حد ذاته, حتي مع محاولتهم
احتواء أثاره, فبالرغم من رفضهم لخدعة بن العاص, وبالتالي لنتيجة التحكيم, فقد ادي
قبولهم المبدئي "لقولة الحق التي اريد بها باطل" الي انشقاق كبير في
صفوفهم لأن الكثيرين رأوا فيما حدث "تحكيما للرجال في أمر الله". ,مما
ادي في نهاية المطاف الي مقتل علي علي يد احد هولاء المنشقين الخوارج, وتوسيد
الامر لمعاوية, وبدء الملك العضوض الوراثي في بلاد المسلمين, والذي دام لأكثر من
ألف عام حتي سقوط السلطان عبد الحميد منذ عقود قليلة.
ما أشبه الليلة بالبارحة
والناظر الي احداث الايام الاخيرة, منذ اعلنت نتيجة الانتخابات بفوز
مرسي بالرئاسة, لا يملك الا ان يري تشابها كبيرا بين ما فعله الامويون من رفع
لقميص عثمان اولا للمطالبة بثأره, ومن ثم طلب الالتجاء لحكم الله عندما أوشكوا علي
الهزيمة, وبين الكثير من النداءات والمطالبات المشابهة, و التي يصدق عليها كلها
قولة علي ابن ابي طالب "قولة حق اريد بها باطل" فتعالوا نستعرض طرفا
منها, محاولين التوقف علي وجه المعقولية والوجاهة الظاهري في كل منها و وكيف
استغلته الثورة المضادة كسلاح تسدد به الضربة تلو الضربة, الي ادارة مرسي الوليدة,
محاولة الاجهاز عليها, واعادة تشييد البناء الفرعوني علي أنقاضها, كما بني
الامويون ملكهم علي أنقاض الخلافة الراشدة. .
ألافراج
عن المعتقلين
طبقا لارقام المجلس العسكري, تزخر السجون
بما يزيد علي احد عشر الف معتقل منذ قيام ثورة يناير. وبالرغم من مشروعية المطالبة
بالافراج علي هؤلاء, الذين اعتقل أغلبهم اثناء التظاهر والاعتصام المشروعين في
مراحل الثورة المختلفة, الا ان الافراج الفوري عنهم كلمة حق يراد بها باطل, لأن
المؤسسات الامنية (وهي الضلع الثاني للثورة المضادة) قد دست بعض القنابل الموقوتة
في هذا المطلب, عن طريق توصبف بعضهم كمعتقلين جنائيين. ومن ثم يصبح الافراج الفوري
عنهم مسوغا لتلك الاجهزة الامنية, لكي تطلق بلاطجتها ومخبريها يعيثون في البلد
فسادا, ثم تصوب اصابع الاتهام الي مرسي بوصفه من اطلق سراح كل أولئك "المجرمين"
دون تمحيص او تدقيق. وعلي الجانب الاخر لو لم يطلق سراحهم فستزداد المطالبات
والاصوات التي تنعي "تخلي" مرسي عن المعتقلين, و"تنكره"
للثورة والثوار.
الثار
للشهداء
تتفق معظم التقارير علي أن ضحايا الثورة
يقدرون بالالاف, فضلا عن مثلهم في العدد من المفقودين, الذين هم علي الارجح قد
قضوا نحبهم أيضا بكل أسف, وان لم يستدل بعد علي أماكن رفاتهم. وفي كل منزل, او
اسرة من اسر هؤلاء الابطال ماتم لم ينفض, وعزاء لم يؤخذ, لان المحاكمات الصورية
التي تمت حتي الان, لم تؤدي الي ادانة أي من قاتليهم, او الثار منهم. ولكن كما
الحال في بند المعتقلين السابق, تعتبر المطالبة بالقصاص الفوري ممن قتل هؤلاء
الشهداء كلمة حق يراد بها باطل, ومدخلا الي شر مستطير. فمعظم الادلة تم تدميرها
بمعرفة امن الدولة (كما هو ثابت من محاضر قضية رئيس هذا الجهاز حسن عبد الرحمن).
والبقية الباقية من هذه الادلة, حبيس بادراج جهاز الامن الوطني او الشرطة, و
كلاهما من أعمدة الثورة المضادة التي لم يتم القضاء عليها بعد. ومن ثم تغدوا
المطالبة "بالقصاص الفوري" مطالبة "بقنص الفاعلين" وتصفيتهم
الجسدية, دونما محاكمة قانونية عادلة. وهو أمر لا يليق بدولة أو بحكومة رشيدة, وان
فعله مرسي فتح علي نفسه ابواب جهنم من الانتقادات علي "دكتاتوريته
وبطشه" وبعده عن الاحتكام للقانون. وعلي الجانب الاخر ان لم يفعل شيئا, زادت
ثورة اهالي الشهداء عليه, وامتدت لتشمل طبقات أوسع من المتعاطفين معهم من ابناء
المجتمع.
انصاف
المظلومين وذوي الحاجة
منذ بدء مبارك في تطبيق نظام الخصخصة,
واطلق العنان لزبانيته من أرباب راس المال الطفيلي لنهش الاقتصاد المصري, والهوة
بين الاغنياء والفقراء تزداد اتساعا, والمظاهر الجديدة للفقر التي لم يسمع بها أحد
من قبل في مصر (كاطفال الشوارع وبيع الاعضاء) تزداد انتشارا. وباستثناء الاقلية
القليلة من ابناء الوطن العاملين في الخارج او في الشركات الاجنبية, عض الفقر
بنابه الجميع, حتي غدا العثور علي طائفة أو اصحاب حرفة ناجية من هذا الطوفان
المدمر امرا صعب المنال. ومن الطبيغي والمعقول أن تطالب كل فئة –وكل فرد-
بالانصاف, وبايجاد مكان له تحت شمس العدل والمساواة. الا ان توقع تحقيق ذلك بشكل
فردي لهذا الفرد او لتلك الفئة (دون بقية طوائف المجتمع) وبشكل فوري ( دون المرور
بمراحل التعافي الاقتصادي المعتادة لاي اصلاح) هو ضرب من الجنون والانغماس في
الاحلام. لان الحكومة لا تملك عصا سحرية لحل كل المشاكل المزمنة المتراكمة في لحظة
واحدة, كما لا ينبغي عليها الاستجابة لفئة علي حساب فئة أخري. وهكذا تغدوا تلك
المطالبات الفئوية (دعوات حق يراد بها باطل), ويغدوا مرسي وادارته المسكينة بين
نار الاستجابة الفورية لها (وهو ما يستحيل عمليا كما أوضحنا) وبين اهمالها
بالكلية, و من ثم التعرض للقصف الاعلامي المركز لمدفعية الثورة المضادة الاعلامية,
ووصفه كحاكم فاشل عاجز عن حل مشاكل ابناء بلده.
تطبيق
شرع الله
الشعب المصري متدين منذ فجر التاريخ, وقد
اتخذ هذا التدين اشكالا متعددة غلب عليها التسامح منذ بدايات عقيدة الضمير (معت)
عند قدماء المصريين, الي غنوصية نجع حمادي اثناء الحقبة المسيحية, الي تصوف العصور
الاسلامية المختلفة. الا ان هذا التسامح وتقبل الاخر لم يخل من لمحات من التعصب
ورفض الاخر, كما حدث لهيباتيا الوثنية علي يد اتباع "عمود الدين" في
الاسكندرية, وكما نراه الان من شيوع
لقراءات أقل تسامحا بين عموم المسلمين والمسيحيين علي قدم المساواة. ومن الطبيعي
لكثير من جماهير السلفيين المتأثرين بالفكر الوهابي البيوريتاني المعاصر, أن
يتوقعوا ويتطلعوا الي تطبيق حرفي للشريعة الاسلامية, في اعقاب وصول اول رئيس
"اسلامي" لحكم مصر. ولكن الاسراف في هذه التوقعات قد يؤدي ببعض هؤلاء
الي محاولة أخذ زمام الامور في ايديهم, وتطبيق "الحدود" علي من يرونه
مخالفا لأحكام الشريعة, كما رأينا مع فتي السويس, الذي قتل غيلة بينما كان يسير مع
خطيبته من قبل "متشددين" يبدوا الان انهم كانوا من أذناب أمن الدولة,
الذين يزايدون علي عواطف البسطاء من المتدينين, ويرددون دعوات تطبيق الشريعة,
المراد بها باطل. ومرسي هنا بين نارين, فان رضخ لمطالب هؤلاء, وصبغ ادارته بصبغة
اصولية متشددة, نفر منه عموم المعتدلين والاقباط, وزاد من مخاوف الدول الاجنبية
علي مصالحها في مصر. وان قلب لهم ظهر المجن, عرض نفسه لمزايدتهم, ووصفهم له
"بالمدعي الزائف" الذي يستخدم الشعارات الاسلامية للوصول الي الحكم,
بينما ليس له منه سوي الاسم.
استعادة
مكانة مصر الاقليمية
الي جانب الانسحاب المصري المتدرج من قيادة
الامة العربية والاسلامية ودول عدم الانحياز, والذي قلص من مكانتها العالمية كقوة
اقليمية مهابة الجانب, اتت تصرفات مبارك المشينة علي البقية الباقية من كرامة مصر
ومكانتها بين الامم. فالرجل لم يكن يتورع عن تسول الملابس والهدايا من القادة
العرب والأجانب حال زيارتهم مصر, ولم يخجل ان يطلب منهم الرشا لنفسه ولاسرته. كل
ذلك رسخ من صورة المصري كشحاذ لا يكف عن توضيع نفسه للاخرين لقاء مال او عرض. وبدا
ذلك واضحا لكل العاملين المصريين في الخليج, الذي يعامل مواطنوه المصريون باستمرار
بمزيج من الفوقية والاحتقار. ولذا لا نستغرب عندما نري المطالبات بالتصدي لدولة
الامارات العربية المتحدة, التي باتت مأوي للفلول, والتي تطاول بعض قادتها كضاحي
خلفان رئيس شرطة دبي علي مصر والمصريين.ورأينا زوجة المحامي المصري السجين في
السعودية والمتهم بتهريب المخدرات تعتصم أمام القصر الرئاسي, مطالبة بالتدخل
الشخصي للرئيس للافراج عن زوجها الحبيس. وعلي الرغم من مشروعية هذه المطالب في
عمومها, الا ان التزيد في هذه المطالبات لا يخرج عن كونه "كلمة حق اريد بها
باطل". فالعلاقات الثنائية بين الدول ينبغي أن تبني علي قواعد قوية من
التاريخ المشترك والمصالح المتبادلة, وألا تترك عرضة للانهيار بسبب حدث عابر.
والتاريخ حافل بأمثلة لدول وضعت علاقاتها مع دول أخري علي المحك, ورهنتها بمطالب
محددة وفورية. وفي معظم الاحوال رفضت الدول الاخري هذه المطالب, وكان هذا ايذانا
بانهيار العلاقات بين البلدين واحيانا نشوب الحروب. ونحن في هذا لسنا في حاجة
للتذكير بالتعويضات المستحيلة التي طلبتها النمسا من صربيا عقب اغتيال فرانز فرديناند
(والتي كان رفضها سببا في نشوب الحرب العالمية الاولي), ولا المطالبة بتسليم اسامة
بن لادن الذي رفضته أفغانستان فكان سبب في جر أمريكا الي نزاع غير مجد معها. ويكفي
النظر الي مطالبة أمريكا المتكررة بالافراج عن مواطنيها المعتقلين في ايران والذين
كانوا يمارسون رياضة تسلق الجبال قرب الحدود الايرانية, واعتقلتهم الاخيرة بتهمة
التجسس. فبالرغم من تفاوت القوة والسطوة بين الدولتين, الا ان المطالية العلنية,
واستخدام الاساليب الغير ديبلوماسية في المطالبة, زاد من صلف ايران, ورفضها
الانصياع للمطلب الامريكي. وجملة القول أن انسياق مرسي وراء هذه المطالب كفيل
بتدمير علاقات مصر الخارجية وعزله دوليا. كما أن اعراضه عنها حقيق بتقزيم قامته
امام شعبه, واظهاره بمظهر العاجز عن صون كرامته وكرامة شعبه وأمته.
استقلال
الصحافة
من منا لم يشب عن الطوق في ظل هيمنة ما
يسمي بالصحافة "القومية" علي المشهد الاعلامي في مصر, بينما هي في
الواقع لا تخرج عن كونها اعلاما موجها معبرا عن وجهة النظر الرسمية للحكومة. وقد
تنوعت وسائل تعيين رؤساء تحرير الصحف ومديري قنوات التلفزيون من هيئة الارشاد الي
وزارة الاعلام الي مجلس الشوري, ولكن بقيت هذه "الاوعية القومية" في كل
الاحوال ابواقا للدعاية في يد النظام الحاكم. وحتي بعد قيام ثورة يناير, استمرت
تلك الابواق تبث سموم الثورة المضادة, و تعمل علي تسميم العلاقة بين الثوار وبين
عموم الجماهير. وما يقوم به مجلس الشوري (ذو الاغلبية الاخوانية) حاليا من تمحيص
لترشيحات رئاسة تحرير الصحف, تمهيدا لتعيين قادتها الجدد, أمر طبيعي جدا ومتوقع,
لأن تلك الصحف والقنوات, لابد وأن تعبر عن وجهة نظر القيادة الجديدة. وما يدعوا
اليه البعض من نزع هذه السلطة من يد مجلس الشوري هو من قبيل "كلمة الحق التي
يراد بها باطل". فصحيح ان الوضع المثالي (كما الحال في العالم الحر) لا يتضمن
ما يسمي بالصحف "القومية" وانما يتضمن استقلالها كمؤسسات صحفية مستقلة
غير معبرة عن وجهة النظر الرسمية باي حال من الاحوال. ولكن الواقع أن هذه
المطالبات في الوقت الراهن لا يقوم بها الصحفيون "المستقلون" الراغبون
في التخلص من نير التبعية لهذه الحكومة او تلك, والا اين كان هؤلاء ايام حكومات
حسني مبارك, وقبضة صفوت الشريف الحديدية, التي حولت صحفهم الي ابواق للدعاية للحزب
الوطني. الواقع أن تلك المطالبات يتولي كبرها زبانية الحزب الوطني, وأذنابهم من
الصحفيين التابعين, الكارهين لزوال سلطانهم, والراغبين في الاستمرار في استخدام
هذه المنابر كمنصات هجوم علي الاخوان وزعيمهم الرئيس. ومرسي ازاء مطالبهم تلك بين
نارين, رفضها والظهور بمظهر الديكتاتور الراغب في تكميم الافواه ومصادرة الصحف
لحساب جماعته, أو الاذعان لها و فقدان هذا المنبر المؤثر من منابر التأثير علي
الجماهير لأعدائه الذين لن يألوا جهدا في استخدامه لمهاجمته والنيل منه ومن
حكومته.
حقوق
الاقليات و مدنية الدولة
مع ظهور الدولة المصرية الحديثة في
العشرينات من القرن المنصرم, والصراع لم ينته بين المطالبين بدولة علمانية علي
النسق الاوروبي, تحترم حقوق الاقليات و تعطي جميع ابناءها حقوق المواطنة بشكل
متساو, وبين المنادين بعودة الخلافة الاسلامية "التي تكون مصر منها بمثابة
القلب" مع ما يتبع ذلك من زوال الحواجز المصطنعة بين الاقليم المصري وغيره من
اصقاع الامة الاسلامية, مع الاحتفاظ بحقوق الاقليات غير المسلمة, في حدود ما تسمح
به الشريعة الاسلامية. وعلي الرغم من انتماء الاخوان في المجمل الي المشروع الثاني
(مشروع الخلافة), الا ان المراجعات المختلفة وفقه الواقع غير من موقفهم الي موقف
قريب من المشروع الاول (مشروع المواطنة والدولة المدنية). ولكن تاريخ الاخوان
الطويل المليئ بالمناداة بالعودة الي الخلافة, اثار شكوك الكثيرين, وحداهم الي المطالبة
ب"تطمينات" علي نيتهم احترام مدنية الدولة المصرية, كالاتيان بنائب رئيس
قبطي, أو نسبة معينة من الوزراء, او النص دستوريا علي اقتطاع أعداد مخصصة لهم في
السلك الدبلوماسي والنيابة والقضاء وغيرها من المناصب المرموقة, للتأكيد علي حسن
نية الاخوان تجاه شركائهم في الوطن. ويبدوا أن مرسي قد اضطرته ظروف الموائمة
الانتخابية لاطلاق بعض الوعود, مثل وعده بالاتيان بنائب مسيحي. وعلي الرغم من
معقولية بعض هذه المطالبات, الا انها لا تخرج عن كونها " دعوة حق أريد بها
باطل", فنظم المحاصصة الطائفية (كلبنان مثلا) أكل عليها الدهر وشرب, وهي علي أي
حال لم تأت بخير, ولم تزد أبناء الوطن الواحد الا نفورا من بعضهم البعض, ونزعا
لانتزاع ما بيد الاخر. ومعظم الانظمة الحديثة تكفل حقا متساويا للمواطنين في تقلد
المناصب القيادية اعتمادا علي الكفاءة, دونما نظر لعقيدتهم أو لاصلهم العرقي. و
الانصياع وراء هذه المطالب سيوغر صدر الاغلبية المسلمة, التي لن تلبث ان تنقلب علي
مرسي بعد أن أعطته الاغلبية. والاعراض عنها حقيق بتخييب امال الاقباط, وتحقق
مخاوفهم بشأن "دولة المرشد", و العودة لوضعيتهم كرعايا لا كمواطنين.
ألجوجاتسو هو الحل
مما سبق تتضح للقارئ الاستراتيجية الحالية للثورة المضادة, متمثلة في
أجهزة نظام مبارك السيادية من أمن دولة وشرطة وحكم محلي وحزب وطني...الخ, مدعومين
براس المال الفاسد والمجلس الأعلي للقوات المسلحة (الذي اضطرته ظروف الموائمة
للتسليم بفوز مرسي) وان لم يزل حربا عليه. والاستراتيجية بسيطة جدا, بقدر ما هي
شديدة الفعالية.
تعرف علي القضايا الشاغلة للرأي العام, المثيرة لعواطف الجماهير.
تبني مواقف متشددة محببة الي نفوس جمهور كل قضية, وزد من التغطية
الاعلامية لموقفك.
قد الجماهير المتحمسة, (والتي جمعتها خلفك باتخاذك للموقف المتشدد
المشار اليه أعلاه), في المطالبة بتحقيق المطلب.
شدد الضغط والنكير علي مرسي, فان أذعن جزئيا زد في مطالبتك, وتطرف في
موقفك حتي يفشل في الوفاء بما تدعو اليه ثم شهر به.
أما ان نجح في الوفاء بما دعوته اليه, فسلط عليه أقلام جناح أخر من
أجنحة الثورة المضادة, يسفه من فعله, ويشير الي خطا تناوله.
واعتماد الثورة المضادة في نجاح خطتهم (كما كان اعنماد الامويين سابقا
لحشد الناس خلفهم) انما هو علي الرغبات المشروعة والمنطقية للجماهير أو -لقطاعات
من الجماهير-أن تكون بمثابة السلاح الماضي, والسيف البتار الذي يشهرونه في وجه
خصمهم. وبقدر نجاحهم في استثارة حفيظة هذه الجماهير, وحشدهم خلفهم, تكمن مقدرتهم
علي الظفر بما يبغون, والنيل من عدوهم.
ولكيلا يلقي مرسي مصير علي بن ابي طالب, وغيره من المثاليين, الذين
استدرجوا الي الفخ الموضح اعلاه, ينبغي عليه أن يتبني آداب وفلسفة فن الجوجاتسو
القتالي, المشهور عند شعوب الشرق الاقصي. والجوجاتسو يدعوا باختصار الي استخدام
قوة الخصم ضده, بحيث تكون وبالا عليه, بدلا من عونا له. ولتوضيح ذلك دعنا نتخيل
رجلين يتصارعان في حلبة, حيث يحاول أحدهما جذب الآخر ناحيته بهدف اسقاطه أرضا.
الدفاع التقليدي يقضي بمقاومة هذا الجذب عن طريق محاولة "شد" الخصم في
الاتجاه المضاد. والمشكلة كما لا يغيب عن فطنة أي مبتدء في علم الميكانيكا, ان
المواجهة تصير صراعا بين قوتين متجاذبتين في اتجاهين متضادين, وتصبح الغلبة لمن
يمتلك قوة أكبر. فاذا تصادف أن الخصم أقوي بنية, يغدوا فوزه محتوما مفروغا منه. ولكن
تخيل للحظة, أن المدافع قام بعكس استراتيجيته من "شد" الخصم الي
"دفعه فجأة" عندها تنقلب الآية ويسقط الخصم علي الارض, لان تحليل القوي
ميكانيكيا يتحول من قوتين تعملان في اتجاه معاكس, الي قوتين تعملان في نفس
الاتجاه, مما يسرع بسقوط الخصم, الذي لم يتوقع أو يتخيل أن يرد كيده في نحره, وأن
يحيق مكره السيئ به.
وفي سياقنا الحالي, تقضي هذه الاستراتيجية المقترحة لمرسي بالخطوات
الاتية:
التعرف علي القضايا الشاغلة للرأي العام (والتي تستخدمها الثورة
المضادة لاثارة عواطف الجماهير)
تبني مواقف أكثر تشددا وشعبية الي نفوس جمهور كل قضية (من موقف الثورة
المضادة).
الاعلان عن خطة واضحة المعالم, قابلة للتنفيذ, مرضية لطموحات الجماهير
الحقيقية في كل حالة, والتغطية الاعلامية للخطة.
تجنيد عناصر من هذه الجماهير للاشادة بالخطة المذكورة اعلاميا, وتوضيح
محاسنها, ووفاءها بمتطلبات الجماهير.
وعن طريق الخطوات الاربع السابقة, يتم الفصل بين الكتلة العريضة من
الجماهير, ذات المطالب المشروعة, وبين الاقلية المزايدة من رؤوس الثورة المضادة.
فضح وتعرية موقف هذه الاقلية اعلاميا, وبيان استغلالها لالام الجماهير
لاعادة انتاج النظام السابق.
انزال العقوبة المستحقة بهذه الاقلية المستحقة بشكل علني ورادع وفوري
(علي ان يكون قانونيا وألا يكون وحشيا).
و كمثال توضيحي, يمكن اجراء تحقيقات واسعة لكشف الصلة بين قاتلي شاب
السويس, بين محركيهم المفترضين من مشايخ السلفيين المجندين من قبل قيادات أمن
الدولة, ثم الكشف الاعلامي المكثف لصلة اولئك بهؤلاء, وتحريك الدعوة الجنائية
ضدهم, وانزال العقوبات بهم. فان فعلت ادارة مرسي ذلك, اصابت عشا من العصافير بحجر
واحد. فهي أولا ازالت مخاوف العلمانيين والاقباط المفهومة من الحكومة الاخوانية,
من حيث انحيازها المفترض للمتطرفين, وهي ثانيا ازالت عن كاهل عموم السلفيين تهمة
التطرف والعنف, بان اعادت التهمة الي منفذيها من مجرمي النظام السابق وعملائهم.
وهي ثالثا ارسلت رسالة تحذير وتخويف, لكل من تسول له نفسه التعاون مع اذناب النظام
السابق من معتادي الاجرام, او مضللي الجماعات الدينية. وأخيرا هي قد عرت مخططات
أمن الدولة, وكشفتها أمام الناس لا كجهاز يحمي الامن, بل كمثير للفتنة, مما يسهل
استئصاله.
وكمثال آخر, يمكن تحريك الدعوة الجنائية بسرعة نسبية ضد نفر من قاتلي
الشهداء, ممن تتوافر ضدهم أفضل الادلة نسبيا, وتتزامن مع ذلك حملة اعلامية مكثفة
تبين الصعوبات المتضمنة في تعميم ذلك ضد كل القتلة, لنقص الادلة, مع تحريك دعوات
مماثلة ضد كل من دمر هذه الادلة , ودعوة لكل الشرفاء للتقدم بما لديهم من أدلة, مع
الوعد بمكافآت مجزية, أو عفو عام اذا كان المتقدم عضوا في أحد الاجهزة الامنية
الضالعة. حتي اذا ما تمت المحاكمة وصدرت أحكام مشددة ضد المنفذين ومدمري الادلة,
راي أهالي الشهداء جدية الحكومة في تبني قضيتهم, فعذروها فيما لم تستطع القيام به,
وانفضوا من حول رؤوس الثورة المضادة الذين يتظاهرون بالدفاع عنهم,وانقلبوا عليهم,
مما يسهل علي الحكومة التخلص من رؤوس الفتنة والاجهاز عليهم.
والمقصود هو أن أجنحة الثورة المضادة تكثف جهودها حاليا لافشال
الادارة الجديدة, عن طريق شغلها في قضايا مستعصية, و ادخالها في حلقات مفرغة,
الغرض منها استنزاف جهودها, والقضاء علي جماهيريتها, والهائها عن معركتها
الاساسية, الا وهي احكام قبضتها علي الحكم, والتخلص من أعدائها الذين يتربصون بها
الدوائر. والحل انما يكمن في سلب الثورة المضادة سلاحها الفعال في هذه المعركة
(وهو الجماهير المعنية بكل قضية) وتحويله الي سلاح يرتد في نحر الثورة المضادة
ويقضي عليها. وانما يكون ذلك عن طريق تبني هذه القضايا, ووضع خطط عملية قابلة
للتطبيق لمواجهة كل قضية, والتغطية الاعلامية المكثفة للخطة, ومراحل تنفيذها,
تزامنا مع فضح استغلال الثورة المضادة لها, بهدف عزلها وتعريتها امام الجماهير,
تمهيدا للقضاء عليها.
وفي الختام, فان عليا هزم في الصراع لأنه لم يكن علي نفس مستوي دهاء
الامويين. وبالرغم من أن ذلك قد يعتبره البعض نبلا, واعراضا عن النزول الي مستوي
المكائد, والمؤامرات المتدني الذي لا يليق بخليفة راشد. وعلي الرغم من أن البعض قد
يعتبر شهادته نصرا أخلاقيا من نوع أو اخر, الا أن الامة عانت قرونا عديدة بسبب احجامه
عن ملاقاة المكر بالمكر, ومجابهة الحيلة بالحيلة. فنرجوا من الرئيس ألا يكرر نفس
الاخطاء, وألا يسمح بأن يكون قنطرة تعبر عليها قوي الثورة المضادة الي سدة الحكم
في مصر مرة أخري.