Friday, March 16, 2012

لمن يقولون "خلقنا لنعترض"


بينما تعتبر الشجاعة في رفض مالا يراه المرء صائبا مطلوبة ومرغوبة, الا انها لا ينبغي ان تتحول الي رخصة يعطيها الانسان لنفسه لرفض اي جدلية, مهما كانت مستندة الي ادلة او براهين بسبب انها لا توافق هواه. وصحيح ان الانسان يمكنه دائما ان يفكك اي جدلية لا تعجبه, لان نظرية المعرفة (الابستمولوجي) تعلمنا أن كل الحقائق نسبية لانها لا يمكن التوصل اليها الا عن طريق الفهم المنفرد لكل شخص من خلال عقليته وحواسه, التي تختلف بالضرورة عن عقلية وحواس الاخرين, بحسب اختلاف التعليم والذكاء والخلفية الحضارية الخ. أقول بالرغم من صحة هذه ألجزئية الا ان الانسان لا ينبغي عليه ان يتطرف في تطبيقها لتشمل كل شيئ, بما فيها الامور التي أصطلح علي تسميتها بالحقائق العلمية, التي يندر أن تختلف بشأنها الاراء بين البشر علي اختلاف عقولهم وثقافاتهم.

فمثلا يمكن أن يشكك الانسان في تاريخية حرب طروادة, لاننا عرفنا عنها اساسا عن طريق أعمال هوميروس الادبية. كما يمكن ان نشكك في تاريخية حرب البسوس لأن معلوماتنا عنها تأتي من الشعر الجاهلي الذي شكك البعض كطه حسين في نسبته الي عصره بالكلية. ولكن هل يمكن ان يشكك أحد في تاريخية حرب القرم؟ وبنفس المنطق يمكن أن يجادل البعض في حجم او اقتصار المحرقة (الهولوكست) علي اليهود, لان هناك دلائل علي اصابتها لكثير من الاقليات الاخري في اوروبا في ذلك الوقت كالغجر والمثليين والمعوقين, ولكن هل يمكن أن ننكرها بالكلية؟ والخلاصة ان هناك أحداثا وقعت "تحت سمع وبصر التاريخ" يمكن للناس أن يختلفوا بشأن تفاصيلها او الدوافع عليها, ولكن لايمكن انكارها تماما لان الادلة المتواترة لاتدع مجالا للشك في حدوثها.

ويحضرني هنا رأيين لفيلسوفين مشهورين في هذا الموضوع, أحدهما يتناول الرفض كمرحلة من مراحل النضج الانساني, والاخر يتحدث عن شروطه. نيتشه ضرب مثلا للانسان بجمل يتحول الي اسد ثم الي طفل رضيع. وفسر ذلك بان الانسان في مقتبل حياته ينبغي ان تشبه سلوكياته (دابة الحمل والجر) كالجمل, ينبغي ان يكون صبورا علي التكاليف الشاقة, متقبلا لكل الاعباء التي تلقي علي كاهله والتعاليم التي تغرس فيه, لأن الغرض من هذه المرحلة ليس حمل الأثقال في حد ذاته او تكوين عقيدة معينة, ولكن الهدف هو تدريب النفس علي تحمل المشاق, لكي يتسني لها الاضطلاع بالمهام الصعبة التي سيتوجب علي الانسان تحملها فيما بعد. حتي اذا مااتم الجمل تدربه تحول الي أسد هصور عدواني التوجه, لا يفتأ يقاوم ويشاكس كل من يقابله ولا يأتلف مع رأي أو مع انسان. وهذا أيضا مفهوم جدا لأن الانسان بعد ان يكون قد توفر علي قدر لا باس به من المعرفة بطريقة التلقين والتلقي  يجب عليه ان يربي حاسته النقدية, وهذا لن يحدث الا بعد ان يمر بمرحلة يشك فيها في كل ماتعلمه في المرحلة السابقة ويكون ميله الفطري انما هو للكفر بكل ماأعتقده وأمن به لا الي الايمان بمسلمات جديدة. وأخيرا يتحول الاسد الناضج الي طفل رضيع برئ مليئ بحب الاستطلاع لما حوله, والرغبة في فهم كنه الاشياء وحقائقها بقلب وعقل مفتوحين دون تحيز مع أو ضد مايلقي اليه, وانما بفضول ونهم من يريد ان يلعب ويتمتع بمعرفته, لا من ينظر اليه كحمل ثقيل, أو كملمة تنبغي مقاومتها. والخلاصة أن الرفض لكل شيئ مرادف دائما في اذهان الناس لمرحلة المراهقة وهي مرحلة مهمة في سياق النضج الانساني الا انها ليست المرحلة الاخيرة او الاكثر تطورا.

أما هيوم فيسلم بأن حدوث أمر ما ملايين المرات, لا ينبغي أن يؤخذ دليلا علي ديمومته أو علي انه سيحدث الي الابد, طالما لم يتوصل الانسان الي علة الحدوث او الي علاقة السببية. ويمضي هيوم (الذي كان يكتب في القرن الثامن عشر قبل اكتشاف قوانين الكيمياء الحيوية) فيضرب مثلا برغيف الخبز الذي ان أكله الانسان مئات المرات شبع من جوعه, الا ان ذلك غير كاف في حد ذاته لأن يتوقع الانسان أن أكله للمرة الواحدة بعد الألف سيفضي الي نفس النتيجة, لأن ألية الاشباع غير مفهومة. ولكنه مايلبث أن يستدرك فيقول أن التطرف في تطبيق هذا النهج يمكن ان يجعل الحياة مستحيلة, لأن الناس يحتاجون الي ان تبني حيواتهم علي توقعات مستقبلية, كطلوع الشمس وتعاقب الفصول وغيرها, دون ان يفهموا بالضبط الآليات المتضمنة في كل ظاهرة. ويخلص من ذلك الي ان الاعتقاد الانساني ينبغي أن يتناسب طردا وعكسا مع تكرار المشاهدة. وبالتالي يجب أن يزداد التصديق الانساني لكل ما أيدته المشاهدة العملية وأن يشك فيما صادم هذه المشاهدة. ويضرب هيوم لذلك مثلا بقيامة المسيح فيقول أن المشاهدة العملية اليومية المتكررة لبلايين المرات عبر التاريخ الانساني بأن الميت لا يقوم, ينبغي ان نعطيها الوزن الكافي امام شهادة ثلة من الافراد, أدعوا انهم شاهدوا المسيح يقوم بعد صلبه, لأن هناك تفسيرات كثيرة محتملة لتأويل هذه الشهادة كسكر أو جنون أصحابها أو رغبتهم في نشر هذا الاعتقاد بين الناس لاسباب دينية او سياسية ألخ. بينما لا يمكن في المقابل أن نؤول المشاهدة الاعتيادية لبلايين الناس علي النحو ذاته.

والمقصود هو أن الانسان ينبغي ان يحرص علي أن تكون نظرياته وارائه متسقة مع المشاهدات مدعومة بالدلائل, وان يحجم عن اطلاق الاحكام جزافا لأن ذلك انما يدل علي ضعف العقل وفساد الرأي ولا يزيد الناس الا صرفا عن الالتفات عن صاحبها والاعراض عما يقول.

No comments:

Post a Comment