القوة في كل أشكالها المادية لا تخرج عن
كونها محصلة ضرب معامل سعة ومعامل شدة. فالقوة الكهربائية والتي تقاس بالوات تساوي
فرق الجهد بالفولت (معامل سعة) مضروبا في شدة التيار بالامبير (معامل شدة). والقوة
الميكانيكية والتي تقاس بالتورك تساوي المسافة بين نقطة التمفصل ونقطة الاداء
بالسنتيمتر (معامل سعة) مضروبة في مقدار القوة بالنيوتن (معامل شدة) وهكذا دواليك.
وكما علمتنا الطبيعة, فان ما يصح في مجال يصح
في كل المجالات, ولذا يمكن تقدير القوة الانسانية من خلال المنظور ذاته. وهو أمر
مشاهد ملاحظ حتي لمن لا يملك ناصية العلم ولا يعرف الا المشاهدات الحياتية
الاعتيادية. فلا شك ان كلنا متفق علي ان النجاح الدراسي هو رهن بمستوي الذكاء
الفطري (معامل سعة) مضروبا في مدي الاجتهاد (معامل شدة). والقدرة علي الاداء
البدني مرتبطة بمدي قوة البنية (معامل سعة) مضروبة في مدي بذل الجهد (معامل شدة).
ولكن مابغيب عن اذهان معظم الناس هو أن معامل
السعة ليس هو العامل الحاسم الذي يحدد الناجح من الفاشل, أو يفصل القوي عن الضعيف.
فمعظم الاديان والفلسفات المادية والروحية اتفقت علي ان بداخل كل انسان قوة ضخمة
(معامل السعة) لايستخدم منها في العادة الا النذر اليسير. وماالصلاة والصوم
واليوجا والتملي والتنسك والرياضة وغيرها الا وسائل مختلفة لاخراج تلك الطاقة
الكامنة الي حيز الوجود. يبقي معامل الشدة اذن هو الجانب الاخطر والعنصر الاهم في
تحديد مدي القوة الانسانية في نهاية المطاف. وذلك لان كلا منا بداخله قوة كامنة
كفيلة بتحويله الي ولي يري بنور الله, ويبطش بيده ويمشي برجله وتتحد معه مشيئته ,
اذا استعرنا التعبير الاسلامي. او الي نصف اله او تيتان, اذا استعرنا التعبير
الوثني.
فالذي اعطي الجيوش الاسلامية الغلبة علي
الفرس والروم ليست العقيدة, فلم يكن نصاري الروم ومجوس فارس باقل حماسا لعقيدتهم
من مسلمي العرب. وانما هي الحمية والاستبسال والحرص علي الموت في القتال (معامل
الشدة) الذي غير وجه التاريخ, ومكن فئة قليلة أن تغلب فئة كثيرة باذن الله. والذي
مكن جيوش جنكيز خان ومن بعده تيمور لنك أن تسقط بغداد الرشيد وتصل الي مشارف
بودابست لم تكن القوة الروحية للمغول ذوي العقيدة البدائية, وانما كانت شدتهم
وحماستهم التي مكنت كلا منهم أن يكبل عشرة من الاسري المسلمين ويذهب ليأتي بسيف
يقتلهم به وهم ينظرون اليه فرقا. والذي دفع مبارك وبن علي للاستسلام السريع
والتخلي عن الحكم هو الجبن والحرص وخور العزيمة من رجلين يفضلان الحفاظ عن الغنائم
علي الموت دفاعا عن المبدأ. والذي جعل من بلاد ما وراء النهر (خراسان قديما
وأفغانستان حاليا) أرضا عصية علي الغزاة, من لدن الاسكندر وحتي يومنا هذا هو شدة
مراس أهلها وابائهم الضيم ورفضهم الخضوع للغزاة وقتالهم لهم قتالا يحبون معه الموت
علي التسليم والخنوع.
فاذا وصلنا ألي حالنا الراهن وجدنا الامر لا
يختلف كثيرا عن المنظور الموضح أعلاه. فالثوار الذين صبروا يوم الجمل علي رمي
القناصة واستخدموا ما اتاحته لهم أرض المعركة من سلاح (كسر البلاط والزلط وغيره)
بثوا الرعب في نفوس النظام الحاكم, الذي مهما استمات رجاله في الذود عنه لن يصلوا
الي عشر معشار صمود الثوار لانهم يعلمون أنهم ليسوا علي شيئ. ومن قام بمهاجمة
أقسام البوليس وأشعل فيها النار غير عابئ برصاص الجند أوهنت عزيمته عزائمهم, وكسر
روحهم المعنوية, وأرغمهم علي الاستسلام.
أما اليوم فجل ماتطيب نفوس النشطاء بفعله هو
التظاهر والاعتصام , مع أتم الاستعداد للجري والركوع والاستسلام عند أول طلق مطاطي
أو قنبلة غاز. وهذا لن يفت في عضد العسكر أبدا, فهم علي الرغم من بطلان سعيهم
وفساد رأيهم, أمضي عزيمة وأشد تصميما علي الذود عن باطلهم من الثوار عن حقهم.
ومادام الامر كذلك فلن يكون الامر للثوار
ابدا. فهذه سنة الله في خلقه بسطها لنا في الكون كي نتدبرها , وضرب لنا بها
الامثال كي نعقلها, ولاتهنوا في ابتغاء القوم ان تكونوا تالمون فانهم يألمون كما
تألمون وترجون من الله مالايرجون وكان الله عليما حكيما.
No comments:
Post a Comment