Monday, June 17, 2019

الله يرحمك يامرسي

كنت أسير في احدي ردهات المبني عندما التقيت زميلا أجنبيا لم أره منذ أكثر من تسع سنوات.  تصافحنا و تبادلنا بعض الأسئلة المعتادة عن الأسرة و أحوال الحياة, عندما ذكر لي فجأة أن ما حدث صباح اليوم في القاهرة ذكره بمصر التي أقام فيها لبعض الوقت خلال فترة حكم مرسي.  فلما استفسرت عما حدث قال ان مرسيا قد مات صباح اليوم أثناء جلسة لمحاكمته.  لا أدري كيف أصف مشاعري فأنا لم أمر بموقف مشابه الا مرتين فقط في حياتي كلها.  الأول عندما ساق الي أحدهم خبر اعدام صدام حسين صبيحة يوم العيد, والثاني عندما كنت في منتصف الطريق في رحلة طويلة مرهقة بمنطقة ريفية في بلد لاتوجد به شبكة انترنت يمكن التعويل عليها بينما كان فض اعتصامي رابعة والنهضة يجري علي قدم وساق, فكنت أتلقي رسالة او خبرا مقتضبا عن حدوث الاقتحام, ثم عن القتلي, ثم عن الحريق كل ساعتين تقريبا وأنا أتمزق داخليا ولكن لا استطيع الكلام.  الشعور واحد في الحالات الثلاثة: حزن عميق ورغبة شديدة في البكاء أو لعن الظالمين او علي الأقل التعبير عن الأسف, في الوقت الذي تمنعني الظروف والملابسات عن الافصاح عن هذه المشاعر لمن هم حولي من أشخاص لن يتفهموا هذه المشاعر, بل وقد يؤلونها علي نحو انني ارهابي او متعاطف مع الارهابيين.  أما اليوم, فالعجيب أنني في نفس اليوم تعرضت أوضاعي المالية لنكسة, و ظروف العمل لما يشبه خيبة الأمل فمن المفترض أن تشغلني كلا من هاتين المصيبتين بنفسي عن رجل لم ألتقه في حياتي أو انتمي تنظيميا لجماعته أو حتي اوافق علي توجهاته الفكرية, ولكن مع ذلك وجدت نفسي أردد بشكل تلقائي طيلة رحلة العودة للبيت "الله يرحمك يامرسي."  كنت أرددها دون وعي ترديد الانسان الذي تكالبت عليه الهموم والأحزان التي لايدري بأيها ينشغل, فاذا بعقله الباطن ينقل أكثرها حزنا ومرارة الي الصدارة, مع أن التفكير المنطقي لايقضي أبدا بأن يتصدر شأن عام قائمة الهموم الشخصية لانسان غير 
مشتغل بالشأن العام.

لاأدري لم أحببت محمد مرسي من اللحظة الأولي التي صعد فيها اسمه الي بورصة الترشيحات للرئاسة. الرجل 
لايوجد بينه وبيني تشابه ابعد من كون كلانا مصريين مسلمين.  أما ماوراء ذلك فنحن نختلف في كل شيئ تقريبا.  هو اسلامي وانا أعد نفسي علمانيا أو علي الأقل غير ملتزم دينيا.  هو ريفي وأنا حضري.  هو اصلاحي وأنا أفضل المنهج الثوري (وان كنت لست ثوريا بصفة عملية).  هو قضي ماقضي من حياته في الغرب فلم يطق الابتعاد عن مصر و عاد اليها ليعمل بالشأن العام, بينما أنا أمضيت أكثر من نصف سني حياتي خارج مصر ولم أشعر قط بالاغتراب.  هل ذكرني بذلك البروفسور المصري الذي كان يعمل في جامعة مجاورة لنا و كان يأتي ليؤمنا في صلاة الجمعة أثناء دراستي العليا بالغرب؟  ولم لا, فكلاهما مصري ريفي متدين يتحدث لغة بلد المهجر بلكنة ثقيلة و يحرص علي دعوة الخراف الضالة مثلي ومثل غيري من الشباب المسلم اسما المتعلمن فعلا للعودة للاسلام؟  في حالة بروفسوري المصري, لم أكن أطيقه في البداية, ولكن بالتدريج ألفيته رجلا طيب القلب بسيط التفكير لا يريد لمن حوله الا الخير, ربما سخرت أحيانا من "سطحية" أفكاره, لكني لم أملك نفسي ألا و أنا أحبه فعلا شكلا وموضوعا.  هل ذكرني مرسي بهذا الرجل؟  لاأدري, ولكن كل ما أعرفه أنني وجدت نفسي تدريجيا أحمل تجاهه نفس المشاعر الطيبة التي حملتها نحو شبيهه.

فيما بعد, اتاحت لي الظروف اللقاء بأحد المسؤليين الأجانب ذوي المستوي الرفيع, فحكي لي عن لقاءاته بزعماء الأخوان في مصر.  قال لي أنه أعجب كثيرا بذكاء و شخصية خيرت الشاطر, و تحفظ علي قدرات عصام العريان السياسية, و سخر ضمنا من "دروشة" بديع, ولكنه توقف عند مرسي.  قال أن الرجل لم يحاول يوما أن يتلطف أو يكسب ود القادة الأجانب الذين كانوا يتقاطرون الي القاهرة بعد تنصيبه, بل انه كان غالبا ما يبدوا لهم متوترا, عابسا, متجهما, علي عكس ما يبدو عليه عند لقائه بعامة الشعب من البسطاء.  الرجل قال لي هذا الوصف في معرض ذم مرسي والتوكيد علي افتقاره الي الحنكة السياسية.  لا أدري لماذا رفعت هذه الكلمات من مكانه مرسي في قلبي أكثر وأكثر, فأنا دائما ماأري التواضع مع المساكين والكبر علي أهل الكبر من علامات صدق الانسان و سمو أخلاقه.

في أثناء ولايته, غفر الاسلاميون حول العالمين العربي و الاسلامي للاخوان بقيادة مرسي كل خطاياهم, وأذكر 
للتاريخ شهادات العديد منهم, مما أرجو أن يمد الله في عمري لأكتب عنه يوما بالتفصيل, شهادات علي حصافتهم و دهائهم السياسي, وكيف التفوا علي المجلس العسكري و حصلوا علي السلطة ووضعوا مصر علي أول الطريق السليم. حتي أن بعض الجهاديين كالظواهري في مصر والشيخ سليمان العلوان في السعودية أما مدحوا مرسي صراحة أو نفوا تماما قدحه أو ذمه.  حتي اذا كبا تحول الثناء سبابا و المدح قدحا, وتبرأ الجميع منه, حتي أن أنصف القوم لمن ينعته بالسذاجة وينسب اليه تضييع الأمة.  حتي الشيعة, الذين حاول فسح الطريق أمام تصالحهم مع السنة بعد لقائه بأحمدي نجاد و زيارة قادة الحرس الثوري للقاهرة, تلك الزيارة التي حسمت أمر الملك عبد الله من حيث عدائه لمرسي و رصده للبلايين للاطاحة به.  أقول حتي أولئك الشيعة تآمروا عليه و ألصقوا به جريمة قتل حسن شحاتة ووضعوا يدهم في يد من أنقلب عليه فيما بعد و تنكروا لكل ماقام به من أجل التقريب بين المسلمين نكاية في موقفه المؤيد للثورة السورية.

رحمك الله يامرسي رحمة واسعة فقد أتعبت من جاء بعدك, واني لأرجو أن يحشرني الله معك يوم القيامة فقد أحببتك في الله, والمرء يحشر مع من أحب.

No comments:

Post a Comment