المتابع للتحليل السابق
لابد انه توقف عند المقارنة بين اليمين الفاسد المتمثل في النظام القديم الجديد, واليمين
الليبرالي الراغب في اقامة نظام ديمقراطي تداولي علي النسق الغربي. وكان من الملاحظات
اللي سجلتها في حينها, فشل الثاني في التأثير علي قاعدته المنطقية في الداخل, المتمثلة
في رجال الاعمال والمثقفين والمهنيين العلمانيين. وارجعنا ده لانعدام كاريزمية البرادعي(حامل
لواء التيار), وعدم قدرته علي التنسيق مع القوي
الاخري علي الساحة, اللي تناست الخلاف الفكري معاه, وابدت استعدادها للوقوف خلفه كمرشح
وحيد للثورة, في وجه محاولات النظام اعادة انتاج نفسه, اضافة لعدم قدرته علي تقديم
نفسه للقوي الخارجية المهتمة بالتأثير علي ما يحدث في مصر, كتصور وحيد مقبول للمستقبل
السياسي في مصر.
ومن المهم هنا تصحيح خطأ شائع عن علاقة تلك القوي
الخارجية بما يحدث في مصر أو في غيرها, اذ يتصور البعض ان هذه القوي كلية القدرة مطلقة
السيطرة علي الاحداث, وأن مبارك سابقا والمجلس حاليا ليسوا اكثر من احجار شطرنج تحركها
تلك القوي كيف تشاء. والحقيقة ان تلك القوي تمتلك بعض ادوات الضغط والترغيب, ولكن القرار
النهائي يظل في يد النظام الحاكم الذي قد ينتهج نهجا وسطا يحافظ به علي شعرة
معاوية مع تلك القوي الخارجية, عن طريق رعاية مصالحها في مصر في بعض الجزئيات, ولكنه
يقاوم ضغوطها في مجالات اخري, ربما يري التماهي فيها مع الارادات الخارجية تهديدا
وجوديا لبقاءه هو شخصيا. و من امثلة ذلك فشل هذه القوي في حمل مبارك علي ادخال الاصلاحات
اللازمة للتنفيس من الاحتقان الداخلي اللازم لاستمرار صيانة مصالحها في مصر عام
2005 (لما الحراك بتاع كفاية كان علي أشده) وسنة 2010 (لما أحمد عز زور الانتخابات
بالكامل, وقضي علي هامش الحرية البسيط اللي كان موجود للمعارضة وكان ده سبب اساسي
من اسباب قيام ثورة يناير اللي الغرب ما كانش عايزها تحصل). ومن الامثلة الأخري لذلك
الفشل, النجاح المبتور لتلك القوي في الضغط
علي العسكر لاحداث اصلاح نوعي في المشهد السياسي المصري بعد الثورة, بما يضمن استجابة
معقولة لمطالب الشعب تضمن عودة الحياة لصورتها الطبيغية, وادخال اصلاحات ديمقراطية
وحقوقية واسعة,مع الابقاء علي نظام اقتصاد الباب المفتوح والعلاقات الخارجية المتمشية
مع توجهات المنظومة الغربية وهما اساس الاهتمام الغربي بمصر. اذ استجاب العسكر –جريا
علي سياسة سلفهم مبارك- استجابة جزئية فقط مع الضغوطات الغربية فيما يتعلق بالجزئية
التي لا تتعارض مع مصالحهم الشخصية, فأطاحوا بمبارك في انقلاب قصر, لانه في النهاية
فرد تسهل التضحية به, (وان كانوا قاوموا و ما زالوا يقاومون اي محاولات لإنزال جزاء
مستحق به). أما الجزء الثاني والمختص بإدخال اصلاحات ديمقراطية حقيقية باتجاه الدولة
المدنية فقد وقفوا حائلا دونه, لادراكهم ان فيه نهايتهم. وكالعادة فشلت القوي الخارجية–غير
كلية القدرة-علي حمل العسكر علي ذلك, فاكتفت بضمانات صيانة مصالحها في ظل نظام عسكري-اخواني
منتظر,مع ادراكهم ان فشلهم في تحقيق الهدف الثاني سيحمل عواقب مستقبلية وخيمة علي مصر
(من حيث امكانية اعادة اندلاع الثورة مرة اخري).
أن انسحاب البرادعي من
السباق الرئاسي اليوم, وفشل الكتلة المصرية برلمانيا بالامس, هما اعتراف للقوي الليبرالية
بفشلها في حشد التأييد الداخلي او الدعم الخارجي اللازم للوصول الي الحكم. وسواء كان هذا الانسحاب اعترافا نهائيا بالفشل, او
مناورة تكتيكية هدفها اثارة الجبهة الداخلية للضغط علي المجلس, فالنتيجة واحدة. ان
البرادعي –وبدرجة اقل ساويرس- من الحصافة والذكاء بحيث ادركا ان الحماس الشعبي
الذي لم يتوفر لهما والثورة في أوج مدها لن يتوفرا اليوم وهي في مرحلة انحسار,
فاثرا الانسحاب من الساحة. وصحيح ان هذا الموقف يحتفظ دائما لصاحبه بكثير من الاحترام
والمصداقية كما حدث مع ريمون اده في لبنان مثلا, الا انه يضعف اكثر واكثر من القدرة
الضعيفة اصلا للطرف المنسحب علي التواصل مع الجماهير. فالبعيد عن العين بعيد عن القلب كما يقولون, ومن
غير المتوقع أن يعود البرادعي للسباق الرئاسي, الا اذا تغيرت الظروف بشكل
دراماتيكي علي الساحة. و بينما يتابع المصريون هذه العروض الجانبية, تتعلق كل الابصار
بالمباراة المرتقبة بين الاخوان (الرابح الوحيد من الثورة حتي الان) واالعسكر, فهل
استوعب الاخوان دروس التاريخ واستعدوا لقيادة مشرفة للحركة الوطنية المصرية في مواجهة
النظام القديم الجديد ام سيكررون اخطاءهم؟ هذا ما ستكشف عنه الايام القادمة وان كنت
اشك كثيرا في امكان حدوث تغيير
2012-01-15 04:10:20 تحديث:
حاسس اني باشوف مشهد (وهكذا
سقطت لويز) الشهير بتاع يوسف شاهين من فيلم الناصر صلاح الدين قدامي علي التويتر.
كأن الشاشة مقسومة تلات اربع اقسام, وكل قسم فيه جزء مختلف من الرواية بيدور بشكل
منفصل في مكان مختلف, وان كانوا كلهم مرتيطين
ببعض بشكل أو بأخر, وهو ده المضحك المبكي في أن واحد.
فبعد ساعات قليلة من كتابتي
للتحليل الموجود أعلاه لموقف البرادعي, ومحاولة قراية أسباب انسحابه من سباق
الرئاسة بشكل موضوعي, مستندا فقط الي الحقائق, اشاهد الان في المربع اليمين الاعلي من شاشة
تويتر الافتراضية نوارة نجم وهي تكيل المديح للبرادعي علي "موقفه النبيل
بالانسحاب", وبتقول انه غسل بيه ذنوبه
السابقة. بينما في الجزء العلوي الشمال أري احمد سعيد يثبت "بالدليل المرئي والمنطقي"
–علي حد قوله- ان البرادعي "لعيب وسخ" وانه بيعمل مناورة مرسومة مسبقا
مع المجلس العسكري, وانه "راجع السباق الرئاسي تاني في الوقت المناسب بعد
اكتمال المناورة". أما الجزء الاسفل اليمين فاري فيه استاذتنا العزيزة هويدا طه,
وقد شربت كمية كبيرة من "الكوول ايد" وانطلقت تحفز الجماهير علي النزول يوم
خمسة وعشرين لاعادة اشعال الثورة من جديد. بينما يشغل الجزء السفلي الايسر من
الشاشة ( ويكمل المربع) حوار جانبي بيني وبين احدي القارئات عن نيتشة وهتلر, ومواضيع فلسفية غريبة من غير المعتاد مناقشتها علي
تويتر!
أمر في غاية الطرافة والتسلية في ذات الوقت! لابد من
محاولة الاقلاع عن هذا الوسيط اللعين الذي سيضيع الوقت, ويقضي علي اي احتمال للانجاز
وكسب الرزق.
No comments:
Post a Comment