تنصل: القصة الاتية لاتعبر
بالضرورة عن وجهة نظر ناقلها كما انها يمكن فهمها باوجه مختلفة وسأترك لذكاء وخيال
القارئ الكريم اختيار المغزي الذي يريد ان يخرج به منها. كما انها تحتوي علي قدر لاباس
به من الالفاظ الخارجة. وبما ان ناقل الكفر ليس بكافر, فقد اعذر من انذر
كان باما كان فيه سفينة
ركاب ضخمة, القبطان والضباط اللي فيها اتقنوا فنون الابحار, وبدأوا يدخلوا في نوع من
التجارب الملاحية الخطيرة, لصقل مهاراتهم. وكان طريقهم المعتاد بين دول اسكندنافيا
وروسيا مافيهوش مخاطر, لكنهم كانوا بيتعمدوا يغوطوا جوا المناطق اللي فيها جبال التلج
كنوع من التمرين. وكل ماكانت المركب بتطلع في خطوط عرض شمالية اكتر, كان الركاب والطقم
الملاحي بيتململوا اكتر واكتر.
وفي يوم وقف بحار وقال:
ده ظلم.الهوا الساقع بيقطع في جتتي زي السكاكين, هيه الناس دي ماعندهاش رحمة؟ 5 شهور
علي الحال ده؟
فردت عليه راكبة من الدرجة التالتة: احنا الستات
طول عمرنا مظلومين, بيدوا كل واحدة فينا بطانية واحدة بس بينما الرجالة بياخدوا اتنين.
فتدخل بحار مكسيكي وقاله انتا بتشتكي من ايه؟ علي
الاقل انتا بتاخد ضعف مرتبي عشان انتا سويدي وانا لاتيني, انتا تحمد ربنا علي اللي
انتا فيه.
فرد بحار تالت من الهنود
الحمر:اخرسوا انتوا التلاتة . لو ماكانش الامريكان ابادونا وطردونا من بلادنا ما
كنتش اضطريت اشتغل الشغلة الوسخة دي!
وعند هذه اللحظة قام كبير
البحارة وقال: انتوا كلكوا كوم وانا كوم, ليه الكابتن يقولي ياخول لمجرد اني باحب امص
ازبار الركاب؟ دي حرية شخصية.
وهنا سمع الجميع صوت رقيق
بتاع واحدة ست باين علي منظرها الثقافة وحسن الهندام وهيا بتقول: ده مش البني ادمين
بس اللي متهانين في المركب الغبرا دي, ده حتي الحيوانات ماسلمتش من اذيتهم, بيضربوا كلب الحراسة بمنهي القسوة!
علي طول وقف شاب صغير باين
عليه من كلامه المنمق وقدرته علي الخطابة انه ناشط في حزب سياسي وهتف: لازم نعمل كلنا
ثورة علي الظلم ده, لازم البحارة ياخدوا مرتبات كويسة متساوية بغض النظر عن اصلهم العرقي
اوالقومي, لازم الحيوانات تتعامل باحترام, لازم ننهي التفرقة بين الرجالة والستات في
البطاطين, ولازم يبقي عند الجميع حرية مص الازبار.
فكل الركاب المتذمرين امنوا
علي كلام الناشط وهتفوا في صوت واحد: الي الامام الي الامام ثورة ثورة!
وهنا سمع الجميع صوت نحنحة
صادرة من الواد اللي بيسيق المطبخ, واللي كان
ساكت لغاية اللحظة دي ومكتفي انه يسمع كل اللي بيتقال, لكن ما بيشاركسش في الحوار.
قال: واضح ان عندكم كلكم اسباب قوية جدا للثورة, ومحدش يقدر يقول كلمة واحدة ان مطالبكم
مش عادلة ومبررة, لكن اللي انا شايف ان له الاهمية القصوي دلوقتي, اننا نسيطر علي السفينة,
قبل مالمجانين دول يخبطوها في جبل تلج, ونغرق كلنا. وساعتها يافرحتي بالبطاطين اوالاجور
الزيادة او الحقوق المدنية, واولها طبعا حق مص الازبار, لما نكون كلنا متنا ورحنا في
داهية. الحكاية مش محتاجة مجهود كبير, لو عشرة فينا عملوا خطة كويسة, ممكن نهجم علي
كابينة القيادة ونسيطر علي الكابتن و الكام ظابط اللي معاه واحنا اكتر منهم بكتير,
وزي مانتوا شايفينو معظم البحارة اللي المفروض يساعدوهم عندهم مطالب, ومتذمرين هما
كمان, وغالبا حينضمولنا.
لكن طبعا ماحدش التفت له,
لانه كان مرمطون السفينة,وماحدش حيسمع كلام مرمطون.
وبينما كل ده كان بيحصل
علي الدك, كان الكابتن والضباط التلاتة متابعين كل كلمة بتتقال من غرفة القيادة بس
ماحدش من الركاب حاسس بيهم, فبعتوا اصغر الضباط للركاب عشان يسجدهم ويضللهم, فقالهم: والله الراجل القبطان ده مجنون ابن كلب,
واحنا كضباط مش طايقين امه, بس حنعمل ايه, اكل العيش مر, لكن اذا انتوا عملتوا مظاهرة
كبيرة عند قمرة القيادة, حتدونا القوة اننا نضغط عليه, و نجبره علي الرضوخ لمطالبكم
العادلة.
في الاول الركاب شتموه,
واتهمه بعضهم انه جاسوس. لكن في الاخر مالقوش حل تاني, وبدأوا في الحشد لمسيرتهم الضخمة.
وبعد ساعة تقريبا من الهتاف قدام كابينة القيادة, طلعلهم كبير الضباط وبشرهم انه
مع الضباط الاخرين ارغموا القبطان علي تقديم التنازلات اللي طلبوها. وهنا فرح المتظاهرين
بانتصارهم, ورجعوا لحياتهم الطبيعية.
بعد كام يوم, اكتشف
الركاب ان الكابتن خدعهم, وان اللي خدوه كان مجرد مسكن, لان بطانية أو اتنين أو
حتي عشرة مش هما الحل, الحل ان المركب تبطل ابحار بالقرب من القطب الشمالي حيث
لاتنفع تدفئة البطاطين. وان توقف الكابتن والضباط عن نعت رئيس البحارة بالخول,
ماوقفش نظرات الاستخفاف والسخرية والاحتقار في عنيهم كل مابيشوفوه, وان زيادات
المرتبات للبحارة, صاحبها مضاعفة لأسعار الاكل في الكانتين, خلت الزيادة زي قلتها.
أما الكلب فالبعض كان بيسمع صراخه المكتوم بالليل زي مايكون حد بيعذبه, مع انه ماحدش
بقي بيشوفه بيتضرب.
ألخلاصة, اكتشفوا انهم
اتضحك عليهم, لكن قبل مايبتدوا جولة جديدة من المظاهرات, رجع المرمطون يفكرهم ان المشاكل
الفردية اللي شاغلاهم مش هيه القضية, وان المصيبة الكبيرة ان المركب بحالها علي وشك
تغرق, لكن ماحدش سمعله, بل واتهموه بالفاشية وتفوا علي وشه وضربوه وكادوا يفتكوا
بيه.
وتكررت دورة
الاحتجاجات من الركاب, والتنازلات من القبطان والضباط. وفي كل مرة, كان الجميع بيرجع مبسوط, الركاب عشان
حققوا شوية مكاسب, والطقم الملاحي اللي التنازلات
لاتعني حاجة بالنسبة له ولا تكلفه الا القليل. لان كل اللي يهمهم انهم مفيش حد يجبرهم
علي تغيير خط السير, أو يمنعهم من مواصلة تجاربهم الملاحية الخطيرة.
وفضلت المركب تبحر شمالا, لغاية ما وصلت للقطب وارتطمت
بجبل جليدي ضخم, واتفلقت نصين وغرقت ومات كل الركاب والطقم الملاحي اللي فيها. تمت
No comments:
Post a Comment