اهتمامي بالنبوءات رافق معرفتي
بالقراءة, واتذكر وانا صغير ان اهلي جابوا
كتاب كبير كله عن نوستراداموس بس بالعربي. وفي هذا الوقت كان صعب جدا ان الواحد
يتصور حتى انه فيه اي احتمال لتحقيق اي حاجة من اللي تنبأ بيها. كان زمن الحرب
الباردة ريجان وبريجينيف. وبعد شوية اندروبوف وتشرنينكو. كان العالم لسه طالع من
فترة كارلوس وخطف الطيارات والحاجات الجميلة بتاعة فيلم ميونيخ اللي ماوعالهاش.
أيام بادرماينهوف والألوية الحمراء والعمل المباشر ومنظمة ايتا الانفصالية,
والشخصيات الجبارة من نوعية أبونضال والذي منه. ودخل العالم في فترة الثمانينات الجامدة سياسيا
اللي اتجمد وتلاشي فيها كل اللخبطة الجميلة بتاعة الستينيات والسبعينيات, وبدا كما
لو كان العالم ثبت علي كده. فلما تييجي في الفترة دى تكلم ولد او مراهق عن القائد
المحمدي القدير اللي حيحارب اوروبا او عن الغريفون اللي حيكسر قرني الهلال ويخفض
اجنحة مقدسي يوم الجمعة. لازم انك تشوف ان النبوءات اللي من النوعية دي كلام تخاريف,
لأن مفيش مجال أساسا لأي شيئ سوي ان الشرق الاوسط يفضل زي ماكان دايما من وقت سقوط
الإمبراطورية العثمانية (وحتي من قبل كده بشوية) ساحة خلفية للصراع بين الدولتين
العظميين, أما مايسمي ظلما وعدوانا دول
الشرق الأوسط, فهي مجرد نمل بيتداس بالرجلين ومالوش أي إرادة مستقلة, فضلا عن انه
يأثر في الأحداث العالمية بالشكل المنصوص عليه في النبوءات دي. وحتى لما جه الزفت
اللي مايتسماش بالبيرييسترويكا و الجلاسنوست, قلنا اهي دعاية فارغة وخلاص, كله
للاستهلاك المحلي, ومفيش حاجة حتييجي من وراها.
لكن لما تصحي من النوم ذات صباح تلاقي جمهوريات
الاتحاد السوفيتي اللي قضيت كل طفولتك بتحفظ في اسامي عواصمها عمالة تنفصل واحدة
ورا التانية عن موسكو. وطبعا قبل كده تلاقي شنبو البولندي عامل قلق والبابا الجديد
معاه ضد روسيا, و تسمع من ابوك ان جدانسك
هيه نفسها دانزج اللي اشعلت الحرب العالمية التانية. يبقي لازم تعرف ان العالم
بينتقل من عصر لعصر وان كل شيء بعد كده ممكن يحصل. وطبعا غني عن البيان, ان تطورات
البدايات دي وصلت ذروتها مع مشهد هدم جدار برلين, اللي اتذاع علي الهواء زي كاس
العالم بالضبط. احنا كعيال في الجامعة كنا متحمسين جدا لأننا حاسين ان التاريخ
بيتغير قدام عينينا. لكن اهلنا العواجيز
كان شعورهم لا يوصف, كان فيهم اللي بيعيط من الزعل واللي بيرقص من الفرح واللي
مذهول من اللي بيحصل. العالم اللي عرفوه بينتهي, و حياتهم اللي عاشوها ووطنوا
نفسهم انها حتستمر كده لغاية مايموتوا بتنتهي للابد. ولكن حتي مع كل التغيرات الرهيبة دي فضل اللي بيتوقعه
نوستراداموس امر مستحيل التحقيق في مخيلة اي واحد عاقل. مال نهاية الاتحاد
السوفيتي ومال نشوء دولة إسلامية موحدة وقوية, لدرجة انها تدخل في معارك مع الغرب
المسيحي تهدد فيها عواصم غربية زي المدينة ذات التلال السبعة وخلافه. وحتي بعد كده
بكام سنة لما الواحد اتخرج وسافر للدراسات العليا في بلاد الفرنجة, و حصلت حكاية انفجار مركز التجارة العالمي
الأولانية, وابتدينا نسمع تاني اسم عمرعبد الرحمن. اللي سمعنا عنه واحنا عيال
صغيرين في قضية قتل السادات, مربطناش بين الامرين. لكن لما حصلت الحادثة التانية
بعدها بتسع سنين علي مااذكر, و كر بعدها
غزو افغانستان والعراق, وفجأة علي حين غرة بصينا لقينا في جماعات إسلامية البعض
بيسميها جهادية والأخر بيسميها إرهابية بتدخل في صدام مباشر مع الغرب, بما يستدعي
ان الجيوش الغربية تييجي بشكل مباشر في الشرق الأوسط, حسيت لأول مرة أن الكلام
اللي قريته وأنا صغير مش مستحيل الحدوث. صحيح لايزال مستبعد جدا، لأنه ايه اللي
جاب قوي الغرب الجبارة مع شوية جرابيع قاعدين في تورا بورا والا جيش منهار في
صحراء العراق؟ وفعلا لما تحقق الانتصار الكامل للغرب, ابتديت أحس ان فعلا كل
النبوءات اللي قريتها زمان بتبعد أكثر وأكثر.
و لكن بعدها بسنوات, بدأ الربيع
العربي, وابتدينا لأول مرة نشوف حكومات إسلامية في قلب العالم العربي, في مصر
وتونس. وابتدينا نشوف الجهاديين اللي كانوا بيقولوا عليهم لغاية أول امبارح إرهابيين,
بيقلبوا نظام القذافي (مع التحفظ في توصيف ماحدث هناك بأنه ثورة). و بدا فجأة كما لو كانت ايران حتفلت ببرنامجها
النووي, وأنها مش حتضرب من إسرائيل أو أمريكا زي ماكانت كل الناس فاكرة. ومعني كده
انها مش حيحصلها زي ماحصل لمصر أيام محمد علي ولا للعراق أيام صدام حسين ولا حتي لإيران
نفسها أيام مصدق, لما حاول حاكم كل بلد من البلاد دي انه يعمل نهضة مستقلة في
بلاده ويستقل عن الغرب. بمعني آخر, ابتدينا نشوف لأول مرة من أحقاب طويلة دول
عربية وإسلامية بتخطوا أول خطوات الاستقلال عن الغرب. صحيح باشكال مختلفة, وصحيح
مفيش لغاية دلوقتي أي بوادر انه حيحصل بينها وبين بعضها وحدة, لكن لأول مرة يصبح
اتحادها أمر وارد, ولو علي المدي المتوسط, وبالتالي تصبح النبوءات اللي بتتكلم عن
صدام بين دول إسلامية موحدة وبين الغرب أمر قابل للتحقيق او التصور.
فجأة بدأت الصورة تتضح لواحد عاش
الاحداث دي كلها من اول طفولته في نهاية السبعينات الملتهبة و بداية الثمانينيات
المتجمدة لنهايتها الساخنة. وصولا لتسعينيات الارهاب و الفينات الحروب و تينز
الربيع العربي وصعود ايران. اي حد يتوقف شوية صغيرة عن متابعة الأحداث يوم بيوم, و
يبعد بره الاحداث الصغيرة اللي بتحصل ساعة بساعة. أي واحد ياخد خطوة لورا ويحاول ياخد
لقطة بانورامية لأحداث الأربعين سنة اللي فاتت من علي بعد تلاتين الف متر زي
مابيقولوا, حيلاحظ ان الامور بتسير في اتجاه صار معاه تحقيق نبؤات نوستراداموس
ممكن. واصبح فيه الكلام بتاع سفر دانيال والابوكاليبس و احاديث المهدي المنتظر
بنوعيها السني والشيعي و نزول عيسي محتمل جدا, بعكس ماكان أي حد عاقل ممكن يتوقع
في السبعينات او الثمانينات, او حتي التسعينات. فلما المتفرج اللي عمال يتابع الدراما البشرية
دي من بعيد وهوه مابيشاركش فيها يكون هوه نفسه مر بتحولات فكرية وفلسفية خلته يشك
في صحة الأديان, وبالتالي في النبوءات اللي جاءت بيها. وبعدين يلاقي الاحداث بتمضي بشكل مضطرد في اتجاه تحقيق النبوءات دي, لازم
ان دماغه يتمخول و يبقي مش عارف الحقيقة فين. علي راي نوستراداموس مابيقول في أحد
رباعياته: ضجة بشرية هائلة ضجة بشرية هائلة ضجة بشرية هائلة. ربنا يتمم اللي فيه
الخير.
No comments:
Post a Comment