Monday, July 14, 2014

كيف أفهم الدين؟

ماذا الأديان بشكلها الحالي غير دقيقة وغير واجبة الاتباع بشكل حرفي؟
مبدئيا بالنسبة لقضية الايمان بشكل مطلق ودون الخوض في العقائد المختلفة, الانسان المعاصر مفيش عنده الأدلة القطعية الدامغة علي وجود اله او قوة خارجية خالقة للكون زي ما الانسان اللي عاش في عصور نشأة الديانات الكبرى كان متصور انه عنده مثل هذه الدلائل. مش حاقول اني مؤمن بنظرية التطور بشكل كامل زي بعض غلاة الملحدين متمسكين بيها، لكن يكفي القول ان معلوماتنا المعاصرة عن البيولوجي و الفيزياء أعطونا تفسير منطقي لنشأة التعقيد من البساطة, او لتطور الحياة بالشكل اللي بنشوفه حاليا من الاشكال البسيطة البدائية. التفسير ده ماكانش متاح في زمن القدماء, فكان بيكفي انهم يبصوا للسماوات المرفوعة بغير عمد, او الي الابل وقدرتها علي تحمل العطش, الخ الخ ويقفزوا الي النتيجة المنطقية الوحيدة اللي بتقول ان البعرة تدل علي البعير, فكيف ان سبع سموات وسبع ارضين لايدللن علي السميع البصير؟

النقطة دي مهمة جدا في دحض الأديان بشكلها الاصولي اللي بتقول ان ربنا حيحرق في جهنم و يعاقب بالخلود في النار كل كافر به, لأن المنطق بيقول ان الاله الرحيم العادل اللي خلق الانسان كنوع من الكرم والمنحة اللي بتحول العدم الي وجود مش ممكن يعاقب رفض عقلاني لوجوده بالخلود في جهنم, اذا كان الرفض ده مبني علي شواهد او ادلة مستخلصة من المعطيات اللي حطها قدامنا في الكون, زي العلوم المختلفة, وباستخدام الأدوات اللي خلقها فينا, زي استخدام العقل أو التفكير الاستنباطي. النقطة دي لوحدها كفيلة بأنها تخلينا نرفض فكرة أن ايماننا كمسلمين او كمسيحيين او كاتباع أي دين ضروري للنجاة من النار, او ان المخالفين لنا حيخشوا النار, عشان تصورهم للكون ونشأته مخالف لنشأتنا, لأنه طالما ان تصورهم ده يمكن تبريره منطقيا من خلال الأدلة اللي أتاحها لنا ربنا, او يمكن الوصول اليه كتصور بديل, عن طريق العقل اللي خلقه الرب فينا, يبقي مش من العدل لهذا الرب أنه يعذبهم

أما بالنسبة للدحض التفصيلي لأديان بعينها، فإضافة للنقطة السابقة, اللي بتنسف المصداقية الحرفية  لأيات او اصحاحات كتيرة في الكتب المقدسة بتؤكد ان الايمان علي طريقة هذا الدين أو ذاك هو الطريق الوحيد للخلاص (لأنه زي ماتفقنا مش من العدل تعذيب من وصل لنتائج مخالفة بالعقل اللي ربنا خلقه فيه),  فيه تناقضات صارخة بين المعلومات التاريخية اللي أصبحت معلومة لنا من الحفريات و المسكوكات اللي عثر عليها حديثا وبين كثير من الادعاءات عن الاحداث "التاريخية" اللي وردت في الكتب المقدسة. يعني مثلا قصة ذي القرنين المذكورة في سورة الكهف متاخدة بالنص من حواديت كانت منتشرة في منطقة الشرق الأوسط أيام ظهور الإسلام اسمها رومانسيات الاسكندر, بتقول معلومات احنا دلوقتي عارفين انها مغلوطة تماما عن الاسكندر الأكبر (من حيث انه كان موحد ومن حيث مغامراته المختلفة اللي الأبحاث التاريخية المعاصرة أثبتت عدم صحتها). أصحاب الحجر اللي الرسول أشار الي انهم كانوا عايشين في منطقة مداين صالح في شمال السعودية, واللي المفروض نصدق من السياق القرآني انهم من عصور غابرة وانهم اهلكوا بالصيحة, الحفريات الحديثة اثبتت انهم بيعودوا للقرن التاني الميلادي وان الاثار الموجودة واللي العرب تصوروا انها قصور فارهة منحوتة في الصخر مجرد أضرحة وقبور فخمة وليست منازل منحوتة في الصخر. وطبعا دي امثلة بسيطة جدا للتناقضات التاريخية الفظيعة اللي بتذخر بيها الكتب المقدسة واولها التوراة والانجيل, اللي فيهم أضعاف أضعاف التناقضات الموجودة في القرآن.
  
يبقي كده احنا وصلنا الي ان المصداقية الحرفية للكتب المقدسة مطعون فيها تماما من أوجه مختلفة, وبالتالي أي جدلية بتدعو للالتزام بشعائر تعبدية معينة زي الصلاة والصوم, او بعادات وسلوكيات اجتماعية معينة زي الحجاب للستات او الامتناع عن شرب الخمر او اكل الخنزير مدحوضة بشكل كامل لأنها جاية من مصادر احنا دلوقتي عارفين انها غير دقيقة بالمرة. من ناحية تانية, وصلنا برضه الي ان فكرة وجود الاله في حد ذاتها قابلة للمناقشة وللأخذ والترك, لأن فيه بعض الشواهد اللي ممكن تزيل الحاجة الي تصور وجود خالق وتفسر تعقد الحياة بشكل مادي بحت. لكن علي أي حال, يبقي دحض صدقية الأديان بشكلها التفصيلي الحرفي اسهل بكتير من دحض وجود الخالق بشكل مطلق.

ولكن بالرغم من كل ذلك, أدلة كثيرة تشير بقوة الي وجود عالم الغيب
اذن توقفنا عند ان الافتراض الأساسي للماديين هوه انه مفيش آلهة, ومفيش روجانيات ومفيش غيب ومفيش كائنات ماورائية. وان كل الظواهر يمكن تفسيرها طبقا للقوانين الطبيعية, سواء بتاعة الفيزياء او الكيمياء او البيولوجي, او المعتمدة علي علم الاحياء الجزيئي زي نظرية التطور. وان تعقد الحياة سببه التطور الناتج عن الصراع من أجل البقاء بين الكائنات ذات التكوين المختلف نتيجة للطفرات العشوائية. وبالتالي طبقا لنظرية البارسيموني (البخل) المعروفة في الفيزياء, لاينبغي افتراض أسباب معقدة اذا كانت الظاهرة يمكن اثباتها بأسباب بسيطة. يعني مثلا لو الباب اتقفل لوحده, فقبل ما أقفز لاعتقاد ان فيه عفريت هوه اللي قفله لازم الأول استنفذ الأسباب البسيطة زي ان الهوا رده, او ان المفصلات اللي فيه سايبة, الخ الخ.

وطبعا تنهار هذه النظرية تماما اذا قدرنا نثبت وجود عوالم اخري غير مرئية بشكل موضوعي, لأنه ساعتها حتبقي كل الأديان بعقائدها  في وجود عوالم أخري بتتفاعل مع عالمنا ده قابلة للتصديق. مش لازم تكون صحيحة بنسبة 100%, بس علي الأقل الاحتمال حيفضل موجود انها تكون سليمة بشكل جزئي. عشان كده اطاقة العلماء الملحدين للغيبيات صفر, وبيحاولوا بكل الإمكان اثبات انها مش موجودة, لانها لو موجودة, كل الاحتمالات حتبقي مفتوحة.

خلال التاريخ البشري, كان فيه آلاف المزاعم علي ظواهر غريبة لايمكن تفسيرها بالقوانين الطبيعية, مما حدا بالناس عبر العصور انهم يفترضوا نظريات عديدة من اول ان أرواح الميتين بتستمر بصيغة او اخري بعد الموت, لغاية ان فيه مخلوقات غير بشرية خفية (الجن والشياطين والملايكة) عايشة معانا علي كوكب الأرض وبتتفاعل معانا بشكل او بآخر, ويمكن لنا اننا نسخرها ونتحكم فيها عن طريق السحر او علم الحرف او علم التنجيم الخ. ولسوء الحظ, قدام كل حالة حقيقية لايمكن تفسيرها بالقوانين الطبيعية, كان الف مشعوذ او دجال بيختلقوا ظواهر وهمية عشان يسيطروا علي عقول البسطاء ويسترزقوا من وراهم. وده سهل جدا من مهمة العلماء الملاحدة, لانه ما أسهل انهم يمسكوا في حالات النصب دي و يفضحوها قدام الملأ عشان يشككوا الناس في كل شيئ, ويخلوهم يكفروا بالغيبيات تماما. بينما الحالات الحقيقية اللي بتدل علي وجود عالم الغيب ضايعة في وسط ركام الأكاذيب.

طبعا بحكم دراستي كنت من ناحية باعرض كل ظاهرة اشوفها او اسمع عنها لمعايير قاسية جدا من الفحص, ولكني كنت مختلف عن العلماء الملاحدة في اني مش باصدر من موقف عقائدي مسبق عايز ينسف كل حاجة, وانما من رغبة صادقة في اني أوصل للحقيقة. ومن خلال ده كله ظهرت علي السطح عندي مجموعة من الاحداث اللي خلتني أؤمن تماما بعالم الغيب, وان كنت لا أزال أجهل كنهه حتي الأن.

الأولي كانت مجموعة من الظواهر الشبحية اللي حصل بعضها لبابا الله يرحمه, والبعض التاني لمراتي, والآخر لبنتي, ثم شاهدت انا نفسي بعضها الآخر لوحدي او مع مراتي, طبعا أنا باذكر دول فقط لانهم يا أما حاجات أنا شفتها بنفسي واتأكدت انه مالهاش أي تفسير تاني, يا أما حصلت لناس من اسرتي تصديقي لهم كامل. بعدهم في الأهمية ييجي عدد هائل من الظواهر الشبحية اللي حصلت يا أما لزميلات وزملاء في العمل او الدراسة في بلاد مختلفة  ياأما لناس مافيش بينها أي رابط علي الاطلاق. وبالرغم اني بالطبع حادي مجموعة الظواهر دي درجة اقل من المصداقية لأنهم ماحصلوليش او حصلوا لاسرتي, الا ان الكثير منهم حصلوا لناس انا باصدقهم تماما ومفيش أي سبب ان اشك في صدق كلامهم.

التانية نقدر نقول عليها ظواهر تدل علي وجود مخلوقات ذكية غير بشرية أما متلبسة بني آدمين وبتتصرف من خلالهم, او من خلال حيوانات, او بيتم استدعائها في صورتها الروحية بطقوس معينة. انا جت عليا فترة استهواني الموضوع ده جدا وقريت فيه كتب كتير وكنت علي وشك اني اخش في العالم ده, لكن بعض قصص الرعب اللي سمعتها من زملاء دخلوا فيه قبل كده وطلعوا بأمراض نفسية وحياة محطمة أقنعني ان العالم ده احنا مالناش سيطرة كاملة عليه (مهما ادعي الادعياء عكس ذلك) وبالتالي اللي بيخش فيه كأنه بيرمي نفسه في البحر وممكن جدا يغرق, فأحجمت عن الدخول وان كان قدامي حالات كتير جدا لناس بيتصلوا بالكائنات دي لغاية دلوقتي.

الثالثة طبعا كانت عالم السحر, وده مرتبط بشكل او بآخر بالجزئية التانية, من حيث انه بيتعمله طقوس عشان الواحد يدخل في حالة من الوعي المتغير اللي يقدر من خلالها أنه يغير الواقع علي النحو اللي هوه عايزه. وده قد يتضمن الاتصال بالكائنات الأخرى السالف ذكرها (وده وجه الشبه مع البند السابق) وقد لايتضمن ذلك. وبرضه قريت وكنت علي وشك التطبيق وبعدين أحجمت لما وصلت لقناعتي الايمانية الحالية اللي حنتكلم عنها بالتفصيل في جزء قادم ان شاء الله, واللي بتبص لكل الممارسات دي علي انها نوع من المراهقة الروحية. بس برضه ده مايمنعش اني شفت ناس بتمارس السحر بنجاخ علي نحو لايمكن تفسيره بالقوانين الطبيعية, حتي مع تطبيق اشد المعايير صرامة.

الرابعة والأخيرة كانت الظواهر المتعلقة بالموت, ودي بعضها متعلق بالتحولات الروحية اللي بتحصل للشخص المشرف علي الوفاة , واللي بتخليه يشوف رؤي وعوالم مفيش تفسير لوجودها غير انه ازدادت شفافيته كل ماقرب من العالم الآخر. والتاني الخاص بمايسمي نيرديث اكسبرينس (تجارب الاشراف علي الهلاك), والمقصود بيها الناس اللي كانوا علي وشك الموت (في غيبوبة مثلا) وبعدين عادوا للحياة تاني, انا كنت شبه مدمن اصاحب دكاترة في غرفة الإنعاش وقساوسة مستشفيات واسمع القصص اللي بيقولوهالي بشكل متكرر جدا, وبطريقة لايمكن تفسيرها بالعاصفة الكيميائية المخية اللي العلماء الملحدين بيحاولوا يبسطوا كل شيئ اليها. وحاحط تحت هذا البند أيضا ظواهر الاختطاف من قبل الاطباق الطايرة اللي وثقها الدكتور جون ماك أستاذ الطب النفسي في جامعة هارفارد واللي لاغبار علي مصداقيتها لأنه طبق عليها أشد المعايير العلمية صرامة.

فخرجت من ده كله بأن العالم المادي اللي بنعيش فيه مش هوه كل ما في الأمر, وان فيه عوالم أخري محيطة متداخلة معانا سواء المكونة من أرواح الناس اللي ماتت, او من الكائنات الذكية الأخرى أيا كان الأسماء اللي حنديهالها. أول ما استقرت في نفسي القناعة دي, بقي من السهل جدا فهم ظاهرة الأديان و الفلسفات الروحية بشكل مش متعسف زي مالماديين عايزين يفهمونا انه مرتكز علي خوف الانسان من الموت ورغبته في الخلود اللي بتدفعه لتخيل الحاجات دي. لأنه اذا نحينا الظواهر الزائفة كما أسلفنا, حيبقي كم هائل من الظواهر الاصيلة التي لايمكن تفسيرها غير بوجود عالم للغيب. ولو بصينا لان كتير جدا من الناس اللي بتحصلهم الظواهر دي أطفال او غير عاقلين, مش ممكن نتصور ان قلقهم من الموت خيلهم الحاجات دي,  ومن هنا حنوصل لنتيجة بسيطة جدا مفادها ان الناس بتشوف الظواهر دي مش لانها عايزة تشوفها,ولكن لأنها موجودة فعلا.وبالتالي رؤي الأنبياء او الشامانز, او السحرة او المتصوفين غالبا تحتوي علي قدر كبير من الحقيقة, من حيث ان الناس دي غالبا عندها حساسية اكتر من الأشخاص العاديين اللي زيي وزيك فحصلتلهم جرعة زائدة من التعرض لعالم الغيب, نجم عنها الرؤي الفائقة الروعة اللي بنوا عليها الأديان او الفلسفات اللي جاءوا بيها وبلوروها بعد كده.


التصور الأرجح لكيفية نشأة الأديان
اذا اتفقنا انه كما أن الظواهر المشيرة الي وجود عالم للغيب تحيط بعالم البشر في كل زمان ومكان, فلابد أن نستنتج أيضا أن البشر في كل العصور حاولوا دائما إيجاد تفسير لهذه الظواهر, تفسير لايسعي فقط للوقوف علي كنهها, ولكن يحاول أيضا أن يجد إجابة علي الأسئلة الوجودية الكبرى التي اقضت مضاجع الانسان منذ وجوده علي ظهر الأرض. تلك الأسئلة التي تحاول أن تجد تفسيرا لسبب الوجود في حد ذاته, وماذا يحدث بعد الموت, وماهو المنهج الأخلاقي او القيمي الذي يجب أن يسلكه الانسان خلال حياته. في نظري المتواضع أن الربط بين الأمرين – بالرغم انه حتمي ولامناص منه – الا انه مضر اكثر مما هو مفيد. لان الرغبة الملحة في إيجاد أجوبة علي هذه الأسئلة العويصة يدفع معظم الناس الي الإسراع بافتراض شكل معين لعالم الغيب والعلاقة بين مكوناته لكي يسمح ذلك باستنباط أجوبة علي هذه الأسئلة الوجودية الكبرى, دون أن تكون هناك دلائل كافية علي كل تلك الافتراضات.

فمثلا هناك مجموعة الأديان الوثنية التي تفترض أن القوي الغيبية الأساسية التي نلمح طيفا من وجودها من خلال الظواهر المشار اليها أنفا هي ألهة مختلفة يتحكم كلا منها في جانب معين من جوانب الوجود الخارجي, وجانب مرادف من جوانب النفس البشرية, وتمضي تلك الأديان (كالويكا, والاساترو, والدرويديزم, والديانات الاغريقية والمصرية القديمة) فتوجد نظاما أخلاقيا معينا واجب الاتباع حتي لايطغي جانب علي آخر وحتي يصل الانسان الي حالة تمكنه من مضاعفة ارادته بدلا من ذوبانها عندما تصطدم مع إرادة الآلهة. وهناك مجموعة الأديان التوحدية (بانثيزم) التي تقول بمبدأ وحدة الوجود, بمعني أن الكون والرب هما شيئ واحد, والإرادة الكونية الشاملة هي المجموع الكمي والكيفي لكل المخلوقات وهي تمثل الحقيقة المطلقة او الرب. وواجب كل انسان هو أن يحاول دائما توجيه مسار حياته واختياراته وارادته الشخصية بحيث تتسق مع هذه الإرادة الكلية المطلقة التي يسميها الطاويون الطاو, والهندوس البراهما, البوذيون, النرفانا, الخ. والنار او العذاب هي انفصال إرادة الانسان عن إرادة الكون, لانها حينئذ يكون مصيرها التحطم علي صخرة الإرادة الإلهية, بينما السعادة أو الجنة تكون في الاندماج والتوحد مع هذه الإرادة الكونية. والظواهر الغيبية طبقا لهذه المجموعة من الأديان هي تجليات الحقيقة المطلقة في جزء معين من الكون علي يد انسان او حيوان او روح تجسد فيها مظهر او جانب من جوانب القوة الكونية. وهناك طبعا الأديان التوحيدية كاليهودية والمسيحية والإسلام, والتي تفترض وجود خالق بارئ مصور منفصل تماما عن الكون, خلقه ووضع له قوانين معينة يسير طبقا لها, كما وضع للبشر معايير أخلاقية معينة (الشريعة) ينبغي عليهم أن يسيروا عليها ليفوزوا بالجنة وليتجنبوا النار. وطبقا لمجموعة الأديان تلك, فان الظواهر الغيبية هي محاولات المخلوقات المستترة الشريرة (الجن او الشياطين) اغواء الناس وايقاعهم في حبائلهم, وصدهم عن الطريق المستقيم.

وأكبر دليل علي بشرية كل هذه الأنظمة الروحية أو الديانات, هي ظاهرة التوتولوجي او التواتر, بمعني أن كل مجموعة منها محصورة في منطقة جغرافية معينة ومرتبطة بحضارات او ثقافات او لغات ذات تواصل انساني ثابت, بما يدل أن الأمر ليس تواصلا بحتا مع السماء – والا لوجدنا دينا توحيديا في الكاميرون وآخر في اليابان وثالث في أمريكا مثلا, او دينا وثنيا في البرازيل وآخر في الصين, وثالث في السويد – وانما هي اجتهادات البشر المقيمين في كل منطقة من مناطق العالم لتفسير الظواهر الغيبية وإيجاد أجوبة علي الأسئلة الوجودية, في اطار معارفهم و التصورات المحيطة بهم, والتي لابد وأن تؤثر في كيفية فهمهم للأمور. لذلك مثلا نجد ان البوذية نشأت في الهند كتطور من الهندوسية ثم انتقلت للصين المجاورة. والديانة الاغريقية القديمة نشأت كتطور عن الدينة المصرية القديمة من خلال التجارة والتلاقي في بلاد الشام وجزر كريت. والمسيحية تطورت من اليهودية, والإسلام تطور منهما معا, والثلاثة محصورون في منطقة الشرق الأوسط القديم لايغادرونها ابدا وهكذا..

فاذن تتضح الصورة شيئا فشيئا, أناس ذوي حساسية روحية فائقة, يقابلهم في زماننا هذا من نطلق عليهم السايكيك او النفساويين, استشرفت حاستهم الروحية المرهفة عالم الغيب المحيط بنا من كل جانب, والذي يحس به الأشخاص العاديون مثلي ومثلك بصورة مهزوزة غير واضحة. أما هم فانهم بحكم حساسيتهم الروحية, يشعرون به كمن يراه رأي العين. الا ان هذا ليس كل مافي الامر, فالي جانب حساسيتهم الروحية, يتمتع هؤلاء بحس اجتماعي مرهف, يدرك مشاكل بني البشر, ويسعي دائما لايجاد حلول لها تزيل التعاسة وتجلب السعادة للجنس البشري. فتدفعهم حساسيتهم الروحية وحسهم الاجتماعي المرهف الي تصور منظومة معينة تفسر عالم الغيب الذي يعيشوه بكل تفاصيله بشكل يومي, وتوجد نظام حياة يجيب للإنسان علي اسئلته الوجودية الكبرى ويمنحه حياة بعد الموت, ويمده بمنظومة أخلاقية كفيلة بتحقيق السعادة للجميع.

أما كيف حدث هذا بالضبط, فلا أحد يعرف علي وجه الدقة, ولا حتي مؤسسو الأديان تلك يعرفون. هل الامر كله لا يعدو حسابات باردة, تقطع جزئا من هذا النظام وتضيفه الي جزء آخر من ذلك النظام, وتؤلف بعض السجع والايات المرتبة بعناية لكي نحصل علي دين جديد؟ أكاد أجزم أن الامر ليس كذلك. فحساسية هؤلاء المؤسسين الروحية وحسهم الاجتماعي المرهف تجعل من المستبعد جدا عليهم أن يقوموا بعملية نصب مع سبق الإصرار والترصد, لأن هذه الشخصيات غالبا ما تكون صادقة مع النفس محبة للخير, ونحن نري بعضها يسير بين ظهرانينا الي يومنا هذا بشكل مصغر, في شكل الاولياء والقديسين والشامان. هل فعلا اتصلت تلك القوي الغيبية بهؤلاء وأوحت اليهم بما جاءوا به من أديان وشرائع حرفا بحرف كما تحاول بعض هذه الأديان الادعاء؟ لا أعتقد ذلك أيضا, أولا للتناقض الشديد بين هذه الأديان وبين بعضها البعض, مما يقطع بان القوي الغيبية لم توح بها, لأنها لو فعلت لأرسلت نفس الرسالة بنفس المضمون لكل هؤلاء الآباء المؤسسين, ولما راينا هذا الاختلاف الكبير بين النسخ المختلفة. وثانيا كما أوضحنا في فقرة سابقة, لأن التشابه الشديد بين مضمون ولغة بعض هذه الأديان وسابقاتها من أديان أخري نشأت في بيئة مجاورة تقطع بالاقتباس, وان الامر ليس موحي من قوة خارجية وانما مستنبط بشكل داخلي.

والظن الغالب عندي هو ان هؤلاء الآباء المؤسسين للأديان المختلفة اشرأبوا بحاستهم الروحية الفائقة الي عالم الغيب, واستطاعوا بشكل أو بأخر الوقوف علي طرف او جانب من حقيقته المطلقة, وقد يكون ذلك قد تم بمجهود فردي منهم او بمساعدة من القوي الغيبية بشكل أو بآخر, فتم اللقاء في منتصف الطريق. الا ان تعبير هؤلاء الأشخاص عن تجاربهم تلك، وصياغتهم لرؤاهم كان تعبيرا شخصيا متأثرا ببيئة كل منهم وخلفيته الثقافية, وتكوينه النفسي.  فلا يمكن مثلا أن نفصل بوذا عن بيئته الهندوسية, و محمد عن بيئته المسييهودية, او اليوروبا عن خلفيتهم الوثنية الافريقية. بمعني ان كلا منهم رأي "الحقيقة المطلقة", ولكنه رآها بعين ثقافته وفهمه وادراكه, بالتالي جاء تعبيره عنها وليد خلفيته الثقافية وزمنه الذي عاش فيه.

هل معني هذا أن هذه الأديان مقدسة؟ نعم اذا عنينا بالقداسة انها وليدة اتصال بين مؤسسيها وبين "الحقيقة الكونية الغيبية المطلقة," ولا اذا قصدنا بها أن كلا منها يمثل ويختصر هذه الحقيقة بشكل متكامل لايقبل النقاش او الجدال, ويستغني عن كل الأديان الأخرى التي تضع تصورات مخالفة ومناهج مغايرة. هل معني هذا أن الأنظمة الاجتماعية والأخلاقية التي أتت بها هذه الأديان صالحة؟ نعم اذا عنينا بالصلاح أنها جاءت نتيجة محاولات مخلصة من مؤسسي الأديان لإيجاد طرق لإسعاد البشر وتحقيق العدل علي الأرض، مستلهمين فهمهم للحقيقة المطلقة التي اتصلوا بها بشكل او بآخر. ولا اذا قصدنا بها أن تلك القوانين دساتير الهيه مقدسة واجبة التنفيذ بحذافيرها دون استثناء, وان عقوبة اللعنة والوبال يبوء بها كل من حاد عنها قدر أنملة. هل معني هذا أن الطقوس والعبادات التي جاءت بها كل هذه الأديان تقرب الاتباع الي الحقيقة المطلقة؟ نعم اذا نظرنا اليها كتجارب روحية تستلهم وتستحضر تجارب الاباء المؤسسين لتلك الأديان، وتحاول ان تعيد الاتصال بالحقيقة المطلقة من اجل سلام روحي أكبر وحياة افضل. ولا اذا نظرنا الي هذه الطقوس كفروض ثقيلة وواجبات جبرية، تتطلبها منا قوي غيبية باطشة، لاهم لها الا ان تذل أعناقنا بواجبات ثقيلة من حركات روتينية, او اجاعة للنفس او فقد للأموال خلال اليوم والشهر والسنة, لا لشيء الا لتثبت جبروتها وتسلطها علينا وإخضاع رقابنا لها.

ماذا يجب أن يكون عليه موقفنا من الأديان؟ 
من يتابعني علي تويتر, ويتابع مناقشاتي مع كثير من الأصدقاء, يلاحظ أنني دائما ما أستشهد بأيات من القرآن الكريم او أقوال الرسول محمد. و هذا دائما مايدهش كثيرا من المتابعين, لأن مواقفي المعلنة من صدقية الأديان قد تشير الي أنني لا أدري, وبالتالي فلا يستقيم أن أستشهد بالنصوص الإسلامية بهذه الكثرة. وهذا اعتراض وجيه ومنطقي الي حد بعيد.

الا أن دراستي للنصوص القرآنية, ومدي احتواءها علي الحكمة والقدرة المذهلة علي وصف النفس البشرية وعلاقة الناس بعضهم البعض, والنواميس الكونية الحاكمة, تجعلني دائم الرجوع الي القرآن الكريم كمصدر للحكمة البالغة, والتوصيف الدقيق لحال البشر. كيف لا, وهو نتاج اتصال الأرض بالسماء من خلال محمد علي النحو السالف ذكره في فقرة سابقة. ولايهمني ان اللفظ لفظ محمد, او أن الحقيقة المطلقة قد قطرت من خلال شخصيته و بيئته وثقافته. المهم عندي انه نص يحتوي علي الحقيقة المطلقة بشكل او بآخر.

وطبعا ما ينسحب علي القرآن ينسحب علي كل الكتب المقدسة الأخرى. وانما ركزت علي القرآن لأنني بحكم خلفيتي كمسلم أعلم به من غيري, بيد أن القليل الذي أعلمه عن بعض الأسفار الأخرى يقطع أيضا بانها نتيجة اتصال نفوس اشرأبت الي السماء بالحقيقة المطلقة, وخلدت لنا هذا الاتصال في صورة كتابات واسفار فيها من القداسة بقدر مافيها من البشرية.

والمشكلة هنا واضحة تماما لكل ذي عينين: ماالذي يمكن أن يصنعه المرء حيال هذه الاسفار؟ هل يلقي بها الي سلة المهملات لأنها في النهاية نصوص بشرية تشكلت من خلال عقول عاشت منذ آلاف السنين, لا تعرف عشر معشار مانعرفه نحن أبناء القرن الحادي والعشرين من علوم ومعارف؟ أم هل نتبعها اتباعا حرفيا ظاهريا لأنها (بشكل او بآخر) تحتوي علي الحقيقة المطلقة, مهما أدي هذا الاتباع الحرفي الي الوقوع في سخافات و صدامات مع مايقضي به المنطق و تحكم به الضرورة؟

يخيل الي أن حل هذه المعضلة يكمن في العودة الي نقطة البدء. مالذي يريده الرب\ الكون\ الحقيقة المطلقة من الانسان؟ وبصياغة مختلفة: ما المضمون الأخلاقي الذي استشرفه مؤسسو هذه الأديان عندما دخلوا في تجاربهم الروحية؟ وماذا أرادوا لبني البشر؟

الإجابة عن السؤال الأول قد تحل اللغز كله, لانه كما اتفقنا, أحد أهم الاعتراضات علي الديانات المصطلح علي تسميتها بالسماوية, هي انها تفترض أن "الرب" انما خلق البشر ليختبرهم وليبلوهم أيهم أحسن عملا. و هذا (علي ظاهره) من أغرب القول, لأن الهدف ان كان المعرفة في حد ذاتها, فهي شهاده بنقص الخالق, الذي لايعقل أن يحتاج الي تجربة عملية لكي يعرف النتيجة. وان كان الهدف هو اتاحة الفرصة للصالحين أن يصلحوا فيثابوا والفاسدين ان يفسدوا فيعاقبوا, فهذ مخالف للخيرية المطلقة المفترضة في الخالق الأعلى, الذي حقيق به ألا يعرض الفاسدين لتجربة يعلم مسبقا أنهم سيرسبون فيها فيستوجبوا سخطه وعقوبته.

وللخروج من هذا المعضلة, يمكن افتراض أن هدف الخلق هو الانعام علي الانسان بنعمة الوجود و الحياة في حد ذاتها. الحياة في هذا الجسد الأرضي في الدنيا, وبصورة أو صور أخري الخالق أعلم بها بعد ذلك. فيتفق مع هذه الخيرية المطلقة أن الخالق\ الكون\ الحقيقة المطلقة تريد من البشر أن يعيشوا في سلام ومحبة علي نحو يزيد من تمتعهم بنعمة الوجود ونعمة الحياة التي منحها إياهم الخالق. وعلي هذا يكون المردود الأعلى لكل العبادات والطقوس والاعمال الدينية مضمونا اجتماعيا بحتا. فكل عمل يؤدي لاسعاد البشر والقضاء علي اوجاعهم وافشاء السلام بينهم عمل مقرب للرب وان لم يحتو علي عبادة مباشرة او تعظيم له. وكل عمل يؤدي لعكس ذلك هو عمل مبعد عن الرب, حتي وان تدثر بكل الطقوس الدينية.

والعبادات في حد ذاتها ماهي الا تدريبات روحية لتنقية النفس, وتذكيرها بارتباطها بالحقيقة المطلقة, التي تنضوي علي كل البشر وكل المخلوقات. وهي علي ذلك ليس الهدف منها تمجيد الرب المستغني عنها لكماله, وانما مردودها جعل الانسان كائنا أفضل لمجتمعه وللبشر كافة. وعقوبة تركها هي ان يشعر الانسان بوحشة البعد عن الخالق\ الحقيقة المطلقة, وهي عقوبة لعمري أشد وأنكي من أي جحيم حرفي الدلالة.

أما الإجابة عن السؤال الثاني, فتصب أيضا في ذات الاتجاه, لان مؤسسي الأديان المختلفة من الملاحظ عليهم البعد الاجتماعي, ومحاولة إيجاد أنظمة لحركة الحياة علي الأرض, بما يكفل سعادة البشر وتخفيف آلامهم, وحل مشاكلهم.

وهنا نجد أننا قد أكملنا دورة كاملة. فالانسان المعاصر ينبغي أن ينظر الي الأديان المختلفة كاجتهادات لمؤسسيها للوقوف علي الحقيقة المطلقة, ولايجاد أنظمة اجتماعية للحياة والعلاقات بين الناس. ورائده في ذلك كله أن الحقيقة المطلقة لايمكن الجزم بأنها علي النحو الموصوف في أحد هذه الأديان دون الاخر, ولذا فله حق اختيار أحدها مما تأنس به نفسه, او التنقل بينها, او حتي إيجاد عقيدة خاصة به تحتوي علي نسب مختلفة بين دينين أو أكثر, او حتي من وحي خياله. المهم في الامر أن يقر في نفسه ان كل هذه الأديان هي اجتهادات مختلفة للوصول الي الحقيقة المطلقة, وان احتمال ابتعاد رؤيته عن الحقيقة لاتقل عن احتمال ابتعاد الرؤي الأخرى عنها. فيقمع ذلك في نفسه التعصب, يزيل الاعتداد بدينه, ويثبت في نفسه أن المهم هو اخلاص التوجه الي هذه الحقيقة المطلقة, لا دقة التوجه أو الطقوس. فالعابد الخاشع المتبتل المنيب المخلص في عبادته, وان عبد حجرا او شجرا او آلهة متعددة – طالما أنه عالم بقصور نظرته متقبل لطرق غيره – اقرب الي الحق من المتشبث بتقليده المعتقد بفساد رأي غيره.

وفي غضون كل ذلك, يجب أن يجتهد المتدين المعاصر من أجل إيجاد أنظمة اجتماعية تحقق العدل بين الناس لأن هذا هو المراد الاقصي للخالق. وعلي هذا فكل دين يدعو اتباعه الي الانسحاب من حركة الحياة, وترك الظلم يشيع بين الناس, تحت مسمي التفرغ للعبادة هو دين فاسد, والداعي له داع علي طريق جهنم. وبالمخالفة, كل دين يسعي لاقامة العدل, والتصدي للاستكبار والظلم, دين صحيح, مهما أهمل الداعي اليه اتباع الطقوس والعبادات التقليدية. ولهذا مبحث آخر.

No comments:

Post a Comment