نتيجة الجولة الاولي من انتخابات الرئاسة المصرية أكدت
مجموعة من المسلمات, اللي بنيت عليها معظم تحليلاتي السابقة, وأعدتها مرارا
وتكرارا سواء علي تويتر, او في ردودي علي المدونين الاخرين وهي تنحصر في أربع نقاط
اساسية:
أولا: مفيش حد عميل للمجلس غير مرشحي الفلول
زي ما توقعت ان انسحاب البرادعي نهائي بسبب حساباته
الصحيحة لخريطة توازن القوي, وخلوصه الي ان فرصته ضعيفة, بينما غيري أكد انه عميل
للمجلس, وانه حيرجع في اللحظة الاخيرة للسباق, كمان أنا أكدت ان مفبش حد من
المرشحين الحاليين ألعوبة في ايد المجلس أو حيقبل يكون عروسة ماريونيت في ايد
النظام (باستثناء شفيق وموسي طبعا). .بينما غيري نظروا ان أبو الفتوح كان من
قيادات الجماعة الاسلامية في السبعينات (واللي كلها كان مخترق مخابراتيا من الداخل
والخارج), وبالتالي هو المرشح الحقيقي للمجلس, والناس الهبل حتصوتله وهيه فاكراه
ثوري. وناس تانية كمان قالت ان مرسي بالذات, أو الاخوان عموما متفقين مع المجلس,
والخلاف اللي بيحصل مابينهم كله تمثيليات, وان المجلس حيسمحله يشيل الشيلة من أول
جولة. أظن ان السقوط المريع لابو الفتوح, اللي ان دل علي شيئ فانما يدل علي انه
ماكانش مرشح النظام ولا حاجة. والوضع الوسخ اللي مرسي فيه دلوقتي أثبتوا للجميع ان
مفيش حد من الناس دي -مع اختلافي التام معاهم-عميل او خلية نائمة للمجلس, وان
المجلس كان ولا يزال عايز يسقطهم بالثلث.
ثانيا: المجلس مش عميل لاي جهة أجنبية
وبيتصرف لحسابه الشخصي فقط
زي ماكررت قبل كده في أكثر من موضع, المجلس بيدافع عن
مصالحه خصوصا ومصالح القوات المسلحة عموما اللي اكتسبها عبر سيادة العسكر طول
الستين سنة اللي فاتوا. واذا ظهر سطحيا ان فيه تطابق في المصلحة بينه وبين جهات
خارجية فده كل مافي الامر: تلاقي مصالح, وبمجرد ماتختلف المصالح دي كل واحد من
طريق. ده في الوقت اللي غيري أكد ان المجلس بيتلقي تعليماته من بره وان المخطط
مرسوم عشان عمرو موسي يعتلي كرسي الرئاسة. أظن بعد ماكل حشد الحزب الوطني وامن
الدولة والجيش ذهب في اتجاه شفيق, اللي مفيش خلاف علي انعدام لباقته وحدة طبعه
وعدم اتساقه مع النموذج التقليدي للدبلوماسي المحفلط الذي تريده القوي الخارجية
دائما في مثل هذه الظروف كرئيس يستطيع بلف قطاعات كبيرة من الشعب, وتسكين مخاوف
السذج من الثوار المخدوعين مع تنفيذ الاجندات الخارجية, مفيش مجال للشك في ان
المجلس هو الفاعل وليست القوي الخارجية. المجلس بكل فجاجته وصراحته ومباشرته, الي
تفتقر الي أي مناورة أو محاولة للاختفاء وراء ستار او قفاز من حرير.
ثالثا: المجلس ماعندوش خطط جهنمية ولا يحزنون
برضه فيه بعض الاخوة استغرقوا في التفكير, وهالتهم فكرة
ان المجلس اللي متبت في السلطة حيتنازل عنها بكل بساطة بعد 30 يونيو لرئيس قد لا
يكون منهم, فهدتهم قريحتهم العبقرية الي تصور مخططات معقدة يتم فيها سحب الصلاحيات
الدستورية للرئيس الجديد وابقائه كشرابة خرج أو خيال مأتة يحكموا من ورائه, أو
مخططات أخري يتم فيها ترسيم خلية نائمة علي طراز جورباتشوف كرئيس (ابو الفتوح او
البرادعي مثلا) يحكم المجلس من ورائه. أظن أن تصعيد شفيق للدور الثاني بكل الوسائل
التي شاهدها الجميع, والوقوف ورائه بكل قوة هو أكبر دليل علي خطأ هذه التوقعات
وعلي أن المجلس سيسلم السلطة فعلا بعد الانتخابات, ولكن خطته البسيطة جدا والخالية
من أي تعقيد تنحصر في انتخاب رئيس عسكري يستمر بحكم الجيش وسيطرته علي مقدرات
السياسة في مصر الي مالا نهاية.
رابعا: الصراع الحقيقي ينحصر بين الاخوان
والنظام القديم
كم دبجت المقولات في شعبية هذا المرشح او ذاك (عمرو موسي
وابو الفتوح تحديدا) ولكن قراءة بسيطة للواقع التصويتي في مصر عبر العقود الثلاثة
الاخيرة توضح ان القدرة علي الحشد والتربيط خصوصا في الريف والصعيد هي العامل
الحاسم في جمع اصوات الكتلة الانتخابية الاكبر وهي لعبة اتقنها الاخوان (عن طريق
سنين من سيادة انتخابات الاتحادات الطلابية والنقابية ومجلس الشعب كما اوضحت سابقا
ايضا) والحزب الوطني (من خلال اساليب كمال الشاذلي قديما وأحمد عز حديثا). وعلي
هذا ففرص ابو الفتوح انتهت تقريبا من اللحظة التي قرر فيها الاخوان الدفع بمرشح
(سواء كان الشاطر أو مرسي), كما ان حظوظ موسي تقلصت حين اختارت فلول النظام الزج
بشفبق كمرشح مباشر يضمن استمرار حكم العسكر في مصر.
استراتيجية
النظام في الجولة الاولي
قبل نزول مرسي, أكدت كل استطلاعات الرأي تفوق ابو
الفتوح, وهذا شكل مصيبة للنظام, لأن ابو الفتوح بقبوله من قطاعات واسعة من الاطياف
السياسية يمثل مرشحا توافقيا يمكنه الفوز ببساطة من أول جولة, وان تعذر ذلك, سهل
عليه جمع الاصوات من مختلف الاتجاهات في جولة الاعادة مع مرشح النظام. ولذا تلخصت
استراتيجية الفوز في تقليص كتلته الانتخابية, وتصعيد مرشح استقطابي لجولة الاعادة
امام مرشح النظام, تسهل هزيمته فعلا في صندوق الانتخاب (بعد الحشد والتلاعب
بالكشوف وغيره) او بشيئ طفيف من التزوير ان لزم الامر.
ولاتمام ذلك, ذكي النظام من نار الخلاف بين القوي
الاسلامية المختلفة لمنعها من التوافق علي شخص ابو الفتوح والاصرار علي الزج بمرسي
من جانب, وزاد من تلميعه الاعلامي لصباحي الذي لم يكن له ان يفوز بالنسبة التي فاز
بها تحت اي ظرف من جانب أخر. ومع استعار اوار هذا الهجوم المرسي الصباحي
المزدوج, تفتت الكتلة الفتوحية الهشة, وتراجع صاحبها الي المركز الرابع المخزي,
وضمن النظام أن مرشحه سيواجه مرشحا استقطابيا في جولة الاعادة, لن يتمكن علي
الارجح من جمع الاطياف التصويتية اللازمة للتغلب علي مرشح النظام.
استراتيجية النظام في جولة الاعادة
مما سبق يتضح أن المجلس ومن ورائه النظام القديم الجديد
مصمم علي توسيد الامر لشفيق, وقد نجح حتي الان في تهيئة الراي العام الداخلي
والعالم الخارجي لقبول هذه النتيجة. فالاسلاميون الذين حصدوا اكثر من ثلاثة ارباع
مقاعد البرلمان تراجعت كتلتهم التصويتية الي اقل من النصف بكثير (او هكذا يراد
لنا ان نصدق), فأكثر من نصف المصوتين لابو الفتوح ليسوا اسلاميين علي اي حال, فهم اما
برادعيون او ليبراليون او اشتراكيون ممن لن يصوت لمرسي تحت اي ظرف من الظروف. أما
حمدين فحدث عنه ولا حرج. فباستثناء بعض الفنانين او النشطاء ممن قد ترغمه متطلبات الوجاهة الاجتماعية علي الظهور بمظهر الموحد لصف الثورة وتأييد مرشح الاخوان اتقاءا لرئاسة شفيق, تبغض الغالبية الغالبة
من القوميين (او اليساريين المخدوعين ممن صوت لحمدين) الاخوان كراهية التحريم, ويصعب
تصديق أنها ستصوت لمرسي في جوله الاعادة.
وأمل مرسي الوحيد الان ينحصر في بناء تحالف انتخابي قوي
يضم كل الكتلة المصوتة لابي الفتوح وصباحي وهذا امر عسير علي نفسية الاخوان
الاقصائية التي تميل الي الانفراد بالامر, كما ان المجلس قد القي في طريق صباحي
بعض الملهيات عن التحالف مع مرسي, المتمثلة في امكان الطعن علي النتيجة بغية دخوله
جولة الاعادة بدلا من او مع شفيق. ومالم
يتصف صباحي بالتجرد ويدع عنه كل هذا ويقف صفا واحدا مع ابو الفتوح وراء
مرسي (وهذا صعب التصور),فانه لن يفرط بسهولة في كتلته التصويتية, طمعا في استخدامها كنواة لحملات رئاسية قادمة, او كقاعدة شعبية لحزبه المتعثر. والنتيجة الحتمية هي فشل المفاوضات الرامية لبناء هذا
التحالف, او بناءه علي استحياء في اللحظة الاخيرة, او دخول صباحي طرفا ثالثا في انتخابات الاعادة, مما
يؤدي في كل الاحوال الي تفتيت الكتلة التصويتية المواجهة لشفيق وفوز الاخير بالرئاسة.
خاتمة
وفي النهاية نعود الي تصوري السابق من ان طبيعة تكوين
الشعب المصري الحالي لاتسمح في هذه اللحظة,إلا بقيادة الاخوان للمواجهة مع النظام,
وهي قيادة معيبة لكل ماسبق ان اوضحناه من اسباب في المقالات السابقة, الا انها
تبقي القيادة الوحيدة الممتلكة للزخم الكافي لمواجهة النظام. وعلي كل القوي الاخري
وفي مقدمتها اليسار الاختيار بين الاصرار علي الاخلاص لمبادئها الفكرية و نقائها الثوري, مما يستحيل معه تغيير
الواقع علي المدي المنظور, وبين الانخراط في تحالفات براجماتية مع اطراف متباينة فكريا
بغية اسقاط النظام الجاثم علي صدور الجميع. وكلاهما يشبه تجرع السم.
No comments:
Post a Comment