سألته وأنا
في طريقي للخروج من وليمته العامرة عن السبب الذي يدعو أمثاله من السلفيين لإطلاق لفظ "الاخونجية" على
شخصيات اتفق الناس على سلفيتها كالشيخ حازم صلاح أبو اسماعيل والدكتور محمد عباس وغيرهم،
فابتسم وتناول كتابا ضخما كان موضوعا بجواره وقال “نظرية الحكم عندنا معشر
السلفيين تتلخص في مفهوم البيعة كما طلبها رسول الله من الأنصار على السمع والطاعة،
في المنشط والمكره، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر الي أخر الحديث المعروف. أنت كمحكوم تضع ثقتك في حاكم يتولى
أمرك, فتطيعه طاعة مطلقة ما أقام الصلاة, لا تعصاه في معروف, ولا تشق عليه عصا
الطاعة حتي تلقيا الله, فتحاسب انت علي مدي طاعتك له, ويحمل هو وزره ووزر كل من
حمل أمانته فضيعها, اما ما يدعو اليه من ذكرت من فئام الناس, فهو اختزال الاسلام
الي مبادئ نظرية توضع في كتب مثل هذا الكتاب تحت مسميات الاقتصاد الاسلامي او
العدالة الاجتماعية في الاسلام, فيدعون أنها هي صحيح الاسلام, وانها قابلة للتطبيق
من خلال مختلف الأنظمة الوضعية الحديثة التي ما أنزل الله بها من سلطان,
كالديمقراطية التمثيلية التي تتيح للناس خلع بيعة الحاكم في أي وقت واستبداله باخر
ربما لا يطبق شرع الله. ووجه الاشكال في ذلك أن اي فشل في تطبيق ما يدعون أنه
الحكم بما أنزل الله لن ينسب الي ظلم الحاكم المبايع بيعة مطلقة، كما هو الحال
عندنا نحن السلفيين، وانما الي الاسلام ذاته، بعد أن زينوا للناس تقبل فكرة أن
الاسلام يمكن اختزاله في مبادئ مجردة قابلة للتطبيق من اي حكومة وضعية منتخبة
رئاسية كانت ام برلمانية، عسكرية كانت أم مدنية، فيفضي ذلك بالعامة الي الشك في
صلاحية الاسلام كنظام للحكم، وينتهي بضعاف القلوب الي الكفر بالله."
توقفنا قليلا أمام مرآب السيارات ريثما
ننهي حديثنا الذي تطور من سؤال استنكاري من قبلي تصورت أنه لن يحير له جوابا الي
محاضرة كاملة عن الفروق بين السلفيين و "الحركيين" كما اقترح هو ان
نسميهم ان استمر اعتراضي على تعبير "الاخونجية" الذي يحمل في طياته
سخرية لأتخطاها الأذن والعين. كانت المحطة التالية في تساؤلاتي عن
مفهوم الاعتراض او الاحتجاج عند السلفيين، لأن ما ذكره من البيعة المطلقة لا يتسع للكثير
من النقد من ذلك. قلت له "يا شيخنا الجليل، لو أنك أكملت حديث جابر بن عبد
الله الذي ذكرته، لوجدت ان رسول الله صلي الله عليه وسلم أوصي الأنصار أيضا بأن
يقولوا في الله لا تأخذهم فيه لومة لائم، وهو ما يمكن أن نصنفه بالمفهوم الحديث
كوصية لتقويم الحاكم ورده الي جادة الصواب ان حاد عنها." عند هذا
الحد غاضت ابتسامته وأشار بيده كأنما يريد أن يوقف سيل الكلام المندفع من فمي
قائلا " على رسلك، القرآن وان أرسي مبدأ الشورى في غير موضع، فانه لم يلزم
الحاكم باتباعها، وانما هي كما يوحي اللفظ، مجرد نصيحة للحاكم الخيار بين قبولها
أو رفضها. أما المعارضة بالمفهوم الحديث، كتكتل حزبي دائم يسعي لتغيير الحاكم عن
طريق نشر مثالبه والانتقاص من قدره وتأليب الرأي العام عليه فهي بدعة أتحدي كائنا
من كان أن يثبت وجودها في صدر الاسلام، الذي مدحه رسول الله صلي الله عليه وسلم
حين قال، خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يجيء أقوام تسبق
شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته، فلو كان في هذه المعارضة خير لرأيناه في هدي
الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وحتى الشورى غير الملزمة، هناك شروط
ومواصفات يجب ان تتوفر فيمن يتوفر عليها، كأن يكون عالما ربانيا، فقيها محدثا،
مشهودا له بالتقوي والورع، لا منافقا عليم اللسان كأغلب من نراهم اليوم يشتغلون
بالسياسة."
عند هذا
الحد أدركت أن تلك الفرصة التي أتاحتها لي الأقدار بإجراء حديث مع هذا الداعية
الشهير، الذي تتلمذ علي يد ربيع المدخلي وغيره من سلفية المدينة المنورة ربما لا
تتكرر مرة أخري، لأنه لو علم بانني أقرب لفهم أولئك "الحركيين" أو
"الاخونجية" للإسلام من فهمه هو وفهم أمثاله من "الجامية" لما
استضافني من الأصل, و لما تبسط معي في الكلام. وقد وقر في نفسي في تلك اللحظة أنه
لابد وأن ينتهي به الأمر لمعرفة مكنون نفسي ان عاجلا او آجلا فآثرت أن أهتبل
الفرصة وأن أخرج كل ما في جعبتي من الأسئلة دفعة واحدة لأن المصادفة قد لا تتيح
لقائه تارة أخري. سألته هذه المرة عن مفهوم الثورة والخروج علي الحاكم في الاسلام
كما يراه السلفيون. قال ان القاعدة الاساسية في اي عمل هو الامتناع عن ترويع الناس
او ايذائهم، ولما كانت الثورة والتمرد ضد حاكم مثل بشار الأسد، الذي لا يعتبر
مسلما على أي حال كونه علويا نصيريا، من شأنها التسبب في العديد من القتلى والكثير
من الخراب المادي، فإنها تظل عملا غير مسوغ لأنها ستؤدي إلى إثارة الفتنة، والفتنة
أكبر من القتل. هذا هو الحكم بالنسبة
لأبناء الاقليم، فما بالك بمن سواهم من أبناء الأقاليم الأخرى، ممن ينتفي عندهم
المسوغ الرئيس المعقول للتمرد، ألا وهو ظلم الحاكم، لأن بشار ليس بحاكم لهم، دع
عنك ما ستسببه ثورتهم وخروجهم عليه بالسلاح من فساد واهلاك للحرث والنسل. ولذا فعمدة القول لدينا هي أن الترويج لما يسمي
بالجهاد الشامي انما تولي كبره أعداء الأمة ممن يسعون لنشر الهرج والفساد في بلاد
المسلمين من ناحية، وتدمير جيوشهم من ناحية أخري، والا فقل لي بربك ماذا أثمر هذا
الجهاد المشئوم غير تدمير الحرث والنسل، والقضاء علي الجيش السوري، كما قضي علي
الجيش العراقي من قبل. ولولا أن تداركتنا رحمة ربك هنا في مصر، لانتهت قواتنا
المسلحة الي مصير مشابه
ولما بلغ بنا الكلام الي هذا ناسب أن نتصافح ونفترق، بعد أن أثار
حديثه أسئلة أكثر مما طرح من اجابات، نناقشها في جزء ثان لهذا المقال ان كان في
العمر بقية.
No comments:
Post a Comment