تواعدت القوي المضادة لحكومة الاخوان المسلمين في مصر
علي موعد الثلاثين من يونيو للتقاطر علي
القاهرة و اسقاط حكومة الدكتور محمد مرسي, الا أن الاخير استبق الحدث بخطاب هاجم
فيه خصومه و كشف طرفا من مؤامراتهم و أسرع من وتيرة الاجراءات المضادة لهم, وحشد
لهم الملايين من أتباعه في القاهرة وحدها تحسبا لمكائدهم. وبينما يحبس العالم
أنفاسه لما قد تسفر عنه المواجهة الفاصلة في هذا اليوم الذي يصادف ليلة السكاكين
الطويلة التي تخلص فيها المستشار الألماني أدولف هتلر من خصومه السياسيين و اسس
لحكمه المطلق, نحاول في عجالة تلمس طبيعة الصراع القائم في المنطقة بأسرها (وليس
في مصر فقط) محاولين أن نستشرف حظوظ كل طرف في الغلبة.
هناك فرق كبير بين الاسلام كدين والاسلام السياسي كفكر
حركي, فبينما يعني الأول بايجاد تصور ميتافيزيقي معين لنشأة الكون والمبدأ والمعاد
, يتشابه أو يختلف مع التصورات الخاصة بالأديان والفلسفات الأخري, يعني الثاني
بتنظيم علاقة الناس ببعضهم وبمجتمعاتهم علي ظهر الأرض. وصحيح أن الثاني مستلهم من
الأول, الا ان نقطة التركيز مختلفة تماما, فبينما يركز الأول علي نقاء العقائد ألي
الحد الذي يمكن معه أن يدفع بمعتنقيه الي اتخاذ مواقف عدائية من أبناء الديانات
المغايرة (او حتي المذاهب الاسلامية الأخري كالشيعة مثلا) بناء علي اختلاف بسيط
معها, يركز الآخر علي مثاليةالرؤية الشاملة لحركة المجتمع وطبيعة علاقة الحاكم
بالمحكومين, علي نحو يسمح بهامش كبير من الاختلاف العقائدي بين معتنقي فكر الاسلام
السياسي. فآية الله علي خامنئي (المرشد الأعلي للثورة الايرانية الحالي مثلا) ترجم
كتابات سيد قطب الاخواني و استلهمها كفكر حركي للثورة الايرانية بالرغم من المحيط
الشاسع الفاصل بين مذهب الاول الجعفري والثاني السني. وآية الله خوميني أطلق اسم
خالد الاسلامبولي عضو الجماعة الاسلامية السلفية علي أكبر شوارع طهران دونما
التفات لاختلاف المذهب, والامثلة كثيرة و لا يحصرها العد.
بينما في المقابل نجد أن المتدينين التقليديين (من غير
معتنقي رؤية الاسلام السياسي) كسلفيي حزب النور في مصر أو الجامية في السعودية
مثلا غالبا ما يناصبون ممارسي الاسلام السياسي العداء و ينحازون دوما الي الانظمة
العلمانية او الموالية للغرب كمبارك في مصر أو آل سعود في السعودية, علي الرغم من
اتفاقهم في المذهب و المدرسة الشرعية مع نظرائهم من ممارسي الاسلام السياسي
(الجامية مع السرورية في السعودية كلهم وهابيون و سلفيو حزب النور و سلفيو حزب
الراية مثلا كلهم سلفيون) ولكن المسألة مسألة اختلاف في رؤية كل منهم لدور الدين
في الحياة, فبينما يؤمن الجامية وسلفيو حزب النور مثلا بأن الدين انما جاء لتنظيم
علاقة الانسان بربه فقط ويطبقون عمليا مقوله دع مالقيصر لقيصر, يؤمن السروريون و
سلفيو حزب الوطن (وطبعا الاخوان و الجماعة الاسلامية بان الدين انما هو منهج حياة
ينظم حركة المجتمع أولا وقبل كل شيئ).
وعلي الرغم مما قد يبدوا ظاهريا (أو مرحليا) من اصطباغ
فكر الاسلام السياسي بصبغة معينة (مثلا انه ذو توجهات اقتصادية يمينية أو اجتماعية
محافظة كما هو الحال مع الاخوان في مصر حاليا) الا ان ذلك يرجع أولا وأخيرا لافكار
الطليعة التي تحمل لواء العمل الحركي في فترة معينة. فمثلا خيرت الشاطر في مصر أو
تجار البازار في ايران انطبعت أفكارهم بتجربتهم الشخصية كرجال أعمال ناجحين علي
رؤيتهم لماهية الاقتصاد الاسلامي. ولكن بنفس المنطق يمكن أن ننظر ألي أفكار علي
شريعتي اليسارية كنموذج مقابل يثبت انعدام وجود تصور ايديولوجي مميز للاقتصاد او
السياسات الاجتماعية, وان الامر كله يتوقف علي اجتهاد المجتهدين في كل عصر. و
الخلاصة هي أن الفكر الاسلامي السياسي (كأي فكر مثالي) ليست له أطر معينة الا أطر
المصلحة العامة و السعي لتحقيق ما يتصور أتباعه أنه المدينة الفاضلة علي الأرض.
وبالتالي يمكن تصوره كرحلة لانهائية من التجربة والتعديل في المنهج بهدف الوصول
الي الهدف الأقصي, ألا وهو اقامة مايتصور اتباعه أنه مراد الله علي الأرض. وفي هذا
فسحة وعزاء لمن لايعجبه التوجه الوقتي لقيادات الحركة الاسلامية السياسية في قطر
او في بلد. فهذا التوجه بطبيعة الحال ليس توجها عقائديا نهائيا وانما هو توجه جدلي
وقتي لايريد الا الاصلاح مااستطاع, فان استبان له خطأ ما عدل عن توجهه و عدل من
مساره, حسب ماتمليه الحاجة ويقضي به الدليل.
وفي كل هذا, هناك مفاصلة كاملة بين الاسلام السياسي
كنظام مثالي يسعي لاقامة ما يتصور أتباعه أنه العدل المطلق علي الأرض, وبين
الأنظمة الوضعية التي يسعي اتباعها لتعظيم الكسب لطائفة الحكام والمستثمرين علي
حساب الأغلبية المسحوقة من المواطنين علي نحو يصعب تفصيله في هذه المساحة الضيقة.
ولكن الخلاصة أن مناصري هذه الأنظمة الوضعية (باستثناء المثالي منها كالشيوعية
الفوضوية مثلا) لا يمكن أن تسالم أو أن تتفق مع أنظمة الاسلام السياسي مطلقا,
وستظل في حالة حرب وجودية شاملة معها لأن نجاح الأولي يعني فشل واضمحلال الثانية
وهكذا. ولذلك نري الآن أن الأنظمة الوضعية الرأسمالية (كأ نظمة دول الغرب واسرائيل
و معظم دول الخليج) في حالة حرب مفتوحة مع الانظمة الاسلامية الوليدة التي انتجتها
ثورات الربيع العربي في مصر وتونس, ومن قبل ذلك مع نظام الاسلام السياسي الذي
أنتجته الثورة الايرانية في طهران, أو حتي مع محاولات أردوغان التدريجية للعوده
ببلاده الي حوزة أنظمة الاسلام السياسي.
ولأنها حرب وجودية مصيرية مستمرة عبر عقود طويلة, لايمكن
النظر الي موقعة فيها بمعزل عن باقي الحلقات, فكيف نفصل نجاح العدالة والتنمية في
تركيا عن وصول الحرية والعدالة الي الحكم في مصر؟ وكيف يمكن غض النظر عن قيام
ايران الاسلامية بتمويل حركة حماس من الابرة الي الصاروخ لتوجه أول مقاومة حقيقية
لاسرائيل؟ وكيف لايمكن أن ننحني اعجابا لبطولات حزب الله في صد العدوان الاسرائيلي
علي لبنان وتحريره لجنوب البلاد بعد سنوات قليلة من اجتياح اسرائيل لبيروت؟
وبالتالي فما يحدث في مصر حاليا ماهو الا مجرد حلقة من حلقات هذا المسلسل المستمر
منذ سنين طويلة, مسلسل الصراع بين الاسلام السياسي و الانظمة الوضعية.
وفي شكله الجديد, حاول حاملوا لواء الدفاع عن الأنظمة
الوضعية (محمد بن زايد في الامارات و بندر بن سلطان في السعودية ومحمد دحلان من
اسرائيل/الأردن) القضاء علي تجربة الاسلام السياسي الوليدة في القاهرة, فجيشوا
جيوش البلطجية في مصر و استخدموا قادة جبهة الانقاذ كرأس حربة وكغطاء سياسي للهجوم
علي نظام الاسلام السياسي القائم في القاهرة لأنهم يعلمون تمام العلم أن استتباب
الأمر له هناك, يعني أن بلادهم اصبحت في مرمي نيران حركات الاسلام السياسي
المسحوقة في بلادهم وأن عروشهم أصبحت في مهب الريح.
و في رأيي المتواضع أن نجاح التيار الوضعي في اشعال حرب
طائفية في سوريا و تاليب السنة علي الشيعة في المنطقة هو أكبر انجازاتهم و طعناتهم
المسددة لتيار الاسلام السياسي في الفترة الراهنة, فمنذا الذي كان يتصور أن يدعوا
يوسف القرضاوي أكبر القيادات السنية في العالم الاسلامي للجهاد ضد الشيعة, او ان
يقوم مقاتلوا حزب الله بمذابحهم ضد السوريين في القصير؟ وطبعا جاءت مذبحة الشيعة
في مصر و ماتبعها من فتور بين القيادة الايرانية والنظام المصري لتضمن عزل الاخوان
في مصر عن مناصر تقليدي في طهران كان من الممكن أن يقلب المعادلات علي الارض تماما
علي كل الأصعدة.
وجملة القول أن ميزان المواجهة في مصر حاليا كالأتي:
قوي الاسلام السياسي تتكون اساسا من الاخوان المسلمين
والجماعة الاسلامية (بعد أن تغلب الجناح الأصلي فيها بقيادة الاخوين الزمر و صفوت
عبد الغني وغيرهم من المجاهدين علي بدعة كرم زهدي و ناجح ابراهيم ومن تنكبوا الطريق
في سجون أمن الدولة) وسلفيو حزب الوطن والراية (ممن عرفوا بحق أن تتبع منهج السلف
الصالح لايعني تقصير الجلباب و اطالة اللحية وانما اقامة مراد الله علي الأرض) ومن
يمكن أن اسميهم بالقوميين الاسلاميين كحزب العمل بقيادة مجدي أحمد حسين, و حزب
الوسط (المكافئ تقريبا لحزب أردوغان في تركيا).
القوي الوضعية تتكون أساسا من فلول الحزب الوطني المنحل
و أعضاء الدولة العميقة المستفيدين من فساد حكم مبارك كرجال القضاء والشرطة
والمخابرات الفاسدين واساطين راس المال والاعلام المنتفع من نظام مبارك و الأحزاب
الورقية لجبهة الانقاذ ممن فشلوا عبر العقود في التواصل مع الجماهير او بناء أي
قاعدة شعبية فقنعوا باعطاء غطاء سياسي للفلول مقابل وعود بمناصب قيادية في حالة
النجاح. يمول كل هؤلاء معين لاينضب من المال الآتي من أنظمة الامارات والسعودية
والكويت يستخدم لشراء البلطجية (وتحويل اولاد الشوارع الي بلطجية) ولشراء السلاح
من ليبيا تحديدا التي تحولت الي أكبر سوق للسلاح بعد انهيار نظام القذافي.
الصراع بين هذين المعسكرين صراع وجودي مصيري لن ينتهي
الا بسحق وانتهاء احد المعسكرين من الوجود, و لذلك لا يمكن لعاقل تصور أن مرور يوم
30 يونيو دون تغيير يذكر علي أرض الواقع (وهو مايريده الاسلاميون) او تمكن
المتمردين من اقتحام القصر الجمهوري وازاحة مرسي (وهو مايسعي اليه الوضعيون) سيدشن
نهاية الصراع, لأن أحد الطرفين لن يرتضي بالهزيمة و سيعاود الكرة من جديد الي أن
يسدد الضربة القاضية للطرف الثاني بسحقه تماما
أما وقود هذه المواجهة من القوي المثالية غير الاسلامية
(كاليساريين و القوميين و الليبراليين الاصلاحيين) وأبناء الشعب المصري من غير
المسيسين و أعضاء القوات المسلحة من غير القادة فأغلب الظن أنهم سينقسمون بين
الطرفين مع زيادة في انضمامهم للقوي الوضعية بداية لتاثرهم بالاعلام و دعاياته ضد
مرسي, الا ان اطلاعهم علي حقيقة الصراع (اذا ما طال أمده), ومعرفتهم ان قوي
الاسلام السياسي أولا واخيرا هي قوي استقلالية نهضوية مثالية مع الاعتراف بكل
أخطائها, وأن القوي الوضعية هي قوي تابعة نفعية, كفيل بانسحابهم من معسكر القوي
الوضعية و انضمامهم تدريجيا للمعسكر الثاني, معسكر قوي الاسلام السياسي.
ولهذا فمحاولة التكهن بما قد تسفر عنه المواجهات يوم الثلاثين
من يونيوأمر عسير أولا وغير ذي أهمية في الوقت ذاته, لأن اليوم لن يعدوا أن يكون
حلقة في سلسلة متصلة من الصراع بين الاسلام السياسي و الوضعيين. الا أن الناظر الي
حركة التاريخ, سيما خلال العقود السبعة الماضية, والتي شهدت صعودا مضطردا للاسلام
السياسي, لابد وأن يترسخ لديه الاعتقاد أن النصر سيكون حليف هذا التيار وان طال
الأمد.
No comments:
Post a Comment