رودولف كارناب هو اشهر
وجه في دائرة فيينا, اللي أنتجت لنا "الايجابية المنطقية ", اللي ممكن نسميها
فلسفة العلم. الفلسفة دي بتقول ان الكلام في الميتافيزيقا او في الاخلاقيات
والمسائل التي تتعلق باصدار أحكام قيمية تعتمد علي التقدير الشخصي للأمور هي ضروب
مختلفة من اللغو. لان الأحكام اللي بنصدرها لايمكن تخطئتها اواثبات صحتها بشكل عملي
او نظري. وبالتالي مجرد بذل الجهد في هذا الاطار هو تضييع للوقت. يعني مثلا لما اجي
اختبر عبارة زي "القتل حرام" او "السرقة خطيئة" مش حلاقي تجربة
عملية او برهان رياضي يبين صحتهم اوخطأهم. لكن لما اقول "شرب
الدخان يسبب السرطان" ممكن اصمم تجارب علمية او وبائية تثبت صحة او خطأ العبارة.
. والخلاصة ان هناك نوعين
من العبارات هما اللي يستاهلوا ان الواحد يبذل اي جهد في مناقشتهم ومحاولة اثبات
صحتهم من خطأهم: النوع الاول يصف الحقائق التي يمكن اثباتها نظريا دون تجربة عملية,
عن طريق البراهين الرياضية البحتة, زي نظرية فيثاغورث , اللي بتؤسس وتوجد براهين نظرية
لفكرة ان المربع المنشأ علي الوتر في المثلث القائم الزاوية يساوي مجموع المربعين المنشأين
علي الضلعين الاخرين, فعشان اثبت ده يكفي البرهان الرياضي المعروف دون الحاجة الي رسم
ألاف المثلثات القائمة الزاوية وقياس مساحات المربعات المنشأة علي اضلاعها. أما النوع
التاني من العبارات فيصف الحقائق التي لايمكن اثبات صحتها نظريا, وانما يتطلب الاتبات
اجراء تجارب عملية يمكن الاعتماد علي نتائجها لاثبات صحة أو فساد النظرية. وده بيفضل دايما اثبات مؤقت (بعكس النوع الاول
من الحقائق), لانه ممكن تييجي تجارب اخري مستقبلية تثبت العكس. وهي دي طبيعة العلم (بالمقارنة بالرياضيات) انه قابل
للتخطيء زي ماقال بوبر قبل كده. وأبسط مثال علي ذلك قوانين الوراثة, اللي بتتحكم في
كيفية نقل الخصائص الظاهرية والتركيب الخلوي من كائن الي ابناءه عن طريق التزاوج مع
كائن اخر. القواعد دي لا يمكن التوصل اليها بشكل رياضي نظري بحت, وانما يتوجب اجراء
العديد من التجارب المعملية لافتراضها مبدئيا ثم اثبات صحتها بعد ذلك.
اخونا كارناب ده بقي كان
مهتم جدا بالعفاريت والغيبيات, فلما الناس قالتله ازاي تبقي انتا ابو المنطق المادي
كله وتؤمن بالكلام الفارغ ده, قالهم انا لسه مش مؤمن بيه, انا مجرد اني مهتم اني اتقصاه,
لان فيه كم لا يمكن اهماله من الادلة العملية علي وجوده, والي ان يثبت لي العكس مااقدرش
انفيه. ولو طبقنا المنهج ده علي معظم النظريات السياسية, أو حتي الاقتصادية,
حنلاقي ان معظمها يقع خارج اطار نوعين الحقائق الموضحين أعلاه. يعني مثلا لا يوجد
برهان رياضي لاثبات ان نظام الديمقراطية التمثيلية أنجع او أكثر تحقيقيا لسعادة
المجتمعات من الأنظمة الشمولية. وبالمثل مافيش تجارب عملية أقدر أصممها علشان أثبت
ان الملكية الخاصة شر او ان الشيوعية هي الاصلح لتوزيع الثروات. وفي الواقع ان
أتباع كل من هذه النظريات بيعتنقها لأنها اما بتصادف هوي في نفسه وتلائم تركيبته
النفسية من جهة, او لانها بتضمن تحقيق وضع مجتمعي افضل له حسب حالته النسبية. عشان
كده نلاقي معظم الطبقلت العاملة أو المهمشة أكثر تحبيذا للنظم الشيوعية او
الاشتراكية لانها حتضمنلها حد أدني من الثروة والحياة الكريمة. بينما معظم كبار
الملاك يفضلوا النظام الرأسمالي, لأنه حيتيح لهم الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من
الكعكة. ومش معقول طبعا أن "منطق" الاشتراكية مقنع لعقول الفقراء, بينما
"منطق" الرأسمالية مقنع لعقول الأغنياء. لكن المعقول هو أن لا
الاشتراكية ولا الرأسمالية بكل أطروحاتهم النظرية والفلسفية يرقوا الي مرتبة
الحقائق من النوع الاول او الحقائق من النوع الثاني المشار اليهم في الفقرتين
الاولانيين. وانما هما –كما هو الحال بالنسبة لباقي النظريات السياسية والدينية-
مجرد عبارات انشائية وكلام مرسل لا يستحق ان يبذل الانسان أي جهد في محاولة اقناع
الاخرين به أو الدعوة اليه. بالعربي هو مجرد "اشتغالة" بيشتغل بيها
الانسان عقله عشان يقنعه بالحاجة اللي حتريحه اكتر أو اللي بيحبها وبيفضلها بشكل
فطري. وعلي ذلك مفيش في الصراع بين الافكار المتعارضة دي صح وغلط. وانما هي مجرد
صراع ارادات وقدرات.
هو ده المنهج
اللي اي حد عقلاني ومتسق مع نفسه لازم يلزم نفسه بيه في رؤيته وموقفه من الوضع السياسي
الراهن في مصر. اما انني امتلك الوسائل اللازمة لإتمام التغيير المنشود علي الارض او
انني افتقد هذه الوسائل. اذا كنت امتلكها يبقي عليا اني ابتدأ فورا ودون ابطاء في احداث
التغيير بنفسي دون انتظار برلمان او دستور او رئيس. اما ان كنت افتقدها وهذا ما احسبه حال معظم القوي
الثورية حاليا علي الساحة, فيبقي قدامي برضه واحد من حلين: يا اما ابحث عن احسن الاوضاع
السيئة, متذرعا بان السياسة هيه فن الممكن وفي الحالة دي ابقي تحولت الي براجماتي
ومابقتش ثوري, وده مش عيب علي فكرة. يا اما اذا كنت مثالي ومخلص لمبادئي, ولا ارضي بالحلول الوسط, وعايز
أطبق نظريتي (اللي بأشتغل بيها نفسي) تطبيق كامل بحذافيرها, يبقي انسحب من مجال الفعل الي ساحة الاعداد
والتحضير والتجهيز لحين حلول الوقت المناسب للحركة. أما لطم الخدود وشق الجيوب
والبكاء علي اللبن المسكوب, فلا طائل من ورائه. بالضبط زي ما مفيش طائل من ورا
محاولة "افحام" الطرف الاخر, أو "اثبات" صحة نظريتي ورؤيتي
للطرف الثالث. لأن لا أنا نظريتي اقل فسادا من نظرية الأخر, ولا الطرف الثالث عنده
استعداد يسمع اللي انا او الاخر بنقوله اصلا. الطرف التالت غالبا بيمشي ورا اللي
فيه مصلحته, أو اللي بيدغدغ غرائزه, ويداعب مخيلته. والشاطر فينا (أنا و الاخر)
اللي يقدر يظبط نظريته بحيث تلاقي هوي في نفس الطرف التالت. ساعتها اللا منطق
حيتحول الي منطق, ومالا سبيل لاثباته حيغدوا "حقيقة علمية".