كما
أوضحنا منذ الأيام الأولي لثورة يناير, قيادات الجيش
المصري هي جزء لا يتجزء من نظام مبارك و تحركها لخلعه في الحادي عشر من فبراير لم
يكن الا محاولة لانقاذ ما يمكن انقاذه عن طريق تغيير الوجه المستهلك القبيح للدولة
العميقة بهدف امتصاص غضب الجماهير, حتي يتسني لها اعادة تكوين النظام بشكل آخر.
وقلنا في ذلك الحين ان المواجهة الشاملة مع الثورة
المضادة باضلاعها الثلاثة (الجيش - الدولة العميقة بأجهزتها الشرطية والقضائية
- وراس المال الفاسد) هي السبيل الوحيد لنجاح الثورة. ولذا نادينا في حينه برفض
التصويت علي تعديلات مارس الدستورية لأن مضمونها عقد مهادنة مع الثورة المضادة مما
يصعب الاطاحة بها لاحقا. وطالبنا الثوار بالثبات في الميادين حتي يتحقق النصر
التام للثورة.
ولكن قلة الوعي عند جماعة الثوار التي تنادي معظمها
بالتصويت بنعم علي التعديلات الدستورية بما فيهم نوارة نجم مثلا التي لا أذكرها
الا مع الأسي من ناحية, وتفضيل أكبر فصيل وطني (الاخوان) للتصويت بنعم علي
التعديلات لأنه لم يرد الدخول في مواجهة مباشرة مع الدولة العميقة من ناحية أخري,
لم يدع أي فرصة ممكنة للأقلية الواعية من الثوار الرافضين لتلك التعديلات, فمرت تلكم
التعديلات بنجاح ساحق. وهنا لنا وقفة. فليس معني أن الاخوان أخطأوا التقدير و
آثروا التصويت بنعم, وليس معني أنهم لم تشارك قياداتهم في الايام الاولي لحراك
يناير الثوري أنهم أقل وطنية من الثوار الآخرين, فهم -كما أوضحنا قبل
ذلك مرارا- فصيل وطني بامتياز, حمل لواء الدفاع عن الامة العربية أثناء حرب
فلسطين, ودافع عن الديمقراطية ضد تغول ناصر, وقدم أكبر عدد من الشهداء أثناء
الستين عاما الماضية. و حسن النظر للأمور كان يقتضي (كما نادينا كثيرا) باصطفاف
القوي الثورية العلمانية التي ننتمي اليها خلفه ليس لأنه يعبر عنها ايديولوجيا
ولكن لأنه التيار الوحيد الأكثر تنظيما علي الارض, والاقدر علي قيادة مسيرة اجتثاث
جذور الثورة المضادة من أرض مصر لامتلاكه الكوادر و الهيكل المكافئ للحزب الوطني.
لكن مع الأسف, أغلب الاخوة الناصريين لم ينسوا ثاراتهم
مع الاخوان منذ الستينات, و كذلك لم ينظر معظم اليساريين ابعد من الخلاف التقليدي
مع تنظيم يدعوا الي سياسات اجتماعية محافظة و رجعية بالمفهوم اليساري التقليدي,
وطبعا رأي الليبراليون في فلول الحزب الوطني حلفاء تقليديين أقرب اليهم ايديولوجيا
من قوي "اليمين الديني". وهنا ارتكب الثوار العلمانيون -في نظري- أكبر خيانة يمكن
لأي ثوار ارتكابها في أي ثورة, لقد تحالفوا مع الثورة المضادة ضد اخوانهم
الثوار ذوي وجهة النظر المختلفة (الاخوان), فرأينا تهاني الجبالي الناصرية تضع الخطط
للمجلس العسكري لتقويض حكم الاخوان المنتخبين شعبيا لقيادة الامة. ورأينا
الليبرالي البرادعي, الذي طالما تنادي باسقاط نظام مبارك, يعترف بتقبله و تفضيله
للفلول علي الاخوان. و هكذا تشكلت جبهة الانقاذ من الثوار العلمانيين, شركاء
الاخوان في ثورة يناير بالأمس كغطاء سياسي للثورة المضادة وكمبرر لمحاولات الفلول
المستميتة اسقاط نظام الاخوان الوليد. فمن افتعال الأزمات في المجالات الخدمية
المختلفة لايغار صدر المواطنين العاديين علي مرسي, لتسليط أكذب و أحط أنواع
الدعاية الاعلامية علي الادارة الاخوانية (والتي شارك فيها مع الاسف بعض ثوار
الاعلاميين من أمثال ابراهيم عيسي مثلا مع اعلاميي الفلول عمرو أديب و مني الشاذلي
و غيرهم في محاولة تقويض حكومة الاخوان). ولعل ما تكشف أخيرا من أن نجيب ساويريس
(أحد أساطين راس المال الفاسد العمود الثالث للثورة المضادة) كان الممول الاساسي
لحركة تمرد, اضافة لاعتراف مسؤلي الامارات العربية المتحدة (و بدرجة أقل السعودية)
بأنهم مولوا و شجعوا الحشد المفتعل للثلاثين من يونيو هو أكبر رد علي من لا يزالون
يدفنون رؤوسهم في الرمال و يصرون علي أن هذا الحشد الذي استمر لأقل من 6 ساعات
وفشل منظموه في تكراره, ولم يزد عن ثمانمائة ألف في القاهرة كلها طبقا للاحصائيات
المساحية التي لاتقبل الضحد للميادين المستخدمة كان ثورة حقيقية للشعب المصري علي
حكومة الاخوان.
ولما تحققت لقوي الثورة المضادة ما أرادت من غطاء سياسي
متمثل في "ثوار" جبهة الانقاذ و دعم شعبي ظاهري متجسد في حشود الثلاثين
من يونيو المركبة بعناية تلفزيونية فائقة, تقدم الضلع
الأقوي من اضلاعها لتصدر المشهد من جديد فانقلب علي الشرعية الدستورية واستولي
علي الحكم, آملا أن تقنع وعوده بالقضاء علي المحاولات المتواضعة للأخوان لاستعادة
الارادة الوطنية الغرب أن يغض الطرف عن هذا الانتهاك الصريح لاسس الديمقراطية التي
طالما تشدق بها. الا أن صمود مؤيدي الشرعية في الميادين خلال شهر رمضان علي مافي
ذلك من صعوبة, واضطرار الانقلابيين للعودة الي أسلوب
المذابح التي اشتهروا بها لفضهم أحرج تلك القوي الغربية أمام رأيها العام
الداخلي, وأجبرها علي اعادة النظر في حساباتها التي تقول بأن وأد التجربة
الديمقراطية الوليدة و انهاء أمل معتدلي الاسلاميين في الوصول الي السلطة عن طريق
آليات الصندوق سيدفع بمتطرفيهم الي تصدر المشهد مجددا, الأمر الذي يهدد بالاساس
مصالح الغرب الاقتصادية في الشرق الأوسط, كما يشكل تهديدا مباشرا لحليفته الاساسية
في المنطقة, اسرائيل. و لذا تحرك دبلوماسيو أمريكا والاتحاد الاوروبي في جولات
مكوكية محمومة لمحاولة تفادي سيناريو قد يكون كارثيا لمصالحها في المنطقة. واذا
كان لنا أن نصدق ما قاله مندوب الاتجاد الاوروبي برناردينو بالأمس, فقد قبل
الاخوان فعلا بخطة وساطة تقضي فعليا بالتسليم بعزل مرسي واجراء انتخابات جديدة,
الا أن تعنت قوي الثورة المضادة (التي تعلم يقينا أنها راسبة بالثلث في اي
استحقاقات انتخابية قادمة) و تصلب داعميها الخليجيين (الذين يرون بحق أن القضاء
علي الاسلاميين في مصر هو الضمان الوحيد لصمود عروشهم أمام اسلاميي بلادهم) دفع
أولئك و هؤلاء الي سحب البساط من تحت قدمي بيرنز و آشتون و ارتكاب المذابح لفض
الاعتصامات ثم لتفريق المتظاهرين.
ان المشهد الحالي غاية في الغرابة والتعقيد, فالاخوان-
باستعدادهم للقبول بحلول وسط تسمح باستمرار الثورة المضادة ولو جزئيا في الحكم
بشكل أو بآخر- لا يزالون غير مقدرين للدور المحوري والمصيري الذي دفعتهم
الأقدار للعبه في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ المنطقة والعالم. أننا لا
نزال مصرين بعد
أكثر من عامين ونصف علي ابداء الرأي ذاته, أن المواجهة الشاملة مع قوي الثورة
المضادة هي السبيل الوحيد للخروج من المأزق الراهن, وتحقيق النصر الشامل للثورة.
ولعل الشراسة التي أبدتها الأجنحة المختلفة لتلك الثورة المضادة في مجابهة ثورتنا
بداية من الكذب الاعلامي البواح مرورا بالتحالف مع الأنظمة الخليجية التي لم ترد
لمصر خيرا يوما ونهاية باطلاق الرصاص الحي ليحصد أرواح آلاف المتظاهرين الأبرياء
لهو أكبر دليل أن من يتولي كبر هذه الثورة لن يرقب في أي ثائر (علمانيا كان او اسلاميا)
الا و لا ذمة ان تمكن منه كما تنبئنا من قبل و كما أثبتت الأحداث بعد ذلك. أما
الخليجيون (باستثناء قطر) فمصرون علي تكريس كل طاقاتهم المالية الهائلة لحرق مصر
وادخالها في أتون الحرب الأهلية حتي يبعدوا شبح الاسلاميين عن بلادهم. أما الغرب,
فهو أقل الاطراف تحملا لما يجري لصواب رؤيته للأوضاع, ولعلمه بخطورة عواقبها علي
مصالحه كما اسلفنا. أما الجيش والشرطة, فهما أقل قدرة علي الصمود في مواجهة المد
الثوري من الجيوش الطائفية كالجيش السوري مثلا. فمعظم الجنود وصغار الضباط ينتمون
الي نفس العقيدة الدينية و النظرة التناولية العامة للأمور كعموم الشعب, وهم ان
اضطرهم الخوف من المحاكمة العسكرية الي مواجهة شعبهم, لن يستطيعوا أن يصمدوا كثيرا
أمام ضمائرهم وعقائدهم التي تحرم قتل اخوانهم المدنيين, ولذا فالانشقاقات قادمة
لامحالة, ولعل ماسمعناه اليوم عن اطلاق بعض الجنود للنار علي ضباطهم الذين أمروهم
بقتل المتظاهرين مقدمة لذلك.
ولذا نؤكد هنا علي ما أوصينا به دوما من المفاصلة
والمواجهة التامة مع قوي الثورة المضادة بنية اقتلاعها من جذورها دون ابطاء. ولا
يعني ذلك بالضرورة اللجوء الي العنف الذي قد يكون مطلوبا من البعض القيام به (علي
الاقل للقضاء علي القوة التدميرية والايذائية للقوي الأمنية المتغولة ولكن
المفاصلة في مفهومها الاشمل تعني عدم الاستعداد للقبول بالحلول الوسط والاستمرار
في التظاهرات السلمية والعمليات النوعية بقصد السيطرة علي الحكم ثم استئصال شأفة
قوي الثورة المضادة من جذورها دون مهادنة أو هوادة. وبقدر وعي القوي الثورية
بضرورة ذلك حال نجاحها الذي
سيحدث ولو بعد حين, بقدر ما يزداد اقترابنا من الحل النهائي للمرحلة الحالية
وما فيها من قتل وهرج. وهو أمر قد يبدوا مخالفا للمنطق القائل بأن تهدئة الأوضاع
-لا تصعيدها- هو الضمين بتقليل الخسائر في الارواح, ولكن القانون الكوني يعلمنا أن
لنا في القصاص حياة وان الشر ان واجهته بالخير ضقت به ذرعا وان لقيته بالشر ينحسم.
No comments:
Post a Comment