ممر الي الهند
مش عارف ليه افتكرت فيلم "ممر
الي الهند" اللي شفته في نادي السينما من سنين بعيدة, وانا باتفرج علي خطبة
مرسي في ميدان التحرير امبارح. اللي حصل اني كنت بره البيت لشأن من شؤون الحياة
اليومية, ولما رجعت دورت بسرعة علي تسجيل الخطاب علي اليوتيوب, وبدأت أسمعه, في
نفس الوقت اللي رجعت فيه بالتايم لاين علي تويتر لما قبل الكلمة, عشان أشوف ردود
فعل الاشخاص القليلين اللي أنا متابعهم. ولازم أقول بسرعة ان ردود الفعل –باستثناء
نوارة نجم- كانت ردود فعل مقززة وتعبر عن نفوس مريضة. الراجل كان بكل تأكيد بيتكلم
من قلبه وكان منفعل, ودي حاجة اي حد عنده ذكاء عاطفي فوق المتوسط حيلاحظها علي
طول. عشان كده قدر انه يتواصل مع الناس ويلهب حماس الملايين اللي كانوا متابعينه
عبر شاشات التليفزيون. ده لوحده كفاية بالنسبة لي. أنا في المرحلة الحالية مش
بادور علي مضمون, يكفي اني اسمع حد بيتكلم من قلبه, وصادق في اللي بيقوله عشان أحبه
وأتعاطف معاه. الباشوات اللي أنا متابعهم كانوا يا أما بيتاوبوا, يا أما ماسكينله
علي الساقطة واللاقطة في كلامه, يا أما بيحاولوا "يتظاهروا" انهم مش
متابعينه أصلا عن طريق الايحاء لقارئ التويتات بتاعتهم انهم "منهمكين"
في الحديث عن موضوع تافه جانبي, ومهملين حدث الساعة.
هو
ده اللي فكرني بفيلم "ممر الي الهند" اللي بتدور أحداثه في العشرينات من
القرن الماضي ايام الاحتلال البريطاني للهند, حيث اتهمت فتاة انجليزية مضطربة
نفسيا, طبيب هندي شاب بمحاولة اغتصابها. و طبعا ده كان حدث كاشف للعنصرية الدفينة
في صدور "الجنتلمن" الانجليز, اللي كانوا بيتشدقوا بالتسامح وعدم
التفرقة في التعامل بين بني جلدتهم والهنود. فاذا بهم ينتهزوا هذا الحادث,
لينحازوا بشكل صارخ وظالم ضد المتهم الهندي, لمجرد انه هندي, بالرغم من سطحية وعدم
كفاية الادلة ضده.
الوحيد اللي تعاطف مع الدكتور الهندي
المسكين, كان مدير المدرسة الانجليزي, اللي رفض ان لون البشرة يكون هوه العامل
المرجح لاي صف ينحاز له, وقرر انه يدافع عن المتهم, لأنه كان مؤمن ببراءته. في
الوقت اللي كان هذا الانسان الشريف بياخد موقف أخلاقي كريم من حيث الوقوف امام
الظلم والباطل, كان علي وشك انه يفقد عقله من سلبية ونتانة بروفسور براهماني, رفض
انه ياخد اي موقف, او يعبر –ولو بقلبه-عن تعاطفه مع المتهم المظلوم. الغريب ان
الفيلم بيقدملنا البروفسور المذكور علي انه مثال في العقل والحصافة والحكمة لغاية
الحادثة دي, لذلك مدير المدرسة الانجليزي كان بيبصله حتي هذا الموقف علي انه مثل
أعلي روحي وفكري له, لكن مع الاسف لما خد الموقف المتخاذل ده سقط من عينه, لانه
اثبت ان الحكمة الحقيقية, هيا اللي بتدفع صاحبها لاتخاذ موقف بجوار الحق عند
احتدام الوطيس. أما السلبية وعدم المبالاة, والمساواة بين الحق والباطل فكفيلة
باسقاط التخين من عين أي حد.
أفتكرت الموقف ده لما قريت الجارديان, وقريت
روبرت فسك, وغيره من الكتاب الغربيين المنصفين, اللي شافوا –بحق- ان وصول مرسي
(والاخوان) الي الحكم خطوة كبيرة الي الامام, و مسمار آخر في نعش نظام مبارك
التابع الفاسد. أفتكرت ده لما شفت "الخواجات" اللي المفروض انهم يكونوا
أقل تعاطفا معانا, وأكثر انحيازا لبني جلدتهم, فرحانين لنا, بينما احنا نفسنا
فاتحين مندبة, أو مساويين بين الحق والباطل, أو مناصرين الباطل ضد الحق, أو
متظاهريين بعدم المبالاة و الاكتراث بما يحدث. حقا ما أوسخنا, وما أجدرنا بأي
خابور نلبسه بعد كده, اذا كان ده هوه رد فعلنا تجاه ما ينفعنا, ويصلح بيه حالنا.
ليه الكل لازم
يتحد دلوقتي؟
أنا مش باحاول أروج لفكر الاخوان, أو أدافع
عن مرسي. والقارئ لبوستات المدونة دي حيلاحظ اني أولا علماني, ثانيا واخد موقف
شديد الهجوم علي الفكر الاصولي عموما لاعتبارات ابستمولوجية وأونتولوجية. لكن ده
ما منعنيش اني أقرا الواقع بشكل صحيح, واشوف ان نظام مبارك التابع الفاسد, هوه
مجرد ساتلايت بيدور في فلك المنظومة الرأسمالية الاستهلاكية الرهيبة اللي بنسميها
الماتريكس, واللي الكثيرين –وانا منهم-بيتوقعوا انها قد تتسبب في فناء البشرية اذا
لم يتم ايقافها عند حدها, أو علي الاقل تدمير المجتمعات بشكل كبير. وأكيد برضه
القارئ الكريم يكون لاحظ اني كنت دايما شايف انه زي ما المنظومة الماتريكسية
المذكورة تغلغلت في قلوب وعقول الناس عن طريق عالم الرمز, الموجود في الاعلان
والاغنية والفيلم....الخ, فكمان أي منظومة بديلة منافسة, يمكن تصور انها تتنافس مع
الماتريكس الاستهلاكي ده علي قلوب وعقول الناس, لازم تكون لها أساليب مشابهة من
حيث القدرة علي النفاذ الي النفوس والقلوب والوجدان قبل العقول. وقلنا ان الاساليب
دي حتختلف من شعب الي شعب حسب تكوين وعيه الجمعي, ومخيلته الفولكلورية, ومدي
قابليته للتأثر بمؤثرات معينة دون غيرها. وخلصنا الي ان الدين والقومية, كانوا
أكتر العوامل المؤثرة نجاحا مع شعوب العالم عموما, ومع شعوبنا الشرقية علي وجه
خاص.
قوم لما تيجي جماعة بقالها تمانين سنة بتشتغل
علي انها تنفذ لقلوب وعقول الناس, وحققت نجاح باهر في المجال ده, لدرجة انها أثبتت
عند الجد انها تستطيع الوقوف كند كفوء لفرع الماتريكس الاستهلاكي الحاكم في مصر
نحاربها ونحاول نفطسها, ونتحالف مع الماتريكس ضدها؟ ده بدل ما ننفخ في صورتها
ونساعدها ونقف جنبها عشان نقدر نزق الماتريكس المحلي زقة نهائية الي مزبلة
التاريخ؟ صحيح ان المنظومة البديلة اللي حتقوم علي أنقاض الماتريكس ربما لاتمثل
اللي احنا عايزينه بالضبط, بس علي الاقل بتمثل تحسن هائل علي الوضع الراهن, وخطوة
الي الامام يمكن تحسينها فيما بعد بخطوات أخري.
من عدة سنوات, شغفت بقراءة مقالات الكثيرين
علي موقع الحوار المتمدن. و الموقع به مجموعة كبيرة من المحاور المختلفة, ولكن ما
لفت نظري هو السجال المحتدم بين مجموعتين من العلمانيين: الاولي بيمثلها نادر
قريط, السوري المسيحي الاصل, المقيم حاليا في النمسا, والمهتم جدا بالبحوث
الاجنبية المنشورة حديثا عن الاصول التاريخية للمسيحية والاسلام, وبين مواطنته
السورية وفاء سلطان, او نظيرها المصري كامل النجار. . ولعل اجادة نادر للالمانية,
جعلت ترجمته لكثير من هذه الابحاث (ومعظمها لعلماء ألمان) أمرا ممكنا. والنتيجة
التي يخلص اليها معظم هؤلاء المحققون والعلماء, هي ان النشأة الاولي للاسلام او
المسيحية, تختلف تماما عن المشهور لدي اتباع هذين الديانتين, لأن الحفائر
والمخطوطات والمسكوكات المكتشفة حديثا, تشير الي بدايات مغايرة تماما لما هو شائع.
وعلي الرغم من تراكم كل هذا الكم من الادلة العلمية الصعبة التفنيد علي عدم دقة
النسخ الحالية الموجودة من هذه الاديان, الا ان نادر قريط يري –مثلي- ان الدين
عامل مهم جدا في لحمة الشعوب, وبناءها المجتمعي, وتعبير عن قوانينها وأعرافها
الموروثة. بعكس النظرة الشائعة لدي السذج من الناس ان السلوكيات المجتمعية جاءت
انعكاسا للدين, فالواقع ان العكس هو الصحيح. فمثلا أحدث الدراسات الانثروبولوجية
اثبتت ان تحريم الخنزير في الشرق الاوسط القديم او البقر في الهند انما جاءا
انعكاسا لضرورات حياتية خاصة بتوفر الكلأ ومصادر الطاقة, وانما جاء النص المقدس
ليشرعن هذه الحاجة المجتمعية وليس العكس. وبالتالي ماقد يبدوا علي السطح تشريعا
ساذجا أو تعسفيا, أو حتي مختلقا, هو في الواقع استجابة لحاجة مجتمعية ملحة, أخذت
طابع التشريع الديني لاسباب براجماتية مفهومة. الدين اذن عامل مهم جدا لتماسك
المجتمع –بغض النظر عن دقة اطروحاته العقائدية من عدمها- وهدمه او السعي لهدمه
حقيق بتقويض هذه المجتمعات وتدميرها.
علي العكس تماما من نادر قريط, نري في
الاتجاه المقابل العديدين من أمثال وفاء سلطان, أو كامل النجار, أو غيرهما, الذين
يهاجمان النصوص الدينية بطريقة بالغة السذاجة والتهافت, من غير أن يأتيا بأي دلائل
موضوعية علي صحة مزاعمهم (علي العكس من نادر). وانما تنحصر دعواهما في كيل السباب
للاديان, وجرح مشاعر متبعيها, والتقليل من قيمتها المجتمعية, و محاولة الظهور
بمظهر الملحد السعيد بتخلصه من ربقة الدين (بينما أعتي الفلاسفة الملحدين أجمعوا
علي الاضرار النفسية الرهيبة للالحاد, مع ثبوتهم عليه, لأنه –في زعمهم-هو الموقف
الصحيح). و واقع الامر أن وفاء و كامل-وغيرهم كثير- أشخاص موتورين من الاديان
لأسباب شخصية (كتعرض لاضطهاد او غيره) او اتباع لديانات منافسة ترغب في النيل من
الدين الذي تتم مهاجمته تحت ستار الالحاد. او الانكي من ذلك كله, عملاء لمن يرغب
في نقض النسيج الاجتماعي, واللحمة التي تربط مجتمعاتنا, عن طريق تقويض رابطتها
ولحمتها الاجتماعية, الا وهي الدين.
فاللي عايز اقوله هوه اني لما أشوف واحد
بيهاجم الاخوان لأنه شايفهم مجموعة من التجار المتدينين, الراغبين في اقامة منظومة
حاكمة لا تختلف عن نظام مبارك الا من حيث الشكل وليس المضمون, ممكن ألتمسله العذر,
من حيث ان جهله بتاريخ وأدبيات وتطور جماعة الاخوان, خلاه مش شايف غير قمة جبل
الجليد الطافي حاليا, والممثل في الشاطر وغيره. ولما ألاقي واحدة خايفة علي
"حقوق المرأة" من الضياع, حأشفق عليها وارثي لحالها, لأنها متوهمة ان
الستات كانوا واخدين حقوقهم أصلا في عهد مبارك. لكن لما الاقي واحد يساري او
ليبرالي او قومي بيحط ايده في ايد شفيق, ويقول انه اهدي سبيلا من الاخوان, حأقوله
انه عرص في وشه, لأنه لا يقول ذلك الا مغرض وليس جاهل. ولما ألاقي اللي كان
"بيتظاهر" بمعارضة مبارك بيشكل حاجة اسمها الطريق الثالث (زي بتاع توني
بلير كده), بينما المعركة لا تزال علي أشدها بين نظام مبارك الجريح, والاخوان اللي
لسه ماتمكنوش بشكل كامل, لن أتردد لحظة في وصفه بالخيانة, لأن المعركة الحقيقية مع
نظام مبارك, لا مع الاخوان.
اللي فيكم كبير شوية في السن, لازم يكون فاكر
"تحالف القوي التقدمية" في لبنان في السبعينات. التحالف ده كان يضم
تنظيم المرابطين الناصري, ومنظمة فتح الفلسطينية الاساسية مع تشعباتها من الحركة
الشعبية الشيوعية بتاعة جورج حبش وغيرها. والحزب الشيوعي اللبناني, والدروز بقيادة
كمال جنبلاط وغيرهم. وعلي الرغم من التباين الفكري الشديد لأطراف هذا التحالف, الا
انهم اجتمعوا علي رفض الاحتلال الاسرائيلي او التبعية للمنظومة الغربية زي الكتائب
او حراس الارز. وبالرغم من محاولات المغرضين توصيف ما يجري علي انه "حرب طائفية"
أو صراع "مسيحي-اسلامي" علي لبنان, الا ان انقسام المسيحيين انفسهم
لتقدميين "زي جماعة فرنحية في طرابلس" و رجعيين "زي شمعون
والجميل" ونفس الشيئ بالنسبة للمسلمين أسقط هذه الحجة, وأظهر الصراع علي
حقيقته, كصراع بين الراغبين في قيام لبنان قوي مستقل ذو سيادة, والراغبين في قيام
كيان تابع لاسرائيل. أنا باعتقد ان احنا بنشوف دلوقتي بوادر تحالف من هذا النوع,
وفرز مماثل في مصر, تنقسم فيه القوي المختلفة الي استقلاليين نهضويين في مقابل
تابعين خونة, علي اختلاف مشاربهم الفكرية, أو انتماءاتهم الطائفية.
وزي ما ابتدينا كلامنا النهاردة بمشهد من
فيلم, نختم بمشهد تاني. المرة دي من فيلم عمر المختار, لما القائد الطلياني, اللي
كان جرازياني مكلفه بالتواصل مع شيخ المجاهدين, والتفاوض معه أتأثر بما رأي عمر
المختار واتباعه من المجاهدين عليه من صلابة وتجرد للحق, في مقابل سفالة وخسة
ووحشية جرازياني. الراجل لم يتمالك نفسه بعد اعدام البطل من السير في صفوف
الليبيين العاديين, كأنه أخيرا خد قراره بالانحياز للحق في مواجهة الباطل. المشهد
ده, زيه بالضبط زي مشهد قائد الصليبيين في فيلم واسلاماه, اللي كان متفق مع المغول
علي مهاجمة جيش قطزو ولكنه انسحب لما لقي المغول حيهاجموا المسلمين وهما بيصلوا, المشهدين دول من اكثر المشاهد تأثيرا و توضيحا
للنقطة اللي عايز اوصلها, وهي انه حتي لو كنت علماني, و حتي لو كنت ملحد, و حتي لو
كنت ضد الاخوان فكريا علي طول الخط, فانتا لا تملك الا الانحياز لهم في معركتهم
المصيرية مع نظام مبارك, اذا كان عندك أدني مسكة من ضمير, أو من تجرد للحق.
No comments:
Post a Comment