Sunday, February 19, 2012

ألعنف والسلمية من داروين الي هايدجر


 القناعة الراسخة في دوائر علمي الاحياء والاجتماع ان انماط السلوك البشري يمكن جدا تفسيرها طبقا لنظرية التطور بتاعة داروين, واللي فضلت مجرد نظرية دون اثبات لغاية ما واطسون وكريك اكتشفوا التركيب الجزيئي للحمض النووي قرب منتصف القرن العشرين, وأصبح من الثابت علميا ان النشوء والارتقاء اللي افترضه داروين فعلا بيحصلوا وان كان علي مستوي الجين وليس علي مستوي الكائن الكامل زي ما داروين كان فاكر الأول.  النظرية دي بتقول ان المحاولات المتصلة منذ بدء الخليقة للمورثات (الجينات) لإيجاد نسخ جديدة منها, ادت لحدوث طفرات تركيبية قابلة للتوريث. وطبعا كل طبعة مختلفة لها اداء وظيفي مغاير قليلا للطبعة الاولي, فبيحصل تنافس بين كل الكائنات المحتوية علي الطبعات المختلفة علي الموارد المحدودة في البيئة المحيطة.  وهذا "الصراع من اجل البقاء" بينتهي الي بقاء الكائن "الاصلح" وهو الكائن المحتوي علي أكثر الطبعات قدرة علي التنافسية بنجاح.  وده في نظر التطوريين هو المحرك الاساسي لتعقد الحياة علي كوكب الأرض من اول ما ظهرت الاميبا علي المسرح, حتى دخول الانسان الي حلبة التنافس.  و "الوظيفة" اللي كانت في البداية مجرد تفاعل حيوي, او قدرة علي التهام وتمثيل نوع جديد من الغذاء, تطورت لأنماط سلوكية معقدة بتقوم بيها الكائنات المتطورة "زي الانسان", وهيا بتعتقد انها بتصدر عن معتقدات فكرية او دينية, بينما في الواقع هي محاولة مستترة للبقاء.

 ومن هنا يمكن النظر للسلوكيات القطبية المختلفة, زي العنف والسلمية او الكذب والصراحة الخ لا كتوابع لمعتقدات فلسفية أو دينية, ولكن كاستراتيجيات تطورية للبقاء. الاستراتيجيات دي لها فرص مختلفة في النجاح او الفشل حسب الظروف البيئية, وحسب مقومات الكائن اللي بيتبناها علي مسرح الاحداث.  وخلينا دايما نتذكر انه بما ان التطور بيحصل علي مستوي الجين وليس مستوي الكائن, فان الاخير مش مهم انه يبقي ويعيش, المهم هو بقاء الجينات اللي الكائن ده بيمثلها وبيحملها.  فاذا فيه كائن مات وهوه عنده 20 سنة بعد ما مرر 100 نسخة من جيناته يعتبر نجح,  واذا كائن مات وعنده 20 سنة وما مررش ولا نسخة جينية, بس موته ادي الفرصة لابناء عمومته وعشيرته "اللي فيه فرصة عالية جدا انهم بيحملوا نفس جيناته" انهم يمرروا النسخ دي باعداد كبيرة يبقي نجح تطوريا, اكتر من كائن عاش 500 سنة ومامررش غير عشرة اتناشر نسخة. وده يفسر الرغبة في الشهادة والدفاع عن الاسرة او القبيلة او في سبيل المبادئ اللي بنشوفها عند أتباع الاديان او القوميات المختلفة.

وهكذا اذا نظرنا لثنائية العنف والسلمية السلوكية, حنلاقي انه في مملكة الحيوان دول استراتيجيتين تطوريتين ناجحين جدا, بس اللي بتستخدمهم كائنات مختلفة علي مسرح الحياة. الحيوانات الضعيفة عارفة انها متاكلة متاكلة, فبتطور اجهزة تكاثر متقدمة جدا, تضمن انه مهما اتاكلت منها اعداد كبيرة, حتفضل برضه نسخ كتيرة موجودة تحفظ الجينات المكونة من الانقراض. الوحوش القوية علي الجانب الاخر, ملهاش اعداء طبيعين كتير نظرا لقوتها المفرطة, وبالتالي مش محتاجة تتكاثر كتير, لانها دايما بتتغلب علي فرائسها في أي صراع, ولذلك فتكفي طرق التكاثر العادية للاتيان بعدد محدود من الافراد المحتويين علي نسخ الجينات لضمان بقائها.  وهنا بنوصل لحالة من التوازن الطبيعي بين الاستراتيجيتين دول, لانه لو كله بقي مسالم حتتكاثر العشبيات مثلا وحتخلص النباتات اللي علي الارض, ومش حيبقي فيه غذاء لا للحيوانات المسالمة ولا للحيوانات المفترسة. وفي المقابل لو النابيات تكاثرت جامد, حتحصل حروب دموية بين أفرادها الكتير الموجودين علي مسرح الاحداث, لأن مش حيبقي فيه فرائس كفاية. فإذن مافيش استراتيجية من الثنائي دول يمكن وصفها انها "اخلاقية" والتانية انها "لا أخلاقية", لانه زي ما شفنا جوهريا مفيش فرق بينهم: لا واحدة منهم صادرة عن "قيم اخلاقية عالية" ولا التانية منطوية علي "شر متأصل".  كله صراع مشروع علي البقاء, واذا أطلق العنان لاستراتيجية واحدة منهم دون رادع حتنتهي الحياة علي كوكب الأرض.

فإذا انتقلنا لعالم الانسان حنلاقي نفس الثنائية السلوكية: الضعيف بينتهج نهج سلمي, والقوي بيستخدم العنف المباشر, واللي نص نص ممكن يستخدم العنف بدون مواجهة مباشرة, وهو ده اللي بنسميه في عصرنا الحديث "الارهاب". وقد تختلف المسميات والايديولوجيات المستخدمة لكلا من استراتيجيتي العنف والسلمية, ولكن يبقي اطار الاستخدام الموضح اعلاه قائما عبر الازمان والعصور. جماعة اليد السوداء القومية الصربية والفوضويين اللي موتوا ماكينلي في امريكا والكونترا في نيكاراجوا والحشاشين في الشام, كلهم استخدموا العنف مع انهم قوميين واناركيين ويمينيين متطرفين وشيعة باطنيين علي الترتيب ومذاهبهم الفكرية مافيش ابعد منها. لكن يجمعهم انهم حسبوا قوتهم وقوة خصومهم في كل حالة, وتوصلوا الي جدوي استخدام العنف لتحقيق أهدافهم فاستخدموه. وفي المقابل مصر الفتاة وجماعات مناهضة العولمة وحركة الحقوق المدنية بتاعة مارتن لوثر كينج  والإخوان المسلمين في ثوبهم ألجديد كلهم اعتمدوا السلمية كإستراتيجيه  وبرضه مش عشان اي تقارب فكري بينهم أو ايمان عقائدي بأخلاقية السلمية وخسة اللجوء للعنف و لكن عشان هيه دي الاستراتيجية الانسب لحالتهم وظروف جماعتهم الخاصة, والاكثر احتمالا لتحقيق أهداف كلا منهم في ضوء ظروفه الخاصة.

 وبعدين حتي اكثر الناس سلمية بيستخدموا العنف بشكل او بأخر.  يعني مثلا معظم العلماء في العالم الغربي سلميين لكنهم لا يتورعوا عن قتل وتعذيب الحيوانات تحت مسمي اجراء التجارب العلمية بدعوي خدمتها للإنسان. طب وهي دي مش برضه حياة انتوا بتزهقوها أو بتعذبوها علي أحسن تقدير؟ عشان كده كل شوية تلاقي جماعات "تحرير الحيوانات" بتهاجم المعامل في اوروبا وامريكا لتكسير الاقفاص واطلاق سراح هذه المخلوقات "المسكينة" وانهاء "النفاق" و"المعايير المزدوجة".  والنباتيين اللي مبياكلوش لحمة علي اساس ان ده ازهاق للروح, طب وهوه النبات اللي بتاكلوه ماعندوش روح هو كمان انتوا بتزهقوها لما بتاكلوه؟  أنا شخصيا ممكن ماقدرش ادبح فرخة ولا اشوف نقطة دم بتسال قدامي, لان ده تكويني النفسي, أو بالاحري لأني في وضع لا يحتم استعمال العنف للحصول علي ماأريد.  لكني ماقدرش ادين فكريا, ولا أخلاقيا اللي بيستخدم العنف لاسباب تتعلق بالصراع من أجل البقاء,  او ايجاد مكان تحت الشمس, سواء له كفرد, أو للجماعة اللي بيمثلها.

وهنا لا اجد افضل لختام هذا الطرح من المقولة الشهيرة لهايدجر اللي هاجم بيها التكنولوجيا اللي الساسة بيروجولها كأداة "سلمية" لاطعام الجماهير وتوفير الغذاء للبشر, بينما هي في الحقيقة وسيلة تدمير لا تقل عنفا أو بشاعة عن أشد وسائل التدمير

Agriculture is now a motorized food industry, the same thing in its essence as the production of corpses in the gas chambers and the extermination camps, the same thing as blockades and the reduction of countries to famine, the same thing as the manufacture of hydrogen bombs.

No comments:

Post a Comment