Wednesday, November 21, 2012

ضجة بشرية هائلة

اهتمامي بالنبوءات رافق معرفتي بالقراءة,  واتذكر وانا صغير ان اهلي جابوا كتاب كبير كله عن نوستراداموس بس بالعربي. وفي هذا الوقت كان صعب جدا ان الواحد يتصور حتى انه فيه اي احتمال لتحقيق اي حاجة من اللي تنبأ بيها. كان زمن الحرب الباردة ريجان وبريجينيف. وبعد شوية اندروبوف وتشرنينكو. كان العالم لسه طالع من فترة كارلوس وخطف الطيارات والحاجات الجميلة بتاعة فيلم ميونيخ اللي ماوعالهاش. أيام بادرماينهوف والألوية الحمراء والعمل المباشر ومنظمة ايتا الانفصالية, والشخصيات الجبارة من نوعية أبونضال والذي منه.  ودخل العالم في فترة الثمانينات الجامدة سياسيا اللي اتجمد وتلاشي فيها كل اللخبطة الجميلة بتاعة الستينيات والسبعينيات, وبدا كما لو كان العالم ثبت علي كده. فلما تييجي في الفترة دى تكلم ولد او مراهق عن القائد المحمدي القدير اللي حيحارب اوروبا او عن الغريفون اللي حيكسر قرني الهلال ويخفض اجنحة مقدسي يوم الجمعة. لازم انك تشوف ان النبوءات اللي من النوعية دي كلام تخاريف, لأن مفيش مجال أساسا لأي شيئ سوي ان الشرق الاوسط يفضل زي ماكان دايما من وقت سقوط الإمبراطورية العثمانية (وحتي من قبل كده بشوية) ساحة خلفية للصراع بين الدولتين العظميين,  أما مايسمي ظلما وعدوانا دول الشرق الأوسط, فهي مجرد نمل بيتداس بالرجلين ومالوش أي إرادة مستقلة, فضلا عن انه يأثر في الأحداث العالمية بالشكل المنصوص عليه في النبوءات دي. وحتى لما جه الزفت اللي مايتسماش بالبيرييسترويكا و الجلاسنوست, قلنا اهي دعاية فارغة وخلاص, كله للاستهلاك المحلي, ومفيش حاجة حتييجي من وراها.

 لكن لما تصحي من النوم ذات صباح تلاقي جمهوريات الاتحاد السوفيتي اللي قضيت كل طفولتك بتحفظ في اسامي عواصمها عمالة تنفصل واحدة ورا التانية عن موسكو. وطبعا قبل كده تلاقي شنبو البولندي عامل قلق والبابا الجديد معاه ضد روسيا,  و تسمع من ابوك ان جدانسك هيه نفسها دانزج اللي اشعلت الحرب العالمية التانية. يبقي لازم تعرف ان العالم بينتقل من عصر لعصر وان كل شيء بعد كده ممكن يحصل. وطبعا غني عن البيان, ان تطورات البدايات دي وصلت ذروتها مع مشهد هدم جدار برلين, اللي اتذاع علي الهواء زي كاس العالم بالضبط. احنا كعيال في الجامعة كنا متحمسين جدا لأننا حاسين ان التاريخ بيتغير قدام عينينا.  لكن اهلنا العواجيز كان شعورهم لا يوصف, كان فيهم اللي بيعيط من الزعل واللي بيرقص من الفرح واللي مذهول من اللي بيحصل. العالم اللي عرفوه بينتهي, و حياتهم اللي عاشوها ووطنوا نفسهم انها حتستمر كده لغاية مايموتوا بتنتهي للابد.  ولكن  حتي مع كل التغيرات الرهيبة دي فضل اللي بيتوقعه نوستراداموس امر مستحيل التحقيق في مخيلة اي واحد عاقل. مال نهاية الاتحاد السوفيتي ومال نشوء دولة إسلامية موحدة وقوية, لدرجة انها تدخل في معارك مع الغرب المسيحي تهدد فيها عواصم غربية زي المدينة ذات التلال السبعة وخلافه. وحتي بعد كده بكام سنة لما الواحد اتخرج وسافر للدراسات العليا في بلاد الفرنجة,  و حصلت حكاية انفجار مركز التجارة العالمي الأولانية, وابتدينا نسمع تاني اسم عمرعبد الرحمن. اللي سمعنا عنه واحنا عيال صغيرين في قضية قتل السادات, مربطناش بين الامرين. لكن لما حصلت الحادثة التانية بعدها بتسع سنين علي مااذكر,  و كر بعدها غزو افغانستان والعراق, وفجأة علي حين غرة بصينا لقينا في جماعات إسلامية البعض بيسميها جهادية والأخر بيسميها إرهابية بتدخل في صدام مباشر مع الغرب, بما يستدعي ان الجيوش الغربية تييجي بشكل مباشر في الشرق الأوسط, حسيت لأول مرة أن الكلام اللي قريته وأنا صغير مش مستحيل الحدوث. صحيح لايزال مستبعد جدا، لأنه ايه اللي جاب قوي الغرب الجبارة مع شوية جرابيع قاعدين في تورا بورا والا جيش منهار في صحراء العراق؟ وفعلا لما تحقق الانتصار الكامل للغرب, ابتديت أحس ان فعلا كل النبوءات اللي قريتها زمان بتبعد أكثر وأكثر.

و لكن بعدها بسنوات, بدأ الربيع العربي, وابتدينا لأول مرة نشوف حكومات إسلامية في قلب العالم العربي, في مصر وتونس. وابتدينا نشوف الجهاديين اللي كانوا بيقولوا عليهم لغاية أول امبارح إرهابيين, بيقلبوا نظام القذافي (مع التحفظ في توصيف ماحدث هناك بأنه ثورة).  و بدا فجأة كما لو كانت ايران حتفلت ببرنامجها النووي, وأنها مش حتضرب من إسرائيل أو أمريكا زي ماكانت كل الناس فاكرة. ومعني كده انها مش حيحصلها زي ماحصل لمصر أيام محمد علي ولا للعراق أيام صدام حسين ولا حتي لإيران نفسها أيام مصدق, لما حاول حاكم كل بلد من البلاد دي انه يعمل نهضة مستقلة في بلاده ويستقل عن الغرب. بمعني آخر, ابتدينا نشوف لأول مرة من أحقاب طويلة دول عربية وإسلامية بتخطوا أول خطوات الاستقلال عن الغرب. صحيح باشكال مختلفة, وصحيح مفيش لغاية دلوقتي أي بوادر انه حيحصل بينها وبين بعضها وحدة, لكن لأول مرة يصبح اتحادها أمر وارد, ولو علي المدي المتوسط, وبالتالي تصبح النبوءات اللي بتتكلم عن صدام بين دول إسلامية موحدة وبين الغرب أمر قابل للتحقيق او التصور.


فجأة بدأت الصورة تتضح لواحد عاش الاحداث دي كلها من اول طفولته في نهاية السبعينات الملتهبة و بداية الثمانينيات المتجمدة لنهايتها الساخنة. وصولا لتسعينيات الارهاب و الفينات الحروب و تينز الربيع العربي وصعود ايران. اي حد يتوقف شوية صغيرة عن متابعة الأحداث يوم بيوم, و يبعد بره الاحداث الصغيرة اللي بتحصل ساعة بساعة. أي واحد ياخد خطوة لورا ويحاول ياخد لقطة بانورامية لأحداث الأربعين سنة اللي فاتت من علي بعد تلاتين الف متر زي مابيقولوا, حيلاحظ ان الامور بتسير في اتجاه صار معاه تحقيق نبؤات نوستراداموس ممكن. واصبح فيه الكلام بتاع سفر دانيال والابوكاليبس و احاديث المهدي المنتظر بنوعيها السني والشيعي و نزول عيسي محتمل جدا, بعكس ماكان أي حد عاقل ممكن يتوقع في السبعينات او الثمانينات, او حتي التسعينات.  فلما المتفرج اللي عمال يتابع الدراما البشرية دي من بعيد وهوه مابيشاركش فيها يكون هوه نفسه مر بتحولات فكرية وفلسفية خلته يشك في صحة الأديان, وبالتالي في النبوءات اللي جاءت بيها. وبعدين يلاقي الاحداث بتمضي  بشكل مضطرد في اتجاه تحقيق النبوءات دي, لازم ان دماغه يتمخول و يبقي مش عارف الحقيقة فين. علي راي نوستراداموس مابيقول في أحد رباعياته: ضجة بشرية هائلة ضجة بشرية هائلة ضجة بشرية هائلة. ربنا يتمم اللي فيه الخير.  

Sunday, November 11, 2012

قدر التاريخ


علي الرغم ان محصلة المعرفة الانسانية بتزيد عموما مع مرور الزمن علي المدي الطويل, الا انها في كثير من الفترات القصيرة او المتوسطة بتتراجع. يعني مثلا التطور من رياضيات اقليدس و فيثاغورس وامثالهم من الاغريق في عصور الانتيكا لفيزياء كوبرنيكوس و جاليليو في عصر النهضة بسيط. ولولا سيطرة روما علي المشهد السياسي بعد اضمحلال أثينا وانتقال السيادة في المتوسط لها, ولولا عدم اهتمامها بتطوير الفلسفة و الرياضيات الاغريقية من ناحية, وظهور المسيحية بطبيعتها الانسحابية اللي بتركز علي الروحانية وبتحول الاهتمام اليها من الماديات من ناحية تانية, لكان ممكن يبقي عندنا عصر نهضة في القرن التاني الميلادي, وعصر تنوير في التالت, وثورة صناعية في الرابع, وشيوعية ووجودية في الخامس, و كان زماننا دلوقتي متقدمين فكريا و علميا عما نحن فيه بالف و خمسماية سنة.

القصد هوه ان التقدم بيمشي بطريقة زيجزاج, ممكن ينحرف و يتراجع في مراحل كتيرة, لكنه في النهاية بيعاود التقدم. وده مش مقصور فقط علي التقدم المعرفي (زي مالمثال السابق بيوضح) وانما بينطبق ايضا علي الازدهار الاقتصادي,  فمثلا فيه دراسة حديثة اثبتت ان مستوي معيشة الروماني الحر في مدن ايطاليا المختلفة حتي قبل سقوط روما علي ايدي أتيلا سنة 405 ميلادية (بداية العصور المظلمة أو نهاية عصر الانتيكا) كان غير مسبوق في الارتفاع والرفاهية, لدرجة ان الأمر احتاج للانتظار لأكتر من 1500 سنة (مابعد الحرب العالمية التانية وسقوط موسوليني) لكي يعود مستوي معيشة الانسان الايطالي لنفس المستوي المتحقق في العصور القديمة. طبعا اذا ما حيدنا العوامل اللي مالهاش دخل بالازدهار الاقتصادي فيها زي دخول الكهرباء او اختراع التليفون او خلاله.

بنفس المنطق, قدرة أي امة علي التقدم الاقتصادي مرهونة بعوامل ذاتية تاريخية ملهاش دعوة بالظروف الزمنية الطارئة اللي ممكن تبالغ في القدرة دي في فترات او تعطلها في فترات تانية, لكنها علي المدي الطويل مش حيكون لها تأثير كبير. العوامل دي بتتلخص في الامكانيات البشرية (عدد السكان) و الانتاجية (القدرة التعليمية او الثقافية للسكان). وبالتالي الامم ذات الرصيد العظيم في الجانبين دول (زي الصين والهند مثلا) ممكن تعيش في التخلف لقرون طويلة لاسباب مختلفة تتراوح بين تخريب الاستعمار المتعمد لمواردها ونهبها من ناحية, والتناحر الداخلي من ناحية تانية, بس علي المدي الطويل حتعود للتقدم والريادة زي ماكانت بتشكل حضارات عظيمة من آلاف السنين بفضل امكانياتها الطبيعية وطاقاتها البشرية اللي بتتفوق بيها علي كل منافسيها.  أما الدول محدودة الامكانيات اللي اتحطت بشكل مصطنع في الصدارة, اما علشان كان لها دور استعماري رئيسي (زي بلجيكا أو البرتغال مثلا) او لوجود بعض الثروات الطبيعية (زي معظم دويلات الخليج) فدي حترجع تتحط في مكانها الصحيح في نهاية المطاف لما التوازن طويل المدي ياخد مجراه. وبالفعل, أي تقرير اقتصادي متوازن دلوقتي, حتلاقيه بيقولك أن "النمور الاسيوية" بقيادة الصين والهند هيا مركز الازدهار الاقتصادي القائم والقادم, وان أوروبا في كساد وأفول مستمر.

لو طبقنا نفس المعايير دي علي منطقة الشرق الاوسط, حنلاقي أن الدول اللي قامت فيها حضارات قديمة مزدهرة (زي الحضارة الفرعونية حول وادي النيل, او بابل وأشور حول دجلة والفرات او فارس علي الهضبة الايرانية, أو بيزنطة في آسيا الصغري) هيا نفس الدول المرشحة للازدهار علي المدي الطويل (مصر, العراق, ايران, تركيا) علي الترتيب. بينما الدول الصغيرة قديما (اسرائيل أو يهودا في كنعان, البحرين في هجر) اللي كانت امارات صغيرة وهامشية في الماضي ممكن تحت ظروف خاصة (مصالح الدول الكبري في حالة اسرائيل الحديثة في فلسطين, او اكتشاف البترول في حالة الامارات والكويت وقطر والجزء الشرقي من السعودية في هجر التاريخية) ممكن جدا أنها تصعد سياسيا وعسكريا لفترة طالت أم قصرت. لكن علي المدي الطويل الدول ذات الامكانيات البشرية والطبيعية هيا اللي حتكون لها السيادة علي المدي الطويل. الكلام ده مش موجه ضد حد و مش مقصود منه محاولة تكسير مقاديف الدول الصغيرة المزدهرة حاليا (والمضمحلة مستقبلا) او رفع معنويات الدول المأزومة حاليا (السائدة مستقبلا) وانما هو محاولة لاستلهام التاريخ من أجل تفسير مايجري حاليا من محاولات مستميتة لبعض الدول الصغيرة لاعاقة مسيرة العودة الطبيعية للدول الكبيرة الي مكاناتها القيادية, واستشراف للمستقبل المحتوم لهذه المحاولات. واللي متشكك يروح يقرا التاريخ ويشوف ازاي الأشوريين دهسوا اسرائيل القديمة, وازاي الفراعنة, وبعدين البابليين واخيرا الرومان خدوا يهودا غسيل ومكوة رايح جاي. (وان كانت الحكاية دي هيا اللي أنتجت لنا الديانات التوحيدية التلاتة ولكن لذلك حديث آخر)  

Friday, November 9, 2012

حول المؤامرة الذكورية لفرض الحجاب


هل الحجاب مؤامرة خبيثة من الرجالة علي الستات بيحاولوا بيها يهمشوهم في الحياة و يحولوهم الي كائنات من الدرجة التانية؟ علماء الانثروبولوجي بيقولولنا ان اي سلوك اجتماعي هو محاولة للتأقلم مع وضع معين, وده ممكن يتم تغليفه في قالب ديني لاكسابه القداسة والاحترام اللازم لكنه في النهاية ماهو الا نتيجة العبقرية الجمعية للبشر اللي عايشين في المكان ده, واللي شافوا انه السلوك ده هوه أفضل طريقة للتأقلم مع ظروفهم البيئية. وهكذا ممكن نلاقي شعوب مختلفة ابتكرت تأقلمات مختلفة مع نفس الظاهرة, لأنها بتعني عندها 
.حاجات مختلفة

زي مثلا طقوس البلوغ والتعامل مع الحيض عند القبائل البدائية اللي بتعيش في اماكن مختلفة, لأن المتوقع من الجنسين بعد المرور بالمرحلة دي حاجات مختلفة. فيه علي سبيل المثال قبائل في استراليا الحياة قائمة علي الحرب, والجنسين متوقع منهم يشاركوا في الحرب لتعظيم فرص الفوز في المعارك, وبالتالي بتتكون "طقوس العبور" لكلا الجنسين من اختبارات قتالية تتقطع فيها شرايح من الجلد او تتربط فيها صخور بالايدين والرجلين ويحاول المراهق او المراهقة الجري بيها لاثبات صلابتهم. في المقابل مثلا, فيه قبائل تانية في وسط افريقيا الحياة قايمة علي الزراعة, وبالتالي "طقوس العبور" بتختلف من الولاد للبنات لأن الاولانيين لازم يتعلموا الصلابة والشدة فتتمحور اختباراتهم حول القدرة علي التحمل بينما البنات بيقوموا بدور تقليدي في تنشئة الاطفال, وهكذا البنت من وهيه عندها خمس سنين تقريبا بتتمرن علي انها تبقي بيبي سيتر لأطفال الجيران وبتزيد مسئولياتها تدريجيا لغاية ماتوصل سن البلوغ حيث تطلق لها الحرية الجنسية كاملة وتنزع عنها المسئوليات حتي تحمل وتبدأ في تكوين اسرة, وعندها تكون مستعدة بما تلقته من تعليم في طفولتها.

الأمثلة كثيرة وممكن نذكر منها أيضا رد فعل قبائل استراليا من ناحية, وقبائل الاباشي في امريكا من ناحية تانية علي ظاهرة الحيض: الاولانيين بيعتبروها نجاسة وبيرغموا البنت انها تروح تقعد في بيت في الغابة وتعتزل المجتمع كله طول الفترة دي, والتانيين بيعتبروه بركة, لدرجة ان الكهنة بيحاولوا يمشوا علي ركبهم بين رجلين البنات اول مايجيلهم الحيض عشان يستخدموا الدم المتساقط في شفاء المرضي ومباركة القرية. أنا مش فاكر ليه رد الفعل مختلف لأني مش متخصص في الانثروبولوجي ولأني قريت الكلام ده من زمان, بس اللي يدور أكيد حيلاقي ان بيئة الاستراليين بتخلي المرأة الحائض عبء علي المجتمع بشكل او بآخر, فالعبقرية الجمعية طورت اسطورة انها نجاسة وعزلتها, بينما البيئة في أمريكا الشمالية تتطلب مشاركة الحائض بشكل ايجابي في حركة الحياة, فتم تكريس طقوس تكريمها والتبرك بيها. فالمقصود هو ان نفس الظاهرة الفسيولوجية بيتم التعامل معاها بأشكال مختلفة, مش عشان حد مستقصد حد, وانما عشان التأقلم مع البيئة يتطلب كده.

لو انتقلنا لادياننا التوحيدية وسألنا نفسنا ليه ربنا شرع الختان؟ او بالأدق ايه السبب اللي ادياننا بتقولنا ان ربنا شرع الختان من أجله؟ حنلاقي ان ده موروث من ايام سيدنا ابراهيم و فضل ماشي مع الانبياء اللي بعد كده, يعني مابدأش مع الاسلام. وبينما حتلاقي تفسيرات (علمية) حدبثة كتير بتتكلم عن الفوائد الصحية للختان وبعضها قد يكون صحيح (انا مش دكتور فمأقدرش أحكم) مش دي الحكمة الاخلاقية من التشريع. الفكرة (حسب اللي الديانة اليهودية بتقوله) ان ربنا كان بيعمل مع ابراهيم عهد أو ميثاق,  الميثاق هوه ببساطة ان المؤمنين يعبدوا ربنا و لايشركوا بيه شيئا في مقابل انه يبقي "الرب" بتاعهم بمفهوم الربوبية الذي يعني التزام الرب بحماية شعبه من أعدائهم والتكفل برزقهم. ولأن أي عهد لازم يتكتب في وثيقة وبتختم بختم الدمغة عشان يبقي ساري المفعول, اشترط الرب علي ذكور أبناء سيدنا ابراهيم (لأن الذكر هو المنوط به العمل والكد نيابة عن اسرته) أن أهلهم يعملوا فيهم وشم او سمة أول مايتولدوا في مكان معين من أجسامهم (الختان) للدلالة علي "تكريسهم ودخوله في هذا العهد. وحكاية ورقة الدمغة الملزوقة علي الجسم كتوثيق للعهد مع الخالق او المعبود دي حاجة منتشرة في كل الديانات علي فكرة, يعني المسيحي اللي بيدقوله الصليب علي رسغه لما يتولد أو عابد الشيطان اللي بيوشم البافومت علي دراعه, بيؤكد بشكل رمزي علي "الميثاق" او "العهد اللي بينه وبين معبوده, ودي حاجة مهمة نفسيا لأنها بتفكرك باستمرار بالعلاقة, وبالعهد, فبتسيرفي حياتك اليومية مطمئنا الي اتصال علاقتك بخالقك ايا كا فهمك لهذه العلاقة.
كل "العادات" الدينية يمكن فهمها خلال نفس الاطار,  يعني حلق العانة و نتف الابط وارخاء اللحية وحف الشوارب عند الراجل, و تغطية اجزاء معينة من الجسم عند الجنسين (مابين السرة والركبة عند الراجل, والبدن كله ماعدا الوجه والكفين عند المرأة) هو نوع من الوشم او الختم اللي المؤمن بيفكر بيه نفسه بااستمرار طول اليوم بعلاقته بربنا, و بالعهد او الميثاق الايماني بينه و بينه, كل ما في الأمر انه تطور من وشم محفور في الجسم (الختان) الي تغيير الاستايل بتاع شعر الوجه والجسم في الحالة الاولي, ولبس اردية او ثياب معينة في الحالة التانية.  وحاليا لو بصينا حوالينا مش حنلاقي دين بيخلوا من ممارسات مشابهة, ابتداءا من الرجالة السيخ اللي لازم يلبسوا عمة و يسموا نفسهم سينج للرجالة اليهود اللي لازم يلبسوا الياماكا او الستات اليهود الاورثودوكس اللي بيلبسوا هدوم طويلة فضفاضة.

وطبعا ده التفسير الديني اللي بيتقالنا انه السبب في السلوك ده, لكن لو عايزين التفسير العلمي, يبقي لازم نرجع للفقرات الثلاثة الاولي من البوست ده ونحاول نلاقي اسباب مجتمعية حتمت كل من السلوكيات دي: حتمت الياماكا علي اليهود والعمة علي السيخ والحجاب علي المسلمات واليهوديات وهكذا. باختصار الحجاب عند النساء المسلمات هي ظاهرة تأقلم اجتماعية سلوكية حتمتها ظروف بيئية معينة في عمقها الأبعد, وهي في نفس الوقت ظاهرة سيكولوجية دينية تحاول أن تجعل الملتزم بيها يشعر بانتماؤه الي مجموعة سكانية معينة لها امتيازات روحية خاصة مع الخالق. يعني في كل الاحوال مالهاش دعوة بالقهر او "الذكورية" او اي حاجة من اللي اخواننا "التقدميين" شاغلين نفسهم بيها. أه ممكن نتناقش في هل دي طفولة عقلية والا لأ, آه ممكن نفكر هل الانسان المعاصر محتاج لكل هذه العكاكيز النفسية لكي يستمر في التمتع بالصحة النفسية والا لأ, آه ممن نقول انه أيا كانت الظروف البيئية اللي تطلبت ان النساء في الشرق الاوسط قديما يتحجبوا زالت, وبالتالي أصبح هذا النوع من التأقلم البيئي لا مبرر له. لكن المؤكد انه مافيش "مؤامرة خبيثة" من الرجالة علي الستات انهم يغطوا جسمهم والا حاجة ابدا من التصورات الخزعبلية اللي اخواننا الفيمينست شاغلين نفسهم بيها ليل ونهار.