Saturday, April 14, 2012

العقلانية في الميزان




نبتدي منين الحكاية؟ أيوه لقيتها. انتي عارفة أغنية جايين الدنيا مانعرف ليه؟ أو جئت لاأعلم من أين؟ هذه هي لب المشكلةلأن الانسان اكتشف منذ اللحظة الاولي انه بيعيش حياة قصيرة مليئة بالمنغصات وبعدين بيموت ويتحول الي العدم وفي أثناء حياته دي بيبقي مش عارف يتصرف ازاي في القرارات اليومية فضلا عن المصيرية لان مافيش نهج واضح يبينله الصح من الغلطوالتردد المستمر ده بيخلق عنده حالة من الغثيان (زي ماسماها سارتر) او القلق (زي ماسماها هايدجر)بتكفر عيشته وتعكنن حياته لدرجة ان مجرد البقاء علي قيد الحياة بيبقي سؤال مالوش اجابة واضحة في عالم عبثي مليئ بتهكمات الاقدار والجنون الغير مبرر زي ماقال كامي

لكن لحسن الحظ فيه علاج للحالة دي (عشان مينا يتأكد اني دكتور) بيشفي من كل الاعراض اسمه الدين. ميزة الدين تلات حاجات: أولا انه منطقي وبديهي مين اللي خلق السموات والارض بكل هذا النظام البديع؟, وثانيا انه بيجاوب علي السؤال اللي في الاغنية المذكورة أعلاه لأن كل دين بيحط قصة تفصيلية للخلق الانسان له فيها دور ووظيفة محورية وبالتالي مفيش احساس بالعبث او العدم لأننا عارفين احنا جايين منين ورايحين فين. وثالثا أنه بيدي وصف تفصيلي للطريقة اللي المفروض نعيش بيها في حياتنا. بيرسم لنا منهج حياة مفيش معاه مجال لقلق ولا لغثيان, وبالتالي عاش أغلب البشر منذ فجر التاريخ حياة نفسية سليمة لحد كبيرصحيح حياة بائسة فقيرة لمعظمهم لكن فيه يقين وفيه امل في الاخرة او التناسخ فلما جت العقلانية هدت معظم الجدليات الدينية عن طريق ايجاد سيناريوهات بديلة لنشأة وتعقد الخلق بدلا من افتراض وجود الخالق, وعن طريق توضيح الاخطاء التاريخية والمنطقية والهجائية في الكتب المقدسة وانها في نهاية المطاف نصوص بشرية, وعن طريق بيان اهتراء وعدم تماسك المنهج الاخلاقي والبنيوي للأديان المختلفة عاد الانسان لنقطة الصفر الوجودي وعاد القلق وعاد الغثيان وبدء الشقاء الانساني المتمثل في زيادة الاكتئاب والانتحار والحروب العالمية المدمرة والمذابح الاثنيةالرهيبة طول القرن التاسع عشر ونص العشرين واستقر الحال بعد ذلك والي الان علي المجتمع الاستهلاكي المعاصر الذي يحاول فيه الانسان مداراة الغثيان والقضاء علي القلق عن طريق الاستهلاك وأصبحت صرعة الشراء وتملك كل ماتنتجه الرأسمالية المعاصرة من أدوات رفاهية غير ضرورية كالماء المالح الذي كلما ازددت شربا منه زاد عطشك واشترك الجميع في الاثم فمن يؤمن بالرأسمالية يسعي لزيادة ملكيته الخاصة من أدوات الاستهلاك والترفيه ليقضي علي قلقه وخوائه الداخلي والشيوعي في الغالب هو انسان فشل في ان يكون رأسماليا ناجحا فهو يسعي لامتلاك نصيبه من أدوات الرفاهية عنوة تحت اسم التوزيع العادل للثروات ولكن كلاهما مريض بذات مرض الاستهلاك لدرء القلق والقضاء علي الغثيان الناشئ من الخواء الروحي بعد أن دمرت العقلانية العقيدة

يبقي الشؤال الأساسي ماهو ذنب العقلانية في ذلك كله؟ هل ذنبها انها سلطت الضوء علي اهتراء المنطق الديني؟ وفضحته كأفيون للشعوب؟هل ذنبها أنها بينت للانسان علاقة السببية بين العلة والمعلل؟ وجعلت تحقيق الاهداف نظاما منهجيا يمكن اتقانه وتطبيقه المرة تلو المرة؟أعتقد أن المشكلة تكمن في أن البشر خلطوا بين محاسن العقلانية كأداة وكوسيلة للوصول للنتائج من ناحية وبينها كفلسفة أخلاقية أو عقيدة دينية من ناحية أخري فكما قال الفقهاء المسلمون ان العقل دابة تصل بها الي الملك ولكنك لا تدخل بها عليه كذلك يمكننا القول ان العقلانىةهي الوسيلة الوحيدة المجربة لتحقيق الاهداف ولكنها لاتصلح كإجابة علي الاسئلة الوجودية أو كمنهج حياة لانها في هذا السياق معول هدم لا لبنة بناء وهنا تكمن مشكلة الانسان المعاصر لانه يتوجب عليه ايجاد نهج حياتي اخلاقي (بالضرورة لاعقلاني) كي يستطيع مواصلة حياته في نفس الوقت الذي يتسلح فيه بالعقلانية كأداة وكوسيلة لتحقيق أهدافه الحياتية دون تحول لمنهج أو غاية في حد ذاتها وهذا امر بالغ الصعوبة لأن العقلانية كما قلنا هي اداة تفكيك ومعول هدم لأي نهج اخلاقي لاعقلاني يمكن ان يضعه المرء لنفسه لكي يتسني له اكمال مسيرته الحياتية

فأنا مثلا كفوضوي أحاول دائما اقناع نفسي بحقية الاناركية كنظرية مجتمعية تضمن السعادة لأكبر قدر من البشر ولكن عقليتي التحليلية لن تلبث ان تفكك هذه الجدلية وتمزقها اربا وتوضح انها ضرب من الاحلام والترهات الذي لا يمكن تحقيقه وهنا يأتي دور الاسطورة والفن وعالم الرمز الذي يلتف حول العقل الواعي التحليلي ويصل لعمق اللا شعور فيلقي الفكرة في روعه فتصيبه من غير وتر ولاسهم وتصل الي شغاف قلبه فيطمئن قلبه بها ويزول قلقه وغثيانه ويمضي في مسيرة حياته غير عابئ هذا الفصل بين اللاوعي اللاعقلاني الذي يحب ويكره ويؤمن ويكفر ويتخذ القرارات المصيرية وبين العقل الواعي المنطقي التحليلي الذي يرسم الخطط ويحدد الاهداف المرحلية لما سبق وفصل فيه اللاوعي اللا عقلاني اساسي جدا للصحة النفسية ولخلاص البشرية فبدون الاول سنستمر في الدوران في الماتريكس الاستهلاكي الرأسمالي الحالي وما يصحبه من خواء وغثيان وقلق و يأس وقنوط واكتئاب ومن غير الثاني سنعود الي عصور الجهالة والتعصب وسفك الدماء التي ميزت فجر الوجود الانساني قبل ان تشرق شمس العقل وعلي هذا فأنا انسان عقلاني التفكير لاعقلاني المذهب ولا أجد تناقضا بين الوصفين ولو مقدار حبة خردل

No comments:

Post a Comment