Sunday, February 26, 2012

كارناب و العفاريت والوضع السياسي الراهن في مصر


رودولف كارناب هو اشهر وجه في دائرة فيينا, اللي أنتجت لنا "الايجابية المنطقية ", اللي ممكن نسميها فلسفة العلم. الفلسفة دي    بتقول ان الكلام في الميتافيزيقا او في الاخلاقيات والمسائل التي تتعلق باصدار أحكام قيمية تعتمد علي التقدير الشخصي للأمور هي ضروب مختلفة من اللغو. لان الأحكام اللي بنصدرها لايمكن تخطئتها اواثبات صحتها بشكل عملي او نظري. وبالتالي مجرد بذل الجهد في هذا الاطار هو تضييع للوقت. يعني مثلا لما اجي اختبر عبارة زي "القتل حرام" او "السرقة خطيئة" مش حلاقي تجربة عملية او برهان رياضي يبين صحتهم اوخطأهم. لكن لما اقول "شرب الدخان يسبب السرطان" ممكن اصمم تجارب علمية او وبائية تثبت صحة او خطأ العبارة.

. والخلاصة ان هناك نوعين من العبارات هما اللي يستاهلوا ان الواحد يبذل اي جهد في مناقشتهم ومحاولة اثبات صحتهم من خطأهم: النوع الاول يصف الحقائق التي يمكن اثباتها نظريا دون تجربة عملية, عن طريق البراهين الرياضية البحتة, زي نظرية فيثاغورث , اللي بتؤسس وتوجد براهين نظرية لفكرة ان المربع المنشأ علي الوتر في المثلث القائم الزاوية يساوي مجموع المربعين المنشأين علي الضلعين الاخرين, فعشان اثبت ده يكفي البرهان الرياضي المعروف دون الحاجة الي رسم ألاف المثلثات القائمة الزاوية وقياس مساحات المربعات المنشأة علي اضلاعها. أما النوع التاني من العبارات فيصف الحقائق التي لايمكن اثبات صحتها نظريا, وانما يتطلب الاتبات اجراء تجارب عملية يمكن الاعتماد علي نتائجها لاثبات صحة أو فساد النظرية.  وده بيفضل دايما اثبات مؤقت (بعكس النوع الاول من الحقائق), لانه ممكن تييجي تجارب اخري مستقبلية تثبت العكس.  وهي دي طبيعة العلم (بالمقارنة بالرياضيات) انه قابل للتخطيء زي ماقال بوبر قبل كده. وأبسط مثال علي ذلك قوانين الوراثة, اللي بتتحكم في كيفية نقل الخصائص الظاهرية والتركيب الخلوي من كائن الي ابناءه عن طريق التزاوج مع كائن اخر. القواعد دي لا يمكن التوصل اليها بشكل رياضي نظري بحت, وانما يتوجب اجراء العديد من التجارب المعملية لافتراضها مبدئيا ثم اثبات صحتها بعد ذلك.

اخونا كارناب ده بقي كان مهتم جدا بالعفاريت والغيبيات, فلما الناس قالتله ازاي تبقي انتا ابو المنطق المادي كله وتؤمن بالكلام الفارغ ده, قالهم انا لسه مش مؤمن بيه, انا مجرد اني مهتم اني اتقصاه, لان فيه كم لا يمكن اهماله من الادلة العملية علي وجوده, والي ان يثبت لي العكس مااقدرش انفيه. ولو طبقنا المنهج ده علي معظم النظريات السياسية, أو حتي الاقتصادية, حنلاقي ان معظمها يقع خارج اطار نوعين الحقائق الموضحين أعلاه. يعني مثلا لا يوجد برهان رياضي لاثبات ان نظام الديمقراطية التمثيلية أنجع او أكثر تحقيقيا لسعادة المجتمعات من الأنظمة الشمولية. وبالمثل مافيش تجارب عملية أقدر أصممها علشان أثبت ان الملكية الخاصة شر او ان الشيوعية هي الاصلح لتوزيع الثروات. وفي الواقع ان أتباع كل من هذه النظريات بيعتنقها لأنها اما بتصادف هوي في نفسه وتلائم تركيبته النفسية من جهة, او لانها بتضمن تحقيق وضع مجتمعي افضل له حسب حالته النسبية. عشان كده نلاقي معظم الطبقلت العاملة أو المهمشة أكثر تحبيذا للنظم الشيوعية او الاشتراكية لانها حتضمنلها حد أدني من الثروة والحياة الكريمة. بينما معظم كبار الملاك يفضلوا النظام الرأسمالي, لأنه حيتيح لهم الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الكعكة. ومش معقول طبعا أن "منطق" الاشتراكية مقنع لعقول الفقراء, بينما "منطق" الرأسمالية مقنع لعقول الأغنياء. لكن المعقول هو أن لا الاشتراكية ولا الرأسمالية بكل أطروحاتهم النظرية والفلسفية يرقوا الي مرتبة الحقائق من النوع الاول او الحقائق من النوع الثاني المشار اليهم في الفقرتين الاولانيين. وانما هما –كما هو الحال بالنسبة لباقي النظريات السياسية والدينية- مجرد عبارات انشائية وكلام مرسل لا يستحق ان يبذل الانسان أي جهد في محاولة اقناع الاخرين به أو الدعوة اليه. بالعربي هو مجرد "اشتغالة" بيشتغل بيها الانسان عقله عشان يقنعه بالحاجة اللي حتريحه اكتر أو اللي بيحبها وبيفضلها بشكل فطري. وعلي ذلك مفيش في الصراع بين الافكار المتعارضة دي صح وغلط. وانما هي مجرد صراع ارادات وقدرات.
 هو ده المنهج اللي اي حد عقلاني ومتسق مع نفسه لازم يلزم نفسه بيه في رؤيته وموقفه من الوضع السياسي الراهن في مصر. اما انني امتلك الوسائل اللازمة لإتمام التغيير المنشود علي الارض او انني افتقد هذه الوسائل. اذا كنت امتلكها يبقي عليا اني ابتدأ فورا ودون ابطاء في احداث التغيير بنفسي دون انتظار برلمان او دستور او رئيس.  اما ان كنت افتقدها وهذا ما احسبه حال معظم القوي الثورية حاليا علي الساحة, فيبقي قدامي برضه واحد من حلين: يا اما ابحث عن احسن الاوضاع السيئة, متذرعا بان السياسة هيه فن الممكن وفي الحالة دي ابقي تحولت الي براجماتي ومابقتش ثوري, وده مش عيب علي فكرة. يا اما اذا كنت مثالي  ومخلص لمبادئي, ولا ارضي بالحلول الوسط, وعايز أطبق نظريتي (اللي بأشتغل بيها نفسي) تطبيق كامل بحذافيرها,  يبقي انسحب من مجال الفعل الي ساحة الاعداد والتحضير والتجهيز لحين حلول الوقت المناسب للحركة. أما لطم الخدود وشق الجيوب والبكاء علي اللبن المسكوب, فلا طائل من ورائه. بالضبط زي ما مفيش طائل من ورا محاولة "افحام" الطرف الاخر, أو "اثبات" صحة نظريتي ورؤيتي للطرف الثالث. لأن لا أنا نظريتي اقل فسادا من نظرية الأخر, ولا الطرف الثالث عنده استعداد يسمع اللي انا او الاخر بنقوله اصلا. الطرف التالت غالبا بيمشي ورا اللي فيه مصلحته, أو اللي بيدغدغ غرائزه, ويداعب مخيلته. والشاطر فينا (أنا و الاخر) اللي يقدر يظبط نظريته بحيث تلاقي هوي في نفس الطرف التالت. ساعتها اللا منطق حيتحول الي منطق, ومالا سبيل لاثباته حيغدوا "حقيقة علمية".   

Sunday, February 19, 2012

ألعنف والسلمية من داروين الي هايدجر


 القناعة الراسخة في دوائر علمي الاحياء والاجتماع ان انماط السلوك البشري يمكن جدا تفسيرها طبقا لنظرية التطور بتاعة داروين, واللي فضلت مجرد نظرية دون اثبات لغاية ما واطسون وكريك اكتشفوا التركيب الجزيئي للحمض النووي قرب منتصف القرن العشرين, وأصبح من الثابت علميا ان النشوء والارتقاء اللي افترضه داروين فعلا بيحصلوا وان كان علي مستوي الجين وليس علي مستوي الكائن الكامل زي ما داروين كان فاكر الأول.  النظرية دي بتقول ان المحاولات المتصلة منذ بدء الخليقة للمورثات (الجينات) لإيجاد نسخ جديدة منها, ادت لحدوث طفرات تركيبية قابلة للتوريث. وطبعا كل طبعة مختلفة لها اداء وظيفي مغاير قليلا للطبعة الاولي, فبيحصل تنافس بين كل الكائنات المحتوية علي الطبعات المختلفة علي الموارد المحدودة في البيئة المحيطة.  وهذا "الصراع من اجل البقاء" بينتهي الي بقاء الكائن "الاصلح" وهو الكائن المحتوي علي أكثر الطبعات قدرة علي التنافسية بنجاح.  وده في نظر التطوريين هو المحرك الاساسي لتعقد الحياة علي كوكب الأرض من اول ما ظهرت الاميبا علي المسرح, حتى دخول الانسان الي حلبة التنافس.  و "الوظيفة" اللي كانت في البداية مجرد تفاعل حيوي, او قدرة علي التهام وتمثيل نوع جديد من الغذاء, تطورت لأنماط سلوكية معقدة بتقوم بيها الكائنات المتطورة "زي الانسان", وهيا بتعتقد انها بتصدر عن معتقدات فكرية او دينية, بينما في الواقع هي محاولة مستترة للبقاء.

 ومن هنا يمكن النظر للسلوكيات القطبية المختلفة, زي العنف والسلمية او الكذب والصراحة الخ لا كتوابع لمعتقدات فلسفية أو دينية, ولكن كاستراتيجيات تطورية للبقاء. الاستراتيجيات دي لها فرص مختلفة في النجاح او الفشل حسب الظروف البيئية, وحسب مقومات الكائن اللي بيتبناها علي مسرح الاحداث.  وخلينا دايما نتذكر انه بما ان التطور بيحصل علي مستوي الجين وليس مستوي الكائن, فان الاخير مش مهم انه يبقي ويعيش, المهم هو بقاء الجينات اللي الكائن ده بيمثلها وبيحملها.  فاذا فيه كائن مات وهوه عنده 20 سنة بعد ما مرر 100 نسخة من جيناته يعتبر نجح,  واذا كائن مات وعنده 20 سنة وما مررش ولا نسخة جينية, بس موته ادي الفرصة لابناء عمومته وعشيرته "اللي فيه فرصة عالية جدا انهم بيحملوا نفس جيناته" انهم يمرروا النسخ دي باعداد كبيرة يبقي نجح تطوريا, اكتر من كائن عاش 500 سنة ومامررش غير عشرة اتناشر نسخة. وده يفسر الرغبة في الشهادة والدفاع عن الاسرة او القبيلة او في سبيل المبادئ اللي بنشوفها عند أتباع الاديان او القوميات المختلفة.

وهكذا اذا نظرنا لثنائية العنف والسلمية السلوكية, حنلاقي انه في مملكة الحيوان دول استراتيجيتين تطوريتين ناجحين جدا, بس اللي بتستخدمهم كائنات مختلفة علي مسرح الحياة. الحيوانات الضعيفة عارفة انها متاكلة متاكلة, فبتطور اجهزة تكاثر متقدمة جدا, تضمن انه مهما اتاكلت منها اعداد كبيرة, حتفضل برضه نسخ كتيرة موجودة تحفظ الجينات المكونة من الانقراض. الوحوش القوية علي الجانب الاخر, ملهاش اعداء طبيعين كتير نظرا لقوتها المفرطة, وبالتالي مش محتاجة تتكاثر كتير, لانها دايما بتتغلب علي فرائسها في أي صراع, ولذلك فتكفي طرق التكاثر العادية للاتيان بعدد محدود من الافراد المحتويين علي نسخ الجينات لضمان بقائها.  وهنا بنوصل لحالة من التوازن الطبيعي بين الاستراتيجيتين دول, لانه لو كله بقي مسالم حتتكاثر العشبيات مثلا وحتخلص النباتات اللي علي الارض, ومش حيبقي فيه غذاء لا للحيوانات المسالمة ولا للحيوانات المفترسة. وفي المقابل لو النابيات تكاثرت جامد, حتحصل حروب دموية بين أفرادها الكتير الموجودين علي مسرح الاحداث, لأن مش حيبقي فيه فرائس كفاية. فإذن مافيش استراتيجية من الثنائي دول يمكن وصفها انها "اخلاقية" والتانية انها "لا أخلاقية", لانه زي ما شفنا جوهريا مفيش فرق بينهم: لا واحدة منهم صادرة عن "قيم اخلاقية عالية" ولا التانية منطوية علي "شر متأصل".  كله صراع مشروع علي البقاء, واذا أطلق العنان لاستراتيجية واحدة منهم دون رادع حتنتهي الحياة علي كوكب الأرض.

فإذا انتقلنا لعالم الانسان حنلاقي نفس الثنائية السلوكية: الضعيف بينتهج نهج سلمي, والقوي بيستخدم العنف المباشر, واللي نص نص ممكن يستخدم العنف بدون مواجهة مباشرة, وهو ده اللي بنسميه في عصرنا الحديث "الارهاب". وقد تختلف المسميات والايديولوجيات المستخدمة لكلا من استراتيجيتي العنف والسلمية, ولكن يبقي اطار الاستخدام الموضح اعلاه قائما عبر الازمان والعصور. جماعة اليد السوداء القومية الصربية والفوضويين اللي موتوا ماكينلي في امريكا والكونترا في نيكاراجوا والحشاشين في الشام, كلهم استخدموا العنف مع انهم قوميين واناركيين ويمينيين متطرفين وشيعة باطنيين علي الترتيب ومذاهبهم الفكرية مافيش ابعد منها. لكن يجمعهم انهم حسبوا قوتهم وقوة خصومهم في كل حالة, وتوصلوا الي جدوي استخدام العنف لتحقيق أهدافهم فاستخدموه. وفي المقابل مصر الفتاة وجماعات مناهضة العولمة وحركة الحقوق المدنية بتاعة مارتن لوثر كينج  والإخوان المسلمين في ثوبهم ألجديد كلهم اعتمدوا السلمية كإستراتيجيه  وبرضه مش عشان اي تقارب فكري بينهم أو ايمان عقائدي بأخلاقية السلمية وخسة اللجوء للعنف و لكن عشان هيه دي الاستراتيجية الانسب لحالتهم وظروف جماعتهم الخاصة, والاكثر احتمالا لتحقيق أهداف كلا منهم في ضوء ظروفه الخاصة.

 وبعدين حتي اكثر الناس سلمية بيستخدموا العنف بشكل او بأخر.  يعني مثلا معظم العلماء في العالم الغربي سلميين لكنهم لا يتورعوا عن قتل وتعذيب الحيوانات تحت مسمي اجراء التجارب العلمية بدعوي خدمتها للإنسان. طب وهي دي مش برضه حياة انتوا بتزهقوها أو بتعذبوها علي أحسن تقدير؟ عشان كده كل شوية تلاقي جماعات "تحرير الحيوانات" بتهاجم المعامل في اوروبا وامريكا لتكسير الاقفاص واطلاق سراح هذه المخلوقات "المسكينة" وانهاء "النفاق" و"المعايير المزدوجة".  والنباتيين اللي مبياكلوش لحمة علي اساس ان ده ازهاق للروح, طب وهوه النبات اللي بتاكلوه ماعندوش روح هو كمان انتوا بتزهقوها لما بتاكلوه؟  أنا شخصيا ممكن ماقدرش ادبح فرخة ولا اشوف نقطة دم بتسال قدامي, لان ده تكويني النفسي, أو بالاحري لأني في وضع لا يحتم استعمال العنف للحصول علي ماأريد.  لكني ماقدرش ادين فكريا, ولا أخلاقيا اللي بيستخدم العنف لاسباب تتعلق بالصراع من أجل البقاء,  او ايجاد مكان تحت الشمس, سواء له كفرد, أو للجماعة اللي بيمثلها.

وهنا لا اجد افضل لختام هذا الطرح من المقولة الشهيرة لهايدجر اللي هاجم بيها التكنولوجيا اللي الساسة بيروجولها كأداة "سلمية" لاطعام الجماهير وتوفير الغذاء للبشر, بينما هي في الحقيقة وسيلة تدمير لا تقل عنفا أو بشاعة عن أشد وسائل التدمير

Agriculture is now a motorized food industry, the same thing in its essence as the production of corpses in the gas chambers and the extermination camps, the same thing as blockades and the reduction of countries to famine, the same thing as the manufacture of hydrogen bombs.

Sunday, February 5, 2012

الزولو والانجليز: درس من التاريخ للثوار المصريين


اللي بيخللي خصم ينتصر و خصم ينهزم في أي نزال مش الشجاعة أو الاستبسال أو الإيمان, دي كلها عوامل مساعدة. النظام أهم شيء. فيه فيلم من أهم الأفلام في تاريخ السينما الحربية اسمه "زولو" بيدور حوالين معركة حقيقية حصلت بين القوات البريطانية وقبائل الزولو سنه 1879 وبالرغم من التفوق العددي الهائل للزولو (اكتر من 20000 مقاتل شرس مسلحين بالحراب والبلط وعدد لأبأس بيه من البنادق), مالا يزيد عن 150 جندي بريطاني مسلحين تسليح عادي جدا بالنسبة للفترة الزمنية دي هزموهم. طبعا ما حدش يقدر يقول إن السماء كانت واقفة جنب الانجليز لأنهم محتلين غزاة بيحاربوا خارج أرضهم معركة استعمارية غير عادلة.  ومش ممكن برضه نقول ان الزولو حيوانات وغير متمرسين بالقتال, لأنهم كانوا لسه مبيدين كتيبة بريطانية أضخم بكتير قبل كده بكام يوم عن بكرة أبيها, وكانوا مشهورين بالتكتيك والإستراتيجية المتميزة اللي الانجليز والهولانديين نفسهم شهدوا بيها واكتووا بنارها قبل كده.  الحكاية وما فيها إن الانجليز في المعركة دي بالذات خططوا صح, وحطوا خطة محكمة للدفاع عن ثكنتهم واستماتوا في تطبيقها وبذلك قدروا بعد خسائر محتملة إنهم ينجحوا ويصدوا الجحافل المهاجمة.  أما الزولو فاعتمدوا علي التفوق العددي المحض, وغرهم انتصارهم من كام يوم فقعدوا يرسلوا موجة ورا موجة من الجنود, دون خطة منظمة (مع ان دي ماكانتش عادتهم). وفضلت الموجات دي تباد واحدة ورا التانية,  لغاية ما قادة الزولو الميدانيين يأسوا و قرروا الانسحاب بعد 3 أيام من محاولات الاختراق غير المجدية لدفاعات الانجليز.

ألدرس المستفاد من القصة التاريخية دي للثوار المصريين النهاردة, انه لازم يكون فيه خطة ذات معالم واهداف واضحة لكل موجة من الموجات الثورية اللي بتحصل دلوقتي كل شهر تقريبا, عشان يبقي فيه أمل في نجاح أي منها.  المجلس العسكري خطته واضحة وبيطبقها بنجاح منقطع النظير حتى الآن: انسحب من الميدان وسيبه تماما للمتظاهرين يوم المليونية, وبعدين استني لما الإعداد تقل لبضعة ألاف في الأيام اللي بعد كده, واتسلي عليهم. مرة بالبلطجية, مرة بالأمن المركزي, مرة بالشرطة العسكرية, مع تشويه إعلامي متواصل بيصور الثوار كأنهم هما اللي بيخربوا البلد, وبيوقفوا المراكب السايرة.  لازم في المقابل الثوار يكون عندهم خطة واضحة المعالم ذات أهداف ممكنة التحقيق, في ضوء الإمكانيات المعروفة لكلا الطرفين. و بكده تتمكن كل موجة ثورية من تحقيق هدف او أهداف ولو صغيرة أو مرحلية.  لان ده حيزيد جدا من روح الثوار المعنوية ويحمس غيرهم علي النزول في الموجات القادمة. أما النزول بلا هدف والاستدراج للمصيدة اللي المجلس بينصبها كل مرة فهي دعوة صريحة للانتحار, ولن تأتي بنتيجة.

Friday, February 3, 2012

بورسعيد: من الجاني؟


شوفوا كنا لسه بنقول ايه من يومين,وايه اللي صبحنا فيه النهارده؟ أزاي73 شاب في عنفوان قوتهم يتقتلوا في 20 دقيقة؟ أزاي الناس اللي حموا الثورة وتصدوا للبلطجىة والداخلية في نفس الوقت يوم موقعة الجمل يتم القضاء عليهم بمنتهي البساطة والسرعة دي؟ هل الشرطة والأمن المركزي اللي خدت ديلها في سنانها إثناء الثورة قدام المتظاهرين العاديين بالشراسة دي؟  هل البلطجية اللي بيأجرهم الحزب الوطني واللا ظباط امن الدولة  وبيمشوا اول مالفلوس اللي اتدفعت لهم تخلص يقدروا يعملوا كده؟ ايه الجهة المنظمة في إي دولة اللي بتتدرب تدريب مخصوص  علي قتل الخصم؟ ايه الفرق الخاصة اللي إي دولة بتعدها للقيام بمهام القتل وليس القتال إذا احتاج الأمر لذلك؟ اللي يرجع لتويتات 29 يناير الماضي, حيلاقيني بقول ان الجيش هوه الضلع الاشرس في مثلث الثورة المضادة, واللي المواجهة الجاية معاه.  اللي حصل امبارح ده مايخرجش عن كونه عمايل صاعقة او قوات خاصة. الناس لازم تفهم ان اللي بيحصل دلوقتي في مصر, مش مختلف عن سوريا او قبل كده ليبيا, ويتصرفوا علي الاساس ده. يعملوا هدنة, يحاربوا, يماينوا, يستعينوا بصديق, يستسلموا للامر الواقع, مش شغلتي. المهم ان ماحدش يضحك علي نفسه بعد كده بخصوص الجيش.

 بالرغم من الخسارة البشرية الهائلة والثمن الفادح اللي بيدفعه الثوار من دمهم, إلا إن تضحيتهم مش حتروح هدر. قصاد كل شهيد بيموت فيه شحنة غضب بتتكون في صدر ألف مصري, منهم ميه حينزلوا يتظاهروا, وعشرة حيبقوا نازلين بنية النصر او الشهادة. قصاد كل مذبحة بتحصل في شارع واللا ملعب كورة, فيه مدينة كاملة بتفوق, وتعرف الحقيقة المرة بتاعة المجلس والداخلية. قصاد كل موقف متخاذل للقوي الاسلامية اللي الناس البسطاء وثقوا فيها وكل فرصة بيضيعوها للعودة الي صفوف الجماهير, الثوار بيزدادوا راديكالية. اذا ماكانش فيه فايدة غير ان الشعب المغيب يفوق ويعرف مين اللي بيشحت عليه عشان يوصل للسلطة, ومين اللي مستعد يموت علشانه, تبقي الثورة نجحت.

.