Friday, April 18, 2014

هل يؤدي التضييق علي الاخوان لصعود الجهاديين؟

لغرب في مشكلة حقيقية مع الاسلام السياسي.  بساطة شديدة، الطرح الاجتماعي للإسلام السياسي اللي بيتصدي لكثير من مشاكل السلطة وتحكم الثروة في مقادير المواطنين العاديين بيخلي الإسلام كنظام سياسي موعود لاهوت تحرير وخلاص للجماهير المقهورة اليائسة من الأوضاع الاقتصادية الظالمة للنظام العالمي المعاصر في معظم أنحاء العالم. أضف الي ذلك ان ارتباط هذا الطرح السياسي عضويا بالعقيدة الدينية للمتلقين بيجعل الإسلام السياسي هو البديل المنطقي للأيديولوجيات اليسارية المختلفة بالنسبة للعلمانيين وغير ذوي المرجعية الدينية. باختصار، الاسلام السياسي هو ايديولوجية الخلاص التقليدية لأي مسلم يعاني اقتصاديا أو اجتماعيا في أي بقعة من العالم، وهم الأكثرية بين كل المسلمين في عالم اليوم علي أي حال.  واللي مش مصدق يروح يحضر أي خطبة جمعة في أي جامع في أوروبا أو أمريكا عشان يشوف ازاي تيارات الاسلام السياسي سيطرت علي عقول وقلوب المسلمين، بحيث أن خطب الجمعة كلها تقريبا مسيسة وبتشكل عقلية ولاوعي المسلم المقيم في الخارج بأدبيات الإسلام السياسي. هل ده بيحصل بشكل عفوي, والا بسبب ان اكبر منظمات إسلامية مسيطرة علي معظم المساجد في الخارج هي منظمات اخوانية بشكل او بآخر (زي مجلس الإفتاء في أوروبا والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين في أمريكا الشمالية) غير واضح بشكل كامل, لكن الواقع المشاهد هو أنه أجيال كاملة بتتولد وتكبر علي هذا الفكر في الخارج.  فاذا أخذنا في الاعتبار التكاثر الديموغرافي الزائد عن المتوسط للمسلمين في بلاد المهجر، زائد الهجرة المستمرة من الشرق الأوسط وآسيا، زائد اعتناق الآلاف من الأوروبيين للإسلام كل سنة لأسباب تتعلق بالإفلاس الروحي للحضارة الغربية المعاصرة, حنصل لنتيجة منطقية مفادها انه سيطرة فكر الإسلام السياسي علي جموع المسلمين في الخارج (ومن ثم في الداخل لاعتبارات لا يتسع المجال لذكرها هنا) مسألة وقت فقط.  يعني ممكن أحاول تأخير العملية دي, أو ابطاء التحول ده  بعض الشيء, لكن مش ممكن أعكسه أو حتي أوقفه. 

وطبعا بما أن "المشروع السياسي الاسلامي" له خصائص تتصادم علي طول الخط مع المشروع الحضاري الغربي المعاصر (أيديولوجيا علي الأقل ان لم يكن تطبيقيا)، فانتشار وتغلغل فكر الإسلام السياسي بين مسلمي الغرب (والشرق بالتبعية) لا يمثل أخبارا جيدة للغرب علي الاطلاق.  وحتى محاولات تفريغ الإسلام كدين من محتواه السياسي وتحويله لمراسم طقسية متشددة دون أي بعد اجتماعي أو سياسي كالوهابية أو السلفية الدعوية من ناحية، او اختزاله لممارسات روحية كالصوفية من ناحية أخري لا تلاقي نجاحا كبيرا بين المسلمين المتعطشين للعدل علي الأرض وليس لمجرد ممارسات شكلية او روحية لا تغير شيئا علي أرض الواقع. ولذا فكلنا يلاحظ أن هذه التيارات او الحركات التي تحيط ببداياتها دائما ملابسات مشبوهة، توحي أنها صنعت أو أدخلت خصيصا للحقل الإسلامي لمقاومة الإسلام السياسي، كلنا يلاحظ انها بشكل أو بآخر غالبا ما تنتهي منطقيا ألي صورة أو أخري من صور الإسلام السياسي بمقاومته للاستكبار وحكم الطاغوت وسعيه لإقامة العدل علي الأرض.  فمن رحم السلفية الانعزالية نشأت السلفية الجهادية مثلا، والتي تعتبر من أعنف حركات الإسلام الساسي وأكثرها ثورية.  وحتي الحركات الصوفية بتركيزها علي البعد الروحي هي من أنجبت مقاومة السنوسية للإيطاليين قديما, والنقشبندية للأمريكان حديثا.  فاذا أخذنا نظرة أكثر تفحصا لداخل الاسلام السياسي نفسه، سنلاحظ اتجاهين كبيرين أساسيين. طبعا ده تبسيط مخل، لأن الصورة أكثر تعقيدا من ذلك بكثير، لكن للتوضيح وتقريب الفكرة خلينا نعتبرهم اتجاهين أساسيين في الجانب السني من الإسلام السياسي علي الأقل.  اتجاه بيقبل بشكل الدولة الحديثة، من ناحية مؤسساتها الديمقراطية المستقاة من الفكر السياسي الغربي المعاصر، بما فيه التحاكم للانتخابات كألية للوصول للسلطة، والعمل من خلال منظمات المجتمع المدني والنقابات لحشد التأييد الشعبي للبرنامج الانتخابي.  فضلا عن الاستعداد للعمل من خلال اقتصاديات السوق, ودمج اقتصاد الدولة "الاسلامية" الناشئة في المنظومة الاقتصادية العالمية المعاصرة (ولو مرحليا علي الأقل).  الاتجاه ده بيمثله ايديولوجيا الاخوان أساسا، وأفضل تجسيد معاصر له تجربة أردوغان في تركيا.  النموذج ده علي قدر ما هو مريح للغرب، ظاهريا علي الأقل بسبب كل ما تقدم من مظاهر التشابه في الآليات مع الديمقراطيات الغربية، الا أنه مقلق جدا في ذات الوقت.  لأن القدرة علي "الاندماج" و"التظاهر بالانسجام" مع المنظومة الغالبة سلوك تكتيكي وليس استراتيجي، يخفي خلفه مقاصد مختلفة تماما علي المدي البعيد، ألا وهي إقامة خلافة إسلامية بمنظومة مختلفة تماما عن المنظومة الغربية.  أما الاتجاه الثاني، فبيرفض شكل الدولة الحديثة ومؤسساتها واقتصاداتها من الأساس، وبيسعي لإحياء الدولة الأسطورية الطوباوية المتخيلة لصدر الإسلام.  الاتجاه ده بتمثله حاليا الحركة السلفية الجهادية وبيجسده تنظيم القاعدة بروافده المختلفة بما فيها داعش.  علي عكس الاتجاه الأول اللي بيمثلة الاخوان، الاتجاه الثاني ده علي قدر ما قد يبدو ظاهريا انه يمثل تهديد مباشر للغرب من حيث انه تبنيه العنف أو الارهاب كأسلوب لتحقيق الأهداف، ومن حيث انه بيسعي لنسف المنظومة القائمة برمتها من الألف الي الياء. الا انه لا يمثل تهديد وجودي للنظرية الغربية الحاكمة.  بداية لأنه لا يؤخذ بجدية من جموع المسلمين في الغرب, اللي معظمهم غير راغب في نقض منظومة حياتهم من الألف الي الياء وانما إصلاحها فقط, باستثناء مجموعات من الشباب الثائر الذي يعيش في المناطق المهمشة في أوروبا وأمريكا حيث يكثر المهاجرين وحتي أبناء الجيل الثاني من معدومي الفرصة الاقتصادية, والذين قد تبدو الجماعات السلفية الجهادية لها أكثر جاذبية من الاخوان. اذن هذا التيار, باستثناءات بسيطة, لا يؤخذ بجدية من وجهة نظر سياسية بحتة, نظرا لقلة المؤيدين له بين جموع المسلمين سواء في المهجر او في المشرق, حظوظ هذا التيار في السيطرة ديمقراطيا علي المجتمعات الإسلامية اذن محدودة جدا.  أضف الي ذلك أن أساليبه العنيفة منفرة لمعظم الغربيين، وبالتالي من غير المتوقع أن يؤدي لاعتناق أعداد ضخمة منهم الإسلام. 

وهنا نصل لبيت القصيد، وهو كيف يمكن للدول الغربية، ومن لف لفها من الأنظمة العلمانية المسيطرة علي غالب الدول العربية, التعامل مع المد الديموغرافي والايديولوجي للأسلام السياسي.  لاحظ أن الأطروحتين الأساسيتين لهذا المقال هما أن جسد الإسلام السياسي في تمدد مستمر لا يمكن إيقافه, وأن طيف مكوناته طيف ديناميكي يسمح بالانتقال المستمر من تيارات دعوية لتيارات جهادية والعكس.  يبدو من هذا أن كل ما يمكن فعله هو  محاولة التأثير في عملية التوازن الداخلي, بحيث تؤدي سياسات الدولة أما لتشجيع معظم الدعويين علي التحول الي جهاديين أو العكس, حسب ما يخلص اليه الاستنتاج أنه التيار "الأقل خطورة" علي المنظومة الحاكمة علي المدي الطويل.  هناك مدرستان أساسيتان تطرحان رؤيتين متعارضتين تماما بهذا الصدد.  الاتجاه الأول يري أن التيار الإخواني أقل خطرا لأنه يمكن احتواؤه واجباره (من خلال قيود مختلفة علي العملية الديمقراطية والمواد فوق الدستورية) علي الالتزام بالمنظومة الاقتصادية والسياسية العالمية الحالية, بحيث يتحول في نهاية الأمر الي صورة إسلامية من الأحزاب المسيحية الأوروبية التي لا تتقاطع أو تتصادم "مرجعتيها الدينية" مع أساسيات الدولة الحديثة.  ويشير المقتنعون بهذا الرأي الي تجربة مهاتير محمد في ماليزيا مثلا او أردوغان في تركيا، حيث لم يؤدي "الحكم الإسلامي" في كلا الدولتين الي أي تأثر يذكر للمصالح الغربية.  هذا التيار تمثله غالبا أحزاب يسار الوسط في الغرب، كالأحزاب الاشتراكية في كل من اسبانيا وفرنسا وألمانيا، وكحزب العمال البريطاني والحزب الديمقراطي الأمريكي. أما عربيا، فتمثله الأنظمة "التقليدية" كإدارة الشيخ زايد في الامارات والملك فهد في السعودية والشيخ جابر في الكويت، وطبعا حمد بن خليفة في قطر, حيث أتاح كلا منهم هامشا معتبرا من حرية العمل للتيارات الإسلامية المعتدلة, بل وسمح البعض منهم للإسلاميين بالمشاركة في العملية السياسية كما هو الحال في الكويت مثلا.  طبعا الاعتراض الأساسي على هذا التيار هو أن مجرد السماح للإسلاميين "المعتدلين" بحرية العمل سيؤدي حتما لازدياد شعبيتهم بشكل مضطرد مما سيزيد من حظوظ نجاحهم في الوصول لسدة الحكم عبر أي استحقاقات انتخابية كما حدث في مصر وتونس مثلا بعد ثورتي اللوتس والياسمين.  أما الاتجاه اللي بيتبع سياسات تؤدي في النهاية لزيادة الزخم الجهادي علي حساب الاخوان فيري أن الأخيرين أكثر تهديدا للمنظومة الحاكمة علي المدي البعيد لأنهم بيمثلوا بديل سياسي حقيقي للأنظمة الحاكمة في الدول العربية, وحتي في الغرب.  أما الجهاديين، فهم وان كانوا يشكلون خطرا أمنيا بالدرجة الأولي، الا أن تطرف أفكارهم كفيل بتنفير معظم المسلمين منهم في الشرق والغرب، وضمين  بقاؤهم كحركات مقاومة مسلحة هامشية يمكن احتواءها وتحجيم خطرها بأساليب أمنية ومخابراتية في المقام الأول.  هذا التيار تمثله غالبا أحزاب اليمين المحافظ كالأحزاب المسيحية في ألمانيا واسبانيا, والتجمع من أجل الجمهورية في فرنسا, والمحافظين في بريطانيا, والحزب الجمهوري في أمريكا.  أما عربيا فتمثله الإدارة الحالية لمحمد بن زايد في الامارات، والملك عبد الله في السعودية، علاوة علي حكومة السيسي الانقلابية في مصر.  وما تشريعات مكافحة الإرهاب الأخيرة في السعودية والامارات والتي أعلنت الاخوان جماعة إرهابية، و ما سياسة تكسير العظام التي تتبعها حكومة السيسي في مصر إزاء الاخوان الا تجسيدا حيا لهذا الاتجاه الذي يراهن علي أن القضاء علي الاخوان, ربما يؤدي لزيادة طفيفة في أعداد الجهاديين, الا أن أفكار وممارسات الأخيرين المتطرفة كفيل بفض الجماهير من حولهم وتحويلهم لجماعات عنف منبوذة ومهمشة اجتماعيا بشكل دائم من خلال الحلول الامنية الناجعة ولفظ الجماهير لهم.  يبدو لي أن الاسلوبين المتقدمين محكوم عليهما بالفشل للأسباب المتقدمة من حيث ان جسد الإسلام السياسي في تمدد مستمر، وان الضغط علي جانب منه سيؤدي لصعود الجانب الآخر.  الا أن أحد هذين الأسلوبين (الأسلوب الثاني تحديدا) ربما سيؤدي الي ازدياد العنف واشتعال المنطقة بشكل كامل في الشهور القادمة, لأن التضييق علي المعتدلين سيزيد من تقبل الجماهير العريضة لأساليب الجهاديين العنيفة وسيزيد من أعدادهم جدا بانضمام الآلاف اليهم من المعتدلين المحبطين الذين لم يترك التضييق الأمني لهم بديلا عن العنف.    

No comments:

Post a Comment