بين أضلاع مثلث الثورة المضادة الثلاثة رأس المال الفاسد, أجهزة الدولة السيادية, الجيش, يبقي الأخيرهو الأشد شراسة والأكثر دموية في معركته من اجل البقاء. فهدف رأس المال الأساسي وهو الربح, يمكن تحقيقه دوما وان بدرجة اقل في ظل حكومة وطنية شريفة. واحناء الرأس أمام عاصفة الثورة, والتي لا تبدو محددة المعالم الإيديولوجية حني ألان, ثم الالتفاف عليها أسهل بكثير من الصدام معها وجها لوجه. وان اقتضت الضرورة غير ذلك, فما أيسر شراء الذمم وبناء إمبراطورية جديدة للفساد الرأسمالي مع شركاء بيروقراطيين جدد. فهناك دائما من يقبل أن يبيع نفسه لقاء ثمن مناسب من موظفي الدولة والعسكريين.
وأعضاء الشرطة والمباحث والمخابرات وباقي الأجهزة السيادية هم في نهاية المطاف موظفون حكوميون, يسيطرون بشكل أو بأخر علي مفاصل الدولة المصرية من خلال الآلة البيروقراطية الرهيبة التي أبدعها النظام الفرعوني منذ آلاف السنين وغذاها الميل الفطري للشخصية المصرية إلي ألسلطوية, والقبول بحكومة مركزية حديدية القبضة. وعلي هذا فيمكنهم دائما التظاهر بقبول آي أوضاع يحتمها المد الثوري, ثم تفريغ هذا الأخير من محتواه باليات سياسية أو أمنية, كما حدث في تاريخ مصر الحديث, من خلال الاتحاد الاشتراكي والحزب الوطني وغيرهما, من آليات التغلغل والسيطرة علي الجماهير. ولذلك فهذا الضلع الثاني من أضلاع مثلث الثورة المضادة يبقي الأطول نفسا والأصعب مواجهة, لأنه متغلغل متجذر في ثنايا الدولة. ولكنه ليس الأشد شراسة أوالأعظم حربا علي الثورة بأي حال, لأنه ببساطة قادر علي التأقلم والتشكل والنحور, بطريقة تغنيه عن المواجهة المباشرة, وبشكل يجعل اقتلاعه أمرا بالغ الصعوبة.
يبقي إذن الجيش هو الرقم الأصعب في المعادلة. فالحكم العسكري المباشر, أو من وراء حجاب, غدا أمرا ممجوجا مستهجنا غير مستساغ في عالم اليوم, لتعارضه مع مفهوم الدولة العصرية. والوجود العسكري في سدة الحكم في مصر ليس أمرا بالغ القدم, أو ضاربا بإطنابه في التاريخ, كتسلط الأجهزة الأمنية, حتي يتصور البعض أنه وجود متعذر الاستئصال, وإنما هو أمر حديث نسبيا بمقاييس أعمار لشعوب, اذ يمكن تتبعه إلي عام 1952. ومظاهر هذا الوجود لا تنحصر في كينونة كل رؤساء مصر منذ ذلك الحين من العسكريين, او في استئثار ضباط الجيش بمعظم مقاعد المحافظين, و مناصب رؤساء الأجهزة ومجالس الإدارات والوزارات والمحليات, دونما أدني مراعاة للكفاءة والقدرة. بل تتعدي كل هذه المظاهر الاعتيادية التي الفها رجل الشارع العادي وغدت من المسلمات, الي تخصيص المخصصات المالية الضخمة لكبار الضباط لضمان ولائهم للقيادة السياسية,التي هي في الأصل عسكرية, دع عنك ضلوع العديد من أولئك الضباط الكبار مع راس المال الفاسد, وهو كما أسلفنا يمكن اعتباره الركن الأول للثورة المضادة, في فساد مالي مستطير. وحني متوسطي الرتب من الضباط وصغارهم منحوا شققا و مرتبات وقروضا وتسهيلات, تفوق بمراحل ما يحصل عليه نظرائهم من باقي طوائف المجتمع, وبما لا يتناسب مع تواضع قدراتهم, وقلة نفعهم.
ولذلك يشعر كل أعضاء هذا الجهاز بالخطر الشديد من الثورة الجارية منذ عام أو يزيد, فلا القوي الخارجية حريصة علي بقائهم, ولا الضلعان الآخران للثورة المضادة مرتبطان بهم ارتباطا مصيريا, ولا أبناء الشعب غدوا متقبلين لتسيدهم المقيت للحياة في مصر. ولذا فهم يحاربون معركتهم الأخيرة بأشرس الأسلحة المتاحة لهم, لان هذه هي فرصتهم الوحيدة للبقاء. هي معركة حياة او موت اذن, وعلي الرغم من أن قادتهم وكبرائهم هم الأشد تضررا من نجاح الثورة المحتمل, لعظم خسارتهم المترتبة علي نجاحها, وبالتالي هم الأشرس قتالا والأكثر استعدادا لسفك الدماء دون ملكهم وصولجانهم, إلا أن بقية أعضاء المؤسسة العسكرية سوف تضار دون شك إذا ما نجحت الثورة وأرغموا علي العودة إلي ثكناتهم لا يملكون إلا رواتبهم. ولهذا فان الكثيرين منهم قاتلوا وسيقاتلون باستماتة حفاظا علي مغانمهم ومكتسباتهم. ولتسهيل المهام القذرة التي يستوجبها هذا القتال, ينخرط معظم افراد المؤسسة العسكرية في عملية خداع للنفس وغسيل للمخ, يبررون بها لأنفسهم قتل الثوار, والتبول علي المتظاهرين, وهتك الاعراض, تحت ذريعة الدفاع عن الوطن ضد أعداءه الممولين من جهات خارجية, وقد يسخر البعض من سذاجة وتهافت هذا المبرر, ويراه مستحيل القبول من أي انسان لديه مسكة من عقل, الا أن أي دارس مبتدئ لعلم النفس يعلم جيدا أن النفس البشرية تقبل آي منطق معوج, ما دام مسوغا لما تريده وتصبو اليه, مهما بلغت درجة تهافته.
والمحصلة النهائية أن علي الثوار إدراك إن الجيش لن يسلم السلطة تسليما حقيقيا في نهاية يونيو القادم طوعا, أو عن طيب خاطر. وان فعل فسيكون تسليما فارغ المحتوي عديم المضمون, يضمن استمرار سيطرته علي الحكم ولو من وراء حجاب متمثلا في رئيس عسكري صريح, أو غير عسكري متأمر مع المجلس, وان ارتدي ثياب المدنيين. ولذا وجب علي الثوار تركيز جل جهدهم في إزالة العسكر من سدة الحكم وزحزحتهم عن السلطة مستخدمين في ذلك ما تيسر لهم من الوسائل المتاحة, بما في هذا التحالف مع القوي الوطنية الاخري كالأخوان مثلا, والتي وان كانت لم تنتهج نهجا ثوريا حتي اليوم فهي لاتقل عنهم رغبة في إنهاء الحكم العسكري لمصر وان اختلف النهج والأسلوب. فان فرغ الثوار من الجيش وما احسب ذلك حاصلا دون صدام ظهر أو بطن, وجب عليهم توجيه اهتمامهم للضلع الثاني من أضلاع الثورة المضادة, ألا وهي الأجهزة الأمنية, والتي كما أسلفنا هي الأصعب استئصالا والأعظم قدرة علي المناورة ولكن لذلك حديث أخر.
No comments:
Post a Comment