منذ سنوات أقامت الجامعة التي كنت أدرس فيها في بلاد
الفرنجة أسبوعا للفيلم المصري. و عرضت فيما عرضت فيلم الأرض ليوسف شاهين. وعلي
الرغم من غرابة السياق و الطرح بالنسبة للمشاهدين من زملائي من الطلبة الأجانب,
الا أنني رأيتهم كلهم بلا استثناء ينفعلون جدا بمشاهد السحل والتعذيب من قبل
الهجانة و رجال البوليس للقرويين البسطاء, ورأيتهم يستحسنون المقاومة و يصفقون
كلما أسقط قروي ضابطا أو عسكريا من علي صهوة حصانه و أكال له اللكمات. الانسان في
كل زمان ومكان عنده نزعة النفور من السلطوية و اباء الضيم اذن, وعلي قدر الاضطهاد يكون
التعاطف, والا لما غزت المسيحية المسالمة روما المدججة بالسلاح, ولما تغلبت الهند
بعصيانها المدني علي انجلترا بقضها و قضيضها.
الاسلام السياسي في مقصده الاسمي صرخة ضد الظلم
والاستعباد, محاولة لاخراج الناس من عبادة العباد الي عبادة رب العباد, كما قال
ربعي بن عامر لرستم و كما أكد سيد قطب بعد ذلك. وفكرة التحاكم الي حاكمية الله
(علي قدر ما أسيئ فهمها و تطبيقها) هي دعوة للتحرر من ربقة سلطان البشر الي رحابة
المساواة في الاخوة الانسانية تحت رب لايريد من الناس لحوم ولا دماء أضاحيهم وانما
يريد منهم الاحسان الي بعضهم البعض. هذا هو فهم البسطاء من الناس للاسلام السياسي
والسر وراء اصطفافهم خلف حملة رايته و الموت دفاعا عنه. أن الشاب البسيط الذي قاتل
و بذل روحه لاسقاط الشاه في ايران و المرأة الفقيرة التي قدمت أبناءها شهيدات في
المنصورة لم يفعلوا ذلك لالتزام تنظيمي ولا لقناعة ايديولوجية بتنظيرات فكرية,
وانما قدموا أرواحهم عن طيب خاطر لأنهم أعتقدوا بصدق, انهم انما ينافحون عن مستقبل
أفضل و مدينة فاضلة علي الأرض, لا ظلم فيها ولا ضيم و لا تجبر ولا طغيان. شأنهم في
ذلك شأن من ماتوا ذودا عن لاهوت التحرير من مسيحيي أمريكا اللاتينية او من
الشيوعيين في كل مكان.
وقد يجادل مجادل ان هؤلاء ليسوا علي شيئ, وان سادتهم
وكبراؤهم أضلوهم السبيل, وان ما يسعون اليه سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء, وان
الادلة العقلية توضح ان المنهج الفكري للاسلام السياسي فاسد وان المجتمع الذي
سيقيمه لن يختلف كثيرا عن المجتمعات التراتبية الظالمة التي ما قام الا لنقضها. و
يمكننا أن نتناقش في ذلك وان نرد علي كله او بعضه بان خطأ التطبيق لا ينفي صحة
النظرية, وان اجتهادات قادة الحركات الاسلامية في زمن او مكان معين لا ينبغي أن
تساوي مع النهج النظري الطيع المرن القابل للانسجام مع كل عصر بما يحفظ المقاصد و
لا يقع في الأخطاء. ولكن بعد هذا كله تبقي الحقيقة التي لامراء فيها أن حلم
البسطاء من بني البشر بالعدالة و الحرية و المساواة سيدفعهم دفعا للانضواء تحت
رايات حركات الاسلام السياسي شئنا ذلك أم أبينا, وان زخمهم سيفوق في نهاية المطاف
زخم جلاديهم و أن دماء و أشلاء شهدائهم ستغرق خصومهم ولو بعد حين.
حيا الله (او الآلهة او السماء لمن لا يؤمن بالله) أرواح
شهداء الثورة المصرية و كل ثورات الربيع العربي, وكل الشهداء في كل زمان ومكان,
ممن سما ايمانهم بمثل عليا (صحت او خطأت) علي نزعاتهم الاستهلاكية الوضيعة, فلم يبخلوا
بنفوسهم علي تحقيق ما يعتقدون أنه الصواب, بغض النظر عن كينونته. ان أمثال هؤلاء
هم من صنعوا التاريخ بتضحياتهم عبر العصور, وهم من سيرثون الارض بالمعني الحرفي
والمجازي للكلمة. ولعنة الله علي كل من أعان عليهم و خذلهم و سخر منهم, ولو كانت
أفكاره اصوب منهم و منهجه أهدي منهم. انني لم أشعر يوما منذ بدأت الكتابة في هذه
المدونة منذ أكثر من عامين بغثيان و اشمئزاز ممن يستهينون بأرواح اخوانهم من بني
البشر كما أشعر به الآن. أنه غثيان يدفعني للتقيؤ في وجوههم والمفاصلة معهم وان
كانوا ذوي قربي. اللهم لا تنزع الرحمة والرأفة من قلبي الا مع آخر نفس يتردد في
صدري, اللهم لك الأمر من قبل و من بعد.
No comments:
Post a Comment