Wednesday, November 21, 2012

ضجة بشرية هائلة

اهتمامي بالنبوءات رافق معرفتي بالقراءة,  واتذكر وانا صغير ان اهلي جابوا كتاب كبير كله عن نوستراداموس بس بالعربي. وفي هذا الوقت كان صعب جدا ان الواحد يتصور حتى انه فيه اي احتمال لتحقيق اي حاجة من اللي تنبأ بيها. كان زمن الحرب الباردة ريجان وبريجينيف. وبعد شوية اندروبوف وتشرنينكو. كان العالم لسه طالع من فترة كارلوس وخطف الطيارات والحاجات الجميلة بتاعة فيلم ميونيخ اللي ماوعالهاش. أيام بادرماينهوف والألوية الحمراء والعمل المباشر ومنظمة ايتا الانفصالية, والشخصيات الجبارة من نوعية أبونضال والذي منه.  ودخل العالم في فترة الثمانينات الجامدة سياسيا اللي اتجمد وتلاشي فيها كل اللخبطة الجميلة بتاعة الستينيات والسبعينيات, وبدا كما لو كان العالم ثبت علي كده. فلما تييجي في الفترة دى تكلم ولد او مراهق عن القائد المحمدي القدير اللي حيحارب اوروبا او عن الغريفون اللي حيكسر قرني الهلال ويخفض اجنحة مقدسي يوم الجمعة. لازم انك تشوف ان النبوءات اللي من النوعية دي كلام تخاريف, لأن مفيش مجال أساسا لأي شيئ سوي ان الشرق الاوسط يفضل زي ماكان دايما من وقت سقوط الإمبراطورية العثمانية (وحتي من قبل كده بشوية) ساحة خلفية للصراع بين الدولتين العظميين,  أما مايسمي ظلما وعدوانا دول الشرق الأوسط, فهي مجرد نمل بيتداس بالرجلين ومالوش أي إرادة مستقلة, فضلا عن انه يأثر في الأحداث العالمية بالشكل المنصوص عليه في النبوءات دي. وحتى لما جه الزفت اللي مايتسماش بالبيرييسترويكا و الجلاسنوست, قلنا اهي دعاية فارغة وخلاص, كله للاستهلاك المحلي, ومفيش حاجة حتييجي من وراها.

 لكن لما تصحي من النوم ذات صباح تلاقي جمهوريات الاتحاد السوفيتي اللي قضيت كل طفولتك بتحفظ في اسامي عواصمها عمالة تنفصل واحدة ورا التانية عن موسكو. وطبعا قبل كده تلاقي شنبو البولندي عامل قلق والبابا الجديد معاه ضد روسيا,  و تسمع من ابوك ان جدانسك هيه نفسها دانزج اللي اشعلت الحرب العالمية التانية. يبقي لازم تعرف ان العالم بينتقل من عصر لعصر وان كل شيء بعد كده ممكن يحصل. وطبعا غني عن البيان, ان تطورات البدايات دي وصلت ذروتها مع مشهد هدم جدار برلين, اللي اتذاع علي الهواء زي كاس العالم بالضبط. احنا كعيال في الجامعة كنا متحمسين جدا لأننا حاسين ان التاريخ بيتغير قدام عينينا.  لكن اهلنا العواجيز كان شعورهم لا يوصف, كان فيهم اللي بيعيط من الزعل واللي بيرقص من الفرح واللي مذهول من اللي بيحصل. العالم اللي عرفوه بينتهي, و حياتهم اللي عاشوها ووطنوا نفسهم انها حتستمر كده لغاية مايموتوا بتنتهي للابد.  ولكن  حتي مع كل التغيرات الرهيبة دي فضل اللي بيتوقعه نوستراداموس امر مستحيل التحقيق في مخيلة اي واحد عاقل. مال نهاية الاتحاد السوفيتي ومال نشوء دولة إسلامية موحدة وقوية, لدرجة انها تدخل في معارك مع الغرب المسيحي تهدد فيها عواصم غربية زي المدينة ذات التلال السبعة وخلافه. وحتي بعد كده بكام سنة لما الواحد اتخرج وسافر للدراسات العليا في بلاد الفرنجة,  و حصلت حكاية انفجار مركز التجارة العالمي الأولانية, وابتدينا نسمع تاني اسم عمرعبد الرحمن. اللي سمعنا عنه واحنا عيال صغيرين في قضية قتل السادات, مربطناش بين الامرين. لكن لما حصلت الحادثة التانية بعدها بتسع سنين علي مااذكر,  و كر بعدها غزو افغانستان والعراق, وفجأة علي حين غرة بصينا لقينا في جماعات إسلامية البعض بيسميها جهادية والأخر بيسميها إرهابية بتدخل في صدام مباشر مع الغرب, بما يستدعي ان الجيوش الغربية تييجي بشكل مباشر في الشرق الأوسط, حسيت لأول مرة أن الكلام اللي قريته وأنا صغير مش مستحيل الحدوث. صحيح لايزال مستبعد جدا، لأنه ايه اللي جاب قوي الغرب الجبارة مع شوية جرابيع قاعدين في تورا بورا والا جيش منهار في صحراء العراق؟ وفعلا لما تحقق الانتصار الكامل للغرب, ابتديت أحس ان فعلا كل النبوءات اللي قريتها زمان بتبعد أكثر وأكثر.

و لكن بعدها بسنوات, بدأ الربيع العربي, وابتدينا لأول مرة نشوف حكومات إسلامية في قلب العالم العربي, في مصر وتونس. وابتدينا نشوف الجهاديين اللي كانوا بيقولوا عليهم لغاية أول امبارح إرهابيين, بيقلبوا نظام القذافي (مع التحفظ في توصيف ماحدث هناك بأنه ثورة).  و بدا فجأة كما لو كانت ايران حتفلت ببرنامجها النووي, وأنها مش حتضرب من إسرائيل أو أمريكا زي ماكانت كل الناس فاكرة. ومعني كده انها مش حيحصلها زي ماحصل لمصر أيام محمد علي ولا للعراق أيام صدام حسين ولا حتي لإيران نفسها أيام مصدق, لما حاول حاكم كل بلد من البلاد دي انه يعمل نهضة مستقلة في بلاده ويستقل عن الغرب. بمعني آخر, ابتدينا نشوف لأول مرة من أحقاب طويلة دول عربية وإسلامية بتخطوا أول خطوات الاستقلال عن الغرب. صحيح باشكال مختلفة, وصحيح مفيش لغاية دلوقتي أي بوادر انه حيحصل بينها وبين بعضها وحدة, لكن لأول مرة يصبح اتحادها أمر وارد, ولو علي المدي المتوسط, وبالتالي تصبح النبوءات اللي بتتكلم عن صدام بين دول إسلامية موحدة وبين الغرب أمر قابل للتحقيق او التصور.


فجأة بدأت الصورة تتضح لواحد عاش الاحداث دي كلها من اول طفولته في نهاية السبعينات الملتهبة و بداية الثمانينيات المتجمدة لنهايتها الساخنة. وصولا لتسعينيات الارهاب و الفينات الحروب و تينز الربيع العربي وصعود ايران. اي حد يتوقف شوية صغيرة عن متابعة الأحداث يوم بيوم, و يبعد بره الاحداث الصغيرة اللي بتحصل ساعة بساعة. أي واحد ياخد خطوة لورا ويحاول ياخد لقطة بانورامية لأحداث الأربعين سنة اللي فاتت من علي بعد تلاتين الف متر زي مابيقولوا, حيلاحظ ان الامور بتسير في اتجاه صار معاه تحقيق نبؤات نوستراداموس ممكن. واصبح فيه الكلام بتاع سفر دانيال والابوكاليبس و احاديث المهدي المنتظر بنوعيها السني والشيعي و نزول عيسي محتمل جدا, بعكس ماكان أي حد عاقل ممكن يتوقع في السبعينات او الثمانينات, او حتي التسعينات.  فلما المتفرج اللي عمال يتابع الدراما البشرية دي من بعيد وهوه مابيشاركش فيها يكون هوه نفسه مر بتحولات فكرية وفلسفية خلته يشك في صحة الأديان, وبالتالي في النبوءات اللي جاءت بيها. وبعدين يلاقي الاحداث بتمضي  بشكل مضطرد في اتجاه تحقيق النبوءات دي, لازم ان دماغه يتمخول و يبقي مش عارف الحقيقة فين. علي راي نوستراداموس مابيقول في أحد رباعياته: ضجة بشرية هائلة ضجة بشرية هائلة ضجة بشرية هائلة. ربنا يتمم اللي فيه الخير.  

Sunday, November 11, 2012

قدر التاريخ


علي الرغم ان محصلة المعرفة الانسانية بتزيد عموما مع مرور الزمن علي المدي الطويل, الا انها في كثير من الفترات القصيرة او المتوسطة بتتراجع. يعني مثلا التطور من رياضيات اقليدس و فيثاغورس وامثالهم من الاغريق في عصور الانتيكا لفيزياء كوبرنيكوس و جاليليو في عصر النهضة بسيط. ولولا سيطرة روما علي المشهد السياسي بعد اضمحلال أثينا وانتقال السيادة في المتوسط لها, ولولا عدم اهتمامها بتطوير الفلسفة و الرياضيات الاغريقية من ناحية, وظهور المسيحية بطبيعتها الانسحابية اللي بتركز علي الروحانية وبتحول الاهتمام اليها من الماديات من ناحية تانية, لكان ممكن يبقي عندنا عصر نهضة في القرن التاني الميلادي, وعصر تنوير في التالت, وثورة صناعية في الرابع, وشيوعية ووجودية في الخامس, و كان زماننا دلوقتي متقدمين فكريا و علميا عما نحن فيه بالف و خمسماية سنة.

القصد هوه ان التقدم بيمشي بطريقة زيجزاج, ممكن ينحرف و يتراجع في مراحل كتيرة, لكنه في النهاية بيعاود التقدم. وده مش مقصور فقط علي التقدم المعرفي (زي مالمثال السابق بيوضح) وانما بينطبق ايضا علي الازدهار الاقتصادي,  فمثلا فيه دراسة حديثة اثبتت ان مستوي معيشة الروماني الحر في مدن ايطاليا المختلفة حتي قبل سقوط روما علي ايدي أتيلا سنة 405 ميلادية (بداية العصور المظلمة أو نهاية عصر الانتيكا) كان غير مسبوق في الارتفاع والرفاهية, لدرجة ان الأمر احتاج للانتظار لأكتر من 1500 سنة (مابعد الحرب العالمية التانية وسقوط موسوليني) لكي يعود مستوي معيشة الانسان الايطالي لنفس المستوي المتحقق في العصور القديمة. طبعا اذا ما حيدنا العوامل اللي مالهاش دخل بالازدهار الاقتصادي فيها زي دخول الكهرباء او اختراع التليفون او خلاله.

بنفس المنطق, قدرة أي امة علي التقدم الاقتصادي مرهونة بعوامل ذاتية تاريخية ملهاش دعوة بالظروف الزمنية الطارئة اللي ممكن تبالغ في القدرة دي في فترات او تعطلها في فترات تانية, لكنها علي المدي الطويل مش حيكون لها تأثير كبير. العوامل دي بتتلخص في الامكانيات البشرية (عدد السكان) و الانتاجية (القدرة التعليمية او الثقافية للسكان). وبالتالي الامم ذات الرصيد العظيم في الجانبين دول (زي الصين والهند مثلا) ممكن تعيش في التخلف لقرون طويلة لاسباب مختلفة تتراوح بين تخريب الاستعمار المتعمد لمواردها ونهبها من ناحية, والتناحر الداخلي من ناحية تانية, بس علي المدي الطويل حتعود للتقدم والريادة زي ماكانت بتشكل حضارات عظيمة من آلاف السنين بفضل امكانياتها الطبيعية وطاقاتها البشرية اللي بتتفوق بيها علي كل منافسيها.  أما الدول محدودة الامكانيات اللي اتحطت بشكل مصطنع في الصدارة, اما علشان كان لها دور استعماري رئيسي (زي بلجيكا أو البرتغال مثلا) او لوجود بعض الثروات الطبيعية (زي معظم دويلات الخليج) فدي حترجع تتحط في مكانها الصحيح في نهاية المطاف لما التوازن طويل المدي ياخد مجراه. وبالفعل, أي تقرير اقتصادي متوازن دلوقتي, حتلاقيه بيقولك أن "النمور الاسيوية" بقيادة الصين والهند هيا مركز الازدهار الاقتصادي القائم والقادم, وان أوروبا في كساد وأفول مستمر.

لو طبقنا نفس المعايير دي علي منطقة الشرق الاوسط, حنلاقي أن الدول اللي قامت فيها حضارات قديمة مزدهرة (زي الحضارة الفرعونية حول وادي النيل, او بابل وأشور حول دجلة والفرات او فارس علي الهضبة الايرانية, أو بيزنطة في آسيا الصغري) هيا نفس الدول المرشحة للازدهار علي المدي الطويل (مصر, العراق, ايران, تركيا) علي الترتيب. بينما الدول الصغيرة قديما (اسرائيل أو يهودا في كنعان, البحرين في هجر) اللي كانت امارات صغيرة وهامشية في الماضي ممكن تحت ظروف خاصة (مصالح الدول الكبري في حالة اسرائيل الحديثة في فلسطين, او اكتشاف البترول في حالة الامارات والكويت وقطر والجزء الشرقي من السعودية في هجر التاريخية) ممكن جدا أنها تصعد سياسيا وعسكريا لفترة طالت أم قصرت. لكن علي المدي الطويل الدول ذات الامكانيات البشرية والطبيعية هيا اللي حتكون لها السيادة علي المدي الطويل. الكلام ده مش موجه ضد حد و مش مقصود منه محاولة تكسير مقاديف الدول الصغيرة المزدهرة حاليا (والمضمحلة مستقبلا) او رفع معنويات الدول المأزومة حاليا (السائدة مستقبلا) وانما هو محاولة لاستلهام التاريخ من أجل تفسير مايجري حاليا من محاولات مستميتة لبعض الدول الصغيرة لاعاقة مسيرة العودة الطبيعية للدول الكبيرة الي مكاناتها القيادية, واستشراف للمستقبل المحتوم لهذه المحاولات. واللي متشكك يروح يقرا التاريخ ويشوف ازاي الأشوريين دهسوا اسرائيل القديمة, وازاي الفراعنة, وبعدين البابليين واخيرا الرومان خدوا يهودا غسيل ومكوة رايح جاي. (وان كانت الحكاية دي هيا اللي أنتجت لنا الديانات التوحيدية التلاتة ولكن لذلك حديث آخر)  

Friday, November 9, 2012

حول المؤامرة الذكورية لفرض الحجاب


هل الحجاب مؤامرة خبيثة من الرجالة علي الستات بيحاولوا بيها يهمشوهم في الحياة و يحولوهم الي كائنات من الدرجة التانية؟ علماء الانثروبولوجي بيقولولنا ان اي سلوك اجتماعي هو محاولة للتأقلم مع وضع معين, وده ممكن يتم تغليفه في قالب ديني لاكسابه القداسة والاحترام اللازم لكنه في النهاية ماهو الا نتيجة العبقرية الجمعية للبشر اللي عايشين في المكان ده, واللي شافوا انه السلوك ده هوه أفضل طريقة للتأقلم مع ظروفهم البيئية. وهكذا ممكن نلاقي شعوب مختلفة ابتكرت تأقلمات مختلفة مع نفس الظاهرة, لأنها بتعني عندها 
.حاجات مختلفة

زي مثلا طقوس البلوغ والتعامل مع الحيض عند القبائل البدائية اللي بتعيش في اماكن مختلفة, لأن المتوقع من الجنسين بعد المرور بالمرحلة دي حاجات مختلفة. فيه علي سبيل المثال قبائل في استراليا الحياة قائمة علي الحرب, والجنسين متوقع منهم يشاركوا في الحرب لتعظيم فرص الفوز في المعارك, وبالتالي بتتكون "طقوس العبور" لكلا الجنسين من اختبارات قتالية تتقطع فيها شرايح من الجلد او تتربط فيها صخور بالايدين والرجلين ويحاول المراهق او المراهقة الجري بيها لاثبات صلابتهم. في المقابل مثلا, فيه قبائل تانية في وسط افريقيا الحياة قايمة علي الزراعة, وبالتالي "طقوس العبور" بتختلف من الولاد للبنات لأن الاولانيين لازم يتعلموا الصلابة والشدة فتتمحور اختباراتهم حول القدرة علي التحمل بينما البنات بيقوموا بدور تقليدي في تنشئة الاطفال, وهكذا البنت من وهيه عندها خمس سنين تقريبا بتتمرن علي انها تبقي بيبي سيتر لأطفال الجيران وبتزيد مسئولياتها تدريجيا لغاية ماتوصل سن البلوغ حيث تطلق لها الحرية الجنسية كاملة وتنزع عنها المسئوليات حتي تحمل وتبدأ في تكوين اسرة, وعندها تكون مستعدة بما تلقته من تعليم في طفولتها.

الأمثلة كثيرة وممكن نذكر منها أيضا رد فعل قبائل استراليا من ناحية, وقبائل الاباشي في امريكا من ناحية تانية علي ظاهرة الحيض: الاولانيين بيعتبروها نجاسة وبيرغموا البنت انها تروح تقعد في بيت في الغابة وتعتزل المجتمع كله طول الفترة دي, والتانيين بيعتبروه بركة, لدرجة ان الكهنة بيحاولوا يمشوا علي ركبهم بين رجلين البنات اول مايجيلهم الحيض عشان يستخدموا الدم المتساقط في شفاء المرضي ومباركة القرية. أنا مش فاكر ليه رد الفعل مختلف لأني مش متخصص في الانثروبولوجي ولأني قريت الكلام ده من زمان, بس اللي يدور أكيد حيلاقي ان بيئة الاستراليين بتخلي المرأة الحائض عبء علي المجتمع بشكل او بآخر, فالعبقرية الجمعية طورت اسطورة انها نجاسة وعزلتها, بينما البيئة في أمريكا الشمالية تتطلب مشاركة الحائض بشكل ايجابي في حركة الحياة, فتم تكريس طقوس تكريمها والتبرك بيها. فالمقصود هو ان نفس الظاهرة الفسيولوجية بيتم التعامل معاها بأشكال مختلفة, مش عشان حد مستقصد حد, وانما عشان التأقلم مع البيئة يتطلب كده.

لو انتقلنا لادياننا التوحيدية وسألنا نفسنا ليه ربنا شرع الختان؟ او بالأدق ايه السبب اللي ادياننا بتقولنا ان ربنا شرع الختان من أجله؟ حنلاقي ان ده موروث من ايام سيدنا ابراهيم و فضل ماشي مع الانبياء اللي بعد كده, يعني مابدأش مع الاسلام. وبينما حتلاقي تفسيرات (علمية) حدبثة كتير بتتكلم عن الفوائد الصحية للختان وبعضها قد يكون صحيح (انا مش دكتور فمأقدرش أحكم) مش دي الحكمة الاخلاقية من التشريع. الفكرة (حسب اللي الديانة اليهودية بتقوله) ان ربنا كان بيعمل مع ابراهيم عهد أو ميثاق,  الميثاق هوه ببساطة ان المؤمنين يعبدوا ربنا و لايشركوا بيه شيئا في مقابل انه يبقي "الرب" بتاعهم بمفهوم الربوبية الذي يعني التزام الرب بحماية شعبه من أعدائهم والتكفل برزقهم. ولأن أي عهد لازم يتكتب في وثيقة وبتختم بختم الدمغة عشان يبقي ساري المفعول, اشترط الرب علي ذكور أبناء سيدنا ابراهيم (لأن الذكر هو المنوط به العمل والكد نيابة عن اسرته) أن أهلهم يعملوا فيهم وشم او سمة أول مايتولدوا في مكان معين من أجسامهم (الختان) للدلالة علي "تكريسهم ودخوله في هذا العهد. وحكاية ورقة الدمغة الملزوقة علي الجسم كتوثيق للعهد مع الخالق او المعبود دي حاجة منتشرة في كل الديانات علي فكرة, يعني المسيحي اللي بيدقوله الصليب علي رسغه لما يتولد أو عابد الشيطان اللي بيوشم البافومت علي دراعه, بيؤكد بشكل رمزي علي "الميثاق" او "العهد اللي بينه وبين معبوده, ودي حاجة مهمة نفسيا لأنها بتفكرك باستمرار بالعلاقة, وبالعهد, فبتسيرفي حياتك اليومية مطمئنا الي اتصال علاقتك بخالقك ايا كا فهمك لهذه العلاقة.
كل "العادات" الدينية يمكن فهمها خلال نفس الاطار,  يعني حلق العانة و نتف الابط وارخاء اللحية وحف الشوارب عند الراجل, و تغطية اجزاء معينة من الجسم عند الجنسين (مابين السرة والركبة عند الراجل, والبدن كله ماعدا الوجه والكفين عند المرأة) هو نوع من الوشم او الختم اللي المؤمن بيفكر بيه نفسه بااستمرار طول اليوم بعلاقته بربنا, و بالعهد او الميثاق الايماني بينه و بينه, كل ما في الأمر انه تطور من وشم محفور في الجسم (الختان) الي تغيير الاستايل بتاع شعر الوجه والجسم في الحالة الاولي, ولبس اردية او ثياب معينة في الحالة التانية.  وحاليا لو بصينا حوالينا مش حنلاقي دين بيخلوا من ممارسات مشابهة, ابتداءا من الرجالة السيخ اللي لازم يلبسوا عمة و يسموا نفسهم سينج للرجالة اليهود اللي لازم يلبسوا الياماكا او الستات اليهود الاورثودوكس اللي بيلبسوا هدوم طويلة فضفاضة.

وطبعا ده التفسير الديني اللي بيتقالنا انه السبب في السلوك ده, لكن لو عايزين التفسير العلمي, يبقي لازم نرجع للفقرات الثلاثة الاولي من البوست ده ونحاول نلاقي اسباب مجتمعية حتمت كل من السلوكيات دي: حتمت الياماكا علي اليهود والعمة علي السيخ والحجاب علي المسلمات واليهوديات وهكذا. باختصار الحجاب عند النساء المسلمات هي ظاهرة تأقلم اجتماعية سلوكية حتمتها ظروف بيئية معينة في عمقها الأبعد, وهي في نفس الوقت ظاهرة سيكولوجية دينية تحاول أن تجعل الملتزم بيها يشعر بانتماؤه الي مجموعة سكانية معينة لها امتيازات روحية خاصة مع الخالق. يعني في كل الاحوال مالهاش دعوة بالقهر او "الذكورية" او اي حاجة من اللي اخواننا "التقدميين" شاغلين نفسهم بيها. أه ممكن نتناقش في هل دي طفولة عقلية والا لأ, آه ممكن نفكر هل الانسان المعاصر محتاج لكل هذه العكاكيز النفسية لكي يستمر في التمتع بالصحة النفسية والا لأ, آه ممن نقول انه أيا كانت الظروف البيئية اللي تطلبت ان النساء في الشرق الاوسط قديما يتحجبوا زالت, وبالتالي أصبح هذا النوع من التأقلم البيئي لا مبرر له. لكن المؤكد انه مافيش "مؤامرة خبيثة" من الرجالة علي الستات انهم يغطوا جسمهم والا حاجة ابدا من التصورات الخزعبلية اللي اخواننا الفيمينست شاغلين نفسهم بيها ليل ونهار. 

Saturday, September 22, 2012

خواطر حول الشقاء الانساني


حفار الفبور
تعلمون مدي غرامي بقصص الأشباح. وهكذا فقد اتفق منذ بضعة سنوات ان كان لي صديق يعمل حفارا للقبور فسألته يوما عن أغرب شيئ رأه .ففكر لهنيهه ثم قال: مات يوما ذلك الرجل الذي كان ملء السمع والبصر, اقتصادي لا يشق له غبار,.و رائد من رواد المشاريع الخيرية التي تسير بأخبارها الركبان.مات من اثر أزمة قلبية اصابته فاخترمه الموت و هو في نهاية الاربعينات لم يزل.  و بعد اقامة القداس و طقوس الدفن التي حضرها رموز الدوله وعلية القوم و بعد ان قيلت كلمات التأبين و تبودلت التعازي انصرف الناس و تركوا التابوت المحتوي علي جثة المتوفي بجوار القبر لكي نقوم نحن الحفارون بانزاله و بعد دقائق معدودة, وصلت الي المكان سيارة سوداء فارهة, ونزلت منها امراة رائعة الجمال, ترتدي ملابس الحداد السوداء و ونظارة شمس كبيرة كأنها تتعمد بها اخفاء ملامحها.  الا ان قوامها و ما بدا من وجهها من خلف النظارة نما عن جمال بارع. و نزل خلفها شاب مفتول العضلات يرتدي بنطال جينز ضيقا و تي شرت يظهر عضلاته و تقدم الاثنان حتي وصلا الي التابوت وبدأت المرأة في الحديث الي المتوفي حديثا فهمت منه انها زوجته. الا أن الحديث لم يكن رثاء زوجة مكلومة لزوجها, او حنينا تبثه لجثمانه المسجي بعد أن فارق الحياة. كان سبابا و شتما ينضوي علي وصف معاكس تماما لما اشتهر به الرجل في حياته العامة من حسن خلق و اريحية. و اختتمت المرأة وصلة السباب بأن ركلت التابوت عدة ركلات و بصقت عليه و هي في قمة الانفعال, قبل ان يجذبها الشاب الواقف بجوارها و يلتحم معها في قبلة عميقة ملتهبة, لم تدع مجالا للشك في انه عشيقها و بعد فترة قصيرة من الصمت, بدء الاثنان في السير نحو السيارة في صمت حتي ركباها و اختفيا عن الانظار, و بعدها قمت أنا بانزال التابوت في حفرته, ثم أغلقت القبر بالغطاء الخراساني المخصص لذلك الغرض. انتهت القصة و وغادر صديقي حفار القبور المكان, وبالرغم من خيبة أملي المبدئية لأنه لم يقص علي مسامعي قصة من قصص الاشباح كما كنت أرجوأ الا انني طفقت افكر في مغزي القصة, و تبادر الي ذهني معنيين علي الفور: أولا,  ليس كل شيئ كما يبدوا في الظاهر, وعلي كل منا أن يصل الي تقييمه الشخصي لأي شأن, بعيدا عما يراه الاخرون. فهذا الرجل أجمع علي خيريته و فضله الناس, الا ان امراته و أقرب الناس اليه تري عكس ذلك, و بغض النظر عن صحة مزاعمها من عدمه, فان الدرس المستفاد هو نسبية الاشياء, وقابليتها للاظهار بمظهر القبح او الجمال اذا ما غيرنا المنظور الذي نراها من خلاله. الأمر الثاني هو عبثية الحياة, و عموم الشقاء لكل الناس, حتي من نظنه ناجحا متنفذا في حياته. فهذا الرجل يحسبه الجميع سعيدا في حياته بما حقق من مال و شهرة وسمعة طيبة, و لكننا نعلم الان انه كان محط حقد و كراهية و خيانة اقرب الناس له (سواء استحق ذلك ام لا فهذا مبحث اخر). و لكن المؤكد انه عاش حياة شقية كغيره من البشر, برغم ما ملك من الدنيا و زينتها.
مصرع السفير
عارفين ايه المأساة اللي انا شايفها في مقتل كريس ستيفنز في بنغازي؟ شايف مأساة محمد ابراهيم بن يحيي و كونت برنادوت و غيرهم من الدبلوماسيين المغتالين بتتكرر مرة عاشرة. أشخاص عاديين عديمي الموهبة, كل ما عندهم هوه النظام و العمل الشاق اللي وصل كلا منهم لقمة الهرم الوظيفي في مجاله. مفيش قدرة فذة علي التأليف الموسيقي زي سيبيليس او موتسارت, مفيش عبقرية التفكير في قوانين كونية تفسر العلاقة بين الاشياء زي اينشتين او بوهر.مفيش اندماج الخيال مع سعة القلب مع استشراف المستقبل اللي يخليهم ياسسوا دين زي محمد او يسوع او بوذا.و بالتأكيد مفيش القدرة علي استحضار اعماق النفس البشرية مع اجادة التعبير البصري و السمعي اللي بيؤثر فيها في الصميم زي كيوبريك.  فعشان يخشوا التاريخ و الناس تفتكرهم كان لازم يموتوا موتة بشعة عشان يعلقوا في الذاكرة لكام يوم .لان مفيش اي عمل خالد او اثر باقي ممكن يخلدهم في المخيلة الجمعية زي أقرانهم المبدعين. مع اننا لو تابعنا سيرتهم الذاتية حنلاقيهم كانوا طلبة مثاليين و موظفين منضبطين, حازوا رضا رؤساءهم و استحقوا الترقي لأرفع "الدرجات". بينما الموهوبين اللي ذكرتهم مفيهمش واحد الا و كان عنده مشاكل مع مجتمعه, يا اما كان طالب خايب, يا الناس بتعتبره مجنون و في كل الاحوال انسان فاشل. و ده يبين مأساة الغالبية الساحقة من الجنس البشري: الاضطرار للحياة زي التور المربوط في الساقية و اللي مسيره الدبح في الاخر, لكي يتذكره التاريخ لأيام معدودة قبل ان يلقي به في مزبلته الابدية. يا حسرة علي العباد الا من رحم ربي من الموهوبين.
..أبيقور--- و دواءه الرباعي
ياللا عشان اعرف اخش انام خليني اشرح مقولة ابيقور بسرعة عشان محدش يفهمني غلط .الراجل لاحظ –زي غيره- ان القلق و التوتر (لاي سبب) هوه اكبر منغص لحياة الانسان و مزيل لمتعته, اللي هيه طبقا لابيقور اهم حاجة في الدنيا .فوضع المقولة دي و سماها الدواء الرباعي كشفاء لاسباب القلق الاساسية في حياة الناس.  الجزء الاول: ما تخافش من ربنا. لانه حتي لو انتا بتؤمن بوجود اله, فلازم الاله ده يبقي متصف بصفات الكمال و منها الرحمة و المغفرة بمعني انه مش بيخلقك و يوهبلك الحياة دلوقتي عشان يرجع يحرقك في جهنم و يطلع دين امك لمجرد انك استجبت للاغراءات اللي هوه حطها في سكتك و المقصود ان صحيح الايمان يتضمن الاعتقاد برحمة الخالق و انه مش حيتلذذ بتعذيب الخلق يوم القيامة فما تخافش من النقطة دي .الجزء التاني: ما تقلقش من الموت. لان الموت معناه العدم يعني اختفاء الاحساس, وبالتالي الوجود في هذه الحالة لن يصحبه اي الم او شقاء, أما ما بعد الموت (ان وجد) فلا خوف منه هو الاخر لأنه سيكون محكوما باله رحيم كما سبق توضيحه في النقطة السابقة. الجزء التالت: الحاجات الكويسة سهلة المنال: سنلاحظ ان شقاء الانسان راجع من رغباته في الحصول علي اشياء او تحقيق اهداف معقدة .بيشقي في سبيلها و يشتغل زي العبد عشان يحققها, بينما قليل من التفكير حيبين انها كلها كماليات ملهاش لازمة. يعني اخونا في الله ديوجين .كان بينام في برميل و ياكل من الزبالة, وده كان بيفي باحتياجات جسمه البيولوجية, في الوقت اللي بيستمتع فيه بالشمس والهوا والميا ببلاش زي بقية الناس. و لكن استغناءه عن الكماليات التي لا لزوم لها (البيت, الدابة, الاكل المعقد الطبخ , الفلوس, الخ) حرره من الشقاء و العبودية, خلاه انسان حر وسعيد, غير مستعبد لشهواته, وقادر علي تكييف حياته بالشكل الذي يريده, بعد ان قصر احتياجاته و مطالبه علي الاشياء المشاعية المجانية او شبه المجانية للجميع. الجزء الرابع والاخير: الحاجات المهببة من السهل تحملها: لانها اما شديدة الوطأة وقصيرة المدة (زي فقدان الاحبة, والامراض الحادة و خلافه) .أو خفيفة الوطأة و طويلة المدة (زي الامراض المزمنة والفقر و خلافه) مما يمكن تحملها علي المدي الطويل. و لكن يستحيل ان تجد شيئ مهبب يجتمع فيه شدة الوطأة مع طول المدة. .فاذا تخلص الانسان من قلقه من الموت, وخوفه من عقاب وغضب الرب عليه, و عرف ان ما ينفعه سهل المنال و ما يضره سهل الاطاقة, زال قلقه و استدامت سعادته, و حق له ان يعد نفسه من الفلاسفة الايبيقوريين, وحسن أولئك رفيقا

Sunday, September 16, 2012

السحر للجميع


السحر هو عملية تغيير الواقع طبقا لارادة الساحر, وهو طبقا لهذا التعريف لايختلف اطلاقا عن أنشطة الحياة العادية التي يقوم فيها الانسان بتغيير الواقع أيضا طبقا لارادته مع وجود فارق بسيط, وهو أن الأنشطة العادية تتضمن  تغيير الواقع عن طريق مجموعة من الخطوات المادية ألمتعمدة التي يتحكم فيها العقل الواعي, بينما السحر يتضمن تغيير الواقع عن طريق مجموعة من الخطوات الروحية التي يقوم بها اللاوعي  في حالة غيبة تامة للعقل الواعي. ولكي نضرب مثلا علي كيفية تغيير الواقع في المثال الأول (الأنشطة العادية) دعوناننظر الي عملية غسيل ثوب متسخ وتحويله الي ثوب نظيف. فهذه العملية الاعتيادية التي نقوم بها آلاف المرات خلال حياتنا تتضمن احضار الثوب المتسخ و مزجه مع المنظف والماء لمدة معينة حتي تقوم فقاعات الصابون باذابة الوسخ ومن ثم شطفه بالماء لكي نقوم بفصل الأوساخ الذائبة في الصابون عن الثوب الذي تم تنظيفه, ثم تجفيف هذا الأخير لنكمل بذلك العملية. و كما نري فكلها خطوات مادية متعمدة يقوم بها الانسان تحت تأثير العقل الواعي في تسلسل مضطرد من البداية وصولا الي النهاية المرغوبة. ولكي نقرب الي الأذهان مايحدث في السحر, دعونا ننظر الي مثال من الأمثلة المألوفة التي طالما سمعنا بها صغارا في قصص الأطفال وهي تحويل الأمير الوسيم الي ضفدع قبيح تبعا لأرادة الساحرة الشريرة. بالمقارنة بعملية تنظيف الثوب المتسخ التي كما راينا تعتمد علي خطوات مادية ملموسة يقوم بها العقل الواعي, سنجد هنا أن تحويل الأمير الي ضفدع هي بالاساس عملية روحية بحتة يقوم بها اللاوعي في غيبة العقل الواعي وتتطلب توفر الآتي: أولا الاعتقاد الجازم بأن كلا من الأمير و الضفدع ما هما الا مظاهر مختلفة لنفس الوجود الروحي, وان ادراكنا المختلف لكلا منهما هو مايؤدي الي ظهورهما بشكل مختلف, أما من ناحية الجوهر فهما شيئ واحد. ثانيا أن التحول من شكل الي شكل (حال الي حال) أمر ممكن متيسر, طالما توفرت الارادة علي ذلك. ثالثا ان هذه الارادة تتحقق عن طريق الوصول الي الكنه الروحي الواحد لكلا من الأمير والضفدع, والعمل علي تحويل الشكل الخارجي للأول الي الشكل الحارجي للثاني. رابعا هي أننا طالما اتفقنا أن التغيير المطلوب لايتم الا علي مستوي الروح وليس مستوي الجسد, فالارادة المقصودة هنا هي الارادة الروحية, التي يمكن لها التعامل مع عالم الروح واحداث التغيير المطلوب. خامسا أن تفعيل هذه الارادة لا يكون الا عن طريق تغييب العقل الواعي الذي لايتقن الا التعامل مع المحسوسات ويحجب ارادة الروح أو العقل اللاواعي. سادسا أن هناك طريقتان أساسيتان لتغييب الوعي اما عن طريق الاغراق في المحسوسات او عن طريق الحرمان التام منها. سابعا أن الاغراق في المحسوسات كالرقص أو ممارسة الجنس حتي الغياب عن الوعي من ناحية,  أو الصلاة و الدعاء الشديد الاخلاص والتضرع من ناحية أخري يؤديان الي أغراق العقل الواعي وارهاقه حتي يغيب عن المشهد, مخليا المجال للعقل اللاواعي لكي يغرس نبتة الرغبة (رغبة تحويل الأمير الي ضفدع في المثال السابق) في بحار الوعي الكلي فيحدث التحول المطلوب. ثامنا أن الحرمان التام من المحسوسات عن طريق الصوم او اليوجا او التحديق في لاشيئ لمدد طويلة او تنويم النفس مغناطسيا كلها تؤدي ايضا الي غياب الوعي وافساح المجال أمام العقل اللاواعي لغرس نبتة الارادة علي النحو الموضح أعلاه. أما ما عد ذلك فعبارة عن تفاصيل يحتلف فيها الناس حسب عقائدهم و تصوراتهم عن الكيفية البنائية للعالم الروحي و علاقته ببعضه وبالعالم المادي من ناحية او بالخالق من ناحية أخري (ان كان المعتقد يتضمن الايمان بخالق)

فكما رأينا هناك طرق كثيرة لتغييب الوعي بهدف اطلاق اللاوعي ليغرس النبتة في عالم الروح. من هذه الطرق ماهو مألوف لدينا في حياتنا العادية كمختلف أنواع الدعاء و التضرع في كل الاديان, ومنها مالايتطرق الي الحسبان أنه نوع من أنواع تغييب الوعي كالحسد و العين. منها ما يرفض معظم الناس ادخاله في نطاق السحر لأنه مرتبط بعقائدهم الدينية كالصلاة والصوم والابتهال, ومنها ماينظر اليه تقليديا علي انه سحر اسود شرير (كسحر الأعمال) مع أنه في جوهره لايختلف كثيرا عن الصلاة والدعاء. ولكن يبقي مشتركا بينها كلها تغييب الوعي باحدي الطرق الموضحة أعلاه بهدف تحقيق النتيجة المرغوبة. ومن نافلة القول بيان أن الشرط الاساسي لنجاح أي مما تقدم هو الايمان الجازم بوجود عالم روحاني علي التفصيل الموضح في البنود الثمانية في الفقرة السابقة. وليس وجود خالق شرطا أساسيا لنجاح السحر, ولكن ينبغي علي الأقل أن يؤمن المرء بوجود عالم روحي كما تقدم. أما الملاحظة المتكررة من أن بعض الناس يعتبرون مايفعلون ابتهالا الي الله بينما ينظرون الي ممارسات الأخرين علي انها تضرع للشيطان, فمرده أن الناس غالبا مايضيق أفقهم بحيث لايتسع تصورهم لامكان وجود تجليات وتشكلات مختلفة لعالم الروح تسمح بتعدد الطقوس, فيقضون حيواتهم مصرين علي نوع معين من الصلاة او الدعاء او الابتهال, بالرغم من توفر الدليل أن من يعتبرونهم كفارا تجاب دعواتهم أيضا كما لو كان من يدعونه الها حقيقيا منافسا لالهتهم.
وهناك أديان أو معتقدات تسمح بطبيعتها للساحر بمساحة أكبر من الحركة من غيرها لاحتوائها علي تصورات نظرية لتكوين العالم الروحي وكيفية التفاعل بين مكوناته أكثر مرونة وقابلية لتحقيق الرغبات باشكال مختلفة عن غيرها من الأديان ذات النظرة الأحادية الجامدة لعالم الروح.  فالأديان التوحيدية مثل الاسلام او المسيحية (والي درجة اقل اليهودية) مثلا تتصور عالما للروح ينقسم الي خالق له ارادة مطلقة ويستطيع فعل كل شيئ (الله) وخلق مسحوقين لايملكون لأنفسهم نفعا ولاضرا (البشر), ومخلوقات خفية تتمتع بقدرات فوق بشرية علي التشكل والانتقال وان كانت في النهاية غير كاملة القدرة (الجن او الشياطين) ففي هذا النموذج الايماني لاتوجد الا طريقتين وحيدتين للسحر, اما عن طريق الابتهال الي الرب (بالصلاة والصيام والتضرع التي حبذا ما أوصلت الانسان الي غياب الوعي الموضح أنفا حتي تتفتح ابواب السماء وتصل الارادة الروحية او دعوة العبد الي الخالق القادر فيحققها) أو بالتضرع الي الشيطان والتوسل الي الجن (عن طريق اهانة رموز الدين كقلب الصليب او تمزيق المصحف حتي تعيرنا هذه المخلوقات ذات القدرات الفوق بشرية بعضا من خصاصها لنحقق مانريد).  وكما نري, هذه طرق محدودة جدا بالمقارنة بالديانات الوثنية مثلا, التي يتيح غناؤها بالعلاقات المتشعبة بين القوي الروحية المختلفة امكانيات لامحدودة للسحر. ولتوضيح ذلك دعنا نأخذ مثالا من الديانة الاغريقية القديمة التي من فرط ورود اسماء ابطالها في الافلام المختلفة اصبحت مألوفة للجميع. ففي هذه الديانة هناك طبقات مختلفة من الكائنات الروحانية تتدرج من انصاف الالهة للالهة و حتي العمالقة المخلدون (التيتانز), ويقابل كلا من هذه الكائنات جانبا معينا من شخصية ونفسية الانسان, يمكن تفعيله ومخاطبته  بالتمثيل والمحاكاة والرياضات الروحية (اضافة الي الدعاء التقليدي) لاستثارة وتجنيد الاله المرغوب استدعائه وطلب العون منه.  فاللص الماكر او التاجر الحاذق او الرسول البارع في فنون التخاطب دائما مايتمثل جوانب مختلفة من شخصية هرميس في سيرته الأسطورية التي تحاكي كل هذه الجوانب.  و الشاعر الفنان يترسم خطي أبوللو و الصياد أرتميس و الغاوية افروديتي وهكذا. وحبذا لو اقام الانسان طقوسا احتفالية يرتدي فيها الملابس المعروفة اسطوريا عن الاله المطلوب خطب وده, و قام بتمثيل الاساطير المنسوبة اليه في طقوس سحرية تصل به الي حالة تغييب العقل الواعي وصولا الي نفس المرحلة السابق توضيحها. وما كل المعابد في الديانات الوثنية القديمة كالمصرية و الاغريقية أو الحديثة كالهندوسية و الويكا و خلافها الا مسارح لتمثيل الاساطير بشكل أو اخر, حتي يتسبب الاغراق في الطقوس المدعومة بديكور المعبد الي افقاد الممارس عقله الواعي وتنشيط الجزء المرغوب تنشيطه في عقله اللاواعي ليقوم بالعمل المطلوب.

ومع تقدم المعرفة الانسانية لاحظ عدد غير قليل من الناس التشابه بين كل الطقوس الموضحة أعلاه واشتراكها فيما سبق بيانه من
 الايمان بعالم الروح وبامكان التغيير عن طريق تغييب الوعي, وان اختلفت التفاصيل كل حسب عقيدته. كما لاحظ هؤلاء الناس أن نجاح أو فشل كل ممارس لايتوقف علي نوعية ايمانه بقدر مايتوقف علي اتقانه لهذه الطقوس. فقد ينجح شامان من أمريكا الوسطي في تحقيق هدفه بينما يفشل في ذلك قس مسيحي, وقد تجاب دعوة داعرة لاتعرف من الاسلام الا اقل القليل وترفض دعوة شيخ مشهود له بالعلم والصلاح. وقد أدت هذه المشاهدات الي استخلاص مجموعة من الافتراضات التي نحسبها صحيحة الي أن يثبت لنا العكس. أول هذه الافتراضات هي عدم أهمية العقيدة الايمانية بمعني عدم أهمية تفاصيلها ومدي منطقيتها من عدمها بقدر أهمية الايمان الشديد بها. فدعاء مؤمن شديد الايمان بأحد الديانات البدائية الأفريقية أنجع من دعاء عالم لاهوتي ان كان ايمان هذا الاخير يخالجه شك. الافتراض الثاني هو الأهمية الشديدة للوصول الي درجة العرفانية (التغييب عن الوعي) بأحد الطرق الموضحة أعلاه, بمعني أن مؤمنا مخلصا بعقيدة ما ولكنه غير قادر علي الذوبان بتضرعه أو تمثيله أو طقوسه الي درجة الغياب عن الوعي والاندماج الروحي لن يصل الي مايريد كما يصل انسان ربما ذاكر لتوه تلك الطقوس دون ايمان مسبق بها, ولكنه تمكن من الوصول الي العرفانية الايمانية بها في وقت وجيز كاف لاتمام الطقوس, حتي وان نبذ هذا الايمان فيما بعد. وفي الواقع أن هاتين المشاهدتين السالفتين قد أديتا لظهور مايسمي بسحر الفوضي, الذي يعتمد علي التنقل بين الاعتقادات والطقوس المختلفة حسب الطلب والتركيز علي الايمان الوقتي لحين اتمام الطقس, ثم التغير لعقيدة أخري وهكذا. كما أدي ايضا الي ابتكار مايسمي بسحر الرموز, التي يقوم فيها الساحر بابتكار رموز من صنع خياله للتعبير عن مكنون رغبته, بغرض القذف بها داخل لاوعيه عند وصوله للعرفانية لتحقيق المطلوب. وبما أن هذه مباحث طويلة فسنفرد لها مقالا منفصلا ان شاء الله.

Sunday, August 5, 2012

حول "أبحاث" الأديان


تعريف بالمنهج

انا منهجي في التفكير اللي وضحته قبل كده, هوه ان المشاهدات يمكن ان تثبت نظرية معينة وده كان جوهر المنهج العلمي, لغاية ما بوبر جه وقال انه حتي لو شفنا نفس الظاهرة بتتكرر مليون مرة فده مش اتبات لصحتها, لانها ممكن ماتتكررش بعد كده وبالتالي بتظل النظرية افتراض, ويظل القول بحتميتها ضرب من التخريص لكن العكس صحيح, بمعني انه تكفي مشاهدة واحدة عكسية للدلالة علي زيف الافتراض وبالرغم من التناقض الظاهري بين التعريفين, الا انهم عمليا بيؤدوا الي نفس النتيجة الا وهي الاعتماد علي التجريب لاثبات او نفي افتراض معين لانه سواء سميت الاعتقاد القائم علي مشاهدات متكررة افتراض او نظرية فالواقع هوه انك بترتب عليه اوضاع عملية كأنه حقيقة الي ان يثبت العكس برضه المنهجين متطابقين في انهم بيفصلوا بين العبارات ذات المعني (القابلة للاثبات حسب المنهج الاول او الدحض حسب المنهج التاني وبين العبارات اللي مالهاش معني (الغير قابلة للاثبات او الدحض). النوع الاول زي مأقول المقاومة تساوي فرق الجهد علي شدة التيار والتاني زي ماأقول القتل خطيئة أو الزنا حرام او ربنا موجود, لانها عبارات غير قابلة للاثبات او للدحض المنهج ده منهج محايد, اللي بيتبعه لا بيكون متحيز مع او ضد اي اطروحة, وانما بيدور مع الدليل حيث دار, لان هدفه هو معرفة الحقيقة و طبعا ممكن تكون فيه انحرافات في التطبيق من بعض الادعياء اللي بيلزقوا اي دلائل لاثبات اللي عايزينه لكن اللي بيتبعه بشكل مجرد, بيوصل لنتايج كويسة, لانه مش مدفوع بحب او كره موقف معين, وانما بالشغف لمعرفة الحقيقة فين ده كله من حوارنا ؟

التطبيق في مجال بحوث الاديان

 الباحثين في اصول الديانات استخدموا نفس هذا المنهج, في التنقيب عن حفريات او عملات او اثار تتطابق او تتنافي مع نصوص الكتب المقدسة و كمان اخضعوا هذه النصوص لتحليلات لغوية لمحاولة ردها الي كاتب او كتبة محتملين وفترات نشأة محتملة وخلصوا في نهاية المطاف الي ان القصص المعتمدة في هذه الكتب غير دقيقة و غالبا مختلقة مما ينسف هذه العقائد و يعود باي منصف الي دائرة الالحاد او اللاادرية لكن المهم في الموضوع انهم ماعملوش كده عشان عندهم حساب يصفوه مع الاديان دي, او لانهم بيكرهوها. هما عملوا كده لانهم شغوفين بمعرفة الحقيقة وممكن جدا يكونوا متعاطفين مع الاديان دي زي اي باحث ما بيتربي عنده نوع من الالفة مع عينات بحثه لكنهم بيدوروا مع الدليل حيث دار أعتقد ان ده هوه موقفي بالضبط, اللي كتبته كذا مرة في البلوج وعلي تويتر وهو موقف فيه انتصار للبحث العلمي المتجرد

خليني احاول أشرح لك وجهة نظري ليه ان فيه فرق بين الباحث الموضوعي, والباحث المدفوع بظروف ذاتية لاكساب البحث صبغة شخصانية, وعشان أوضحلك الموضوع تخيل معايا أربع مسلمين ا و ب و ج و د, و اربع أشخاص غير مسلمين س و ص وع و ط. وخلينا نفترض انهم كلهم علي نفس الدرجة من الذكاء و القدرات العقلية, اللي تمكنهم من الفحص بحيادية في أدلة القتها الاقدار في طريق كل منهم علي عدم صحة الاسلام كدين من عند الله

حكاية أربع مسلمين

المسلم ا هو فتاة من الطبقة المتوسطة, نشأت لأبوين متعلمين تعليم جامعي سافروا الي الخليج, ووفروا لها و لأخيها الاصغر حياة كريمة و مابخلوش عليها بالحب والحنان, وكانوا بيصلوا و يصوموا, ولكنهم معتدلين في تدينهم, فاتحجبت البنت عن اقتناع وهيه في الجامعة و بعد التخرج حبت زميلها في الشغل, اللي برضه من الطبقة المتوسطة , واتجوزوا و اشتروا شقة في حتة كويسة, وعربية صغيرة وربنا رزقهم بطفل, وبقوا من انصار ومحبي عمرو خالد

المسلم ب هو ولد برضه من الطبقة المتوسطة, نشأ في بيئة أقل تدينا من أ, و لكنه بحكم انه ولد, والمجتمع بيديله حرية أكبر في الحركة اطلع علي كثير من الكتب اللي بتشكك في الدين, ودخل في مناقشات مع صحابه المسيحيين, ولما اتخرج سافر لدولة أجنبية للدراسة وهناك اكتشف عوالم مختلفة من الافكار والفلسفات والاديان, ولاحظ ان كتير من الكلام اللي كان بيتقاله عن الحاجات دي في مصر كان غلط و لكنه استمر مسلم ممارس الي جد ما, علي الاقل للحفاظ علي الهوية الثقافية في الغربة, بيصوم رمضان, ويصلي الجمعة, واحيانا الفروض التانية و لانه شاف جوازات كتيرة فاشلة قدامه من مسلمين اتجوزوا بنات من بلد المهجر, اصر انه ينزل يتجوز بنت مصرية, ومرت بيهم الحياة في هدوء

المسلم ج هو بنت نشات في بيت من بيوت الطبقة الغنية, وان كان مفيش استقرار اسري. الاب عنده دبل استاندارد, محلل لنفسه انه يسهر و يسكر و بعد كده اكتشفت مراته انه كان بيعرف ستات عليها, و مدلع ابنه جدا وسايبله الحبل علي الغارب, في نفس الوقت اللي بيدي مراته و بنته بالجزمة و مش سامحلهم يلبسوا قصير او يخرجوا بره و دايما يضرب ج لو اتجرأت و فتحت بقها او تسألت عن "المنطق" في اللي بيعمله و ده كله دفع ج انها تطلع شخصيتها متمردة علي العادات والتقاليد اللي مردودها للدين, علي عكس امها المغلوبة علي امرها و لما كبرت شوية بدأت تتكلم في الدين مع صاحباتها المسيحيات اللي في مدرسة اللغات معاها ولانها كارهة اللي هيا فيه, انست في البداية للمسيحية لكن عشان هيا ذكية و عقلها نقدي سرعان ما اكتشفت ان المسيحية لا تقل سخافة عن الاسلام, و زادت غربتها في وسط مجتمع بتتضاعف مظاهر التدين المغالي فيه يوم بعد يوم , و خصوصا لما كانت بتسمع قصص صاحباتها اللي اتجوزوا متدينين, وازاي مطلعين عينهم

المسلم د هو فتاة ايرانية ابوها كان بيشتغل في السافاك, ولكنها عاشت حياة هانئة مع امها واخوها, مستمتعة بالمميزات المادية بتاعة شغل ابوها و سافرت لباريس كتير وهيه صغيرة, و كان كل شيئ ماشي عادي انها حتكمل تعليمها في فرنسا زي اخوها الكبير وبالرغم من الجياة العلمانية اللي كانت الاسرة عايشاها الا انها كانت مسلمة ولو بشكل سطحي, بتلبس ايشارب لما تدخل حسينية او تشارك في حفل ديني و فجأة ظهر الخميني في الصورة, و اتقبض علي باباها, واعدم شنقا من احد اعمدة النور في طهران. و لما جه الحرس الثوري البيت قبضوا عليها و علي اخوها وامها وصادروا ممتلكاتهم, ورموهم في السجن. و في السجن أخوها اتعذب لغاية ما مات, وانقطعت اخبار امها عنها تماما أما هيه فطبعا اغتصبت مرارا من حراس السجن, اللي كانوا كلهم ملتحين, و بيعاملوها بأوسخ طريقة ممكنة ككافرة ملحدة و بعد عذاب ست شهور في السجن, أفرجوا عنهاو واتمكنت عن طريق بعض الاقارب انها تهرب عن طريق حدود تركيا, ومنها لفرنسا حيث اضطرت للعمل كجرسونة و العيشة بشكل مزري بعد العز اللي كانت فيه, وفين وفين لما قدرت تدخل فصول دراسة ليلية في احد الجامعات و اتعرفت علي ولد فرنساوي حبته وعاشت معاه, واستمر بيها الحال علي هذا المنوال لبضع سنين

تخيل بقي, ان الاربع مسلمين دول اتعرضوا فجأة لادبيات الحادية تحمل دلالات قوية علي زيف الاسلام, و انه دين كاذب تفتكر حيكون رد فعل كل منهم ايه؟ مع افتراض انهم كلهم علي نفس الدرجة من الذكاء و الثقافة اللي تمكنهم من استيعاب المادة المقدمة لهم و التفكير فيها بشكل حيادي, والبت في صحتها من عدمها؟

المسلمة أ حتتهز نفسيا جامد, وحتمر بأزمة داخلية رهيبة, لأن كل العالم الجميل الهادئ اللي عايشة فيه, يوشك ان ينهار لكن بعد فترة من التردد, صارحت بعض المقربين ليها, فرتبلها لقاء مع عمرو خالد, اللي بطريقته المهذبة واسلوبه الحاني "فند" لها هذه المزاعم ووضحلها حقيقتها "كأكاذيب مستشرقين", فأطمان قلبها و انشرح صدرها للتفسير, مش لأنه بالضرورة مقنع, ولكن لأنه فيه شكل التناسق الكافي لعقلها انه يبطل يفكر في المسائل دي , ويستعيذ بالله, ويعود الي حياته المتدينة الهانئة

المسلم ب حيمر بصورة أقل من أ بنفس الازمة النفسية لكن لأن حياته مش متمحورة حوالين الدين, حيتغلب علي القلق الوجودي ده و يبتدي يفكر في الدلائل المقدمة بعقلانية. و لما توصل في الاخر انها معقولة جدا وان النسخة المتداولة من الاسلام غالبا غلط, ابتدي يفكر في الاعتبارات العملية المحتملة لو غير حياته فلقي انه حيدخل في مقاطعات مع أهله, ومراته حتطلب الطلاق, وغالبا حيخسر عياله لو أعلن الحاده. و بعدين لما فكر شوية لقي ان جوهر الاسلام هو نفس تعاليم المحبة والاخوة والمساواة اللي اي حركة انسانية علمانية بتدعولها, اذا شلت منه شوية الطقوس السخيفة, ولقي كمان ان الاسلام بيديله الهوية الثقافية اللازمة وهوه في بلاد المهجر, فقرر انه يعيش حياته الخارجية كمسلم ممارس, في نفس الوقت يستمر داخليا في رحلة البحث عن الحقيقة, اللي هوه فعلا عايز يعرفها, ويتمني لو كانت ان الاسلام صحيح عشان تنتهي حالة الفصام اللي عايش فيها

المسلمة ج حتتقبل الدلائل المقدمة لها بشكل اسهل بكتير, لانها بتفسرلها كل شكوكها و تحفظاتها عن الاسلام اللي كانت معتملة جواها وأول ما يتقدملها عريس عايش في امريكا, وواضح من كلامه انه مالوش في الدين, حتوافق عليه علي طول عشان تخلص من جحيم باباها و بعد فترة من الحياة هناك, حتفقد كل صلة لها بالاسلام, و حتبتدي تقرا باهتمام ادبيات شهود يهوه اللي بيخبطوا علي بابها كل اسبوعين تلاتة و بعد كام سنة حتتنصر عن اقتناع, وتبتدي تروح الكنيسة, وتقنع جوزها انه يعمل نفس الشيئ علي مضض في البداية, لكن لما بيتقدم بيهم العمر بيزدادوا "قربا من الرب" و تزداد شكرا له انه نجاها من الاسلام و "الضلال" اللي كانت عايشة فيه

أما المسلمة د فحتبتدي تطلع علي الادبيات المشار اليها من خلال الجامعة الفرنسية المشار اليها. و حتقع منها موقع القبول علي الفور لأنها حتفسرلها كل الفظائع اللي اتعرضتلها هيه واسرتها تحت مسمي الاسلام. و لكن علي عكس ج, د مش حتتجه للمسيحية د حتبقي ملحدة, بكل الاديان, لكن في الواقع ان كراهيتها الخاصة للاسلام حيخلوها تبتدي بلوج بالفارسي والفرنساوي تطلع فيه كل اللي في قلبها و شوية شوية حتبتدي الدوائر المعادية للاسلام في فرنسا تتلقفها, و تنشرلها أول رواية بالفرنسية عن مسلمة سابقة اكتشفت حقيقة الاسلام و بعدها حتشتهر و تمسك وظيفة باحث في احد معاهد الاديان المقارنة في فرنسا, و حتتشكل حياتها بعد كده في اطار كراهية المسلمين لها واصدارهم فتوي باهدار دمها, و دفاع الغرب عنها, ظاهريا لحرية الراي وباطنيا لأنها بتؤديله خدمة جليلة بالهجوم علي الاسلام...,,,

و كمان حدوتة أربعة مش مسلمين

خلينا ناخد كمان اربع امثلة لأشخاص غير مسلمين تعرضوا لخطاب معادي للاسلام بشكل او باخر ونشوف رد فعلهم ايه

 الهندوسي س بيعيش في ولاية اوتاربراديش  ذات الوجود الاسلامي الكثيف, و فقد معظم أفراد عائلته في الهجوم اللي شنه المسلمين علي قطار سنة 2002 و بالرغم من وجود دولتين للمسلمين في شبه القارة الهندية, الا ان س مش قادر يفهم ازاي لسه فيه مسلمين في الهند, وازاي يوصل بيهم التبجح انهم يحرقوا قطارات الهندوس, ويقاسموهم قوتهم و لقمتهم, بعد ما حكموهم بالحديد والنار منذ الفتح الاسلامي, و من خلال حكم السلاطين المغول

الوثني ص بيعيش في ولاية ساراواك في ماليزيا, اللي بالرغم من انها دولة اسلامية , الا انها مدية للوثنيين والمسيحيين اللي بيشكلوا الاغلبية في ساراواك الحرية المطلقة في العبادة, وممارسة الانشطة الثقافية و الاقتصادية, مما حولهم الي واحدة من أغني مقاطعات ماليزيا بسبب السياحة اللي منتشرة و مزدهرة جدا في هذا الجزء من جزيرة بورنيو, و اللي بيتوافد عليها ملايين السياح الغربيين و اليابانيين و الاستراليين سنويا

المسيحي ع مبشر ينتمي لطائفة المعمدانيين الجنوبيين المتطرفة, و يعيش في ولاية كارولينا الجنوبية الواقعة ضمن حزام الانجيل الجنوبي في امريكا و هو اضافة الي انحداره من عائلة كانت تنتمي لطائفة الكوكلوكس كلان المتعصبة ضد الدخلاء, يشعر بالحنق الشخصي لأن بعضا من اهالي مدينته قد اعتنقوا الاسلام, بعد أن افتتح القادمون من الشرق الاوسط مسجدا و مركزا اسلاميا صغيرا في المدينة.

اللا أدري ط سويدي الجنسية, نشأ وسط ابويين لا دينيين, وان كان بطبيعة الحال يعرف الكثير عن المسيحية بحكم الخلفية التاريخية لبلاده و عائلته الا انه في الوقت الحاضر شأنه شأن 97% من السويديين الذين لا يؤمنون بوجود اله او لا يذهبون الي الكنيسة, لا يشعر بمشاعر كراهية او عداء ضد الاقلية المسيحية التي تمارس طقوسها في سلام, او ضد الافراد القليلين جدا من المسلمين, الذين جاءوا للدراسة في جامعة اوبسالا, و يتحلي معظمهم بالخلق الكريم

بعد ما استعرضنا شخصيات الرواية, خلينا نشوف ازاي كل واحد فيهم حيتصرف, لما يجتمعوا كلهم في برنامج الماجستير في علم الاديان المقارن في اوكسفورد و طبعا البرنامج المذكور (زي كل برامج الماجستير) مصمم بحيث انه يدي الدارس صورة شاملة و ان كانت عميقة بعض الشئ عن الموضوع و لكن مش عميقة لدرجة التبحر في جزئية معينة, اللي هيا متروكة للقليلين, اللي حيقرروا يكملوا في مرحلة الدكتوراة و بالتالي فالبروجرام بيستعرض تطورالدين كفكرة انسانية, وأوجه الشبه والخلاف اللي بين مجموعات الاديان المختلفة  و جدليات التفنيد والتاييد لكل منها مع استعراض سريع لاثر كل دين في تطور مجتمعاته, وكيفية تفاعله مع الاديان الاخري من حيث الصدام او الوفاق. فكيف تلقي كلا من اصدقاءنا الاربعة المادة الدراسية في البروجرام؟ وبالذات الاجزاء المتعلقة بدياناتهم و بالاسلام؟

اخونا الهندوسي س انشكح قوي من وصف الهندوسية في البروجرام بانها اقدم ديانة علي الارض, وان تركيبها الفلسفي عميق و متسع في نفس الوقت لتفسيرات لا تتصادم ضرورة مع المنطق العقلاني. وانشكح اكتر من الكلام عن وجود اثار براهمانية قديمة في مكة, و من كل "الادلة" علي دموية الاسلام من خلال استعراض غزو المسلمين للهند, واعمالهم السيف في السكان الهندوس, وعدم قبولهم للجزية منهم (بعكس البلاد المسيحية المفتوحة) وقرر انه يرجع يفتح مركز (لمقاومة الغزو الثقافي العربي للهند) و انضم لحزب بهاراتا جناتا الهندوسي المتطرف, ومسك اللجنة الثقافية فيه وقرر انه يكرس حياته و شغله لفضح "تهافت ووحشية" الاسلام, مقارنة ب"عمق و سماحة" الهندوسية للعالم من خلال مركزه وعمله الحزبي

أما الوثني ص, فشعر قي البداية بالفخر لما اكتشف ان البانثييزم و الانيميزم اللي الاغلبية المسلمة و الاقلية المسيحية بتسخر منه في ماليزيا كنوع من الطفولة العقلية, هو نوع من انواع الفلسفة الدينية التي لا تقل عمقا عن الديانات التوحيدية. وان كان الفخر ده سرعان ماتلاشي لما درس عن أجداده من صيادي الرؤوس, اللي كانوا بيطاردوا أعدائهم في كهوف بورنيو عشان يقطعوا راسهم و يحتفظوا بيها كدليل علي شدتهم و باسهم و شاف ازاي ان المسيحية اللي دخلت عن طريق المبشرين, والاسلام اللي دخل عن طريق التجار, مأجبروش الاغلبية الوثنية علي اعتناقهم و لاحاجة وانما هيه كانت عملية تحول تدريجي عن اقتناع. وخرج ص من البروجرام و قد ازداد فخره باصوله, وامتنانه في نفس الوقت للقادمين المسلمين و المسيحيين, اللي شذبوا من حضارة أجداده, وما محوهاش وتركوهم يعيشوا في سلام و قرر ص انه يفتح مركز في كوشنج (اكبر مدن ساراواك) للتسامح الديني عشان يبين للسياح الغربيين ازاي الوثنية والمسيحية و الاسلام بيتعايشوا جنبا الي جنب

بالنسبة لأخونا المعمداني ع, فهوه فتح وبسايت للرد علي "شبهات المسلمين", وبيان تهافت دينهم شبيه بالوبسايت الشهير (انسرنج اسلام), استخدم فيه كل الحجج الهادمة له من الحجة الابستمولوجية للحجة الاونتولوجية للحجة الكوزمولوجية و طبعا ماغفلش عنه ان الحجج دي بتهد المسيحية برضه زي مابتهد الاسلام و كل الاديان التوحيدية, لأنها بالاساس وضعت للرد علي المسيحية. فاستخدم منطق ملتوي يخرج بيه المسيحية المعمدانية من النقد زي الشعرة من العجين.و لما زاد الهجوم علي المسلمين في امريكا بعد احداث 11 سبتمبر, تزعم حملة لحرق المصحف علنا, وابتدا تووك شو لمهاجمة الاسلام

اما صديقنا السويدي ط فاستمتع بصدق بكل المواد اللي درسها, ولكنه حس انه منجذب بشكل خاص لدراسة نشاة الاسلام و تطوره و لان درجاته كانت كويسة, خد منحة دراسية للدكتوراة من كمبريدج, موضوعها "البدايات الاولي للاسلام المبكر" و من خلالها سافر اليمن و اشترك مع البعثة الالمانية الشهيرة اللي هناك في رفع المخطوطات الاولي للمصحف, اللي عثر عليها بين اطلال احد المساجد القديمة المتهدمة و بعد ما خد الدكتوراة, اتعين مدرس للدراسات الاسلامية في جامعة اوبسالا, و بدأ يعمل اسهامات قيمة جدا, ساعدت في الكشف عن الكثير مما كان مجهولا عن فترة صدر الاسلام, اللي كانت قبل كده ضايعة بين الكتابات الاسلامية من ناحية, وهجوم المستشرقين المتحاملين من ناحية اخري

و من الطريف ان ب (راجع الجزء الاول من القصة) بقي قارئ مدمن لكل الانتاج العلمي بتاع ط. صحيح انه كان بيتمني في قرارة نفسه ان نتائج الابحاث تثبت تاريخية المزاعم الاسلامية التقليدية, ومن ثم صحة الاسلام كدين, الا انه كان وصل لدرجة من التجرد و الموضوعية, خلته فعلا مهتم بالبحث بغض النظر عن النتيجة

مغزي القصة

و كل اللي حبيت اقوله من القصة الطويلة العريضة دي هيا انه بينما الموضوعية المطلقة (اللي باعرفها بانها الانفصال الشعوري المطلق للباحث عن مادة البحث) امر بعيد المنال ان لم يكن مستحيل, الا انه فيه درجات لا نهائية بينها و بين الشخصانية (اللي باعرفها بانها الانغماس العاطفي الكامل في مادة البحث) علي الجانب الاخر, تجعل من المحتمل العثور علي الكثيرين من الاشخاص ذوي الموضوعية العالية (وان لم تكن المطلقة) التي تمكنهم من الدراسة بحياد و التوصل الي نتائج يمكن الثقة فيها, دون الانحياز مع او ضد المادة المدروسة.

وفي القصة السابقة, يمكن ان نري بوضوح, ان ط والي درجة اقل ب كانوا اقرب ما يكونوا الي الموضوعية بحكم نشأتهم و ظروفهم الخاصة, ولذلك اي نتيجة مقاربة للصحة لا يمكن ان نتصور الوصول اليها الا عن طريق أبحاث ط, ومتابعات و تحليلات ب. بعكس أ و ص مثلا, الذين أثر عليهما الانحياز للاسلام (الاولي بحكم نشاتها كمسلمة متدينة, والثاني بحكم وضعه كوثني لم ير من الأغلبية المسلمة المحيطة به الا كل خير), وبعكس ج و د و س و ع, الذين أعماهم التعصب ضد الاسلام (بحكم تجاربهم الشخصية السلبية كمسلمين مضطهدين, أو غير مسلمين مضارين) عن النظر الموضوعي للدليل المقدمو واكتشاف قصوره و مكامن الضعف فيه.

, وطبعا يمكن استبدال الاسلام في القصة السابقة بالمسيحية او اليهودية او أي دين اخر, كما يمكن تصور ان ابحاث ط, ومتابعات ب قد تؤدي في النهاية الي اثبات صحة الاسلام, وبيان فساد الادلة المخالفة وليس العكس.   فالمقصود هنا ليس محاولة اثبات فساد أو صحة دين او اخر. المقصود  هو بيان أن الباحث لا يمكن أن برجي صحة بحثه او اقترابه من الحقيقة التاريخية قدر الامكان, الا اذا اقترب من الموضوعية , وابتعد عن الذاتية علي قدر المستطاع. وهنا  لا ينبغي أن يتصور القارئ ان المطلوب هو أن يتتجرد الباحث  من مشاعره الانسانية فهذا مستحيل, ولكن يحسن به في هذا المقام ان يختار مجالات لابحاثه لاتكون عواطفه الشخصية مرتبطة بها. لانه ان لم يفعل ذلك, غابت عنه حياديته, ووصمت ابحاثه بالانحياز, وعد من الجهال الذين لا ترتجي منهم النصيحة, ولا يلتمس منهم الرأي.

Thursday, July 5, 2012

حتي لا يلقي مرسي مصير علي بن ابي طالب


قولة حق أريد بها باطل

منذ ان رفع الأمويون المصاحف علي اسنة الرماح, وهتفوا "ان الحكم الا لله" بعدما أوشكوا علي الهزيمة, و منذ وصف علي ابن ابي طالب هذه الدعوي بأنها "قولة حق اريد بها باطل", و شعوب المنطقة غدت معتادة علي هذه الاستراتيجية الناجعة للثورة المضادة, التي تتلخص في المزايدة علي صاحب الحق بشعارات تبدوا مثالية ثورية, بينما يؤدي تطبيقها الحرفي الي علو الباطل وازهاق الحق.

والقصة باختصار لمن لا يتذكر أن الأمويين, بعد أن تبددت أحلامهم في الانفراد بزعامة قريش, بعد خروج نبي بني هاشم, سعوا بكل طريقة ممكنة الي استعادة مكانتهم المفقودة, عن طريق التظاهر بقبول الدعوة الجديدة, مع الالتفاف عليها وتفريغها من مضمونها الانساني, ومحاولة تحوبلها الي غلاف خارجي يحمل مظهر الدعوة, بينما لا يخرج المضمون عن الملك العضوض الوراثي, الذي سعي بنو أمية دوما الي اقامته. وقد جرت المحاولة في عهد الخليفة عثمان –الذي اتفق وكان أمويا- فانتهز بنو عمومته طعنه في السن, وقفزوا علي مقدرات الدولة الوليدة بقيادة مروان بن الحكم وأبناءه عبد الملك وعبد العزيز, محاولين الارتداد بالدولة الناشئة الي حكم أموي ديكتاتوري, لا تتم مداولته بين المسلمين طبقا للشوري التي أرادها النبي لهم من بعده.

فلما قتل عثمان, وانتخب الناس من بعده عليا, رفع الأمويون قميص عثمان الملطخ بالدماء, علي صارية مسجدهم في دمشق. وكانت المطالبة بالثأر ممن قتله مطلبا ظاهره المعقولية والمشروعية, ولكن الامويين لم يرفعوه حمية أو انفعالا لمقتل شيخهم, وانما فعلوه كمطلب تعجيزي لابن أبي طالب, الذي استحال عليه عمليا القاء القبض علي كل الثوار الذين تسوروا بيت عثمان وقتلوه. فقد جاء هؤلاء من كل أطراف الدولة الاسلامية, وكان فعلهم مبررا لديهم ولكثير من الناس. فغدا القصاص منهم مستحيلا فعلا, وباعثا علي الفتنة والحرب الاهلية بين المسلمين ضمنا.

ولما استعرت الحرب بين الامويين وبين ومعسكر علي, ودارت الدائرة عليهم, لجئوا الي الحيلة الموضحة أعلاه, بأن رفعوا المصاحف علي أسنة الرماح ورددوا قوله تعالي "ان الحكم الا لله" وبالرغم من فطنة علي الي الحيلة المقصودة, ووصفه لها بأنها "قولة حق أريد بها باطل" الا انه لم يكن ليظهر أمام الناس كرجل يابي الاحتكام لحكم الله, ولم يكن امامه من حل سوي التسليم والاذعان للمطلب. وكان ما كان بعد ذلك من التحكيم الذي خدع فيه ممثل الامويين (عمرو بن العاص) ممثل العلويين (أبي موسي الاشعري) الي خلع علي وتثبيت معاوية. وقد كان مبدأ الرضوخ الي التحكيم وبالا علي العلويين في حد ذاته, حتي مع محاولتهم احتواء أثاره, فبالرغم من رفضهم لخدعة بن العاص, وبالتالي لنتيجة التحكيم, فقد ادي قبولهم المبدئي "لقولة الحق التي اريد بها باطل" الي انشقاق كبير في صفوفهم لأن الكثيرين رأوا فيما حدث "تحكيما للرجال في أمر الله". ,مما ادي في نهاية المطاف الي مقتل علي علي يد احد هولاء المنشقين الخوارج, وتوسيد الامر لمعاوية, وبدء الملك العضوض الوراثي في بلاد المسلمين, والذي دام لأكثر من ألف عام حتي سقوط السلطان عبد الحميد منذ عقود قليلة.

ما أشبه الليلة بالبارحة

والناظر الي احداث الايام الاخيرة, منذ اعلنت نتيجة الانتخابات بفوز مرسي بالرئاسة, لا يملك الا ان يري تشابها كبيرا بين ما فعله الامويون من رفع لقميص عثمان اولا للمطالبة بثأره, ومن ثم طلب الالتجاء لحكم الله عندما أوشكوا علي الهزيمة, وبين الكثير من النداءات والمطالبات المشابهة, و التي يصدق عليها كلها قولة علي ابن ابي طالب "قولة حق اريد بها باطل" فتعالوا نستعرض طرفا منها, محاولين التوقف علي وجه المعقولية والوجاهة الظاهري في كل منها و وكيف استغلته الثورة المضادة كسلاح تسدد به الضربة تلو الضربة, الي ادارة مرسي الوليدة, محاولة الاجهاز عليها, واعادة تشييد البناء الفرعوني علي أنقاضها, كما بني الامويون ملكهم علي أنقاض الخلافة الراشدة.  .

ألافراج عن المعتقلين

طبقا لارقام المجلس العسكري, تزخر السجون بما يزيد علي احد عشر الف معتقل منذ قيام ثورة يناير. وبالرغم من مشروعية المطالبة بالافراج علي هؤلاء, الذين اعتقل أغلبهم اثناء التظاهر والاعتصام المشروعين في مراحل الثورة المختلفة, الا ان الافراج الفوري عنهم كلمة حق يراد بها باطل, لأن المؤسسات الامنية (وهي الضلع الثاني للثورة المضادة) قد دست بعض القنابل الموقوتة في هذا المطلب, عن طريق توصبف بعضهم كمعتقلين جنائيين. ومن ثم يصبح الافراج الفوري عنهم مسوغا لتلك الاجهزة الامنية, لكي تطلق بلاطجتها ومخبريها يعيثون في البلد فسادا, ثم تصوب اصابع الاتهام الي مرسي بوصفه من اطلق سراح كل أولئك "المجرمين" دون تمحيص او تدقيق. وعلي الجانب الاخر لو لم يطلق سراحهم فستزداد المطالبات والاصوات التي تنعي "تخلي" مرسي عن المعتقلين, و"تنكره" للثورة والثوار.



الثار للشهداء

تتفق معظم التقارير علي أن ضحايا الثورة يقدرون بالالاف, فضلا عن مثلهم في العدد من المفقودين, الذين هم علي الارجح قد قضوا نحبهم أيضا بكل أسف, وان لم يستدل بعد علي أماكن رفاتهم. وفي كل منزل, او اسرة من اسر هؤلاء الابطال ماتم لم ينفض, وعزاء لم يؤخذ, لان المحاكمات الصورية التي تمت حتي الان, لم تؤدي الي ادانة أي من قاتليهم, او الثار منهم. ولكن كما الحال في بند المعتقلين السابق, تعتبر المطالبة بالقصاص الفوري ممن قتل هؤلاء الشهداء كلمة حق يراد بها باطل, ومدخلا الي شر مستطير. فمعظم الادلة تم تدميرها بمعرفة امن الدولة (كما هو ثابت من محاضر قضية رئيس هذا الجهاز حسن عبد الرحمن). والبقية الباقية من هذه الادلة, حبيس بادراج جهاز الامن الوطني او الشرطة, و كلاهما من أعمدة الثورة المضادة التي لم يتم القضاء عليها بعد. ومن ثم تغدوا المطالبة "بالقصاص الفوري" مطالبة "بقنص الفاعلين" وتصفيتهم الجسدية, دونما محاكمة قانونية عادلة. وهو أمر لا يليق بدولة أو بحكومة رشيدة, وان فعله مرسي فتح علي نفسه ابواب جهنم من الانتقادات علي "دكتاتوريته وبطشه" وبعده عن الاحتكام للقانون. وعلي الجانب الاخر ان لم يفعل شيئا, زادت ثورة اهالي الشهداء عليه, وامتدت لتشمل طبقات أوسع من المتعاطفين معهم من ابناء المجتمع.



انصاف المظلومين وذوي الحاجة

منذ بدء مبارك في تطبيق نظام الخصخصة, واطلق العنان لزبانيته من أرباب راس المال الطفيلي لنهش الاقتصاد المصري, والهوة بين الاغنياء والفقراء تزداد اتساعا, والمظاهر الجديدة للفقر التي لم يسمع بها أحد من قبل في مصر (كاطفال الشوارع وبيع الاعضاء) تزداد انتشارا. وباستثناء الاقلية القليلة من ابناء الوطن العاملين في الخارج او في الشركات الاجنبية, عض الفقر بنابه الجميع, حتي غدا العثور علي طائفة أو اصحاب حرفة ناجية من هذا الطوفان المدمر امرا صعب المنال. ومن الطبيغي والمعقول أن تطالب كل فئة –وكل فرد- بالانصاف, وبايجاد مكان له تحت شمس العدل والمساواة. الا ان توقع تحقيق ذلك بشكل فردي لهذا الفرد او لتلك الفئة (دون بقية طوائف المجتمع) وبشكل فوري ( دون المرور بمراحل التعافي الاقتصادي المعتادة لاي اصلاح) هو ضرب من الجنون والانغماس في الاحلام. لان الحكومة لا تملك عصا سحرية لحل كل المشاكل المزمنة المتراكمة في لحظة واحدة, كما لا ينبغي عليها الاستجابة لفئة علي حساب فئة أخري. وهكذا تغدوا تلك المطالبات الفئوية (دعوات حق يراد بها باطل), ويغدوا مرسي وادارته المسكينة بين نار الاستجابة الفورية لها (وهو ما يستحيل عمليا كما أوضحنا) وبين اهمالها بالكلية, و من ثم التعرض للقصف الاعلامي المركز لمدفعية الثورة المضادة الاعلامية, ووصفه كحاكم فاشل عاجز عن حل مشاكل ابناء بلده.



تطبيق شرع الله

الشعب المصري متدين منذ فجر التاريخ, وقد اتخذ هذا التدين اشكالا متعددة غلب عليها التسامح منذ بدايات عقيدة الضمير (معت) عند قدماء المصريين, الي غنوصية نجع حمادي اثناء الحقبة المسيحية, الي تصوف العصور الاسلامية المختلفة. الا ان هذا التسامح وتقبل الاخر لم يخل من لمحات من التعصب ورفض الاخر, كما حدث لهيباتيا الوثنية علي يد اتباع "عمود الدين" في الاسكندرية,  وكما نراه الان من شيوع لقراءات أقل تسامحا بين عموم المسلمين والمسيحيين علي قدم المساواة. ومن الطبيعي لكثير من جماهير السلفيين المتأثرين بالفكر الوهابي البيوريتاني المعاصر, أن يتوقعوا ويتطلعوا الي تطبيق حرفي للشريعة الاسلامية, في اعقاب وصول اول رئيس "اسلامي" لحكم مصر. ولكن الاسراف في هذه التوقعات قد يؤدي ببعض هؤلاء الي محاولة أخذ زمام الامور في ايديهم, وتطبيق "الحدود" علي من يرونه مخالفا لأحكام الشريعة, كما رأينا مع فتي السويس, الذي قتل غيلة بينما كان يسير مع خطيبته من قبل "متشددين" يبدوا الان انهم كانوا من أذناب أمن الدولة, الذين يزايدون علي عواطف البسطاء من المتدينين, ويرددون دعوات تطبيق الشريعة, المراد بها باطل. ومرسي هنا بين نارين, فان رضخ لمطالب هؤلاء, وصبغ ادارته بصبغة اصولية متشددة, نفر منه عموم المعتدلين والاقباط, وزاد من مخاوف الدول الاجنبية علي مصالحها في مصر. وان قلب لهم ظهر المجن, عرض نفسه لمزايدتهم, ووصفهم له "بالمدعي الزائف" الذي يستخدم الشعارات الاسلامية للوصول الي الحكم, بينما ليس له منه سوي الاسم.



استعادة مكانة مصر الاقليمية

الي جانب الانسحاب المصري المتدرج من قيادة الامة العربية والاسلامية ودول عدم الانحياز, والذي قلص من مكانتها العالمية كقوة اقليمية مهابة الجانب, اتت تصرفات مبارك المشينة علي البقية الباقية من كرامة مصر ومكانتها بين الامم. فالرجل لم يكن يتورع عن تسول الملابس والهدايا من القادة العرب والأجانب حال زيارتهم مصر, ولم يخجل ان يطلب منهم الرشا لنفسه ولاسرته. كل ذلك رسخ من صورة المصري كشحاذ لا يكف عن توضيع نفسه للاخرين لقاء مال او عرض. وبدا ذلك واضحا لكل العاملين المصريين في الخليج, الذي يعامل مواطنوه المصريون باستمرار بمزيج من الفوقية والاحتقار. ولذا لا نستغرب عندما نري المطالبات بالتصدي لدولة الامارات العربية المتحدة, التي باتت مأوي للفلول, والتي تطاول بعض قادتها كضاحي خلفان رئيس شرطة دبي علي مصر والمصريين.ورأينا زوجة المحامي المصري السجين في السعودية والمتهم بتهريب المخدرات تعتصم أمام القصر الرئاسي, مطالبة بالتدخل الشخصي للرئيس للافراج عن زوجها الحبيس. وعلي الرغم من مشروعية هذه المطالب في عمومها, الا ان التزيد في هذه المطالبات لا يخرج عن كونه "كلمة حق اريد بها باطل". فالعلاقات الثنائية بين الدول ينبغي أن تبني علي قواعد قوية من التاريخ المشترك والمصالح المتبادلة, وألا تترك عرضة للانهيار بسبب حدث عابر. والتاريخ حافل بأمثلة لدول وضعت علاقاتها مع دول أخري علي المحك, ورهنتها بمطالب محددة وفورية. وفي معظم الاحوال رفضت الدول الاخري هذه المطالب, وكان هذا ايذانا بانهيار العلاقات بين البلدين واحيانا نشوب الحروب. ونحن في هذا لسنا في حاجة للتذكير بالتعويضات المستحيلة التي طلبتها النمسا من صربيا عقب اغتيال فرانز فرديناند (والتي كان رفضها سببا في نشوب الحرب العالمية الاولي), ولا المطالبة بتسليم اسامة بن لادن الذي رفضته أفغانستان فكان سبب في جر أمريكا الي نزاع غير مجد معها. ويكفي النظر الي مطالبة أمريكا المتكررة بالافراج عن مواطنيها المعتقلين في ايران والذين كانوا يمارسون رياضة تسلق الجبال قرب الحدود الايرانية, واعتقلتهم الاخيرة بتهمة التجسس. فبالرغم من تفاوت القوة والسطوة بين الدولتين, الا ان المطالية العلنية, واستخدام الاساليب الغير ديبلوماسية في المطالبة, زاد من صلف ايران, ورفضها الانصياع للمطلب الامريكي. وجملة القول أن انسياق مرسي وراء هذه المطالب كفيل بتدمير علاقات مصر الخارجية وعزله دوليا. كما أن اعراضه عنها حقيق بتقزيم قامته امام شعبه, واظهاره بمظهر العاجز عن صون كرامته وكرامة شعبه وأمته.



استقلال الصحافة

من منا لم يشب عن الطوق في ظل هيمنة ما يسمي بالصحافة "القومية" علي المشهد الاعلامي في مصر, بينما هي في الواقع لا تخرج عن كونها اعلاما موجها معبرا عن وجهة النظر الرسمية للحكومة. وقد تنوعت وسائل تعيين رؤساء تحرير الصحف ومديري قنوات التلفزيون من هيئة الارشاد الي وزارة الاعلام الي مجلس الشوري, ولكن بقيت هذه "الاوعية القومية" في كل الاحوال ابواقا للدعاية في يد النظام الحاكم. وحتي بعد قيام ثورة يناير, استمرت تلك الابواق تبث سموم الثورة المضادة, و تعمل علي تسميم العلاقة بين الثوار وبين عموم الجماهير. وما يقوم به مجلس الشوري (ذو الاغلبية الاخوانية) حاليا من تمحيص لترشيحات رئاسة تحرير الصحف, تمهيدا لتعيين قادتها الجدد, أمر طبيعي جدا ومتوقع, لأن تلك الصحف والقنوات, لابد وأن تعبر عن وجهة نظر القيادة الجديدة. وما يدعوا اليه البعض من نزع هذه السلطة من يد مجلس الشوري هو من قبيل "كلمة الحق التي يراد بها باطل". فصحيح ان الوضع المثالي (كما الحال في العالم الحر) لا يتضمن ما يسمي بالصحف "القومية" وانما يتضمن استقلالها كمؤسسات صحفية مستقلة غير معبرة عن وجهة النظر الرسمية باي حال من الاحوال. ولكن الواقع أن هذه المطالبات في الوقت الراهن لا يقوم بها الصحفيون "المستقلون" الراغبون في التخلص من نير التبعية لهذه الحكومة او تلك, والا اين كان هؤلاء ايام حكومات حسني مبارك, وقبضة صفوت الشريف الحديدية, التي حولت صحفهم الي ابواق للدعاية للحزب الوطني. الواقع أن تلك المطالبات يتولي كبرها زبانية الحزب الوطني, وأذنابهم من الصحفيين التابعين, الكارهين لزوال سلطانهم, والراغبين في الاستمرار في استخدام هذه المنابر كمنصات هجوم علي الاخوان وزعيمهم الرئيس. ومرسي ازاء مطالبهم تلك بين نارين, رفضها والظهور بمظهر الديكتاتور الراغب في تكميم الافواه ومصادرة الصحف لحساب جماعته, أو الاذعان لها و فقدان هذا المنبر المؤثر من منابر التأثير علي الجماهير لأعدائه الذين لن يألوا جهدا في استخدامه لمهاجمته والنيل منه ومن حكومته.



حقوق الاقليات و مدنية الدولة

مع ظهور الدولة المصرية الحديثة في العشرينات من القرن المنصرم, والصراع لم ينته بين المطالبين بدولة علمانية علي النسق الاوروبي, تحترم حقوق الاقليات و تعطي جميع ابناءها حقوق المواطنة بشكل متساو, وبين المنادين بعودة الخلافة الاسلامية "التي تكون مصر منها بمثابة القلب" مع ما يتبع ذلك من زوال الحواجز المصطنعة بين الاقليم المصري وغيره من اصقاع الامة الاسلامية, مع الاحتفاظ بحقوق الاقليات غير المسلمة, في حدود ما تسمح به الشريعة الاسلامية. وعلي الرغم من انتماء الاخوان في المجمل الي المشروع الثاني (مشروع الخلافة), الا ان المراجعات المختلفة وفقه الواقع غير من موقفهم الي موقف قريب من المشروع الاول (مشروع المواطنة والدولة المدنية). ولكن تاريخ الاخوان الطويل المليئ بالمناداة بالعودة الي الخلافة, اثار شكوك الكثيرين, وحداهم الي المطالبة ب"تطمينات" علي نيتهم احترام مدنية الدولة المصرية, كالاتيان بنائب رئيس قبطي, أو نسبة معينة من الوزراء, او النص دستوريا علي اقتطاع أعداد مخصصة لهم في السلك الدبلوماسي والنيابة والقضاء وغيرها من المناصب المرموقة, للتأكيد علي حسن نية الاخوان تجاه شركائهم في الوطن. ويبدوا أن مرسي قد اضطرته ظروف الموائمة الانتخابية لاطلاق بعض الوعود, مثل وعده بالاتيان بنائب مسيحي. وعلي الرغم من معقولية بعض هذه المطالبات, الا انها لا تخرج عن كونها " دعوة حق أريد بها باطل", فنظم المحاصصة الطائفية (كلبنان مثلا) أكل عليها الدهر وشرب, وهي علي أي حال لم تأت بخير, ولم تزد أبناء الوطن الواحد الا نفورا من بعضهم البعض, ونزعا لانتزاع ما بيد الاخر. ومعظم الانظمة الحديثة تكفل حقا متساويا للمواطنين في تقلد المناصب القيادية اعتمادا علي الكفاءة, دونما نظر لعقيدتهم أو لاصلهم العرقي. و الانصياع وراء هذه المطالب سيوغر صدر الاغلبية المسلمة, التي لن تلبث ان تنقلب علي مرسي بعد أن أعطته الاغلبية. والاعراض عنها حقيق بتخييب امال الاقباط, وتحقق مخاوفهم بشأن "دولة المرشد", و العودة لوضعيتهم كرعايا لا كمواطنين.



ألجوجاتسو هو الحل

مما سبق تتضح للقارئ الاستراتيجية الحالية للثورة المضادة, متمثلة في أجهزة نظام مبارك السيادية من أمن دولة وشرطة وحكم محلي وحزب وطني...الخ, مدعومين براس المال الفاسد والمجلس الأعلي للقوات المسلحة (الذي اضطرته ظروف الموائمة للتسليم بفوز مرسي) وان لم يزل حربا عليه. والاستراتيجية بسيطة جدا, بقدر ما هي شديدة الفعالية.

تعرف علي القضايا الشاغلة للرأي العام, المثيرة لعواطف الجماهير.

تبني مواقف متشددة محببة الي نفوس جمهور كل قضية, وزد من التغطية الاعلامية لموقفك.

قد الجماهير المتحمسة, (والتي جمعتها خلفك باتخاذك للموقف المتشدد المشار اليه أعلاه), في المطالبة بتحقيق المطلب.

شدد الضغط والنكير علي مرسي, فان أذعن جزئيا زد في مطالبتك, وتطرف في موقفك حتي يفشل في الوفاء بما تدعو اليه ثم شهر به.

أما ان نجح في الوفاء بما دعوته اليه, فسلط عليه أقلام جناح أخر من أجنحة الثورة المضادة, يسفه من فعله, ويشير الي خطا تناوله.

واعتماد الثورة المضادة في نجاح خطتهم (كما كان اعنماد الامويين سابقا لحشد الناس خلفهم) انما هو علي الرغبات المشروعة والمنطقية للجماهير أو -لقطاعات من الجماهير-أن تكون بمثابة السلاح الماضي, والسيف البتار الذي يشهرونه في وجه خصمهم. وبقدر نجاحهم في استثارة حفيظة هذه الجماهير, وحشدهم خلفهم, تكمن مقدرتهم علي الظفر بما يبغون, والنيل من عدوهم.

ولكيلا يلقي مرسي مصير علي بن ابي طالب, وغيره من المثاليين, الذين استدرجوا الي الفخ الموضح اعلاه, ينبغي عليه أن يتبني آداب وفلسفة فن الجوجاتسو القتالي, المشهور عند شعوب الشرق الاقصي. والجوجاتسو يدعوا باختصار الي استخدام قوة الخصم ضده, بحيث تكون وبالا عليه, بدلا من عونا له. ولتوضيح ذلك دعنا نتخيل رجلين يتصارعان في حلبة, حيث يحاول أحدهما جذب الآخر ناحيته بهدف اسقاطه أرضا. الدفاع التقليدي يقضي بمقاومة هذا الجذب عن طريق محاولة "شد" الخصم في الاتجاه المضاد. والمشكلة كما لا يغيب عن فطنة أي مبتدء في علم الميكانيكا, ان المواجهة تصير صراعا بين قوتين متجاذبتين في اتجاهين متضادين, وتصبح الغلبة لمن يمتلك قوة أكبر. فاذا تصادف أن الخصم أقوي بنية, يغدوا فوزه محتوما مفروغا منه. ولكن تخيل للحظة, أن المدافع قام بعكس استراتيجيته من "شد" الخصم الي "دفعه فجأة" عندها تنقلب الآية ويسقط الخصم علي الارض, لان تحليل القوي ميكانيكيا يتحول من قوتين تعملان في اتجاه معاكس, الي قوتين تعملان في نفس الاتجاه, مما يسرع بسقوط الخصم, الذي لم يتوقع أو يتخيل أن يرد كيده في نحره, وأن يحيق مكره السيئ به.

وفي سياقنا الحالي, تقضي هذه الاستراتيجية المقترحة لمرسي بالخطوات الاتية:

التعرف علي القضايا الشاغلة للرأي العام (والتي تستخدمها الثورة المضادة لاثارة عواطف الجماهير)

تبني مواقف أكثر تشددا وشعبية الي نفوس جمهور كل قضية (من موقف الثورة المضادة).

الاعلان عن خطة واضحة المعالم, قابلة للتنفيذ, مرضية لطموحات الجماهير الحقيقية في كل حالة, والتغطية الاعلامية للخطة.

تجنيد عناصر من هذه الجماهير للاشادة بالخطة المذكورة اعلاميا, وتوضيح محاسنها, ووفاءها بمتطلبات الجماهير.

وعن طريق الخطوات الاربع السابقة, يتم الفصل بين الكتلة العريضة من الجماهير, ذات المطالب المشروعة, وبين الاقلية المزايدة من رؤوس الثورة المضادة.

فضح وتعرية موقف هذه الاقلية اعلاميا, وبيان استغلالها لالام الجماهير لاعادة انتاج النظام السابق.

انزال العقوبة المستحقة بهذه الاقلية المستحقة بشكل علني ورادع وفوري (علي ان يكون قانونيا وألا يكون وحشيا).

و كمثال توضيحي, يمكن اجراء تحقيقات واسعة لكشف الصلة بين قاتلي شاب السويس, بين محركيهم المفترضين من مشايخ السلفيين المجندين من قبل قيادات أمن الدولة, ثم الكشف الاعلامي المكثف لصلة اولئك بهؤلاء, وتحريك الدعوة الجنائية ضدهم, وانزال العقوبات بهم. فان فعلت ادارة مرسي ذلك, اصابت عشا من العصافير بحجر واحد. فهي أولا ازالت مخاوف العلمانيين والاقباط المفهومة من الحكومة الاخوانية, من حيث انحيازها المفترض للمتطرفين, وهي ثانيا ازالت عن كاهل عموم السلفيين تهمة التطرف والعنف, بان اعادت التهمة الي منفذيها من مجرمي النظام السابق وعملائهم. وهي ثالثا ارسلت رسالة تحذير وتخويف, لكل من تسول له نفسه التعاون مع اذناب النظام السابق من معتادي الاجرام, او مضللي الجماعات الدينية. وأخيرا هي قد عرت مخططات أمن الدولة, وكشفتها أمام الناس لا كجهاز يحمي الامن, بل كمثير للفتنة, مما يسهل استئصاله.

وكمثال آخر, يمكن تحريك الدعوة الجنائية بسرعة نسبية ضد نفر من قاتلي الشهداء, ممن تتوافر ضدهم أفضل الادلة نسبيا, وتتزامن مع ذلك حملة اعلامية مكثفة تبين الصعوبات المتضمنة في تعميم ذلك ضد كل القتلة, لنقص الادلة, مع تحريك دعوات مماثلة ضد كل من دمر هذه الادلة , ودعوة لكل الشرفاء للتقدم بما لديهم من أدلة, مع الوعد بمكافآت مجزية, أو عفو عام اذا كان المتقدم عضوا في أحد الاجهزة الامنية الضالعة. حتي اذا ما تمت المحاكمة وصدرت أحكام مشددة ضد المنفذين ومدمري الادلة, راي أهالي الشهداء جدية الحكومة في تبني قضيتهم, فعذروها فيما لم تستطع القيام به, وانفضوا من حول رؤوس الثورة المضادة الذين يتظاهرون بالدفاع عنهم,وانقلبوا عليهم, مما يسهل علي الحكومة التخلص من رؤوس الفتنة والاجهاز عليهم.

والمقصود هو أن أجنحة الثورة المضادة تكثف جهودها حاليا لافشال الادارة الجديدة, عن طريق شغلها في قضايا مستعصية, و ادخالها في حلقات مفرغة, الغرض منها استنزاف جهودها, والقضاء علي جماهيريتها, والهائها عن معركتها الاساسية, الا وهي احكام قبضتها علي الحكم, والتخلص من أعدائها الذين يتربصون بها الدوائر. والحل انما يكمن في سلب الثورة المضادة سلاحها الفعال في هذه المعركة (وهو الجماهير المعنية بكل قضية) وتحويله الي سلاح يرتد في نحر الثورة المضادة ويقضي عليها. وانما يكون ذلك عن طريق تبني هذه القضايا, ووضع خطط عملية قابلة للتطبيق لمواجهة كل قضية, والتغطية الاعلامية المكثفة للخطة, ومراحل تنفيذها, تزامنا مع فضح استغلال الثورة المضادة لها, بهدف عزلها وتعريتها امام الجماهير, تمهيدا للقضاء عليها.

وفي الختام, فان عليا هزم في الصراع لأنه لم يكن علي نفس مستوي دهاء الامويين. وبالرغم من أن ذلك قد يعتبره البعض نبلا, واعراضا عن النزول الي مستوي المكائد, والمؤامرات المتدني الذي لا يليق بخليفة راشد. وعلي الرغم من أن البعض قد يعتبر شهادته نصرا أخلاقيا من نوع أو اخر, الا أن الامة عانت قرونا عديدة بسبب احجامه عن ملاقاة المكر بالمكر, ومجابهة الحيلة بالحيلة. فنرجوا من الرئيس ألا يكرر نفس الاخطاء, وألا يسمح بأن يكون قنطرة تعبر عليها قوي الثورة المضادة الي سدة الحكم في مصر مرة أخري.