Thursday, March 22, 2012

شنودة بين وجدي غنيم وفرانسيس فورد كوبولا


استسمحك عذرا ان اكتب هذه الخواطر في عجالة قبل ان تمحي من الذاكرة, وبالامكان مناقشتها لاحفا, بيد اني الان.علي عجل فآثرت أن اخطها  بيراعي سريعا قبل ان يجف مداده.

 لم استطع ان اغالب ابتساماتي بالبارحة وانا اشاهد اخر تسجيلات وجدي غنيم التي اثارت غضبا واسعا بين المسلمين والمسيحيين علي السواء, والتي كرسها لسب "رأس الكفر والضلال شنودة".  فالرجل لايهاجم شنودة لانه سرق مال الكنيسة او فرط في حق شعبها او مالأ الدولة في ظلمها للأقباط, مما لايختلف اثنان علي قبحه ووجوب لعنه بسببه, ان ثبت عليه ذلك. الرجل يهاجم الراحل لانه ببساطة مسيحي!! وهو يبذل الجهد لاستحضار ايات تكفير عباد الصليب ومقدسي ابن مريم ومؤلهي المسيح, كأن الارض خلت منهم فلم يبق الا شنودة لنصب عليه جام غضبنا ونحمله اثم الاريسيين وخطايا شاؤول الملقب ببولس وجرائم النصاري عبر الزمن. وانا اربأ بك يا اخي ان تقع في مثل هذه الضلالة التي تضحك الثكالي. ولكن بدا لي لاول وهلة انك تهاجم شنودة لانه سلطوي, وهذا لايختلف كثيرا عن هجوم الاخ وجدي عليه كمسيحي. لأنه كما ان شنودة لم يكن ولن يكون المسيحي الوحيد, كذلك هو لن يكون أول أو أخر السلطويين.  وقد استمتعت كثيرا بقراءة استعراضك الرائع, الذي بذلت فيه جهدا مشكورا لتوثيق محاولات متي المسكين بناء كنيسة تخدم الفقراء ومن ثم كيف تحطم الحلم علي صخور الواقع المتمثل في كيرلس ومن بعده شنودة, الذين ارتأيا ان يستمرا بالكنيسة  في نهجها التراتبي السلطوي المتماشي مع طبيعة النظام السياسي السائد في مصر, والذي يعمل فقط لصالح الاغنياء. ولكن غابت عنك في غمرة حماستك ثلاثة امور:

الامر الاول ان تحليلك منبن علي اعتبار السلطوية شرا في حد ذاته, حقيق بان يضفي علي المتصف بها صفات الكراهة والظلم وهو امر خلافي قد اتفق معك بشأنه شخصيا كفوضوي ولكن اغلب الناس لايرونه كذلك. فالناس علي مدار الزمن قد الفوا السلطة التراتبية ولا يجدون حرجا في نفوسهم من القبول بها او الخضوع لها.  ومبلغ طموحهم هو ان تعدل السلطة فلا تجور وان تطبق معايير الشفافية والمساواة في تطبيق القانون ذاته بين الرعية. اما الانتقاض الكامل علي السلطة ونقض بيعتها بالكلية فهو موقف الاقلية الحالمة غير المؤثرة عبر العصور مثلي ومثلك, ممن لاخطر لهم. وخلاصة القول ان اغلب الناس لن يمدحوا متي لفوضويته او يذموا شنودة لسلطويته وانما سيقيمون كلا منهما بما اتي به من مكاسب للطائفة القبطية او اصلاحات كنسية, مع الاخذ في الاعتبار ان النجاح في اقامة كوميون ناجح في الصحراء لا يترجم تلقائيا عند معظم الناس الي نجاح محتمل في ادارة الكنيسة القبطية اذا تولي صاحب النجاح سدة الحكم.

 الامر الثاني انك اغفلت ان مثل هذا الصراع ليس يدعا او مقصورا علي الكنيسة القبطية وانما هو ديدن المؤسسات الدينية حول العالم.  ولعلك تذكر ما اشيع حول مقتل البابا يوحنا بولس الاول نهاية السبعينيات, بعد شهر  من انتخابه, لانه كان رجلا متواضعا محبوبا من الفقراء,  يتحدث بالضمير المفرد لأول مرة في تاريخ الفاتيكان, ويخصص 1% من دخل الكنيسة لفقراء العالم التالث, اضافة لمحاولته توسعة الاصلاحات الليبرالية في العقيدة التي ادخلها مجمع الفاتيكان الثاني في الستينات, والتي كان هو احد عمدها. وطبعا نحن نعرف من خلف بعده ولا داعي لسرد دور هذا الخلف البولندي الأصل في محاربة الشيوعية والردة بالكنيسة الكاثوليكية الي اطار شديد المحافظة سيما في مجالات حقوق الانجاب وزواج المثليين, مما أثلج صدور المحافظين, وبدد آمال التقدميين في استمرار نهج الاصلاح الكنسي الذي بدأه يوحنا بولس الاول.  وقد سرت الاخبار بتسميم يوحنا بولس الاول بين الناس حتي الفت فيها الكتب, وصيغت حولها القصص الدرامية ومن أشهر الأفلام الهوليودية التي تطرقت لهذه القصة الجزء الثالث من الأب الروحي, الذي صور فيه فرانسيس فورد كوبولا حرب عصابات المافيا وفساد بنك الفاتيكان ضد هذا البابا الطيب نهاية باكتشافه ميتا ذات صباح بواسطة احدي الراهبات بعد اقل من شهر علي انتخابه. والمقصود أن المثاليين والمصلحين محاربون في كل زمان ومكان, وكثيرا ماتنتهي حيواتهم نهايات مبكرة مؤلمة. ولكن ذلك لايعني بالضرورة أن من خلفهم من التقليديين السلطويين مسؤولون عن موتهم أو اقصائهم. فكما لم يدع أحد ضلوع يوحنا بولس الثاني في مقتل يوحنا بولس الأول, كذلك لا ينبغي الربط بين موت متي كمدا وقهرا, وبين صعود نجم شنودة واعتلائه عرش مرقص فالأمران منفصلان وان بدا ارتباطهما للوهلة الاولي.

الامر الثالث ان الاعمال انما هي بالنيات,  فليس المهم المسلك في حد ذاته من حيث جدواه او نفعه او حتي حقيته, ولكن السؤال الاهم لم أقدم الانسان علي ذلك المسلك.  وانا شخصيا لااري ان يتحنث راهب في دير لسنوات حتي ينقصم ظهره, ويحرم نفسه من متع الدنيا كالنساء والولد, ثم يمكن وصفه بعد ذلك بالمادية او اتهامه بفعل مافعل ابتغاء عرض من الحياة الدنيا. فالمسلك لايتسق مع هذه الدوافع المفترضة. ومجمل القول انن لا ازال معتقدا ان الرجل قد اجتهد فاخطأ. وانه بفقر خياله وقلة عقله مع عظم همته ومضاء عزيمته, اثر ان يسلك الطريق التقليدي, طريق القوة والسلطة, ليس لمجد شخصي وانما لما تصور انه سيخدم شعب الكنيسة ويحقق مكاسب للاقباط في مصر. ,انا لا اقول ذلك لأعفيه من المسؤلية, أو لأدعي انه أحسن العمل, فأنا معترض علي مجمل سيرته, وأري أنه ألحق أعظم الضرر بطائفته وبأمته. ولكني أردت فقط أن أبسط وجهة نظري في أن ما فعله لا يختلف كثيرا عما يفعله عموم الناس, وانه لم يسر سيرته التي سار ابتغاء عرض دنيوي أو مصلحة شخصية, وانما فعل ما اعتقد بحق ان فيه النفع لقومه ولبني ملته.  وهذا لايعفيه من المسؤلية –عليه من الله ما يستحقه- فنحن معشر المسلمين نعتقد ان اخسر الناس أعمالا, هم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.  وقانا الله وإياكم شر الفتنة وهدانا الي سواء الصراط.

No comments:

Post a Comment