لا أدري لماذا تذكرت الان المثل المعروف
(الارقام لا تكذب, ولكن الكاذبون يتلاعبون بالارقام) ربما تذكرته لكثرة الهجوم علي
العلم والمنهج العلمي الذي اصبح متفشيا بين العامة والخاصة, تارة تحت اسم الدين,
وتارة تحت ستار ما بعد الحداثة. و ربما تذكرته لانني كطالب للعلم قرأت منذ سنين
عديدة الكتاب الاشهر لكارل ساجان "العالم الملئ بالاشباح: العلم كشمعة في
الظلام" في هذا الكتاب استعرض ساجان باقتدار تطور المنهجية المعرفية للانسان
عبر العصور, وبين كيف يمكن تقسيم التاريخ الانساني لما قبل و مابعد المنهج العلمي.
وبين كيف ان المنهج العلمي لايدعي الهيمنة علي المعرفة, او امتلاك ناصية الحقيقة,
وانما يطرح اسلوبا للتفكير بناءا علي التجارب والمشاهدات. يؤدي في النهاية الي
قناعات وقتية بشأن ما نتصور انه التفسير لظاهرة ما, وعلي الرغم من كم الادلة علي
هذه القناعة, الا انها تبقي دائما وقتية قابلة للتخطئة, اذا ما ظهر من الادلة
والتجارب والمشاهدات ما ينقضها و يبين القصور فيها. وعلي ذلك فالعالم الحق لا
يعتنق عقيدة معينه, وانما يدور مع الدليل حيث دار. وبالرغم من القصور في هذا
المنهج, لانه يحصر نفسه في القضايا الخاضعة للمشاهدة والتجربة, ولا يتعرض لكثير من
الاهتمامات الانسانية الاخري,
الا ان اختبار الزمن قد بين انه يبقي الوسيلة الاكثر
صدقا في وصف الظواهر المختلفة من اي منهجية اخري.
ومن القصورات التي لابد من الاعتراف بها جمود
العلم الذي يزداد كلما ازداد ثبات النظرية, حتي يتحول الي رفض اشبه برفض
المتدينين
المتعصبين لديانتهم. وهذه نقيصة متعلقة بطبيعة التراكم المعرفي للعلم في حد ذاته,
ولا يوجد لها علاج سهل أو سريع. ولتوضيح ذلك دعنا نشبه التراكم المعرفي في حقل
معين من حقول العلم بلبنات البناء, التي يستخدمها البناءون لتشييد حائط ضخم منيع,
هو النظرية العلمية النهائية الخاصة بهذا الحقل المعرفي أيا ما كان. ففي البداية,
توجد حرية مطلقة للبنائين كي ينظموا ترتيب اللبنات مع بعضها البعض, لأنهم يبدأون
من فراغ مطلق, يضاهي حال الجهل المبدئي المطلق بما ستكون عليه النظرية. حتي اذا
مانتظم عدد لابأس به من اللبنات وتكون شكل مبدئي للحائط, كانت مهمة الجيل الثاني
من البنائين أكثر تقيدا بالشكل المبدئي الذي بناه أسلافهم, بمعني ان أولئك
البنائين التاليين, سينزعون بشكل تلقائي الي وضع لبناتهم بحيث تنسجم مع الشكل
العام للبناء الاصلي, دون الأخذ في الاعتبار أن هذا البناء الاصلي ربما كان خطأ
بالكلية, وان الامر ربما احتاج الي هدمه وبناءه من جديد. ويستمر الامر هكذا حتي
نصل الي الجيل الاخير من البنائين, الذين يتوجب عليهم وضع اللبنات الاخيرة
المتبقية. وهنا تظهر الحقيقة جلية لامراء فيها, لانه من السهل جدا تحديد صحة
البناء الاصلي (والتكملة الوسيطة) بمجرد النظر الي التجويفات القليلة المتبقية في
الحائط, ومقارنتها بشكل اللبنات المتبقية, فان وافقا بعضهما البعض, تأكد البناؤون
من صحة البناء كله وأكملوه, والا تحتم عليهم هدمه كله, واعادة بنائه من جديد. وكما
رأينا فهذا الجمود الذي يؤدي الي رفض كثير من الافتراضات الوجيهة لتعارضها مع
البناء الأولي هو من أكثر ما يؤخذ علي العلم, ولاعلاج له الا بأن يوسع العلماء
أفقهم, ولا يخلطوا بين الافتراضات الاولية والنظريات النهائية, وان يكونوا دائما
علي استعداد لمراجعة ما قد دخل في باب المسلمات اذا قام دليل علي دحضه.
و هنا يجب ان نبرئ العلم من سوئتين مرتبطتين
به بشكل او بآخر, يكثر اتهامه بهما اما عن جهل الجاهل, او اغراض المغرض: أضرار التكنولوجيا,
ومساوئ التطبيقات الاجتماعية. فالتكنولوجيا هي التطبيقات العملية للنظريات العلمية,
والتي غالبا ماتؤدي الي ابتكار اجهزة او تقنيات ذات استخدامات مختلفة (غالبا
لأسباب تجارية), قد تضر او تنفع المجتمع, حسب وجهة نظر الرائي. ولكن الخلوص الي
ضررها لا ينبغي ان يؤدي بنا الي الانتقاص من العلم النظري الذي انبنت عليه , والذي
هو بالضرورة محايد أخلاقيا, وليس ضارا في حد ذاته. فاكتشاف اينشتين لامكان تحويل
الكتلة الي طاقة يبقي نظرية علمية بحتة, واضافة جليلة لتراث المعرفة الانسانية. وليس
اينشتين بمسؤول ان اوبنهايمر او غيره قد حول, او أجبر علي تحويل, هذه النظرية الي
قنبلة ذرية تقتل الاف البشر. ونفس الشيئ ينسحب علي التطبيقات الصناعية لميكانيكا
نيوتن, والتي أدت الي كارثة الثورة الصناعية من وجهة نظر الفوضويين البدائيين من
أمثالي, لأنها قضت علي المجتمعات الرعوية او الزراعية البسيطة, ومهدت الطريق لظهور
الماتركس الاستهلاكي الحالي (ولذلك حديث مستقل ان شاء الله) وفي كل الأحوال, يبقي
الهم المعرفي الذي يدفع العالم الي البحث حتي يصل الي حقائق الاشياء دافعا من انبل
الدوافع الانسانية. أما محاولات الساسة او الاقتصاديين او العسكر استخدام تلك
الاكتشافات والفتوحات العلمية لأغراضهم الدنيئة فهو أمر تال لاينبغي الصاقه
بالعلماء ابدا.
أما السوأة الثانية التي كثيرا ماتلصق
بالعلم, فهي محاولة بناء سياسات اجتماعية او اقتصادية علي نظريات علمية مجردة لا
تترتب عليها بالضرورة تلك التطبيقات, التي سعي اليها صانعوها من الساسة
والاقتصاديين لأغراض دنيئة, وحاولوا حمايتها من النقد بالصاقها بنظرية علمية
لاكسابها نوعا من القداسة. فقد أثبتت الدراسات حديثا وجود تفاوت في متوسط نسب
الذكاء (كما يقاس باختبار الاي كيو حاليا) بين الجماعات العرقية المختلفة, حيث تقل
تلك المتوسطات في الاجناس الزنجية عن نظيرتها البيضاء بحوالب عشر نقاط كاملة. وذلك
أمر لا يتوقف علي البيئة او الثقافة, لأنه مشاهد في الاقليلت الزنجية القاطنة في
المجتمعات البيضاء (حيث الثقافة اوروبية حتي للزنوج) كما هي مشاهدة في افريقيا.
تلك حقيقة علمية مجردة, يمكن أن يحاول الباحثون ايجاد تفسير لها, وأن يعمل علماء
الاجتماع علي التعامل معها كواقع يؤخذ في الحسبان في تصميم مناهج التعليم للأقليات
المختلفة. أما أن يحاول بعض الساسة العنصريين أن يتخذها تكئة لانتهاج سياسات
استعمارية تهدف الي الاستيلاء علي أراضي الدول الأفريقية, واسترقاق أهلها (كما حدث
ابان الحقبة الاستعمارية) بدعوي أن "الطبيعة" تحتم أن تظل هذه الاجناس
خاضعة ذليلة للجنس الأبيض "الأكثر ذكاءا" فهو تدليس لاعلاقة للعلم به.
وذلك ببساطة لأن نفس تلك التجارب اثبتت تفوق الجنس الأصفر في نفس اختبارات الذكاء
علي نظيره الأبيض بنفس النسبة تقريبا, فاذا استخدمنا نفس المنطق, توجب علي هؤلاء
الساسة البيض تسليم مقاليد الامور في بلادهم لاسيادهم الجدد من الكوريين والصينيين
وخلافهم, لأنهم "أكثر ذكاءا" والواقع ان هذه الاختلافات كلها طفيفة وليس
لها تاثير يذكر علي قدرة المجتمع ككل علي النهوض, ولكنها رغبة المدلسين في ايجاد
مبرر علمي لتدليسهم. و خلاصة القول ان العلم و منهجه –علي قصورهما- يبقيان افضل
الادوات الانسانية للتوصل الي المعرفة حتي الان. و لا ينبغي ان نسمح لكراهيتنا
لتطبيقات العلم التكنولوجية الضارة, او تأويلاته الاجتماعية العنصرية ان تنال من
ثقتنا فيه. و لنصب جام غضبنا علي الاقتصاديين والساسة الذين يدفعون بهذه التطبيقات
و يروجون لتلك التأويلات, ولكن رفقا بالعلم فهو أفضل مانملك.
No comments:
Post a Comment