حفار الفبور
تعلمون مدي غرامي بقصص الأشباح. وهكذا فقد اتفق منذ بضعة
سنوات ان كان لي صديق يعمل حفارا للقبور فسألته يوما عن أغرب شيئ رأه .ففكر
لهنيهه ثم قال: مات يوما ذلك الرجل الذي كان ملء السمع والبصر, اقتصادي لا يشق له
غبار,.و
رائد من رواد المشاريع الخيرية التي تسير بأخبارها الركبان.مات
من اثر أزمة قلبية اصابته فاخترمه الموت و هو في نهاية الاربعينات لم يزل. و بعد اقامة القداس و طقوس الدفن التي حضرها
رموز الدوله وعلية القوم و بعد ان قيلت كلمات التأبين و تبودلت التعازي
انصرف الناس و تركوا التابوت المحتوي علي جثة المتوفي بجوار القبر لكي نقوم نحن
الحفارون بانزاله و بعد دقائق معدودة, وصلت الي المكان سيارة سوداء فارهة,
ونزلت منها امراة رائعة الجمال, ترتدي ملابس الحداد السوداء و ونظارة شمس كبيرة
كأنها تتعمد بها اخفاء ملامحها. الا ان
قوامها و ما بدا من وجهها من خلف النظارة نما عن جمال بارع. و نزل خلفها شاب مفتول
العضلات يرتدي بنطال جينز ضيقا و تي شرت يظهر عضلاته و تقدم الاثنان حتي
وصلا الي التابوت وبدأت المرأة في الحديث الي المتوفي حديثا فهمت منه انها زوجته.
الا أن الحديث لم يكن رثاء زوجة مكلومة لزوجها, او حنينا تبثه لجثمانه المسجي بعد
أن فارق الحياة. كان سبابا و شتما ينضوي علي وصف معاكس تماما لما اشتهر به
الرجل في حياته العامة من حسن خلق و اريحية. و اختتمت المرأة وصلة السباب بأن ركلت
التابوت عدة ركلات و بصقت عليه و هي في قمة الانفعال, قبل ان يجذبها الشاب
الواقف بجوارها و يلتحم معها في قبلة عميقة ملتهبة, لم تدع مجالا للشك في انه
عشيقها و بعد فترة قصيرة من الصمت, بدء الاثنان في السير نحو السيارة في
صمت حتي ركباها و اختفيا عن الانظار, و بعدها قمت أنا بانزال التابوت في حفرته, ثم
أغلقت القبر بالغطاء الخراساني المخصص لذلك الغرض. انتهت القصة و وغادر
صديقي حفار القبور المكان, وبالرغم من خيبة أملي المبدئية لأنه لم يقص علي مسامعي
قصة من قصص الاشباح كما كنت أرجوأ الا انني طفقت افكر في مغزي القصة, و تبادر الي
ذهني معنيين علي الفور: أولا, ليس كل شيئ
كما يبدوا في الظاهر, وعلي كل منا أن يصل الي تقييمه الشخصي لأي شأن, بعيدا عما
يراه الاخرون. فهذا الرجل أجمع علي خيريته و فضله الناس, الا ان امراته و
أقرب الناس اليه تري عكس ذلك, و بغض النظر عن صحة مزاعمها من عدمه, فان الدرس
المستفاد هو نسبية الاشياء, وقابليتها للاظهار بمظهر القبح او الجمال اذا ما غيرنا
المنظور الذي نراها من خلاله. الأمر الثاني هو عبثية الحياة, و عموم الشقاء لكل
الناس, حتي من نظنه ناجحا متنفذا في حياته. فهذا الرجل يحسبه الجميع سعيدا في
حياته بما حقق من مال و شهرة وسمعة طيبة, و لكننا نعلم الان انه كان محط حقد و
كراهية و خيانة اقرب الناس له (سواء استحق ذلك ام لا فهذا مبحث اخر). و لكن المؤكد
انه عاش حياة شقية كغيره من البشر, برغم ما ملك من الدنيا و زينتها.
مصرع السفير
عارفين ايه المأساة اللي انا شايفها في مقتل
كريس ستيفنز في بنغازي؟ شايف مأساة محمد ابراهيم بن يحيي و كونت برنادوت و غيرهم
من الدبلوماسيين المغتالين بتتكرر مرة عاشرة. أشخاص عاديين عديمي الموهبة, كل ما
عندهم هوه النظام و العمل الشاق اللي وصل كلا منهم لقمة الهرم الوظيفي في مجاله. مفيش
قدرة فذة علي التأليف الموسيقي زي سيبيليس او موتسارت, مفيش عبقرية التفكير في
قوانين كونية تفسر العلاقة بين الاشياء زي اينشتين او بوهر.مفيش اندماج الخيال مع
سعة القلب مع استشراف المستقبل اللي يخليهم ياسسوا دين زي محمد او يسوع او بوذا.و
بالتأكيد مفيش القدرة علي استحضار اعماق النفس البشرية مع اجادة التعبير البصري و
السمعي اللي بيؤثر فيها في الصميم زي كيوبريك. فعشان يخشوا التاريخ و الناس تفتكرهم كان لازم
يموتوا موتة بشعة عشان يعلقوا في الذاكرة لكام يوم .لان مفيش اي عمل خالد او اثر
باقي ممكن يخلدهم في المخيلة الجمعية زي أقرانهم المبدعين. مع اننا لو تابعنا
سيرتهم الذاتية حنلاقيهم كانوا طلبة مثاليين و موظفين منضبطين, حازوا رضا رؤساءهم
و استحقوا الترقي لأرفع "الدرجات". بينما الموهوبين اللي ذكرتهم مفيهمش
واحد الا و كان عنده مشاكل مع مجتمعه, يا اما كان طالب خايب, يا الناس بتعتبره
مجنون و في كل الاحوال انسان فاشل. و ده يبين مأساة الغالبية الساحقة من الجنس
البشري: الاضطرار للحياة زي التور المربوط في الساقية و اللي مسيره الدبح في
الاخر, لكي يتذكره التاريخ لأيام معدودة قبل ان يلقي به في مزبلته الابدية. يا
حسرة علي العباد الا من رحم ربي من الموهوبين.
..أبيقور---
و دواءه الرباعي
ياللا عشان اعرف اخش انام خليني اشرح مقولة ابيقور بسرعة
عشان محدش يفهمني غلط .الراجل لاحظ –زي غيره- ان القلق
و التوتر (لاي سبب) هوه اكبر منغص لحياة الانسان و مزيل لمتعته, اللي هيه طبقا
لابيقور اهم حاجة في الدنيا .فوضع المقولة دي و سماها الدواء
الرباعي كشفاء لاسباب القلق الاساسية في حياة الناس. الجزء الاول: ما تخافش من ربنا. لانه حتي لو
انتا بتؤمن بوجود اله, فلازم الاله ده يبقي متصف بصفات الكمال و منها الرحمة و
المغفرة بمعني انه مش بيخلقك و يوهبلك الحياة دلوقتي عشان يرجع يحرقك في
جهنم و يطلع دين امك لمجرد انك استجبت للاغراءات اللي هوه حطها في سكتك و
المقصود ان صحيح الايمان يتضمن الاعتقاد برحمة الخالق و انه مش حيتلذذ بتعذيب
الخلق يوم القيامة فما تخافش من النقطة دي .الجزء التاني: ما تقلقش من
الموت. لان الموت معناه العدم يعني اختفاء الاحساس, وبالتالي الوجود في هذه الحالة
لن يصحبه اي الم او شقاء, أما ما بعد الموت (ان وجد) فلا خوف منه هو الاخر
لأنه سيكون محكوما باله رحيم كما سبق توضيحه في النقطة السابقة. الجزء التالت:
الحاجات الكويسة سهلة المنال: سنلاحظ ان شقاء الانسان راجع من رغباته في الحصول
علي اشياء او تحقيق اهداف معقدة .بيشقي في سبيلها و يشتغل زي
العبد عشان يحققها, بينما قليل من التفكير حيبين انها كلها كماليات ملهاش لازمة.
يعني اخونا في الله ديوجين .كان بينام في برميل و ياكل من
الزبالة, وده كان بيفي باحتياجات جسمه البيولوجية, في الوقت اللي بيستمتع فيه
بالشمس والهوا والميا ببلاش زي بقية الناس. و لكن استغناءه عن الكماليات التي لا لزوم لها (البيت, الدابة, الاكل
المعقد الطبخ , الفلوس, الخ) حرره من الشقاء و العبودية, خلاه انسان حر وسعيد,
غير مستعبد لشهواته, وقادر علي تكييف حياته بالشكل الذي يريده, بعد ان قصر
احتياجاته و مطالبه علي الاشياء المشاعية المجانية او شبه المجانية للجميع. الجزء
الرابع والاخير: الحاجات المهببة من السهل تحملها: لانها اما شديدة الوطأة وقصيرة
المدة (زي فقدان الاحبة, والامراض الحادة و خلافه) .أو خفيفة الوطأة و طويلة المدة (زي
الامراض المزمنة والفقر و خلافه) مما يمكن تحملها علي المدي الطويل. و لكن يستحيل
ان تجد شيئ مهبب يجتمع فيه شدة الوطأة مع طول المدة. .فاذا
تخلص الانسان من قلقه من الموت, وخوفه من عقاب وغضب الرب عليه, و عرف ان ما ينفعه
سهل المنال و ما يضره سهل الاطاقة, زال قلقه و استدامت سعادته,
و حق له ان يعد نفسه من الفلاسفة الايبيقوريين, وحسن أولئك رفيقا