Wednesday, April 2, 2014

من يرتكب العنف في مصر؟

طيب خلينا نتكلم شوية في موضوع الانفجارات تاني مع اننا قتلناه بحثا قبل كده. بالنسبة لفرضية أن الحكومة (أو اي من الجهات السيادية زي المخابرات مثلا) هيا اللي بتدبر الحاجات دي, السؤال اللي يتبادر للذهن هوه ليه الحكومة حتعمل حاجة زي كده؟. فيه احتمالين: الأولاني ان الحكومة عايزة تقنع الغرب ان الاخوان ارهابيين, قوم الأخير يتنازل عن تحفظه ويؤيد الانقلاب.  فطبعا الرد علي الاحتمال ده ان الغرب زيه زي اي جهة محترمة مبتسلمش بأي ادعاءات مرسلة دون دليل, عارف جيدا ان ده مش اسلوب الاخوان اللي عايشين وبيشتغلوا بشكل قانوني سلمي في بلاده من عشرات السنين, واللي تبنوا أسلوب المشاركة في الحياة السياسية في دول الشرق الأوسط من عقود.  وفاهم كمان ان الاخوان, وان كانوا ارتكبوا بعض أعمال عنف لفترة وجيزة جدا في الاربعينات, فانهم نبذوا تماما الاسلوب ده بعد كده, والدليل هو سجلهم السلمي في مصر من أول ما السادات طلعهم من السجن وسمح للتلمساني بإصدار مجلة الدعوة ومعاودة النشاط بسقف معين من حرية التعبير.  وطبعا لو خدنا في الاعتبار ان فيه جماعات دلوقتي بتعتنق فكر السلفية الجهادية, وده فكر بيسوغ استخدام العنف ضد النظام, فيتضح أن الانسان مش محتاج انه يفترض افتراضات بعيدة الاحتمال, زي ان الاخوان رجعوا بعد أربعين سنة لاستخدام العنف.  طبعا لو الغرب عايز ياكل الاونطة بمزاجه ويتظاهر انه مصدق ان الاخوان هما اللي بيرتكبوا كل هذا الكم من العنف لسبب او لآخر, زي انه عايز يستخدم "الاكتشاف" ده في انه يطيح بالاخوان, فده موضوع تاني , وعلي أي حال, مش محتاج كل التبريرات المتعسفة دي عشان يعصف بيهم.  لكن حيث أن هذا العصف لم يحدث حتي الآن, فالواضح أنه مش واكل الاونطة ومش حياكلها, وبالتالي مفيش جدوي من ان المخابرا المصرية الجبارة تستمر في تلفيق الانفجار تلو الانفجار, لأنه واضح ان الغرب مش حيقتنع مهما كانت قوة و تعدد الانفجارات.  الاحتمال التاني هوه أن المخابرات بتلفق الانفجارات عشان تكره الناس في الاخوان, زي بالضبط ما أشيع ان السلطات الجزائرية بدأت المذابح في التسعينات لتبغيض الشعب في الاسلاميين. بس برضه الاحتمال ده مستبعد جدا. لأنه من المشاهد ان البلد حاليا في حالة شديدة من الاستقطاب, بحيث ان الاسلاميين ومن يؤيدهم لما يشوفوا ايش باللذي بيحصل للانقلابيين من الدبح والنسف والحرق, مش حيقل تأييدهم لمرسي قيد أنملة, بل حيتشفوا وحيفرحوا في اللي قتلوا اخوانهم في رابعة.  وبالمثل, مؤيدي 30 يونيه بيكرهوا الاخوان لاسباب مبدئية, ومش محتاجين أدلة زيادة عشان يكرهوهم ويعملوا علي ابادتهم عن بكرة ابيهم ويصدقوا عليهم كل رضي.  وتقريبا مفيش حد في النص أو علي الحياد, او رايه ممكن يتأرجح من المعسكر ده للمعسكر ده بسبب حدوث انفجارات او مذابح, علي عكس المجتمع الجزائري في التسعينات اللي كان فيه ناس كتير صوتوا للإسلاميين دون اقتناع أيديولوجي كامل, فكان من السهل قلب تأييدهم للإسلاميين وتبغيضهم فيهم بشوية انفجارات ومذابح يتم الصاقها بالاسلاميين.  فإذن نخلص من التحليل ده الي أن الانفجارات المتعددة حاليا في سيناء، واللي بدأت تنتشر لأجزاء أخري في مصر مش من تدبير أي جهة أمنية علي الاطلاق.  وانما هي علي الأرجح من تدبير جهات تري في المواجهة المسلحة مع النظام الاسلوب الامثل لتغيير الأوضاع علي الارض. وفي هذه الحالة تحديدا، منتسبين لجماعات السلفية الجهادية تحديدا كالقاعدة وروافدها العديدة.

وطبعا يبقي السؤال الأهم، هل هذه العمليات العنقية, التي اتفقنا ان من يقوم بها علي الأرجح هي جماعات سلفية جهادية, مؤثرة ومفيدة من حيث تغيير الواقع الحالي المؤسف أم لا. خلينا نبتدأ باستعراض التاريخ الحديث للأوضاع في مصر وصولا للوضع الراهن. من المعروف انه بسبب الفساد وسوء الادارة, كل التحسن في الماكروايكونوميكس في عهد مبارك لم يترجم الي أي تقدم علي المستوي المعيشي لمعظم المواطنين.  ومن ثم, استمر التفاوت بين دخول الطبقات الاجتماعية المختلفة في التزايد, وارتفعت معدلات الفقر لدرجة انه بقي فيه مواطنين يفترشون الأرصفة لأول مرة في المدن المصرية.  أما في خلال فترة قيادة المجلس العسكري لدفة الأمور، من فبراية 2011 حتي يوليو 2012, فأن سوء الأحوال المعتاد في عهد مبارك زاد بدرجة كبيرة جدا لأن المظاهرات والاحتجاجات المستمرة, مع غياب أي محاولة حقيقية من الحكومات المؤقتة اللي عينها المجلس العسكري للإصلاح أنهكت الاقتصاد, وقضت علي دخل السياحة والاحتياطي الأجنبي تقريبا.  ومع تولي مرسي الحكم، حاول بشكل مخلص إيقاف النزيف في الاحتياطي الأجنبي ونجح فعلا في ده. إضافة الي انه ابتدآ يخطط لمشاريع اقتصادية طموحة (طبعا مع الأخذ في الاعتبار ان كلها بتدور في فلك اقتصاديات الاخوان الليبرالية التي قد لا نتفق معها كيساريين).  ومن المفارقات المثيرة للضحك والبكاء في آن واحد، ان فيه اقتصاديين مؤيدين للانقلاب حاليا ابتدأوا يعترفوا علي استحياء ان فترة حكم مرسي ربما كانت النافذة الأخيرة لإصلاح الأحوال الاقتصادية المنهارة في مصر.  لكن طبعا زي ماحنا شفنا, الفلول, بالتعاون مع الاخوة "الثوار" اللي مش إسلاميين, رأوا وقتها  ان اسقاط مرسي هو الأولوية الأولي, حتي ولو علي حساب تضييع الفرصة الأخيرة لإنقاذ الاقتصاد المصري.  وكما نعلم جميعا، فقد تكللت خطتهم بالنجاح، وسقط مرسي, ولكن مع الأسف, أغلقت النافذة الضيقة التي كانت متاحة وقتها لإنقاذ الاقتصاد, وبدأ انهيار قطاع الخدمات, المرشح للتدهور بشدة في الفترة التالية.  أحدث تقديرات سمعتها من اقتصاديين أجانب مؤخرا، انه بافتراض ان كل الاحتجاجات توقفت، والناس كلها حطت ايدها في ايد بعضها عشان العجلة تسير، فالبلد محتاجة 60 مليار دولار.  على الأقل كاستثمارات جديدة عشان تبتدئ العجلة الاقتصادية تدور من جديد.  وحيث أن الأمرين مستحيلين (الاحتجاجات لن تتوقف، ومفيش حد حيدينا 60 مليار دولار) فمن المنطقي استنتاج أن مصر في طريقها لأن تصبح دولة فاشلة.   بمعني انه سواء السيسي او غيره تولي إدارة البلد (حتي لو الاخوان رجعوا تاني) فالبلد في طريقها لكي تصبح دولة فاشلة، ولا سبيل لتجنب هذا المصير الأسود. 


الطريقين الوحيدين اللي يمكن بيهم تجنب السيناريو المظلم ده انه يا أما أحد الفريقين يقضي تماما علي خصمه بحيث تتوقف الاحتجاجات و محاولات افشال الآخر، وأما حدوث
 مصالحة وطنية يتناسى فيها كلا الطرفين العداوة والبغضاء للطرف الأخر ويقبل بالتعايش والتعاون معه.  ولكن في الحالتين لا مناص من توفير 60 مليار دولار علي الأقل لإدارة العجلة.  خلينا نتفترض لبرهة انه حيبقي فيه مؤتمر للدول المانحة وصندوق لمصر والكلام كله اللي بيتعمل حاليا للصومال واليمن والدول الجبارة دي, وبكده يبقي رأسمال النهضة الاقتصادية تواجد, هل يمكن تحقيق أيا من الشرطين الأوليين؟  دعنا نتطرق السيناريو الثاني في البداية: هل المصالحة الوطنية ممكنة؟  طبعا المقصود بالمصالحة الوطنية أن الطرفين يبقوا راضيين الي حد كبير وليس ان طرف يقهر طرف، لأن القهر عمره ما حيبني بلد, وده لأن الطرف المقهور حيحاول دايما افشال الطرف القاهر.  أنا شخصيا مش شايف ان هذه المصالحة ممكنة في الوقت الراهن.  وده لأنه واضح أن كل طرف بيكره الطرف الآخر كراهية التحريم, ويقبل العمي ولايقبلوش. خصوصا – علي عكس ماهو شائع -- كراهية العلمانيين للإسلاميين وليس العكس.  وخصوصا بعد ما أصبحت هناك بحور عميقة من الدم دي بين الطرفين، بعد مذبحة رابعة وتوابعها.  طب ماذا بشأن السيناريو الأول؟ أن أحد الطرفين يقضي تماما علي الطرف التاني أو علي الأقل يقهره كليا بحيث يجبره علي الرضوخ لشروطه دون القدرة علي مجرد الاستمرار في محاولات الافشال؟  برضه ده مش وارد في المستقبل المنظور، مش لتساوي قوة الطرفين، بالعكس، وانما لتفاوت أساليب الافشال والمقاومة التي يتبعها كل طرف بما يجعل من المستحيل علي الطرف التاني ايقافها أو التصدي لها.  ولذلك فالأقرب للتصور هوه أن البلد ستستمر في الانزلاق الي الحضيض في خلال الشهور القادمة.  يعني مثلا أخواننا اللي بيشتكوا من انقطاع الكهربا دلوقتي مش حنسمع شكواهم أصلا بعد شهور قليلة, لأن الانقطاع حيبقي مستمر وحيزيد لدرجة انه الناس اللي بتشتكي مش حيكون عندها انترنت أساسا عشان تشتكي.  الجرائم مرشحة للتزايد أيضا بشكل كبير, والحياة ستصبح لا تطاق لأي أحد, حتي للميسورين.  في ظل الأوضاع الكئيبة دي, باتصور ان انتشار الجماعات المسلحة, سواء بهدف النيل من الاجهزة الأمنية للنظام, او مواجهة الجريمة المنظمة أمر حتمي ومنطقي.  وبالتالي مفيش معني اساسا للتساؤل عن هل العنف السياسي مفيد والا مش مفيد, لأنه كده كده حيتشكل ويزداد وينتشر ويتوغل ويستمر ويستمر ويستمر ويستمر.  وأحب أهدي مصر الجديدة مصر الفاشلة، مصر معقل الجريمة، مصر الدولة الأوسخ من الصومال واليمن لكل حبايبي وصحابي اللي ساهموا في 30 يونية سواء بالمشاركة الإيجابية او حتي السلبية عن طريق السكوت علي ما حدث وعدم انكاره.   أشربوا يا جماعة، بالهنا والشفا.  "وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون."

No comments:

Post a Comment