Thursday, May 29, 2014

مجريات الانتخابات الأخيرة ودلائل انقسام صفوف الانقلابين

نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة مثيرة للتفكير والتأمل. فبغض النظر عن ان مشاهدات ملايين المصريين التي دون الآلاف منها في فيديوهات منشورة علي الانترنت, وولولة الإعلاميين المساندين للانقلاب طيلة اليومين الأول والثاني للاقتراع تقطع بما لايدع مجالا للشك أن نسبة التصويت كانت في أدني معدلاتها, فأن سلوك أولئك الإعلاميين باعث علي التساؤل. فاذا كان فزعهم وصياحهم يهدف حقيقة الي دفع المواطنين الممتنعين للتصويت، فكان ينبغي ألا تدفعهم هذه الرغبة الي نسيان الحذر، حيث أن خروجهم علي شاشات التلفاز بهذا الشكل الفج المستجدي الذي يفضح زيف اسطورة شعبية السيسي ويقدم دليلا عمليا علي نجاعة المقاطعة له من الاضرار الكثيرة -- كنسف هالة التأييد الشعبي الأسطورية التي أحاطت بالسيسي وإعطاء دليل تجريبي لايقبل الدحض علي ان غالبية المصريين لاتؤيد خارطة الطريق – ما يطغي علي أي افادة لحظية متمثلة في زيادة طفيفة في أعداد المصوتين. حيث أنه من المعروف عالميا أن أول أيام التصويت هو أكثرها كثافة، وأن أية مشاركة في الأيام التالية ستكون متواضعة علي أفضل التقديرات، ولن تغير شيئا يذكر في النتيجة النهائية. فاذا أضفنا الي هذا أن كثيرا من أولئك الإعلاميين شاركوا خلال فترة الدعاية الانتخابية – بقصد او دون قصد – في تحطيم صورة السيسي، عن طريق اظهاره كشخص متلعثم لايحير جوابا لكثير من الأسئلة ويقدم حلولا مثيرة للضحك والسخرية تبرز علامات استفهام إضافية كثيرة عن دوافع سلوك أولئك الاعلاميين.

فاذا أضفنا الي ذلك انعدام التصويت الممنهج, والذي تشجع عليه أجهزة الدولة الرسمية عادة عن طريق الزج بمجندي الجيش والشرطة الي لجان الاقتراع في ملابس مدنية, ويحشد له مديرو شركات القطاع العام العمال والموظفين في أوتوبيسات الي لجان الانتخابات, ويضيف الي زخمه قساوسة الكنيسة عن طريق حض المسيحيين الأقباط الي التصويت لصالح مرشحي الحكومة, أقول ان غياب هذا التصويت الممنهج, والذي ميز كل الانتخابات السابقة, لصالح مرشحي الحزب الوطني أبان عهد المخلوع مبارك, ثم لصالح شفيق أيام المجلس العسكري, يزيد من درجة العجب.  فبالرغم من كل الجدل المثارعن مقدرة شفيق من عدمها علي جذب أصوات كل المعادين للإخوان, وعما اذا كانت الاصوات التي حصل عليها ضد مرسي أصواتا حقيقية أو زائفة, الا أن النتائج الرسمية علي الأقل أشارت الي خروج الفئات المذكورة أعلاه بأعداد ضخمة, مما ساعده علي الحصول علي ملايينه الاثني عشرة, فأين ذهبت هذه الأصوات الآن؟ ولماذا لم تخرج لتأييد السيسي, ان كان مايجمعها حقا هو عداء الاخوان؟ فأن قال قائل ان جل هذه الملايين قد آثر البقاء في بيته هذه المرة لثقته المسبقة في فوز السيسي، ثار تساؤل أعمق، لأن هذه الملايين الموجهة لا تخرج من تلقاء نفسها،   وانما بتوقيف وتوجيه ممن دفعها للخروج. فلماذا لم يدفعها هذا الأخير للخروج هذه المرة, مع علمه أن خروجها - وان لم يؤثر فعليا في النتيجة - ضروري لاكساب الانتخابات رونقا حماسيا يقطع بالاقبال الجماهيري منقطع النظير ويلقم أي شاك في شعبية الثلاثين من يونيو الكثير من الأحجار؟

ان تطور الأحداث خلال اليومين الأوليين للاقتراع يوحي بخديعة كبري, اشترك فيها من وعدوا بالحشد ثم نكثوا, ومن ولولوا وفضحوا المقاطعة بهدف كشف وتعرية المرشح الأساسي واظهاره كفائز ذو شرعية منقوصة, وبنتيجة تحوم حولها الشكوك. فاذا أخذنا في الاعتبار تصريح رئيس الوزراء الاماراتي راشد بن مكتوم منذ شهور، والذي تحفظ فيه علي ترشيح السيسي، و تسريبات احمد شفيق المتعمدة التي ألقي فيها بظلال من الشك حول نتيجة الانتخابات حتي قبل أن تجري، ثم لقاؤه مؤخرا ببطريرك الاقباط في دبي، تصبح الصورة أكثر وضوحا. فكما أوضحنا من قبل، انقلاب 30 يونيو لم يكن ليتحقق دون إعادة تجميع الاضلاع الثلاثة للثورة المضادة مرة أخري بدعم خليجي للإطاحة بحكومة محمد مرسي. الا ان الاختلاف هذه المرة كان أن الجيش قام فقط بدور البلطجي الاجير الذي يقوم بالعمل المطلوب لقاء جعل محدد. لم يكن منظورا اذن أن يطمع قائد الجيش في الاحتفاظ بمنصب الرئيس لنفسه، وعبثا حاول الجميع اثناؤه عن عزمه للترشح، ولكن يبدو أن أحلام الاوميجا والسيف طغت علي كل شيء، ومضي القائد الي نهاية الرحلة وركب رأسه ورشح نفسه في الانتخابات.

هناك اذن جهات كثيرة غير راضية عن رئاسة السيسي (أو بشكل أدق, غير راضية عن قيادة القوات المسلحة للمشهد السياسي بشكل مباشر, اذا صدقنا الاشاعات القائلة بأن السيسي نفسه قد وافاه الأجل في أكتوبر الماضي وأن الرئيس الحقيقي للبلاد الآن هو صدقي صبحي المتخفي خلف دوبلير السيسي)، أولها الخليج الذي يفضل دائما التعامل مع نوعية رجال اعمال مبارك او الحزب الوطني وثانيها المخابرات العامة التي تتحكم عادة في الاعلام والفنانين، والتي تقلص دورها كثيرا بعد صعود قائد المخابرات الحربية الي القمة. دع عنك ما قد يوجد من قطاعات ساخطة بالجيش موالية لسامي عنان, أو لشفيق, او حتي من القادة الآخرين غير الراضين تماما عن الانقلاب منذ البداية, وان لم يرق تحفظهم (حتي الآن) الي درجة القيام بعصيان أو تمرد مسلح أو انقلاب علي الانقلاب نفسه.

نحن مقبلون علي حرب تكسير عظام أذن داخل معسكر الثورة المضادة، بين المخابرات الحربية وقطاعات الجيش التي يسيطر عليها السيسي من جهة، وبين فلول الحزب الوطني ورجال الأعمال الغاضبين من مطالبات العسكريين المتكررة بتبرعات من أجل انعاش الاقتصاد المنهار من جهة ثانية, وربما أيضا مع بعض قطاعات الجيش الأخرى المتحفظة علي الانقلاب, والتي يشاع أنها لاتزال تتحكم فعليا في مرسي وترفض تسليمه للانقلابيين بشكل كامل من جهة ثالثة. وبينما سيركز السيسي (أو من يقف وراءه كصدقي صبحي) علي تسويق نفسه للغرب كطرف أقدر علي محاربة أنصار الشريعة في شرق ليبيا ودعم حفتر والقضاء علي شبح الثورة الإسلامية من ناحية، اضافة الي تحجيم حماس وضمان أمن إسرائيل من ناحية أخري، فان النظام الذي سينشأ سيكون بالضرورة نظاما قمعيا بوليسيا ذو اقتصاد مهترئ ضعيف و صورة حقوقية مهتزة أمام العالم الحر.  وكل ذلك لا يتفق مع رؤية رجال الاعمال وفلول الحزب الوطني, الراغبين في انتاج و تسويق صورة جذابة للدولة العصرية ذات الاقتصاد القوي المندمج في الأسواق العالمية، والبعد الديمقراطي المدني المحافظ علي حقوق الانسان، والذي لا يمانع في اجراء مصالحة من نوع ما مع الإسلاميين لضمان الاستقرار. الوقت ليس في مصلحة السيسي اذن، فالاقتصاد متدهور بالفعل, والشعب أظهر سخطه بالمقاطعة، ولن يمر وقت طويل حتي تنفصل تماما مسارات فريق السيسي عن فريق رجال الاعمال و الفلول, عن مسار قادة الجيش المتحفظين, ويبدأ كلا منهم في حشد أدواته ضد الطرفين الأخرين, ومنها الاعلاميون الذين يتحكم فيهم الفلول ورجال الأعمال علي سبيل المثال.

فهل ينتهز الإسلاميون ومؤيدوهم الفرصة، فرصة تفرق صفوف الثورة المضادة, ويطرقوا الحديد وهو ساخن ويصعدوا من مدهم الثوري لاستثمار هذا الخلاف لإسقاط الانقلاب؟ أعتقد ان حظوظ الاسلاميين في النجاح تتوقف علي الطرف الذي سيعقدوا معه الصفقة.  فالفلول ورجال الأعمال لايقلون كراهية للاسلاميين ورغبة في تصفيتهم عن فريق السيسي, كل ما في الأمر, أنهم يرغبون في الاحتفاظ بواجهة حقوقية جيدة أمام العالم الغربي.  ولذا فقصاري ما يمكن أن يقدمونه للاسلاميين, هو نظام كنظام مبارك, يتيح للاخوان والسلفيين الحصول علي نسبة من مقاعد البرلمان, وحرية الدعوة, وربما بعض المقاعد الوزارية, ولكن دون تحكم حقيقي في الثوابت الاساسية للسياسة الخارجية القائمة علي التطبيع مع اسرائيل, والتبعية للغرب, اضافة للمنظومة الرأسمالية للاقتصاد, التي تتيح لرجال الاعمال أولئك الاستمرار في قنص ارباح خرافية من التبادل التجاري المفتوح مع الغرب.  قصاري ما يمكن أن يحلم به الاسلاميون اذن ان قبلوا بما يقدمه لهم رجال الاعمال والفلول, هو نظام برئاسة شخصية ليبرالية كالبرادعي مثلا, وبمبادئ فوق دستورية تضمن علمانية الدولة, كمبادئ وثيقة السلمي, وبحرية حركة محدودة في نطاق هذه الأفلاك.

ولكن النجاح الحقيقي يمكن أن يكون حليف الاسلاميين اذا تمكنوا من استثمار الخلاف داخل الجيش لصالحهم, بمعني تعميق القطيعة بين المتحفظين علي الانقلاب وبين فريق السيسي الي الدرجة التي يصبح فيها هؤلاء المتحفظون حلفاء حقيقيين للاسلاميين, مستعدين للوقوف في وجه زملاءهم الانقلابيين من أجل انقاذ مصر.  وربما يظن البعض هذا مستحيلا, الا أن من خدم في الجيش المصري, يعلم تماما كم الضغائن والأحقاد التي يكنها القادة لبعضهم البعض عندما يجدون أن من يدنوهم رتبة أو علما أو خبرة قد رقي بسرعة, او حصل علي منحة تدريبية في الخارج, او استفاد من الانخراط في أنشطة تجارية.  وكما هو معلوم, السيسي نفسه كان لواءا حتي وقت قريب جدا, ولابد أن صعوده الصاروخي قد أثار حفائظ الكثيرين.  فضلا عن أن فشله في ادارة البلاد و تفاقم المشاكل الحياتية, لابد وانه سيعطي الكثيرين ممن تحفظوا في البداية علي الانقلاب (وان لم يصنعوا شيئا للحيلولة دون وقوعه) المبرر الاخلاقي والمنطقي لفعل شيئ في المستقبل القريب.  وبعكس فلول الحزب الوطني و رجال أعمال مبارك, الذين لايتصور أن يرضوا بأي شكل من أشكال التعايش مع الاسلاميين دون تحجيمهم بشكل شبه كامل (علي النحو الموصوف في الفقرة السابقة), فان أولئك القادة العسكريين الساخطين يمكن ارضائهم ببعض الامتيازات المادية أو المناصب الشرفية في حكومة الاسلاميين الجديدة بعد سقوط الانقلاب, فضلا عن اللعب علي وتر أنهم بانقاذهم لمصر من الهاوية التي كانت تسير نحوها مع الانقلابيين, قد صاروا أبطالا في نظر كل المصريين.

الأيام حبلي بكل جديد, ويأتيك بالانباء من لم تزود, ولكن استقراء الأحداث في الفترة الاخيرة يشي بانشقاق واضح في صفوف الانقلابيين, مما يفتح ثغرات كثيرة أمام الاسلاميين للولوج منها, ان أحسنوا التخطيط, فلننتظر ونري.

Saturday, May 24, 2014

هل تقنع انتصارات داعش الغرب بإعادة الاخوان للسلطة؟

فيه حاجة يا جماعة انتوا مش منتبهين لها في وسط كل اللي بيحصل. الحاجة دي هيا اللي بتعمله الدولة الاسلامية للعراق والشام (داعش) في العراق حاليا وليس في الشام. الناس كلها ملهية باللي بيحصل من داعش في سوريا,من حيث اصطدامها بجبهة النصرة والفصائل الاسلامية التانية, بس ماحدش مركز في اللي بيحصل في العراق, داعش تقريبا سيطرت علي كل الأنبار (الرمادي, الفلوجة) ووصل من جبروتها انها حولت مجري الفرات عشان اولا تعيق تقدم قوات المالكي في الارض الغرقانة. وثانيا عشان تعطش المحافظات الجنوبية ذات الغالبية الشيعية زي كربلاء والناصرية, الخ الخ. الوضع خطير جدا. جدا جدا. ووجه الخطورة مش الدمار أو الخراب في حد ذاته, لأن العراق خربانة بالفعل. وجه الخطورة هيا انه لأول مرة الجهاديين بيتحولوا من تنظيم لدولة.  يعني بدل ماهما جماعة ارهابية اسمها القاعدة بتفجر هنا او بتغتال هناك, بقي ليها كيان وحدود وموارد بشرية وطبيعية تحت ايديها. الحكاية دي جذابة جدا لملايين الشباب المسلم المحبط, لأنك فعلا "حتهاجر" لبلد لها "امير مؤمنين" فعلا وليس مجازا, وحتشارك في حرب حقيقية يؤدي الانتصار فيها لتمدد دولة الخلافة علي الأرض, وليس مجرد أغاظه الكفار بتنفيذ تفجير هنا أو هناك, كما كان الحال مع القاعدة نفسها حتي الأن. مفيش حد عارف يقف قدام داعش, لا الاسد عرف, ولا المالكي عارف, ولاحتي جزب الله بمقاتلية الاشوس والحرس الثوري الايراني عرفوا. من وجهة نظر أمنية غربية، الموقف في غاية الخطورة، لأنه بيبشر بأنه يصبح الراية أو اللواء اللي ملايين الشباب حيلتفوا حوله, واللي حيغير الخريطة في المنطقة باكملها. عشان كده الغرب ماضربش بشار لما استخدم الكيماوي ضد المدنيين في الصيف اللي فات , لأنه اقتنع اخيرا, انه أقل خطرا من الجهاديين اللي زي داعش. و حاليا ابتدأ الغرب يدخل تدريجيا في تفاهمات مع ايران (وهوه واسرائيل بيتجرعوا السم اللي هوه تقديم تنازلات للعدو الشيعي اللدود, اللي هدفه المعلن إزالة اسرائيل) لأن خطر أهون من خطر, وايران في نهاية المطاف دولة تعرف يعني ايه التزامات دولية (لها مسكة) أما داعش, فمعندهاش حلول وسط, واللي شاف الإصدارات المتتالية بتاعة صليل الصوارم حيشوف أد ايه سهل عندهم قطع رقاب المخالفين او صلبهم, يعني باختصار, الرعب اللي بيبثوه في نفوس أعدائهم لايقل تاثيرا عن الرعب اللي كان التتار بيستخدموه لقهر الخصم نفسيا, والحاق الهزيمة بيه حتي قبل أن الجيشين يتقابلوا. 

ايه علاقة ده كله بمصر؟ علاقته ان الانقلابيين حاسين جدا بنقطة ضعف وخوف الغرب دي من الجهاديين عموما وداعش خصوصا. عشان كده الانقلابيين بيحاولوا يبينوا للغرب انهم هما اللي واقفين كسد منيع يحول دون اجتياح الجهاديين للمنطقة, في الشرق من سينا, وفي الغرب من ليبيا. فالمشكلة اذن هيا ان الغرب بسبب خوفه الشديد من الجهاديين, مستعد للتغاضي عن حقوق الانسان ومبادئه الديمقراطية الخ الخ.  ولهذا نري أن الجهات الخاصة بالدفاع عن أمن الوطن وسلامته في الغرب (كالبنتاجون مثلا) هي المتولية فعليا للملف المصري وليس البيت الأبيض أو وزارة الخارجية, اللي دايما بيهتموا أكتر بالقضايا المؤثرة في صورة أمريكا قدام العالم الخارجي, زي الإصلاح السياسي او الديمقراطية أو حقوق الانسان. فمن المنطقي اذن فهم الموقف الأمريكي أو الغربي عموما من هذا المنظور, لأنه في نهاية المطاف, حيتم تغليب المنظور الأمني علي أي منظور آخر, وبالتالي الطرمخة علي حقيقة أن الانقلاب فيه انتهاك لحقوق الانسان أو انتقاص من الديمقراطية, مادام بيعالج الهاجس الأمني (أو هكذا يعتقدون).  المشكلة اذن هي ان مسألة "الارهاب" في مصر ستصبح نبوءة ذاتية التحقيق.  بمعني انه "تنبؤ" الانقلابيين بيها حيدفعهم لاجراءات قمعية عنيفة ضد الإسلاميين, اللي بيمثلوا محيط كبيربيمتد من الصلاحيين للثوريين ومن "المعتدلين" "للمتطرفين" فضرب "المعتدلين" حيؤدي بالضرورة لتحول التوازن الداخلي في صفوف الإسلاميين نحو "التطرف" ومن ثم لعنف مضاد للنظام.  وده بدوره حيزيد من مخاوف الغربيين وحيدفعهم أكثر لتأييد الانقلاب, مش عن ايمان عقائدي, لكن كرد فعل طبيعي, لإحساسهم المتزايد ان الانقلابيين هما الطرف الوحيد القادر علي تحجيم أو ايقاف الارهاب من الوصول لشواطئهم. طبعا زي ما اتفقنا, التفكير ده من قبل الغرب خاطئ تماما, لأن وجود العوامل المثيرة للمقاومة المسلحة (الاسد في سوريا او السيسي في مصر) هيه اللي بتزود "الإرهاب", لكن الغرب في حساباته المعقدة معندهوش مانع انه يبقي فيه "ارهاب" طالما انه مش بيوصل لبلاده, وطالما ان فيه عملاء من البلاد العربية بيتكفلوا بمقاومته بعيدا عن الغرب, يبقي مفيش مشاكل من وجوده. علي عكس التفكير السليم اللي بيقول انه إعطاء الفرصة للتيارات "المعتدلة" زي الاخوان مثلا, كفيل بأنه يحول التوازن الداخلي في اتجاه المعتدلين, يسحب البساط من تحت أقدام المتطرفين.  من هنا يتضح أن الغرب خد قرار فعلا بالاعتراف بالنظام الجديد في مصر, وانه مستني الانتخابات, أيا كانت كيفيتها, عشان يعترف بالسيسي بشكل كامل.  وساعتها حيزداد الضغط علي الاسلاميين المعتدلين علشان "يندرجوا في العملية السياسية" في مقابل شوية تنازلات شكلية لاقيمة لها من السيسي. وساعتها, ممكن توقع أن بعض الإسلاميين اللي عنهم ميول للعمالة (زي مصر القوية, او الجناح الوسخ في الجماعة الإسلامية) ممكن يبيعوا القضية وينضموا الي حزب النور في مسير التعريص.


  فاذن نصل من ده كله الي نتيجتين هامتين، أعتقد أن انا كتبتهم قبل كده برضه علي تويتر, بس مافيش مانع نكررهم تاني.  أولا, ان العنف المقاوم للانقلاب "الارهاب بلغة الانقلابين" او "الجهاد بلغة الاسلاميين" حيتصاعد وينتشر وقد يؤدي لحروب اقليمية في ليبيا مثلا, اللي التدخل المصري المنتظر الي جانب حفتر حقيق بتحويل أنصار الشريعة والميليشيات الإسلامية الأخرى في شرق ليبيا الي داعش جديدة.  ثانيا, انه الزخم السلمي بتاع المظاهرات من ناحية, والتكتلات (زي الاعلان بتاع بروكسل أو القاهرة بتاع امبارح)مش حيؤدوا لاسقاط الانقلاب في حد ذاتهم وان كان لهم فايدة تانية.  الفايدة دي هيا أنه لما يصل العنف والعنف المضاد بين الانقلابيين والمقاومين الي مداه الاقصي, والفوضي تعم البلاد, حيبتدي الغرب يعيد حساباته من جديد.  لأنه حيكتشف (متأخر كالعادة) ان الانقلابيين مش هما اللي حيمنعوا الجهاديين "الارهابيين" من الوصول لشواطئهم أو السيطرة علي المنطقة.  وانه لازم يكون فيه بديل "معتدل" يقبل يستلم السلطة عشان يهدي الأوضاع (زي كده مالانجليز جابوا النحاس في 4 فبراير عشان يهدي الأوضاع الداخلية ويمنع المصريين من تأييد الألمان), وساعتها حيلاقي التحالفات والتكتلات دي زي اللقية ويتفاوض معاها ويسلمها السلطة.  يعني التكتلات دي حتكون زي المجلس الوطني السوري او حكومات المنفي الأخرى, من حيث انها هيا اللي حتقطف الثمرة, بس مش هيا اللي حتهز الشجرة. الجهاديين هما اللي حيهزوها.  وبكده يكون الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والارض ويرجع الاخوان للحكم ويرجع الجيش لثكناته, لما الغرب يوقن ان قضا أخف من قضا.  بس أنا مش متأكد أن دي حتبقي حاجة كويسة ساعتها, لأن البلد حتكون خربت أولا, والاسلاميين "المعتلين" = الاخوان و"المتطرفين" = الجهاديين حيقطعوا بعض (بالضبط زي ما داعش والجيش الحر بيقطعوا بعض دلوقتي, بس ده له حديث آخر). أما عملية ان "الزخم الشعبي" حيسقط السيسي, فده مستبعد الا في حالة واحدة بس.  اللي هيا لو الغرب بطل غباوة, وشاف المصير الاسود اللي البلد والمنطقة رايحه له, فيدي الاشارة لعرص من عرصاته العملاء في الجيش المصري انه يعمل التغيير اللي قلت عليه ده.  اللي هوه القيام بانقلاب داخلي علي السيسي, وتسليم الامور للاخوان "ولو بشروط زي وثيقة السلمي كده" للحيلولة دون السيناريو المخيف المتقدم.  وطبعا بما ان الحياة مفيهاش أبيض واسود, فغالبا اللي حيحصل حيكون سيناريو وسط بين السيناريوهين المتقدمين.  يعني حيحصل شوية عنف وشوية خراب وشوية دمار, وشوية انهيارات اقتصادية وعمليات جهادية, يعقبها تدخل للجيش بايعاز غربي واعادة الاخوان للسلطة بشكل أو بآخر و بصلاحيات منقوصة.  قد ايه عنف, وكم من الضحايا, وبعد انهيار اقتصادي مقداره ايه, وبعد كام يوم او شهر او سنة, وقد ايه مقدار السلطات اللي الاخوان حيستعيدوها في نهاية المطاف, كلها امور مافيش حد ولا الجن الأزرق يقدر يتنبأ بيها دلوقتي.  طبعا فيه رأي له وجاهته بيقول أنه الافضل ان الجهاديين ينتصروا ويكسحوا كل الزبالة اللي في المنطقة كلها واهو خراب خراب خليها تنضف.