Sunday, September 16, 2012

السحر للجميع


السحر هو عملية تغيير الواقع طبقا لارادة الساحر, وهو طبقا لهذا التعريف لايختلف اطلاقا عن أنشطة الحياة العادية التي يقوم فيها الانسان بتغيير الواقع أيضا طبقا لارادته مع وجود فارق بسيط, وهو أن الأنشطة العادية تتضمن  تغيير الواقع عن طريق مجموعة من الخطوات المادية ألمتعمدة التي يتحكم فيها العقل الواعي, بينما السحر يتضمن تغيير الواقع عن طريق مجموعة من الخطوات الروحية التي يقوم بها اللاوعي  في حالة غيبة تامة للعقل الواعي. ولكي نضرب مثلا علي كيفية تغيير الواقع في المثال الأول (الأنشطة العادية) دعوناننظر الي عملية غسيل ثوب متسخ وتحويله الي ثوب نظيف. فهذه العملية الاعتيادية التي نقوم بها آلاف المرات خلال حياتنا تتضمن احضار الثوب المتسخ و مزجه مع المنظف والماء لمدة معينة حتي تقوم فقاعات الصابون باذابة الوسخ ومن ثم شطفه بالماء لكي نقوم بفصل الأوساخ الذائبة في الصابون عن الثوب الذي تم تنظيفه, ثم تجفيف هذا الأخير لنكمل بذلك العملية. و كما نري فكلها خطوات مادية متعمدة يقوم بها الانسان تحت تأثير العقل الواعي في تسلسل مضطرد من البداية وصولا الي النهاية المرغوبة. ولكي نقرب الي الأذهان مايحدث في السحر, دعونا ننظر الي مثال من الأمثلة المألوفة التي طالما سمعنا بها صغارا في قصص الأطفال وهي تحويل الأمير الوسيم الي ضفدع قبيح تبعا لأرادة الساحرة الشريرة. بالمقارنة بعملية تنظيف الثوب المتسخ التي كما راينا تعتمد علي خطوات مادية ملموسة يقوم بها العقل الواعي, سنجد هنا أن تحويل الأمير الي ضفدع هي بالاساس عملية روحية بحتة يقوم بها اللاوعي في غيبة العقل الواعي وتتطلب توفر الآتي: أولا الاعتقاد الجازم بأن كلا من الأمير و الضفدع ما هما الا مظاهر مختلفة لنفس الوجود الروحي, وان ادراكنا المختلف لكلا منهما هو مايؤدي الي ظهورهما بشكل مختلف, أما من ناحية الجوهر فهما شيئ واحد. ثانيا أن التحول من شكل الي شكل (حال الي حال) أمر ممكن متيسر, طالما توفرت الارادة علي ذلك. ثالثا ان هذه الارادة تتحقق عن طريق الوصول الي الكنه الروحي الواحد لكلا من الأمير والضفدع, والعمل علي تحويل الشكل الخارجي للأول الي الشكل الحارجي للثاني. رابعا هي أننا طالما اتفقنا أن التغيير المطلوب لايتم الا علي مستوي الروح وليس مستوي الجسد, فالارادة المقصودة هنا هي الارادة الروحية, التي يمكن لها التعامل مع عالم الروح واحداث التغيير المطلوب. خامسا أن تفعيل هذه الارادة لا يكون الا عن طريق تغييب العقل الواعي الذي لايتقن الا التعامل مع المحسوسات ويحجب ارادة الروح أو العقل اللاواعي. سادسا أن هناك طريقتان أساسيتان لتغييب الوعي اما عن طريق الاغراق في المحسوسات او عن طريق الحرمان التام منها. سابعا أن الاغراق في المحسوسات كالرقص أو ممارسة الجنس حتي الغياب عن الوعي من ناحية,  أو الصلاة و الدعاء الشديد الاخلاص والتضرع من ناحية أخري يؤديان الي أغراق العقل الواعي وارهاقه حتي يغيب عن المشهد, مخليا المجال للعقل اللاواعي لكي يغرس نبتة الرغبة (رغبة تحويل الأمير الي ضفدع في المثال السابق) في بحار الوعي الكلي فيحدث التحول المطلوب. ثامنا أن الحرمان التام من المحسوسات عن طريق الصوم او اليوجا او التحديق في لاشيئ لمدد طويلة او تنويم النفس مغناطسيا كلها تؤدي ايضا الي غياب الوعي وافساح المجال أمام العقل اللاواعي لغرس نبتة الارادة علي النحو الموضح أعلاه. أما ما عد ذلك فعبارة عن تفاصيل يحتلف فيها الناس حسب عقائدهم و تصوراتهم عن الكيفية البنائية للعالم الروحي و علاقته ببعضه وبالعالم المادي من ناحية او بالخالق من ناحية أخري (ان كان المعتقد يتضمن الايمان بخالق)

فكما رأينا هناك طرق كثيرة لتغييب الوعي بهدف اطلاق اللاوعي ليغرس النبتة في عالم الروح. من هذه الطرق ماهو مألوف لدينا في حياتنا العادية كمختلف أنواع الدعاء و التضرع في كل الاديان, ومنها مالايتطرق الي الحسبان أنه نوع من أنواع تغييب الوعي كالحسد و العين. منها ما يرفض معظم الناس ادخاله في نطاق السحر لأنه مرتبط بعقائدهم الدينية كالصلاة والصوم والابتهال, ومنها ماينظر اليه تقليديا علي انه سحر اسود شرير (كسحر الأعمال) مع أنه في جوهره لايختلف كثيرا عن الصلاة والدعاء. ولكن يبقي مشتركا بينها كلها تغييب الوعي باحدي الطرق الموضحة أعلاه بهدف تحقيق النتيجة المرغوبة. ومن نافلة القول بيان أن الشرط الاساسي لنجاح أي مما تقدم هو الايمان الجازم بوجود عالم روحاني علي التفصيل الموضح في البنود الثمانية في الفقرة السابقة. وليس وجود خالق شرطا أساسيا لنجاح السحر, ولكن ينبغي علي الأقل أن يؤمن المرء بوجود عالم روحي كما تقدم. أما الملاحظة المتكررة من أن بعض الناس يعتبرون مايفعلون ابتهالا الي الله بينما ينظرون الي ممارسات الأخرين علي انها تضرع للشيطان, فمرده أن الناس غالبا مايضيق أفقهم بحيث لايتسع تصورهم لامكان وجود تجليات وتشكلات مختلفة لعالم الروح تسمح بتعدد الطقوس, فيقضون حيواتهم مصرين علي نوع معين من الصلاة او الدعاء او الابتهال, بالرغم من توفر الدليل أن من يعتبرونهم كفارا تجاب دعواتهم أيضا كما لو كان من يدعونه الها حقيقيا منافسا لالهتهم.
وهناك أديان أو معتقدات تسمح بطبيعتها للساحر بمساحة أكبر من الحركة من غيرها لاحتوائها علي تصورات نظرية لتكوين العالم الروحي وكيفية التفاعل بين مكوناته أكثر مرونة وقابلية لتحقيق الرغبات باشكال مختلفة عن غيرها من الأديان ذات النظرة الأحادية الجامدة لعالم الروح.  فالأديان التوحيدية مثل الاسلام او المسيحية (والي درجة اقل اليهودية) مثلا تتصور عالما للروح ينقسم الي خالق له ارادة مطلقة ويستطيع فعل كل شيئ (الله) وخلق مسحوقين لايملكون لأنفسهم نفعا ولاضرا (البشر), ومخلوقات خفية تتمتع بقدرات فوق بشرية علي التشكل والانتقال وان كانت في النهاية غير كاملة القدرة (الجن او الشياطين) ففي هذا النموذج الايماني لاتوجد الا طريقتين وحيدتين للسحر, اما عن طريق الابتهال الي الرب (بالصلاة والصيام والتضرع التي حبذا ما أوصلت الانسان الي غياب الوعي الموضح أنفا حتي تتفتح ابواب السماء وتصل الارادة الروحية او دعوة العبد الي الخالق القادر فيحققها) أو بالتضرع الي الشيطان والتوسل الي الجن (عن طريق اهانة رموز الدين كقلب الصليب او تمزيق المصحف حتي تعيرنا هذه المخلوقات ذات القدرات الفوق بشرية بعضا من خصاصها لنحقق مانريد).  وكما نري, هذه طرق محدودة جدا بالمقارنة بالديانات الوثنية مثلا, التي يتيح غناؤها بالعلاقات المتشعبة بين القوي الروحية المختلفة امكانيات لامحدودة للسحر. ولتوضيح ذلك دعنا نأخذ مثالا من الديانة الاغريقية القديمة التي من فرط ورود اسماء ابطالها في الافلام المختلفة اصبحت مألوفة للجميع. ففي هذه الديانة هناك طبقات مختلفة من الكائنات الروحانية تتدرج من انصاف الالهة للالهة و حتي العمالقة المخلدون (التيتانز), ويقابل كلا من هذه الكائنات جانبا معينا من شخصية ونفسية الانسان, يمكن تفعيله ومخاطبته  بالتمثيل والمحاكاة والرياضات الروحية (اضافة الي الدعاء التقليدي) لاستثارة وتجنيد الاله المرغوب استدعائه وطلب العون منه.  فاللص الماكر او التاجر الحاذق او الرسول البارع في فنون التخاطب دائما مايتمثل جوانب مختلفة من شخصية هرميس في سيرته الأسطورية التي تحاكي كل هذه الجوانب.  و الشاعر الفنان يترسم خطي أبوللو و الصياد أرتميس و الغاوية افروديتي وهكذا. وحبذا لو اقام الانسان طقوسا احتفالية يرتدي فيها الملابس المعروفة اسطوريا عن الاله المطلوب خطب وده, و قام بتمثيل الاساطير المنسوبة اليه في طقوس سحرية تصل به الي حالة تغييب العقل الواعي وصولا الي نفس المرحلة السابق توضيحها. وما كل المعابد في الديانات الوثنية القديمة كالمصرية و الاغريقية أو الحديثة كالهندوسية و الويكا و خلافها الا مسارح لتمثيل الاساطير بشكل أو اخر, حتي يتسبب الاغراق في الطقوس المدعومة بديكور المعبد الي افقاد الممارس عقله الواعي وتنشيط الجزء المرغوب تنشيطه في عقله اللاواعي ليقوم بالعمل المطلوب.

ومع تقدم المعرفة الانسانية لاحظ عدد غير قليل من الناس التشابه بين كل الطقوس الموضحة أعلاه واشتراكها فيما سبق بيانه من
 الايمان بعالم الروح وبامكان التغيير عن طريق تغييب الوعي, وان اختلفت التفاصيل كل حسب عقيدته. كما لاحظ هؤلاء الناس أن نجاح أو فشل كل ممارس لايتوقف علي نوعية ايمانه بقدر مايتوقف علي اتقانه لهذه الطقوس. فقد ينجح شامان من أمريكا الوسطي في تحقيق هدفه بينما يفشل في ذلك قس مسيحي, وقد تجاب دعوة داعرة لاتعرف من الاسلام الا اقل القليل وترفض دعوة شيخ مشهود له بالعلم والصلاح. وقد أدت هذه المشاهدات الي استخلاص مجموعة من الافتراضات التي نحسبها صحيحة الي أن يثبت لنا العكس. أول هذه الافتراضات هي عدم أهمية العقيدة الايمانية بمعني عدم أهمية تفاصيلها ومدي منطقيتها من عدمها بقدر أهمية الايمان الشديد بها. فدعاء مؤمن شديد الايمان بأحد الديانات البدائية الأفريقية أنجع من دعاء عالم لاهوتي ان كان ايمان هذا الاخير يخالجه شك. الافتراض الثاني هو الأهمية الشديدة للوصول الي درجة العرفانية (التغييب عن الوعي) بأحد الطرق الموضحة أعلاه, بمعني أن مؤمنا مخلصا بعقيدة ما ولكنه غير قادر علي الذوبان بتضرعه أو تمثيله أو طقوسه الي درجة الغياب عن الوعي والاندماج الروحي لن يصل الي مايريد كما يصل انسان ربما ذاكر لتوه تلك الطقوس دون ايمان مسبق بها, ولكنه تمكن من الوصول الي العرفانية الايمانية بها في وقت وجيز كاف لاتمام الطقوس, حتي وان نبذ هذا الايمان فيما بعد. وفي الواقع أن هاتين المشاهدتين السالفتين قد أديتا لظهور مايسمي بسحر الفوضي, الذي يعتمد علي التنقل بين الاعتقادات والطقوس المختلفة حسب الطلب والتركيز علي الايمان الوقتي لحين اتمام الطقس, ثم التغير لعقيدة أخري وهكذا. كما أدي ايضا الي ابتكار مايسمي بسحر الرموز, التي يقوم فيها الساحر بابتكار رموز من صنع خياله للتعبير عن مكنون رغبته, بغرض القذف بها داخل لاوعيه عند وصوله للعرفانية لتحقيق المطلوب. وبما أن هذه مباحث طويلة فسنفرد لها مقالا منفصلا ان شاء الله.

No comments:

Post a Comment