بالرغم من
تمسكي برأيي السابق, ان الثورات لايمكن احداثها او ترتيبها مسبقا, عن طريق الدعوة لتظاهرات
او اعتصامات في موعد محدد. واصراري علي الاعتقاد بان نجاح الثورات مقترن بحدوث تداعيات
متلاحقة اشبه بالتفاعلات الكيميائية المتسلسلة, او التوترات السيزمية السابقة
للزلازل, والتي لا يمكن التنبؤ بتوقيت حدوثها, أو التسبب فيها مسبقا, الا ان وجود مئات
الالاف او الملايين من المواطنين في الشوارع حدث نادر التكرار, وفرصة ثمينة لا ينبغي
تضييعها, لان قدرة الاجهزة القمعية علي اصابة المتظاهرين, او استخدام العنف ضدهم أثناءها
تنعدم تقريبا, خشية التعرض لانتقام الجماهير الغاضبة, خصوصا في بلد ذو كثافة سكانية
هائلة, ومعين لا ينضب من المتظاهرين المحتملين كمصر, فضلا عن الاحتمالات المرتفعة
جدا لافتضاح استخدام السلطة للعنف ضد مواطنيها العزل, امام الاعلام العالمي. ولذلك
يتوجب علي الثوار الراغبين في التخلص من النظام القديم الجديد, اغتنام هذه الفرصة,
والالتحام بالجماهير في مختلف الميادين, وتوجيهها لزيادة الضغط علي النظام بشتي الوسائل
الممكنة والمتاحة, للتخلي عن السلطة طوعا او كرها.
وكنت قد اوضحت في تحليل
سابق ان الاخوان وان عابهم الحرص والميل لتجنب الصدام المباشر مع المجلس العسكري,
نظرا لخلفية الاضطهادات المتعددة التي مروا بها عبر تاريخهم الطويل, الا انهم في نهاية
المطاف قوة وطنية اصيلة, تنحاز الي ثوابت الامة بعكس بعض التيارات الاسلامية المصطنعة
خصيصا لتضليل الجماهير, وحماية النظام. وعلي القوي الثورية ان تنظر الي عزوف الاخوان
عن المشاركة في العمل الثوري فور تنحي مبارك كاختلاف في التكتيك لا الاستراتيجية, حتمتها
ظروفهم, واملتها رغبتهم في الحصول علي اغلبية برلمانية منتخبة. اما وقد تحقق ذلك, فقد
غدوا في وضع يسمح لهم بالمزيد من هامش المناورة في رقصة الموت التي مابرحوا يرقصونها
مع العسكر, مذ خلع مبارك. فبإمكانهم اليوم ان يطالبوا -اذا تزايدت الاضطرابات- بتسليم
السلطة اليهم- بوصفهم الكيان السياسي الوحيد المعبر عن ارادة الجماهير بعد الثورة.
وسبيلهم الي ذلك هو الحفاظ علي مسافة متساوية بين الثوار والعسكر, واستخدام تزايد ضغط
الطرف الاول, للحصول علي تنازلات من الطرف الثاني. ولهذا فان متظاهري اليوم لديهم فرصة
اضافية في النجاح تتمثل في انعتاق الاخوان من شبح الغاء الانتخابات وحرمانهم من الحصول
علي الاغلبية, الذي لوح به العسكر مرارا, وامسكوا به كسيف مسلط فوق رقاب الاخوان, مما
حال بينهم وبين تاييد متظاهري محمد محمود وغيرهم. اما الان وقد دانت للاخوان الاغلبية
البرلمانية, فينبغي أن يكونوا اقل تاثرا بتهديدات المجلس, واكثر قدرة علي مواجهته.
لا سيما اذا ما واتتهم الفرصة المتمثلة في زيادة الضغط الشعبي المتزايد في الميادين
والساحات بكافة الطرق الممكنة والمتاحة دون استثناء كما اسلفنا. فهم حينئذ في حل
من رفع سقف مطالبهم, وتشديد النكير علي المجلس, بحجة الاذعان "لرغبة الجماهير"
أو الاصغاء الي "نبض الشارع".
ان ما يحدث الان في مصر
يشبه مواجهة متعددة المراحل بين وحش مثخن بالجراح, ورجل مسلح تسليحا بسيطا, وان كان
قد نجح في تسديد بعض الطعنات المؤثرة الي الوحش. و بينما يناور الوحش لايقاف نزيفه
والوثب علي خصمه للاجهاز عليه, تتركز فرصة الرجل في تفادي مخالب الوحش وانيابه القاتلة,
وتسديد المزيد من الطعنات كلما اتيحت له الفرصة لذلك, دون اللجوء الي المواجهة المباشرة
التي قد تؤدي الي هلاكه, نظرا لتفاوت القوة بينهما رغم اصابة الوحش البليغة. وجملة
القول ان هدف اسقاط حكم العسكر هو هدف استراتيجي لكل من الثوار والاخوان, وكل ما شاهدناه
من اختلافات عميقة في التناول حتي الان, هي خلافات تكتيكية مرحلية لا تنفي وحدة
هذا الهدف المشترك. ونجاح الاخوان مؤخرا في البرلمان يجب أن يساعد علي تقليص هذه الاختلافات.
فهل يعي كلا الطرفين (الثواروالاخوان) مصيرية التنسيق وضرورة العمل المشترك؟ هذا برايي
ما سوف يتوقف عليه نجاح او فشل هذه الموجة الثورية الجديدة.
أن ما أخذ بالقوة لايسترد الا بالقوة. و العسكر
الذين استولوا علي السلطة في 52 ما انفكوا يتحكمون في الرقاب والعباد. ويخطئ من يظن انهم سيتخلون عن السلطة طوعا, بغض النظر
عن وجود مبارك من عدمه. ان المؤسسة العسكرية لن تتخلي عن كل المميزات والمكتسبات التي
اغتصبتها عبر السنين الا اذا ارغمت علي ذلك. والامر لا يتعلق بشخوص اعضاء المجلس, او
بفساد مالي او وظيفي يخشي كبار الضباط فضحه فحسب, وانما يتعلق بوطن كامل يتصرف فيها
الجيش تصرف السيد في العبد. واخيرا لا أجد أفضل لختام هذه المقالة من قول ماكيافيلي
المأثور "من يعتزم الخداع لن يعدم ان يجد مغفلين يصدقون خداعه, والامير لن يعدم
اسبابا وجيهة للنكوص عن الوفاء بوعوده وعهوده
No comments:
Post a Comment