نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة مثيرة للتفكير والتأمل. فبغض
النظر عن ان مشاهدات ملايين المصريين التي دون الآلاف منها في فيديوهات منشورة علي
الانترنت, وولولة الإعلاميين المساندين للانقلاب طيلة اليومين الأول والثاني
للاقتراع تقطع بما لايدع مجالا للشك أن نسبة التصويت كانت في أدني معدلاتها, فأن
سلوك أولئك الإعلاميين باعث علي التساؤل. فاذا كان فزعهم وصياحهم يهدف حقيقة الي
دفع المواطنين الممتنعين للتصويت، فكان ينبغي ألا تدفعهم هذه الرغبة الي نسيان الحذر، حيث أن
خروجهم علي شاشات التلفاز بهذا الشكل الفج المستجدي الذي يفضح زيف اسطورة شعبية السيسي
ويقدم دليلا عمليا علي نجاعة المقاطعة له من الاضرار الكثيرة -- كنسف هالة التأييد
الشعبي الأسطورية التي أحاطت بالسيسي وإعطاء دليل تجريبي لايقبل الدحض علي ان
غالبية المصريين لاتؤيد خارطة الطريق – ما يطغي علي أي افادة لحظية متمثلة في
زيادة طفيفة في أعداد المصوتين. حيث أنه من المعروف عالميا أن أول أيام التصويت هو
أكثرها كثافة، وأن أية مشاركة في الأيام التالية ستكون متواضعة علي أفضل التقديرات،
ولن تغير شيئا يذكر في النتيجة النهائية. فاذا أضفنا الي هذا أن كثيرا من أولئك الإعلاميين
شاركوا خلال فترة الدعاية الانتخابية – بقصد او دون قصد – في تحطيم صورة السيسي،
عن طريق اظهاره كشخص متلعثم لايحير جوابا لكثير من الأسئلة ويقدم حلولا مثيرة
للضحك والسخرية تبرز علامات استفهام إضافية كثيرة عن دوافع سلوك أولئك الاعلاميين.
فاذا أضفنا الي ذلك انعدام التصويت الممنهج, والذي تشجع عليه أجهزة الدولة الرسمية عادة عن طريق الزج بمجندي الجيش والشرطة الي لجان الاقتراع في ملابس مدنية, ويحشد له مديرو شركات
القطاع العام العمال والموظفين في أوتوبيسات الي لجان الانتخابات, ويضيف الي زخمه قساوسة
الكنيسة عن طريق حض المسيحيين الأقباط الي التصويت لصالح مرشحي الحكومة, أقول ان غياب هذا التصويت الممنهج, والذي ميز كل الانتخابات السابقة, لصالح مرشحي الحزب الوطني أبان عهد المخلوع مبارك, ثم لصالح شفيق أيام المجلس العسكري, يزيد من درجة
العجب. فبالرغم من كل الجدل المثارعن مقدرة شفيق من عدمها علي جذب أصوات كل المعادين للإخوان, وعما اذا كانت الاصوات التي حصل عليها ضد مرسي أصواتا حقيقية أو زائفة,
الا أن النتائج الرسمية علي الأقل أشارت الي خروج الفئات المذكورة أعلاه بأعداد ضخمة, مما ساعده علي الحصول
علي ملايينه الاثني عشرة, فأين ذهبت هذه الأصوات الآن؟ ولماذا لم تخرج لتأييد السيسي, ان كان مايجمعها حقا هو عداء الاخوان؟ فأن قال قائل ان جل هذه الملايين قد آثر البقاء في بيته هذه المرة لثقته المسبقة في فوز السيسي، ثار تساؤل أعمق، لأن هذه الملايين الموجهة لا
تخرج من تلقاء نفسها، وانما بتوقيف وتوجيه ممن دفعها للخروج. فلماذا لم يدفعها هذا
الأخير للخروج هذه المرة, مع علمه أن خروجها - وان لم يؤثر فعليا في النتيجة - ضروري لاكساب الانتخابات رونقا حماسيا يقطع بالاقبال الجماهيري منقطع النظير ويلقم أي شاك في شعبية الثلاثين من يونيو الكثير من الأحجار؟
ان تطور الأحداث خلال اليومين الأوليين للاقتراع يوحي
بخديعة كبري, اشترك فيها من وعدوا بالحشد ثم نكثوا, ومن ولولوا وفضحوا المقاطعة بهدف كشف
وتعرية المرشح الأساسي واظهاره كفائز ذو شرعية منقوصة, وبنتيجة تحوم حولها الشكوك.
فاذا أخذنا في الاعتبار تصريح رئيس الوزراء الاماراتي راشد بن مكتوم منذ شهور،
والذي تحفظ فيه علي ترشيح السيسي، و تسريبات احمد شفيق المتعمدة التي ألقي فيها
بظلال من الشك حول نتيجة الانتخابات حتي قبل أن تجري، ثم لقاؤه مؤخرا ببطريرك
الاقباط في دبي، تصبح الصورة أكثر وضوحا. فكما أوضحنا من قبل، انقلاب 30 يونيو لم
يكن ليتحقق دون إعادة تجميع الاضلاع الثلاثة للثورة المضادة مرة أخري بدعم خليجي للإطاحة
بحكومة محمد مرسي. الا ان الاختلاف هذه المرة كان أن الجيش قام فقط بدور البلطجي
الاجير الذي يقوم بالعمل المطلوب لقاء جعل محدد. لم يكن منظورا اذن أن يطمع قائد
الجيش في الاحتفاظ بمنصب الرئيس لنفسه، وعبثا حاول الجميع اثناؤه عن عزمه للترشح،
ولكن يبدو أن أحلام الاوميجا والسيف طغت علي كل شيء، ومضي القائد الي نهاية الرحلة
وركب رأسه ورشح نفسه في الانتخابات.
هناك اذن جهات كثيرة غير راضية عن رئاسة السيسي (أو بشكل أدق, غير راضية عن قيادة القوات المسلحة للمشهد السياسي بشكل مباشر, اذا صدقنا الاشاعات القائلة بأن السيسي نفسه قد وافاه الأجل في أكتوبر الماضي وأن الرئيس الحقيقي للبلاد الآن هو صدقي صبحي المتخفي خلف دوبلير السيسي)، أولها الخليج
الذي يفضل دائما التعامل مع نوعية رجال اعمال مبارك او الحزب الوطني وثانيها
المخابرات العامة التي تتحكم عادة في الاعلام والفنانين، والتي تقلص دورها كثيرا
بعد صعود قائد المخابرات الحربية الي القمة. دع عنك ما قد يوجد من قطاعات ساخطة
بالجيش موالية لسامي عنان, أو لشفيق, او حتي من القادة الآخرين غير الراضين تماما عن الانقلاب منذ البداية, وان لم يرق تحفظهم (حتي الآن) الي درجة القيام بعصيان أو تمرد مسلح أو انقلاب علي الانقلاب نفسه.
نحن مقبلون علي حرب تكسير عظام أذن داخل معسكر الثورة المضادة،
بين المخابرات الحربية وقطاعات الجيش التي يسيطر عليها السيسي من جهة، وبين فلول الحزب
الوطني ورجال الأعمال الغاضبين من مطالبات العسكريين المتكررة بتبرعات من أجل انعاش الاقتصاد المنهار من جهة ثانية, وربما أيضا مع بعض قطاعات الجيش الأخرى المتحفظة علي الانقلاب, والتي يشاع أنها لاتزال تتحكم فعليا في مرسي وترفض تسليمه للانقلابيين بشكل كامل من جهة ثالثة. وبينما سيركز
السيسي (أو من يقف وراءه كصدقي صبحي) علي تسويق نفسه للغرب كطرف أقدر علي محاربة أنصار الشريعة في شرق ليبيا
ودعم حفتر والقضاء علي شبح الثورة الإسلامية من ناحية، اضافة الي تحجيم حماس وضمان أمن إسرائيل
من ناحية أخري، فان النظام الذي سينشأ سيكون بالضرورة نظاما قمعيا بوليسيا ذو اقتصاد مهترئ ضعيف و صورة حقوقية مهتزة أمام العالم الحر. وكل ذلك لا يتفق مع رؤية رجال الاعمال وفلول الحزب الوطني, الراغبين في انتاج و تسويق صورة جذابة للدولة العصرية
ذات الاقتصاد القوي المندمج في الأسواق العالمية، والبعد الديمقراطي المدني
المحافظ علي حقوق الانسان، والذي لا يمانع في اجراء مصالحة من نوع ما مع الإسلاميين
لضمان الاستقرار. الوقت ليس في مصلحة السيسي اذن، فالاقتصاد متدهور بالفعل, والشعب أظهر
سخطه بالمقاطعة، ولن يمر وقت طويل حتي تنفصل تماما مسارات فريق السيسي عن فريق رجال الاعمال و الفلول, عن مسار قادة الجيش المتحفظين, ويبدأ كلا منهم في حشد أدواته ضد الطرفين الأخرين, ومنها الاعلاميون الذين يتحكم فيهم الفلول ورجال الأعمال علي سبيل المثال.
فهل
ينتهز الإسلاميون ومؤيدوهم الفرصة، فرصة تفرق صفوف الثورة المضادة, ويطرقوا الحديد وهو ساخن
ويصعدوا من مدهم الثوري لاستثمار هذا الخلاف لإسقاط الانقلاب؟ أعتقد ان حظوظ الاسلاميين في النجاح تتوقف علي الطرف الذي سيعقدوا معه الصفقة. فالفلول ورجال الأعمال لايقلون كراهية للاسلاميين ورغبة في تصفيتهم عن فريق السيسي, كل ما في الأمر, أنهم يرغبون في الاحتفاظ بواجهة حقوقية جيدة أمام العالم الغربي. ولذا فقصاري ما يمكن أن يقدمونه للاسلاميين, هو نظام كنظام مبارك, يتيح للاخوان والسلفيين الحصول علي نسبة من مقاعد البرلمان, وحرية الدعوة, وربما بعض المقاعد الوزارية, ولكن دون تحكم حقيقي في الثوابت الاساسية للسياسة الخارجية القائمة علي التطبيع مع اسرائيل, والتبعية للغرب, اضافة للمنظومة الرأسمالية للاقتصاد, التي تتيح لرجال الاعمال أولئك الاستمرار في قنص ارباح خرافية من التبادل التجاري المفتوح مع الغرب. قصاري ما يمكن أن يحلم به الاسلاميون اذن ان قبلوا بما يقدمه لهم رجال الاعمال والفلول, هو نظام برئاسة شخصية ليبرالية كالبرادعي مثلا, وبمبادئ فوق دستورية تضمن علمانية الدولة, كمبادئ وثيقة السلمي, وبحرية حركة محدودة في نطاق هذه الأفلاك.
ولكن النجاح الحقيقي يمكن أن يكون حليف الاسلاميين اذا تمكنوا من استثمار الخلاف داخل الجيش لصالحهم, بمعني تعميق القطيعة بين المتحفظين علي الانقلاب وبين فريق السيسي الي الدرجة التي يصبح فيها هؤلاء المتحفظون حلفاء حقيقيين للاسلاميين, مستعدين للوقوف في وجه زملاءهم الانقلابيين من أجل انقاذ مصر. وربما يظن البعض هذا مستحيلا, الا أن من خدم في الجيش المصري, يعلم تماما كم الضغائن والأحقاد التي يكنها القادة لبعضهم البعض عندما يجدون أن من يدنوهم رتبة أو علما أو خبرة قد رقي بسرعة, او حصل علي منحة تدريبية في الخارج, او استفاد من الانخراط في أنشطة تجارية. وكما هو معلوم, السيسي نفسه كان لواءا حتي وقت قريب جدا, ولابد أن صعوده الصاروخي قد أثار حفائظ الكثيرين. فضلا عن أن فشله في ادارة البلاد و تفاقم المشاكل الحياتية, لابد وانه سيعطي الكثيرين ممن تحفظوا في البداية علي الانقلاب (وان لم يصنعوا شيئا للحيلولة دون وقوعه) المبرر الاخلاقي والمنطقي لفعل شيئ في المستقبل القريب. وبعكس فلول الحزب الوطني و رجال أعمال مبارك, الذين لايتصور أن يرضوا بأي شكل من أشكال التعايش مع الاسلاميين دون تحجيمهم بشكل شبه كامل (علي النحو الموصوف في الفقرة السابقة), فان أولئك القادة العسكريين الساخطين يمكن ارضائهم ببعض الامتيازات المادية أو المناصب الشرفية في حكومة الاسلاميين الجديدة بعد سقوط الانقلاب, فضلا عن اللعب علي وتر أنهم بانقاذهم لمصر من الهاوية التي كانت تسير نحوها مع الانقلابيين, قد صاروا أبطالا في نظر كل المصريين.
الأيام حبلي بكل جديد, ويأتيك بالانباء من لم تزود, ولكن استقراء الأحداث في الفترة الاخيرة يشي بانشقاق واضح في صفوف الانقلابيين, مما يفتح ثغرات كثيرة أمام الاسلاميين للولوج منها, ان أحسنوا التخطيط, فلننتظر ونري.
ولكن النجاح الحقيقي يمكن أن يكون حليف الاسلاميين اذا تمكنوا من استثمار الخلاف داخل الجيش لصالحهم, بمعني تعميق القطيعة بين المتحفظين علي الانقلاب وبين فريق السيسي الي الدرجة التي يصبح فيها هؤلاء المتحفظون حلفاء حقيقيين للاسلاميين, مستعدين للوقوف في وجه زملاءهم الانقلابيين من أجل انقاذ مصر. وربما يظن البعض هذا مستحيلا, الا أن من خدم في الجيش المصري, يعلم تماما كم الضغائن والأحقاد التي يكنها القادة لبعضهم البعض عندما يجدون أن من يدنوهم رتبة أو علما أو خبرة قد رقي بسرعة, او حصل علي منحة تدريبية في الخارج, او استفاد من الانخراط في أنشطة تجارية. وكما هو معلوم, السيسي نفسه كان لواءا حتي وقت قريب جدا, ولابد أن صعوده الصاروخي قد أثار حفائظ الكثيرين. فضلا عن أن فشله في ادارة البلاد و تفاقم المشاكل الحياتية, لابد وانه سيعطي الكثيرين ممن تحفظوا في البداية علي الانقلاب (وان لم يصنعوا شيئا للحيلولة دون وقوعه) المبرر الاخلاقي والمنطقي لفعل شيئ في المستقبل القريب. وبعكس فلول الحزب الوطني و رجال أعمال مبارك, الذين لايتصور أن يرضوا بأي شكل من أشكال التعايش مع الاسلاميين دون تحجيمهم بشكل شبه كامل (علي النحو الموصوف في الفقرة السابقة), فان أولئك القادة العسكريين الساخطين يمكن ارضائهم ببعض الامتيازات المادية أو المناصب الشرفية في حكومة الاسلاميين الجديدة بعد سقوط الانقلاب, فضلا عن اللعب علي وتر أنهم بانقاذهم لمصر من الهاوية التي كانت تسير نحوها مع الانقلابيين, قد صاروا أبطالا في نظر كل المصريين.
الأيام حبلي بكل جديد, ويأتيك بالانباء من لم تزود, ولكن استقراء الأحداث في الفترة الاخيرة يشي بانشقاق واضح في صفوف الانقلابيين, مما يفتح ثغرات كثيرة أمام الاسلاميين للولوج منها, ان أحسنوا التخطيط, فلننتظر ونري.