Saturday, March 3, 2012

من يضع الدستور؟


بغض النظر عن الرفض المبدئي لكل ما يجري علي الساحة حاليا من مناورات سياسية, ومغالبات بين المجلس العسكري الذي اغتصب السلطة قهرا دون تقويض وبين مجلس الشعب المنتخب حديثا تحت ظروف لا يوافق عليها الجميع, فان الاقتراح بان تتكون لجنة وضع الدستور من اعضاء البرلمان يضحك الثكالي.  فالأساس في النظام الديمقراطي هو الفصل بين السلطات وتنازعها حني لا يتغول احدها علي الاخر, وحتي يتحقق بينها التوازن الضامن لحرية الشعب من أي قهر أو ظلم. واسناد هذه المهمة الي أحد السلطات الثلات المعتبرة مقدمة لفساد كبير, وشر مستطير. فالرئيس وحكومته (السلطة التنفيذية) ينبغي أن ينفذ القوانين التي يضعها المشرعون (البرلمان) ولا يجب ان يكون له (أو لمعاونيه) اي دور في التشريع او وضع الدستور.  ونواب البرلمان تسند اليهم صياغة القوانين في اطار الدستور, الذي وضعته لجنة مستقلة غير برلمانية.  ولكن أولئك النواب لايضطلعون بكتابة الدستور, ولا بتنفيذ القوانين, ولا في البت في دستوريتها أذا ما شكك أحد فيها. والمحكمة الدستورية تفسر الدستور ولا تضعه, وتقضي بدستورية القوانين ولكنها لا تصيغها ولاتنفذها.

فلا يعقل اذن ان تسند مهمة وضع الدستور الي المشرعين من نواب البرلمان, فهولاء كما تقدم مسؤولون عن كتابة القوانين التفصيلية التي تنظم حركة المجتمع في اطار الدستور. ولا يعقل أن تكلف جهة بمهمة ما, في نفس الوقت الذي تسند اليها وضع ضوابط تنفيذ المهمة. فانك ان فعلت ذلك تكون قد خولت لهذه الجهة سلطة مطلقة, تتيح لها ان تضع ضوابط فضفاضة ضبابية, تتيح لها حرية تنفيذ المهمة بالطريقة التي تحلو لها, مهما خرجت تلك الطريقة عن حدود المألوف أو المعروف.

 الدستور اذن يجب ان يكون كالقاسم المشترك الأعظم الحسابي, يضم كل الأرقام الاولية, ولا يغادر منها شيئا. الدستور يجب أن يكون كالمظلة الجامعة التي يستظل بظلها الجميع, ولا يخرج عن فيئها أحد. ,ولذا فأن مهمة وضعه يجب ان تسند الي جماعة لاتنتمي لاي سلطة من السلطات السابق ذكرها. جماعة تمثل طوائف واثنيات المجتمع بشكل توافقي, غير مذهبي ولا مسيس . وكما ينبغي أن يتسع القاسم المشترك الحسابي لكل العناصر, ينبغي علي الجماعة الوطنية الواضعة للدستور أن ترتقي بالنص الدستوري الي اطار أشمل, كلما ظهر خلاف بين ممثلي الطوائف ولأراء المختلفة للمجتمع حول جزئية ما, حتي يزول الخلاف و ويتوافق أبناء الوطن علي وثيقة تمثل عقدا اجتماعيا لأبناء الوطن, يمكن الاحتكام اليه, والاستظلال بفيئه لعقود طويلة. لا أن يأتي معبرا عن أراء الاغلبية البرلمانية الوقتية, التي قد يمنحها الناخبون لحزب أو جماعة تحت ظروف معينة, ثم يعود فيسحب منهم الثقة بعد وقت وجيز.

No comments:

Post a Comment